دلالة الواو على الترتيب بين الجواز والمنع .. من "الإحكام في أصول الأحكام" ل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فريد البيدق
    عضو الملتقى
    • 31-10-2007
    • 801

    دلالة الواو على الترتيب بين الجواز والمنع .. من "الإحكام في أصول الأحكام" ل

    (1)
    أما الواو فقد اتفق جماهير أهل الأدب على أنها للجمع المطلق غير مقتضية ترتيبا ولا معية، ونقل عن بعضهم أنها للترتيب مطلقا، ونقل عن الفراء أنها للترتيب حيث يستحيل الجمع كقوله: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} الحج 77). وقيل: إنها ترد بمعنى "أو" كقوله تعالى: {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} فاطر 1) قيل: أراد مثنى أو ثلاث أو رباع.
    وقد ترد للاستئناف كالواو في قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به} آل عمران 7) تقديره والراسخون يقولون آمنا به. وقد ترد بمعنى "مع" في باب المفعول معه تقول: جاء البرد والطيالسة، وقد ترد بمعنى "إذ" قال الله تعالى: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا} آل عمران 154) إلى قوله: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} آل عمران 154) أي إذ طائفة قد أهمتهم أنفسهم.
    (2) - أ
    احتج القائلون بالجمع المطلق من تسعة أوجه:
    الأول- أنه لو كانت الواو في قول القائل: رأيت زيدا وعمرا للترتيب- لما صح قوله تعالى: {ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة} البقرة 58) في آية، وفي آية أخرى {وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا} (7) الأعراف 161) مع اتحاد القضية؛ لما فيه من جعل المتقدم متأخرا والمتأخر متقدما.
    الثاني- أنه لو كانت للترتيب لما حسن قول القائل: تقاتل زيد وعمرو؛ إذ لا ترتيب فيه.
    الثالث- أنه كان يلزم أن يكون قول القائل: جاء زيد وعمرو كاذبا عند مجيئهما معا أو تقدم المتأخر، وليس كذلك.
    الرابع- أنه كان يلزم أن يكون قوله: رأيت زيدا وعمرا بعده- تكريرا، وقبله تناقضا.
    الخامس- أنها لو كانت للترتيب لما حسن الاستفسار عن تقدم أحدهما وتأخر الآخر؛ لكونه مفهوما من ظاهر العطف.
    السادس- أنه كان يجب على العبد الترتيب عند قول سيده له: ايت بزيد وعمرو.
    السابع- هو أن واو العطف في الأسماء المختلفة جارية مجرى واو الجمع وفي الأسماء المتماثلة مجرى ياء التثنية، وهما لا يقتضيان الترتيب، فكذلك ما هو جار مجراهما.
    الثامن- أن الجمع المطلق معقول، فلا بد له من حرف يفيده، وليس ثم من الحروف ما يفيده سوى الواو بالإجماع، فتعين أن يكون هو الواو.
    التاسع- أنها لو أفادت الترتيب لدخلت في جواب الشرط كالفاء، ولا يحسن أن يقال: إذا دخل زيد الدار وأعطه درهما، كما يحسن أن يقال: فأعطه درهما.
    (2)-ب
    ولقائل أن يقول على الوجه الأول: إذا كان من أصل المخالف أن الواو ظاهرة في الترتيب فلا يمنع ذلك من حملها على غير الترتيب تجوزا، وعلى هذا فحيث تعذر حملها على الترتيب في الآيتين المذكورتين لا يمنع من استعمالها في غير الترتيب بجهة التجوز.
    وكذلك الكلام في قولهم: تقاتل زيد وعمرو، ولا يلزم من التجوز بالواو في غير الترتيب أن يتجوز عنه بـ"الفاء" و"ثم"؛ إذ هو غير لازم مع اختلاف الحروف.
    وعلى الوجه الثالث أنه لا يلزم أن يكون كاذبا بتقدير المعية أو تقدم المتأخر في اللفظ؛ لإمكان التجوز بها عن الجمع المطلق كما لو قال: رأيت أسدا، وكان قد رأى إنسانا شجاعا.
    وعلى الرابع أنه إذا قال: رأيت زيدا وعمرا بعده- لا يكون تكريرا؛ لأنه يكون مفيدا لامتناع حمله على الجمع المطلق؛ لاحتمال توهمه بجهة التجوز. وإذا قال: رأيت زيدا وعمرا قبله- لا يكون تناقضا؛ لكونه مفيدا لإرادة جهة التجوز.
    وعلى الخامس أنه إنما حسن الاستفسار لاحتمال اللفظ له تجوزا.
    وعلى السادس أنه إنما لم يجب على العبد الترتيب نظرا إلى قرينة الحال المقتضية لإرادة جهة التجوز حتى إنه لو فرض عدم القرينة لقد كان ذلك موجبا للترتيب، فإن قيل: لو كانت الواو حقيقة في الترتيب فإفادتها للجمع المطلق عند تفسيرها به؛ إن كان مجازا فهو خلاف الأصل، وإن كان حقيقة فليزم منه الاشتراك، وهو أيضا على خلاف الأصل.
    قلنا: ولو كانت حقيقة في الجمع المطلق فإفادتها للترتيب عند تفسيرها به؛ وإن كان مجازا فهو خلاف الأصل، وإن كان حقيقة كان مشتركا وهو خلاف الأصل، وليس أحد الأمرين أولى من الآخر.
    فإن قيل: بل ما ذكرناه أولى؛ لأنها إذا كانت حقيقة في الترتيب خلا الجمع المطلق عن حرف يخصه ويدل عليه، وإذا كانت حقيقة في الجمع المطلق لم يخل الترتيب عن حرف يدل عليه لدلالة "الفاء" و"ثم" عليه- قلنا: فنحن إنما نجعلها حقيقة في الترتيب المطلق المشترك بين "الفاء" و"ثم" وذلك مما لا تدل عليه "الفاء" و "ثم" دلالة مطابقة بل إما بجهة التضمن أو الالتزام، وكما أنها تدل على الترتيب المشترك بدلالة التضمن أو الالتزام فتدل على الجمع المطلق هذه الدلالة، وعند ذلك فليس إخلاء الترتيب المشترك عن لفظ يطابقه أولى من إخلاء الجمع المطلق.
    وعلى السابع أن ما ذكروه إنما يلزم أن لو كانت الواو جارية مجرى واو الجمع وياء التثنية مطلقا، وليس كذلك لأنه لا مانع من كونها جارية مجراهما في مطلق الجمع مع كونها مختصة بالترتيب كما في الفاء وثم.
    وعلى الثامن أنه كما أن الجمع المطلق معقول، ولا بد له من حرف يدل عليه؛ فالترتيب المطلق أيضا معقول ولا بد له من حرف يدل عليه، وليس ما يفيده بالإجماع سوى الواو فتعين، كيف وإن الجمع المطلق حاصل بقوله: رأيت زيدا رأيت عمرا.
    وعلى التاسع أن ما ذكروه منتقض بثم وبعد.

