أحلام كيروساوا
محمد زعل السلوم

وعندما يحين الأجل أريد أن أدفن على شط جدول صغير في قرية صغيرة تعيش على طواحين الماء ، ومن دون شاهد قبر ، وإنما حجر غير مسنون يضع عليه أطفال القرية الزهور ، ويقولون مر من هنا رجل غريب ودفن حيث مات.
تلك هي وصية كيروساوا (80 سنة) وهو شكسبير فن السينما في آخر لقطات " أحلام" الذي عرض في افتتاح مهرجان كان 1990 فجاء حدثا حقيقيا يليق بافتتاح أكبر مهرجانات الفن السابع في العالم.
يتكون الفيلم من ثمانية مقاطع أو أحلام كما أطلق عليها مبدعها ، ولكن الأحلام هنا مجرد إطار ووسيلة للتعبير الحر : الأحلام هنا حقيقية ، والحقائق تبدو مثل الأحلام . والأحلام هنا ليست أحلاما سعيدة وإنما أحلام و كوابيس في نفس الوقت .
يجعل كيروساوا من مقاطعه الثمانية أو قصائده الثمانية مثل سوناتات شكسبير قريبه في المسرح شكل فني لتعبير لم يسبق له مثيل في الجمع ، ولا أقول المزج بين العام والخاص فهي أحلام وكوابيس ، وهي في نفس الوقت سيرته الذاتية ، وسيرة بلاده اليابان في القرن العشرين الذي عاشه من بدايته إلى نهايته ، كما أنها قصة الحياة الإنسانية أيضا كما يراها من واقع تراث اليابان الثقافي والفكري .
السمفونية الموسيقية من أربع مقاطع ، ولكن سيمفونية كيروساوا السمعية- البصرية من ثمانية. والفصول الأربعة أربعة ، ونحن نراها جميعا في الفيلم من الخريف إلى الشتاء ، ومن الربيع إلى الصيف ، في التحام عضوي نادر بين شكل الفيلم ومضمونه الذي يمثل ربما أكبر دعوة شهدتها السينما للعودة إلى الطبيعة.
لا دراما هنا تربط بين أجزاء الفيلم وإنما هو ديوان شعر من ثمانية قصائد يربط بينها فكر الشاعر وأحاسيسه و رؤيته للعالم ، وهو ليس شاعر ينظم الكلمات ، وإنما مفكر أيضا ، وفيلسوف بل و حكيم يستجمع خبرة حياة عميقة ، وثقافة إنسانية شاملة .

في طفولته وطفولة البشر ، كانت الطاقة في وجود الشمس والمياه ، و لهذا جاء الحلم الأول شروق الشمس تحت المطر ، وعندما يغادر الصبي منزله إلى الغابة ، و يواجه الذئاب في صورة البشر ، يعود مسرعا ، ولكن أمه تعطيه خنجرا حادا ، وتطلب منه أن يقتل نفسه ، إلا إذا غفرت له الذئاب " وهي عادة لا تغفر " ، وتغلق كل أبواب المنزل في وجهه . وحيدا إذا يواجه الحياة وهذه النظرة اليابانية الخاصة إلى الموت ، والتي تسهل إنهاء الحياة . وتحت ألوان قوس قزح السبعة ، أي كل ألوان الحياة ، ينتهي الحلم الأول .

من مقطع حقل ثمار الخوخ
ومن خارج المنزل ينتقل الطفل إلى داخله في المقطع الثاني " حقل ثمار الخوخ " . المنزل ياباني خالص والطفل مع البنات يقدم لهن زهور الخوخ ، ولكنهن خمس وهو يرى السادسة التي لا يرونها تطارده وتدفعه إلى الخروج . وفي الحقل نشاهد البشر - الزهور ، كما شاهدنا من قبل البشر-الذئاب . إنهم يعاقبونه لأنه يقطع زهور الثمار . وعندما يبكي تدافع عنه أمه .

