بورتريه ..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علي عكور
    عضو الملتقى
    • 04-08-2008
    • 18

    بورتريه ..

    بورتريه

    وضعتُ الكاميرا على الحامل الثلاثيّ حتى لا تهتزّ , هيأتُ الإضاءة كالعادة , ابتعدتُ خطوتين و ألقيتُ نظرة فاحِصة , ثم اقتربتُ و انحنيت نصفَ انحناءةٍ . أغمضتُ عيني اليمنى و منْ خلالِ اليسرى صوّبتُ نظرَة امتدت من فتحة الكاميرا إلى وجههِ , كما يمتدُّ الموتُ اللامرئيّ منْ عينِ الصيادِ إلى هدفه .
    تِكْ .. ثم ظهرت الصورةُ بعد أن تمتْ معالجَتُها . تفحّصتها لدقيقة , تقلّصَتْ ملامِحُ وجهي , و أطلقتُ صرخَةً مُدوّيةً في داخلي : " أنتَ مصوّرٌ فاشل " .. " صديقي و أعرفه جيّدا .. هذه ليستْ عيناه , ثمّة شيء يختبئ في محجريهما لم يظهر في الصورة ؟ " و كنتيجة طبيعية لفشلي أعجبته صورتُه ..
    استحوذت عليّ فكرة أنّه لمن المعيبِ حقًّا أن تكونَ كاميرا مصوِّرٍ _ هاوٍ يريدُ الاحتراف _ أفضل منهُ !! و لأجلِ ذلك قرّرتُ أنْ أحطمها مثلما تُحطّمُ جماجِمُ الأعداء , لكنْ ليسَ قبلَ أنْ أمنَحَها قليلاً من الفرص . عمرها عامان و كثيرٌ من الصورِ الملوّنة و الكاذِبَة . اشتريتُها عندما تأكدتُ أنّ علاقتي بالرسمِ لن تكونَ أفضل بكثير من علاقةِ أخي الأوسط بالخطّ العربيّ ؛ حيثُ أنّ الحروفَ تظهَرُ كمُشرّدٍ منفوشِ الشعرِ ممزّقِ الثياب حينما يكتُبها !
    وجدتُ في التصويرِ رسمًا و لكن بطريقَةٍ أخرى , أو ربما أسهل .. لا أدري . كلاهما يوقف الزمن , يوقف الحياة و يأخذ منها إمضاءاتٍ مختلفَة تدينُها في وقتٍ لاحق .
    تِكْ مرّةً أخرى .. ثم ظهرت الصورة , و كالعادة صوتٌ داخليّ يرتطمُ بجدران رأسي : " أنتَ مصورٌ فاشل " و تتداخل حشائشُ الأفكار في بعضها : هذه الآلة بلهاء .. لا بل هم يتكلّفون .. ربّما الضوء يخيفهم و يكشفهم .. لا لا الزاوية لم تكنْ جيّدة ..
    " في البورتريه لا تكنْ مُجرّدَ مصوّرٍ عابر , كنْ أكثرَ من ذلك .. كن عالم نفس و اجتماع .. كنْ كاهنا و عرافا .. و التقط صورتك " هذه نصيحةٌ من مصوّر محترف لآخرَ هاوٍ .. أيضًا قال : " تحيّن اللحظة العفويّة للشخص الذي أمامك .. و التقط صورتك "
    اخترت الشارعَ مكانًا للظفرِ بلحظةٍ عفويّة , في أقصى الشارع ثمّة رجلٌ مسنّ , يجلسُ على كرسيٍّ خشبيٍّ أمامَ دكانِه القديم , يقلّبُ بأصابعِه المرتعشة حباتِ سُبحتِه البيضاء , مثلما يُقلّبُ أفكارَه المتزاحمة في رأسه , شَيبُه الأكثر بياضًا من الثلجِ يتناغمُ بجمالٍ صارخ مع شماغِهِ الداكنِ الحمرَة , و بعينين حائرتين ينظرُ إلى الأفق الأزرق . الحقّ أنني لم أكنْ أحلم بمنظرٍ كهذا تجتمعُ فيه ألوانٌ أثيرة عندي : زرقة السماء و بياض الشيب و احمرار الشماغ . كدتُ أصرخ منتشيا , كلّ الظروف مواتية لالتقاط صورة معبّرة . أيضًا عليّ أن أشكر السماء ؛ حيثُ أنها تبدو زرقاء هذا اليوم أكثر من المعتاد . أخرجتُ الحاملَ الثلاثي من حقيبتي بسرعة , ثبته و تأكدتُ من ثبات أرجله النحيلة على الرصيف , وضعتُ الكاميرا على رأسه و ثبتها جيدًا هي الأخرى , مازال الشيخُ ساكنًا , هادئًا مثل تاريخ قديم . ضبطتُ إعدادات الصورة , و جعلتُ ثلثي اللقطة على وجه الشيخ , و الثلث الباقي على صفحة السماء حسب قاعدة الأثلاث . انحنيت و أغمضت عينا و فتحت الأخرى , ثم ضغطتُ نصفَ ضغطة استعدادًا للالتقاط .. ببطء أدارَ رأسه ناحيتي , لقد شعر بوجودي , رفع طرف الشماغ المتدلي على صدغه و ابتسم , .. أكملت النصف الآخر من الضغطة .. تكْ .. ظهرت الصورة لكن دون عينين حائرتين , كالعادة صورة فاشلة ..!!
    كلما هممتُ بتصوير إنسان , قال لي : " دعني أتهيأ .. دعني أرتب ملامحي " ثم يبدو مختلفًا .. مبتسمًا أو جادًا أو أي شيء آخر , لكن ليسَ هو . في المقابل لم يحدثْ أن قالت لي وردة قبيلَ تصويرها : " دعني أميلُ قليلاً "
    قبلَ أن أعيد معدات التصوير إلى الحقيبَة , لمحتُ طفلاً يجلسُ على طرف حوض إسمنتي حوافه رخامية و بوسطه شجيرة ندية . لا يختلف عن الأطفال البائسين , ملابسه قديمة , و وجهه أكثرُ شحوبًا من قطعة قماش مهملة على حبل غسيل لسنوات , يضعُ إحدى يديه على خده الأسمر , و الأخرى يعبثُ بها في تراب الحوض , ينظر إلى أصابعه العابثة في التراب بانكسار يغلفه حزن شفيف , و يبدو في العاشرة من عمره أو أكبر بقليل .
    هذه فرصة أخرى . اقتربتُ منه مع المحافظة على مسافة لا تشعرهُ بوجودي , و في الوقت ذاته تسمحُ لي بالتقاط صورة بورتريه جيدة . اخترتُ زاويةً مناسبة , ثم كمن يغطي طفلا نائما و يخشى أن يزعجَه , وضعت الحامل الثلاثي على سطح الرصيف بهدوء . كالعادة ثبتُّ الكاميرا على رأسه ثم ضبطت قراءات الصورة . و صوبت نظري من خلال الفتحة الصغيرة نحو الشجرة الندية و الوجه الشاحب . نصف ضغطة على الزر الصغير لتتهيأ الكاميرا للالتقاط .. و قبل أن أكمل الضغطة رفع رأسه و رآني .
    تأملني قليلا , ثم عاد إلى عبثه في التراب بنظرة منكسرة يغلفها حزن شفيف , و كأنني لن ألتقط له صورة , لم يعرني اهتمامًا . كنت حقًّا خارج إطار عدسته التي يرى من خلالها الحياة ! فكرتُ : ماذا لو كان الآخرون مثله ؟ كنتُ ربحتُ عشرات الصور . أعدت إصبعي بفرح إلى الزر , و بنصف ضغطة هيأت الآلة لالتقاط الصورة , و قبل أن أكمل الضغطة جاءني من الخلف صوتٌ لرجل في منتصف عمره , امتد الصوت إلى الطفل : " ابتسمْ .. ابتسمْ "
    التعديل الأخير تم بواسطة علي عكور; الساعة 26-06-2011, 17:18.
  • عبدالمنعم حسن محمود
    أديب وكاتب
    • 30-06-2010
    • 299