    (3)-أ
    وأما المثبتون للترتيب فقد احتجوا بالنقل والحكم والمعنى؛ أما النقل فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} الحج 77) فإنه مقتض للترتيب، وأيضا ما روي أنه لما نزل قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} البقرة 58) قال الصحابة للنبي عليه السلام: بم نبدأ؟ قال: ابدؤوا بما بدأ الله به. ولولا أن الواو للترتيب لما كان كذلك.
    وأيضا ما روي أن واحدا قام بين يدي رسول الله وقال: من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى، ومن عصاهما فقد غوى! فقال عليه السلام: بئس خطيب القوم أنت! قل: ومن عصى الله ورسوله فقد غوى. ولو كانت الواو للجمع المطلق لما وقع الفرق.
    وأيضا ما روي عن عمر أنه قال لشاعر قال: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا: لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك. وكان عمر من أهل اللسان، وذلك يدل على الترتيب.
    وأيضا ما روي أن الصحابة أنكروا على ابن عباس وقالوا له: لم تأمرنا بالعمرة قبل الحج وقد قال الله: {وأتموا الحج والعمرة لله} البقرة 196)؟ وكانوا أيضا من أهل اللسان، وذلك يدل على الترتيب، ولولا أن الواو للترتيب لما كان كذلك.
    وأما الحكم فإنه لو قال الزوج لزوجته قبل الدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق- وقع بها طلقة واحدة. ولو كانت الواو للجمع المطلق لوقعت الثلاث، كما لو قال لها: أنت طالق ثلاثا.
    وأما المعنى فهو أن الترتيب في اللفظ يستدعي سببا، والترتيب في الوجود صالح له- فوجب الحمل عليه.
    (3)-ب
    أجاب النافون عن النقل؛ أما الآية فلا نسلم أن الترتيب مستفاد منها، بل من دليل آخر وهو أن النبي عليه السلام صلى ورتب الركوع قبل السجود، وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي. ولو كانت الواو للترتيب لما احتاج النبي عليه السلام إلى هذا البيان.
    وأما قوله عليه السلام: ابدؤوا بما بدأ الله به- فهو دليل عليهم حيث سأله الصحابة عن ذلك مع أنهم من أهل اللسان، ولو كانت الواو للترتيب لما احتاجوا إلى ذلك السؤال. ولقائل أن يقول: ولو كانت للجمع المطلق لما احتاجوا إلى السؤال فيتعارضان، ويبقى قوله عليه السلام: ابدؤوا بما بدأ الله به، وهو دليل الترتيب.
    وأما قوله عليه السلام قل: ومن عصى الله ورسوله فقد غوى- إنما قصد به إفراد ذكر الله تعالى أولا مبالغة في تعظيمه، لا أن الواو للترتيب، ويدل عليه أن معصية الله ورسوله لا انفكاك لإحداهما عن الأخرى حتى يتصور فيهما الترتيب.
    وأما قول عمر فمبني على قصد التعظيم بتقديم ذكر الأعظم على قصد الترتيب، وأما قصة الصحابة مع ابن عباس فلم يكن مستند إنكارهم لأمره بتقديم العمرة على الحج كون الآية مقتضية لترتيب العمرة بعد الحج بل لأنها مقتضية للجمع المطلق، وأمره بالترتيب مخالف لمقتضى الآية؛ كيف وإن فهمهم لترتيب العمرة على الحج من الآية معارض بما فهمه ابن عباس وهو ترجمان القرآن.
    وأما الحكم فهو ممنوع على أصل من يعتقد أن الواو للجمع المطلق، وبه قال أحمد بن حنبل وبعض أصحاب مالك والليث بن سعد وربيعة بن أبي ليلى، وقد نقل عن الشافعي ما يدل عليه في القديم. وإن سلم ذلك فالوجه في تخريجه أن يقال: إذا قال لها: أنت طالق ثلاثا- فالأخير تفسير للأول، والكلام يعتبر بجملته بخلاف قوله: أنت طالق وطالق وطالق.
    وأما المعنى فهو منقوض بقوله: رأيت زيدا رأيت عمرا؛ فإن تقديم أحد الاسمين في الذكر لا يستدعي تقديمه في نفس الأمر إجماعا؛ كيف وإنه يجوز أن يكون السبب في تقديمه ذكرا لزيادة حبه له واهتمامه بالإخبار عنه؟ أو لأنه قصد الإخبار عنه لا غير ثم تجدد له قصد الإخبار عن الآخر عند إخباره عن الأول؟
    (4)
    وبالجملة فالكلام في هذه المسألة متجاذب وإن كان الأرجح هو الأول في النفس.
  • د. وسام البكري
    أديب وكاتب
    • 21-03-2008
    • 2866