من المقطع الثالث " عاصفة الثلج"
وفي الأحلام الستة التالية يكبر الطفل " الأنا " ، ويقوم بدوره ممثل واحد في فترات الشباب والرجولة والكهولة . ففي الحلم الثالث " عاصفة الثلج " يعبر كيروساوا عن قوة الإنسان في مواجهة عنف الطبيعة ممثلة في عاصفة الثلج ، وفي صعود الجبال وسط العاصفة . ولكن الإنسان هنا ليس سيزيف في الفكر الغربي الذي يصعد الجبل ليهبط مرة ثانية في تكرار يؤكد اللاجدوى ، وإنما هو الإنسان الذي يتحدى ويصرح أن النوم كالموت وينتهي الحلم بانتصار الإنسان ، ونجاح البطل الأنا في إيقاظ زملائه الثلاثة الذين ناموا / ماتوا أثناء العاصفة . الشمس أذابت الجليد فإذا المعسكر بالقرب منهم على بعد خطوات قليلة .
وفي ذروة الفيلم يدخل الإنسان ، وتدخل اليابان " النفق " : إنها الحرب ، ونفق طويل مظلم يدخله البطل الأنا على مدخله كلب متوحش يهدد بافتراسه ، ومن الناحية الأخرى في نهاية النفق لمبه حمراء ومشهد طويل بين قائد الفرقة الذي نجا وأسر وبين رجاله الذين قتلوا جميعا في الحرب . وكما بدأ المشهد بالكلب المتوحش ينتهي به وقائد الفرقة يحاول النجاة .

لوحة أو حلم النفق
ويأتي المقطع الخامس " الغربان " مقدمة طبيعية للمقطعين السادس والسابع ، حيث يوجه كيروساوا تحية مبتكرة للفنان الهولندي فان جوخ باعتباره من أعظم فناني المناظر الطبيعية . فالمقطع تحية له وللطبيعة في وقت واحد . والابتكار هنا في شكل صياغة تحتية ، فالشاب الياباني ( البطل / الأنا ) يشاهد لوحات فان جوخ في متحفه ، وفجأة ينتقل داخل لوحة الجسر الخشب وقد تحولت إلى مشهد حي كما هي في اللوحة تماما ، ويسأل الشاب الفلاحات عن الرسام ، وفي حقل القمح يجده يرسم ، وكما تحولت اللوحة إلى الحياة ، نرى الشاب الياباني الحي يتجول وسط اللوحات دون استخدام أي نوع من الخدع .

من الحلم الخامس " الغربان " تحية للفنان فان جوخ وللطبيعة
الإنسان الذي يتحدث الطبيعة ، حتى يعيش هو ذاته الذي يحارب حتى يموت ، وهو ذاته الذي يبدع الفن كما هو فان جوخ . وفي المقطعين التاليين نرى الإنسان المعاصر - إنسان القرن العشرين - وهو يدمر الحياة بالقنبلة الذرية في حلم " الجبل الأحمر " ثم وهو يلوث الطبيعة في " المسوخ المعذبة " التي استباحت كل شيء حتى إلقاء اللبن في البحر حتى تحافظ على أسعاره .

من الحلم السادس " جبل فوجي الأحمر" والتعبير عن الرعب النووي في هذا الحلم
إنها المرة الأولى التي يعبر فيها كيروساوا عن القنبلة النووية وليس هناك أقدر من فنان ياباني كبير في التعبير عن هذا الموضوع بالطبع ، بحكم أن اليابان كان البلد الوحيد الذي استخدمت فيه هذه القنبلة ، والتي يتمنى كل الناس في كل الأرض أن يصبح البلد الأخير أيضا . يختار كيروساوا جبل فوجي الياباني الشهير ، ويجعله يتحول إلى كتلة من اللهب ، ولكن ليس بسبب إلقاء القنبلة . وإنما يجعل الفيلم أقرب إلى جمهور اليوم من المشاهدين . إذ المشكلة هنا هي انفجار المفاعلات النووية وكأنه يتنبأ بكارثة مفاعل فوكوشيما 2011 ، والتي يجعلها كيروساوا لا تختلف عن إلقاء القنابل ، وكل الناس ما زالت تذكر انفجار مفاعل تشيرنوبل في الاتحاد السوفييتي عام 1986 . لا يموت الناس في هذا المشهد وإنما يتلاشون ، وينتحرون بإلقاء أنفسهم في المحيط .

