الذهاب على البحر
وانتهت المرافعة، فأشار القاضي للمتخاصمين بالانصراف وهو يعلن لهما:
- في الأسبوع المقبل عودا لسماع الحكم.
قال أحدهما وقد أدار ظهره يريد الانصراف:
احكم بما شئت فلن أعود ، ولن أكون من الحاضرين.
قال القاضي بصرامة فيها حدة:
قف مكانك، ماذا قلت؟ ولماذا لن تحضر؟.
-لأنني سأذهب على البحر.
--وماذا تفعل في البحر؟.
-أطعم أسماكه، فقد علمت أنها لم تعد تجد ما تأكله، وتكاد تنفق من الجوع.
-أتسخر مني ؟ أم تمزح ؟أم بعقلك لوثة ؟.
-اختر منها ما تشاء يا سيدي القاضي ، أما آنا فإني ذاهب إلي البحر ،وكلما كنت أقرب إلى منتصفه ،وأبعد عن اليابسة ، كنت أسعد .
نظر إليه الشرطيان المكلفان بضبط أمن الجلسات ؛ وقد عكست ملامح وجهيهما كل دلائل الولاء للقاضي وفريقه ، والاحتقار للغريب وأمثاله من المكدسين على كراسي القاعة كأكياس القمامة ، وتحفزا للهجوم عليه ،فوضع كل منهما مقبضه على العصا الكهربائية ـ منتظرين إشارة القاضي أو وكيل الجمهورية، ولكنه واصل حديثه دون أين يعير أيا من الحضور اهتمامه.
..... وشعرت بالطهر يحيطني من كل ناحية ، وصارت ملوحته القاتلة بالنسبة لي ملاحة آسرة ، فالموت بين أحضان الجمال بلا أحقاد ، أول مدرج إلى الجنة الأبدية ، ياسيدي القاضي .
وضع القاضي ذقنه علي كفه وراح ينصت .
- يا سيدي القاضي ، أخطأنا حين اعتقدنا أن أولاد الحرام قد غادروا إلي الشمال مع من زنى بأمهاتهم .
صرخ وكيل الجمهورية : اسكت ، شرطي أخر...
أمر القاضي : شرطي انتظر ، دعه يكمل...وأضاف :هذب ألفاظك.
-أولاد الحرام- أيها السادة - تواروا دون أن يناموا ، حين كانت نشوة ما اعتقدناه نصرا ترقصنا ، وحين كانت هي العزف وهي الإيقاع ،هي الرحلة والراحلة
و المتاع، وحين كان بأجسادنا المنفلتة من الأغلال شوق إلى الحركة الحرة ، في أحضان الساحات العطشى لروائح البطولة المنسابة من قمم الجبال ، نازلة مع الجداول عبر السفوح،.ملتفة على نول الرغبة في غزو الفضاء المملوء بأرواح الآباء الأباة.
-يا سيدي القاضي حينذاك ، استغل أولاد الحرام تعب الأبطال ، ومللهم ، وجنوحهم للراحة والركون للذتها، فتكاثروا وانتشروا ، وجمعوا كل الأرقام السرية ، ومفاتيح المنافذ، والسراديب الخفية ، ومسكوا بأيديهم الجو ، والبر ، وشواطئ البحر , ، وقيدوا ما بقي من الأبطال ،ثم جلسوا عنوة على صدورهم ، وصدورنا ، في كل زاوية ولية من مفاصلنا ، ومفاصل هذا الوطن ،بل ومفاصلي وهي الآن بفعل سمومهم تؤلمني ، و استأنفوا عهرهم المعتاد دون خشية
-سيدي القاضي : عليك أن تعرف أن عهر الواحد منهم ، يفوق عهر كل الشياطين مجتمعة ، وظلمهم لم يعد يؤلم الناس والحيوان و النبات فقط ، بل صار يؤلم شياطين العوالم بأسرها ، ويدفعها للثورة ، وقد امتلأ ظهر الأرض بهم ، الشياطين نفسها ، غدت مثلنا تماما تستعيذ منهم بما في الأناجيل؛ والقرآن ؛والتوراة؛ والزابور ، وكل الكتب المقدسة من تعاويذ دون فائدة.
وكان الرذاذ والزبد والملح قد بدأ يغزو شفتيه؛ ويتطاير منهما ، حين تواري خلف الباب الخارجي للمحكمة ، وهو يتلو حاله المتناثرة المتشظية على أسماع الحاضرين والعيون المشيعة تقتفي أثره.