    #2
    بديع هذا هذا النص وجميل ومغاير في الفكرة والتكنيك
    كنت موفقا تماما أستاذنا الأديب (على)
    في استثمار صوت المحاكاة
    (تِكْ)
    التي تربط بين جرس الكلمة ومعناها
    ورغم أنها تقلصت كثيرا في القص الحديث
    إلا أنك استطعت هنا أن تعيد لها حيويتها
    عبر كلمة واحدة معبرة لا تستطيع الجملة
    المعنية الإتيان بغيرها لتعمق من توصيف تلك اللحظة ..
    لحظة التقاط الصورة.
    شكرا لك على هذا العمل البديع حقا.
    التواصل الإنساني
    جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


    تعليق

    • مباركة بشير أحمد
      أديبة وكاتبة
      • 17-03-2011
      • 2034

      #3
      كنت حقًّا خارج إطار عدسته التي يرى من خلالها الحياة ! فكرتُ : ماذا لو كان الآخرون مثله ؟ كنتُ ربحتُ عشرات الصور . أعدت إصبعي بفرح إلى الزر , و بنصف ضغطة هيأت الآلة لالتقاط الصورة , و قبل أن أكمل الضغطة جاءني من الخلف صوتٌ لرجل في منتصف عمره , امتد الصوت إلى الطفل : " ابتسمْ .. ابتسمْ "
      .........
      وبالتأكيد لن تكون إلا ابتسامة مصطنعة، لن تفي بالغرض !!
      ................
      بورتريه قصصي رائع ،مزجت فيه ألوان الصور، ببراعة التعبير!
      من لدن كاتب مصور، يمتلك بين ضلوعه رهافة الحس ،ونبلا في الشعور!
      تحياتي وألف تقدير

      تعليق

      • فايزشناني
        عضو الملتقى
        • 29-09-2010
        • 4795

        #4

        أخي علي
        أحسست بكلماتك وهي ترسم الصورة التي لم تكتمل بـ تك
        هذه الصور التي بحثت عنها لا تحتاج إلى إطار
        بورتريه صعب انجازه دون تشعر به قبل أن تلتقطه
        جميل ما قرأته هنا
        الفكرة جميلة والسرد والحبكة أيضاً
        وخاتمتها مسك
        حياك الله وسدد خطاك
        مع كل الود والتقدير
        هيهات منا الهزيمة
        قررنا ألا نخاف
        تعيش وتسلم يا وطني​

        تعليق

        • رشا السيد احمد
          فنانة تشكيلية
          مشرف
          • 28-09-2010
          • 3917

          #5


          علي عكور المرهف
          كوني فنانة تشكيلية أحسست بكل كلمة قلتها
          وأحسستها مرة ثانية كوني أكتب القصة
          وصفت فأبدعت سردك كان دقيق وتحليل لنفسية الشخصية في مراميها
          وذاك الشيخ وذاك الصغير كما هي صور أمثالهم حين تتملكنا رؤيتهم ندخل في عالمهم فجأة
          نتمنى أن نمحي ذاك التعب الذي يجعلهم خارج دائرة الضوء للحياة
          ماتعة جدا قصتك
          كن بعطاء أيها الراقي .
          التعديل الأخير تم بواسطة رشا السيد احمد; الساعة 29-06-2011, 23:53.
          https://www.facebook.com/mjed.alhadad

          للوطن
          لقنديل الروح ...
          ستظلُ صوفية فرشاتي
          ترسمُ أسرارَ وجهِكَ بألوانِ الأرجوان
          بلمساتِ الشَّفقِ المسافرِ في أديم السَّماء .