الحلم السابع "المسوخ المعذبة" للتعبير عن تلوث الطبيعة وتلوث الإنسان
والحلم السابع " المسوخ المعذبة " ليس فقط عن تلوث الطبيعة ، وإنما عن تلوث الإنسان أيضا ، ففي عصر ما بعد الحرب الذرية تتحول الزهور الجميلة الصغيرة إلى أعواد عملاقة قبيحة ، ويتحول البشر إلى مسوخ تنبت في رؤوسها القرون و يحكم عليها بألا تموت إلا عن طريق أن يأكل أصحاب القرون المتعددة أصحاب القرون الواحدة ، أي يأكلون بعضهم البعض . وفي هذه الرؤى المستقبلية الرهيبة في الحلمين السادس والسابع نرى البطل /الأنا يحتفظ بإنسانيته ويعيش في المستقبل كما هو في الحاضر .

الحلم الثامن "قرية طواحين الماء" والحوار بين الشاب والعجوز بين الماضي والحاضر
والحلم الثاني ، أو القصيدة الثامنة ، مستقبلية بدورها وهي حوار بين البطل / الأنا شابا ، وبين العجوز الذي سيكون في المستقبل وعمره مئة عام وثلاثة .
والمحاورة بين الشاب والكهل في هذا المقطع مثل المحاورات الفلسفية تماما . فالحديث يدور عن الإنسان الذي لم يستطع أن يتوازن بين اهتمامه بالعلم واهتمامه بالطبيعة ، ونسي أنه جزء من الطبيعة . وكما يتجاوز العام والخاص عندما نرى العجوز يستعد لمشاركة في جنازة " حبه الأول " ، وقد ماتت زوجة كيروساوا أثناء تصوير فيلمه السابق " قبض الريح " تتجاوز الحياة مع الموت من خلال جنازة المرأة ، وطقوسها الخاصة . فالجنازة أشبه بالروح ، ولكنها ليست الفرحة بالموت ، وإنما الفرحة بالحياة الطويلة التي عاشتها المرأة . والعجوز يقول للشاب يقولون أن حياتي قد طالت أكثر من اللازم ، ولكن الواقع أن الحياة جميلة ، وتستحق أن تعاش .



والحوار في المقطع الأخير أساسي كما نقول . ولكنه ليس حوارا إذاعيا للراديو ، فهو يدور في الطبيعة ، ومن ثم تلتحم الصورة بالكلمة وتعبر عنها تعبيرا مدهشا . ولعل أحدا لم يعبر عن التناقض الذي صنعه الإنسان بين العلم والطبيعة كما يعبر الشيخ عندما يقول ولماذا تضيئون الليل بحيث يصبح كالنهار : لماذا تريدون أن يصبح الليل كالنهار ، علينا أن نشعر بالعار عندما لا نرى النجوم .

