ورطة نعوة
لم يتبق سوى دقائق على موعد النشرة الاخبارية والمذيع لم يأت بعد ..وهو المواظب على دوامه بكل دقة حتى أن بقية الموظفين يضبطون ساعاتهم على حضوره في موعده الى مبنى التلفزيون..
طلبوه عدة مرات في البيت والموبايل ورد عليهم رنين متكرر..
تفشت إشارات الاستفهام والتعجب والرعب وسط غرفة الأخبار وجلس القلق على طاولات الزملاء يمتحن أعصابهم..حتى انهارت مهندسة الصوت وصاحت:
- أتمنى أن يخيب وسواسي.. ويكون ماأفكر فيه كذب ووهم
- بماذا تفكرين؟ هيا "بقي البحصة"
- لا لا لا غير معقول إن شاء الله أكون غلطانة..
- طيب فكري بصوت مسموع..
- ربما اغتالوا المذيع!!
- "يخرب بيتك" على هذا الخبر..
تداولت ألسنتهم هذا النبأ بالتحليل والتخمين وأدرجوه في غرفة الاحتمالات وبدأت عملية الفرز حول الجهة التي لها مصلحة في تغييبه..أو الانتقام منه..أو ترهيب الآخرين بقتله..
تدفقت من الشاشة كل هذه الاحتمالات..حيث تجهمت سحنة المذيعة وهي تسرب الخبر للمشاهدين:
- مشاهدينا الكرام بكل لوعة وأسف ننعي لكم أكفأ مذيعينا وأكثرنا جرأة ونزاهة وأفضلنا مهنية وموهبة..لقد اغتالته العصابة المسلحة المأجورة التي تسعى لزرع الفتنة وتخريب الممتلكات الحكومية ومقدرات الشعب..
لقد كان زميلنا المذيع رحمه الله لايأبه لهؤلاء المجرمين ولايتوانى عن كشف مؤامراتهم ضد الوطن الغالي..وتعرض لأكثر من تهديد ومن أكثر من جهة لكنه آثر القيام بواجبه أمام شعبه وقرر دفع ضريبة المهنة من حياته ودمه.. لقد قام بعض الخونة والعملاء والمندسين والسلفيين والمأجورين والمتآمرين والمخربين والسفلة أعداء الوطن باستدراجه إلى خارج المدينة بذريعة واهية حيث تمت تصفيته جسديا وأمعنوا بالتمثيل بجثته..
واحتراما لمشاعر المشاهدين..رأت قناتنا الاخبارية ألا تعرض هذا المنظر المؤلم نظرا لبشاعته ولسوف نوافيكم.....
فجأة جحظت عينا المذيعة وتعلق لسانها بسقف حلقها والتصقت شفتاها بجدران دهشتها.. فقد كان زميلها المذيع ـ رحمه الله ـ حيا يرزق على البث المباشر في حضن قناة فضائية أخرى يعلن استقالته من منصبه ويعزو أسباب تركه للعمل الى تواطؤ القناة وتلفيقها للأخبار وتزويرها للصورة واختلاقها للحوادث وانحيازها لمن يدفع أكثر وتحريضها على الفتنة..
أمام هذا الخبر ذابت المذيعة تحت الأضواء المسلطة عليها وبوغتت بفوهة عدسة الكاميرا مصوبة نحو وجهها تطلب تفسيرا يقنع المشاهدين.. فلم يكن أمامها للخلاص من تلك الورطة التي قضت على مستقبلها المهني سوى أن قالت:
- لايسعني مشاهدينا في هذه اللحظة الحرجة سوى أن أنعي لكم قناتنا وأعلن استقالتي على الهواء مباشرة..
تعليق