          تعليق

          • علي عكور
            عضو الملتقى
            • 04-08-2008
            • 18

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة عبدالمنعم حسن محمود مشاهدة المشاركة
            بديع هذا هذا النص وجميل ومغاير في الفكرة والتكنيك
            كنت موفقا تماما أستاذنا الأديب (على)
            في استثمار صوت المحاكاة
            (تِكْ)
            التي تربط بين جرس الكلمة ومعناها
            ورغم أنها تقلصت كثيرا في القص الحديث
            إلا أنك استطعت هنا أن تعيد لها حيويتها
            عبر كلمة واحدة معبرة لا تستطيع الجملة
            المعنية الإتيان بغيرها لتعمق من توصيف تلك اللحظة ..
            لحظة التقاط الصورة.
            شكرا لك على هذا العمل البديع حقا.
            أستاذي القدير , عبد المنعم
            كلّي امتنانٌ لقراءتك و تعليقك على النص ..
            و رأي من قامة كقامتك جديرٌ أن يعلقَ على جيد القصة ..

            شكرا لك أخي .

            تعليق

            • علي عكور
              عضو الملتقى
              • 04-08-2008
              • 18

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة مباركة بشير أحمد مشاهدة المشاركة
              كنت حقًّا خارج إطار عدسته التي يرى من خلالها الحياة ! فكرتُ : ماذا لو كان الآخرون مثله ؟ كنتُ ربحتُ عشرات الصور . أعدت إصبعي بفرح إلى الزر , و بنصف ضغطة هيأت الآلة لالتقاط الصورة , و قبل أن أكمل الضغطة جاءني من الخلف صوتٌ لرجل في منتصف عمره , امتد الصوت إلى الطفل : " ابتسمْ .. ابتسمْ "

              .........
              وبالتأكيد لن تكون إلا ابتسامة مصطنعة، لن تفي بالغرض !!
              ................
              بورتريه قصصي رائع ،مزجت فيه ألوان الصور، ببراعة التعبير!
              من لدن كاتب مصور، يمتلك بين ضلوعه رهافة الحس ،ونبلا في الشعور!
              تحياتي وألف تقدير

              الأستاذة الفاضلة , مباركة
              شكرًا لتفضلك بالقراءة , و شكرا أخرى
              لإعادة الحياة إلى روح النص بتعليقك المشجع ..

              امتناني الكبير .

              تعليق

              • علي عكور
                عضو الملتقى
                • 04-08-2008
                • 18

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة فايزشناني مشاهدة المشاركة
                أخي علي
                أحسست بكلماتك وهي ترسم الصورة التي لم تكتمل بـ تك
                هذه الصور التي بحثت عنها لا تحتاج إلى إطار
                بورتريه صعب انجازه دون تشعر به قبل أن تلتقطه
                جميل ما قرأته هنا
                الفكرة جميلة والسرد والحبكة أيضاً
                وخاتمتها مسك
                حياك الله وسدد خطاك
                مع كل الود والتقدير
                الأستاذ , فايز
                تحية تليقُ بكَ أيها الجميل
                و كم هو محظوظ هذا النص
                بوجودك بين المعلقين عليه .

                شكرا لك أخي .

                تعليق

                • علي عكور
                  عضو الملتقى
                  • 04-08-2008
                  • 18

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة رشا السيد احمد مشاهدة المشاركة

                  علي عكور المرهف
                  كوني فنانة تشكيلية أحسست بكل كلمة قلتها
                  وأحسستها مرة ثانية كوني أكتب القصة
                  وصفت فأبدعت سردك كان دقيق وتحليل لنفسية الشخصية في مراميها
                  وذاك الشيخ وذاك الصغير كما هي صور أمثالهم حين تتملكنا رؤيتهم ندخل في عالمهم فجأة
                  نتمنى أن نمحي ذاك التعب الذي يجعلهم خارج دائرة الضوء للحياة
                  ماتعة جدا قصتك

                  كن بعطاء أيها الراقي .
                  الفنانة و الكاتبة , رشا
                  يسعدني أن يعجبك نص يخرج
                  من بين أناملي المرتعشة ..

                  تحية لفنك و أدبك
                  الجميلين , مع بالغ امتناني ..

                  تعليق

                  يعمل...
                  X