عن لوحة الجسر لفان جوخ التي يستخدمها كيروساوا في أحلامه

عن حلم النفق أو الحرب الذي دخلته اليابان ذات يوم
المراجع :
1-عن كتاب " السينما اليابانية : في النقد السينمائي العربي " للكاتب سمير فريد
2-جريدة الشرق الأوسط عام 1990


عن حلم الغربان وتحية لفان جوخ صاحب اللوحة الشهيرة

في قرية طواحين الماء واللوحة الأخيرة من أحلام كيروساوا
محمد زعل السلوم

وعندما يحين الأجل أريد أن أدفن على شط جدول صغير في قرية صغيرة تعيش على طواحين الماء ، ومن دون شاهد قبر ، وإنما حجر غير مسنون يضع عليه أطفال القرية الزهور ، ويقولون مر من هنا رجل غريب ودفن حيث مات.
تلك هي وصية كيروساوا (80 سنة) وهو شكسبير فن السينما في آخر لقطات " أحلام" الذي عرض في افتتاح مهرجان كان 1990 فجاء حدثا حقيقيا يليق بافتتاح أكبر مهرجانات الفن السابع في العالم.
يتكون الفيلم من ثمانية مقاطع أو أحلام كما أطلق عليها مبدعها ، ولكن الأحلام هنا مجرد إطار ووسيلة للتعبير الحر : الأحلام هنا حقيقية ، والحقائق تبدو مثل الأحلام . والأحلام هنا ليست أحلاما سعيدة وإنما أحلام و كوابيس في نفس الوقت .
يجعل كيروساوا من مقاطعه الثمانية أو قصائده الثمانية مثل سوناتات شكسبير قريبه في المسرح شكل فني لتعبير لم يسبق له مثيل في الجمع ، ولا أقول المزج بين العام والخاص فهي أحلام وكوابيس ، وهي في نفس الوقت سيرته الذاتية ، وسيرة بلاده اليابان في القرن العشرين الذي عاشه من بدايته إلى نهايته ، كما أنها قصة الحياة الإنسانية أيضا كما يراها من واقع تراث اليابان الثقافي والفكري .
السمفونية الموسيقية من أربع مقاطع ، ولكن سيمفونية كيروساوا السمعية- البصرية من ثمانية. والفصول الأربعة أربعة ، ونحن نراها جميعا في الفيلم من الخريف إلى الشتاء ، ومن الربيع إلى الصيف ، في التحام عضوي نادر بين شكل الفيلم ومضمونه الذي يمثل ربما أكبر دعوة شهدتها السينما للعودة إلى الطبيعة.
لا دراما هنا تربط بين أجزاء الفيلم وإنما هو ديوان شعر من ثمانية قصائد يربط بينها فكر الشاعر وأحاسيسه و رؤيته للعالم ، وهو ليس شاعر ينظم الكلمات ، وإنما مفكر أيضا ، وفيلسوف بل و حكيم يستجمع خبرة حياة عميقة ، وثقافة إنسانية شاملة .

في طفولته وطفولة البشر ، كانت الطاقة في وجود الشمس والمياه ، و لهذا جاء الحلم الأول شروق الشمس تحت المطر ، وعندما يغادر الصبي منزله إلى الغابة ، و يواجه الذئاب في صورة البشر ، يعود مسرعا ، ولكن أمه تعطيه خنجرا حادا ، وتطلب منه أن يقتل نفسه ، إلا إذا غفرت له الذئاب " وهي عادة لا تغفر " ، وتغلق كل أبواب المنزل في وجهه . وحيدا إذا يواجه الحياة وهذه النظرة اليابانية الخاصة إلى الموت ، والتي تسهل إنهاء الحياة . وتحت ألوان قوس قزح السبعة ، أي كل ألوان الحياة ، ينتهي الحلم الأول .

من مقطع حقل ثمار الخوخ
ومن خارج المنزل ينتقل الطفل إلى داخله في المقطع الثاني " حقل ثمار الخوخ " . المنزل ياباني خالص والطفل مع البنات يقدم لهن زهور الخوخ ، ولكنهن خمس وهو يرى السادسة التي لا يرونها تطارده وتدفعه إلى الخروج . وفي الحقل نشاهد البشر - الزهور ، كما شاهدنا من قبل البشر-الذئاب . إنهم يعاقبونه لأنه يقطع زهور الثمار . وعندما يبكي تدافع عنه أمه .