- في الأسبوع المقبل عودا لسماع الحكم.
قال أحدهما وقد أدار ظهره يريد الانصراف:
احكم بما شئت فلن أعود ، ولن أكون من الحاضرين.
قال القاضي بصرامة فيها حدة:
قف مكانك، ماذا قلت؟ ولماذا لن تحضر؟.
-لأنني سأذهب على البحر.
--وماذا تفعل في البحر؟.
-أطعم أسماكه، فقد علمت أنها لم تعد تجد ما تأكله، وتكاد تنفق من الجوع.
-أتسخر مني ؟ أم تمزح ؟أم بعقلك لوثة ؟.
-اختر منها ما تشاء يا سيدي القاضي ، أما آنا فإني ذاهب إلي البحر ،وكلما كنت أقرب إلى منتصفه ،وأبعد عن اليابسة ، كنت أسعد .
نظر إليه الشرطيان المكلفان بضبط أمن الجلسات ؛ وقد عكست ملامح وجهيهما كل دلائل الولاء للقاضي وفريقه ، والاحتقار للغريب وأمثاله من المكدسين على كراسي القاعة كأكياس القمامة ، وتحفزا للهجوم عليه ،فوضع كل منهما مقبضه على العصا الكهربائية ـ منتظرين إشارة القاضي أو وكيل الجمهورية، ولكنه واصل حديثه دون أين يعير أيا من الحضور اهتمامه.
..... وشعرت بالطهر يحيطني من كل ناحية ، وصارت ملوحته القاتلة بالنسبة لي ملاحة آسرة ، فالموت بين أحضان الجمال بلا أحقاد ، أول مدرج إلى الجنة الأبدية ، ياسيدي القاضي .
وضع القاضي ذقنه علي كفه وراح ينصت .
- يا سيدي القاضي ، أخطأنا حين اعتقدنا أن أولاد الحرام قد غادروا إلي الشمال مع من زنى بأمهاتهم .
صرخ وكيل الجمهورية : اسكت ، شرطي أخر...
أمر القاضي : شرطي انتظر ، دعه يكمل...وأضاف :هذب ألفاظك.
-أولاد الحرام- أيها السادة - تواروا دون أن يناموا ، حين كانت نشوة ما اعتقدناه نصرا ترقصنا ، وحين كانت هي العزف وهي الإيقاع ،هي الرحلة والراحلة
و المتاع، وحين كان بأجسادنا المنفلتة من الأغلال شوق إلى الحركة الحرة ، في أحضان الساحات العطشى لروائح البطولة المنسابة من قمم الجبال ، نازلة مع الجداول عبر السفوح،.ملتفة على نول الرغبة في غزو الفضاء المملوء بأرواح الآباء الأباة.
-يا سيدي القاضي حينذاك ، استغل أولاد الحرام تعب الأبطال ، ومللهم ، وجنوحهم للراحة والركون للذتها، فتكاثروا وانتشروا ، وجمعوا كل الأرقام السرية ، ومفاتيح المنافذ، والسراديب الخفية ، ومسكوا بأيديهم الجو ، والبر ، وشواطئ البحر , ، وقيدوا ما بقي من الأبطال ،ثم جلسوا عنوة على صدورهم ، وصدورنا ، في كل زاوية ولية من مفاصلنا ، ومفاصل هذا الوطن ،بل ومفاصلي وهي الآن بفعل سمومهم تؤلمني ، و استأنفوا عهرهم المعتاد دون خشية
-سيدي القاضي : عليك أن تعرف أن عهر الواحد منهم ، يفوق عهر كل الشياطين مجتمعة ، وظلمهم لم يعد يؤلم الناس والحيوان و النبات فقط ، بل صار يؤلم شياطين العوالم بأسرها ، ويدفعها للثورة ، وقد امتلأ ظهر الأرض بهم ، الشياطين نفسها ، غدت مثلنا تماما تستعيذ منهم بما في الأناجيل؛ والقرآن ؛والتوراة؛ والزابور ، وكل الكتب المقدسة من تعاويذ دون فائدة.
وكان الرذاذ والزبد والملح قد بدأ يغزو شفتيه؛ ويتطاير منهما ، حين تواري خلف الباب الخارجي للمحكمة ، وهو يتلو حاله المتناثرة المتشظية على أسماع الحاضرين والعيون المشيعة تقتفي أثره.
الضيف حمراوي 28/06/2011