من المقطع الثالث " عاصفة الثلج"
وفي الأحلام الستة التالية يكبر الطفل " الأنا " ، ويقوم بدوره ممثل واحد في فترات الشباب والرجولة والكهولة . ففي الحلم الثالث " عاصفة الثلج " يعبر كيروساوا عن قوة الإنسان في مواجهة عنف الطبيعة ممثلة في عاصفة الثلج ، وفي صعود الجبال وسط العاصفة . ولكن الإنسان هنا ليس سيزيف في الفكر الغربي الذي يصعد الجبل ليهبط مرة ثانية في تكرار يؤكد اللاجدوى ، وإنما هو الإنسان الذي يتحدى ويصرح أن النوم كالموت وينتهي الحلم بانتصار الإنسان ، ونجاح البطل الأنا في إيقاظ زملائه الثلاثة الذين ناموا / ماتوا أثناء العاصفة . الشمس أذابت الجليد فإذا المعسكر بالقرب منهم على بعد خطوات قليلة .
وفي ذروة الفيلم يدخل الإنسان ، وتدخل اليابان " النفق " : إنها الحرب ، ونفق طويل مظلم يدخله البطل الأنا على مدخله كلب متوحش يهدد بافتراسه ، ومن الناحية الأخرى في نهاية النفق لمبه حمراء ومشهد طويل بين قائد الفرقة الذي نجا وأسر وبين رجاله الذين قتلوا جميعا في الحرب . وكما بدأ المشهد بالكلب المتوحش ينتهي به وقائد الفرقة يحاول النجاة .

لوحة أو حلم النفق
ويأتي المقطع الخامس " الغربان " مقدمة طبيعية للمقطعين السادس والسابع ، حيث يوجه كيروساوا تحية مبتكرة للفنان الهولندي فان جوخ باعتباره من أعظم فناني المناظر الطبيعية . فالمقطع تحية له وللطبيعة في وقت واحد . والابتكار هنا في شكل صياغة تحتية ، فالشاب الياباني ( البطل / الأنا ) يشاهد لوحات فان جوخ في متحفه ، وفجأة ينتقل داخل لوحة الجسر الخشب وقد تحولت إلى مشهد حي كما هي في اللوحة تماما ، ويسأل الشاب الفلاحات عن الرسام ، وفي حقل القمح يجده يرسم ، وكما تحولت اللوحة إلى الحياة ، نرى الشاب الياباني الحي يتجول وسط اللوحات دون استخدام أي نوع من الخدع .

من الحلم الخامس " الغربان " تحية للفنان فان جوخ وللطبيعة
الإنسان الذي يتحدث الطبيعة ، حتى يعيش هو ذاته الذي يحارب حتى يموت ، وهو ذاته الذي يبدع الفن كما هو فان جوخ . وفي المقطعين التاليين نرى الإنسان المعاصر - إنسان القرن العشرين - وهو يدمر الحياة بالقنبلة الذرية في حلم " الجبل الأحمر " ثم وهو يلوث الطبيعة في " المسوخ المعذبة " التي استباحت كل شيء حتى إلقاء اللبن في البحر حتى تحافظ على أسعاره .

من الحلم السادس " جبل فوجي الأحمر" والتعبير عن الرعب النووي في هذا الحلم
إنها المرة الأولى التي يعبر فيها كيروساوا عن القنبلة النووية وليس هناك أقدر من فنان ياباني كبير في التعبير عن هذا الموضوع بالطبع ، بحكم أن اليابان كان البلد الوحيد الذي استخدمت فيه هذه القنبلة ، والتي يتمنى كل الناس في كل الأرض أن يصبح البلد الأخير أيضا . يختار كيروساوا جبل فوجي الياباني الشهير ، ويجعله يتحول إلى كتلة من اللهب ، ولكن ليس بسبب إلقاء القنبلة . وإنما يجعل الفيلم أقرب إلى جمهور اليوم من المشاهدين . إذ المشكلة هنا هي انفجار المفاعلات النووية وكأنه يتنبأ بكارثة مفاعل فوكوشيما 2011 ، والتي يجعلها كيروساوا لا تختلف عن إلقاء القنابل ، وكل الناس ما زالت تذكر انفجار مفاعل تشيرنوبل في الاتحاد السوفييتي عام 1986 . لا يموت الناس في هذا المشهد وإنما يتلاشون ، وينتحرون بإلقاء أنفسهم في المحيط .

الحلم السابع "المسوخ المعذبة" للتعبير عن تلوث الطبيعة وتلوث الإنسان
والحلم السابع " المسوخ المعذبة " ليس فقط عن تلوث الطبيعة ، وإنما عن تلوث الإنسان أيضا ، ففي عصر ما بعد الحرب الذرية تتحول الزهور الجميلة الصغيرة إلى أعواد عملاقة قبيحة ، ويتحول البشر إلى مسوخ تنبت في رؤوسها القرون و يحكم عليها بألا تموت إلا عن طريق أن يأكل أصحاب القرون المتعددة أصحاب القرون الواحدة ، أي يأكلون بعضهم البعض . وفي هذه الرؤى المستقبلية الرهيبة في الحلمين السادس والسابع نرى البطل /الأنا يحتفظ بإنسانيته ويعيش في المستقبل كما هو في الحاضر .

الحلم الثامن "قرية طواحين الماء" والحوار بين الشاب والعجوز بين الماضي والحاضر
والحلم الثاني ، أو القصيدة الثامنة ، مستقبلية بدورها وهي حوار بين البطل / الأنا شابا ، وبين العجوز الذي سيكون في المستقبل وعمره مئة عام وثلاثة .
والمحاورة بين الشاب والكهل في هذا المقطع مثل المحاورات الفلسفية تماما . فالحديث يدور عن الإنسان الذي لم يستطع أن يتوازن بين اهتمامه بالعلم واهتمامه بالطبيعة ، ونسي أنه جزء من الطبيعة . وكما يتجاوز العام والخاص عندما نرى العجوز يستعد لمشاركة في جنازة " حبه الأول " ، وقد ماتت زوجة كيروساوا أثناء تصوير فيلمه السابق " قبض الريح " تتجاوز الحياة مع الموت من خلال جنازة المرأة ، وطقوسها الخاصة . فالجنازة أشبه بالروح ، ولكنها ليست الفرحة بالموت ، وإنما الفرحة بالحياة الطويلة التي عاشتها المرأة . والعجوز يقول للشاب يقولون أن حياتي قد طالت أكثر من اللازم ، ولكن الواقع أن الحياة جميلة ، وتستحق أن تعاش .
والحوار في المقطع الأخير أساسي كما نقول . ولكنه ليس حوارا إذاعيا للراديو ، فهو يدور في الطبيعة ، ومن ثم تلتحم الصورة بالكلمة وتعبر عنها تعبيرا مدهشا . ولعل أحدا لم يعبر عن التناقض الذي صنعه الإنسان بين العلم والطبيعة كما يعبر الشيخ عندما يقول ولماذا تضيئون الليل بحيث يصبح كالنهار : لماذا تريدون أن يصبح الليل كالنهار ، علينا أن نشعر بالعار عندما لا نرى النجوم .

عن لوحة الجسر لفان جوخ التي يستخدمها كيروساوا في أحلامه
عن حلم النفق أو الحرب الذي دخلته اليابان ذات يوم
المراجع :
1-عن كتاب " السينما اليابانية : في النقد السينمائي العربي " للكاتب سمير فريد
2-جريدة الشرق الأوسط عام 1990


عن حلم الغربان وتحية لفان جوخ صاحب اللوحة الشهيرة

في قرية طواحين الماء واللوحة الأخيرة من أحلام كيروساوا