    #2

    الأستاذ الفاضل فريد البيدق
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لديّ ملحوظتان أرجو أن يتسع لهما صدرك ..
    1. النص من أوله إلى آخر حرف فيه منقول، وحضرتك لم تُضف إليه حرفاً واحداً قط !، وكنتُ آمُل أن أجد تعليقاً أو ملحوظةً عليه ما دمتَ قد وضعته في (ملتقى بحوث ودراسات لغوية قديمة وجديدة).
    2. لم تُبيّن لأيّ مؤلف ينتسب الكتاب المذكور في العنوان ما دام العنوان نفسه عند ابن حزم والآمدي.
    3. لم تُوثّق موضع النص في الكتاب، كالجزء والصفحة، فضلاً عن معلومات النشر.

    مع التقدير.
    د. وسام البكري

    تعليق

    • محمد فهمي يوسف
      مستشار أدبي
      • 27-08-2008
      • 8100

      #3
      الأستاذ فريد البيدق
      جهد مشكور في الاطلاع اللغوي والنقل للإفادة منه

      وجميل تعليق الدكتور وسام بملحوظاته القيمة عن الموضوع
      والحقيقة أننا في دراستنا لحروف العطف ومعانيها في الكلية على أساتيذ أفاضل
      كالدكتور عطية الصوالحي ، والدكتور عبد الحميد طلب ، والدكتور تمام حسان ، والدكتور عباس حسن

      تعلمنا أن حرف العطف الواو له حالات متعددة وأذكر منها :
      1- أنه إذا كان المعطوف غير مفرد نحو ( رأيت القمر والنجوم ) فإن ذلك يفيد مطلق التشريك في المعنى العام وهو الرؤية فلا تدل على الترتيب الزمني بين المتعاطفين وقت وقوع الرؤية ولا على التعقيب أو المهلة أو الخسة أو الشرف
      ( هكذا أشار الدكتور عباس حسن في صفحة 558 من كتابه النحو الوافي الجزء الثالث )ويشمل عطف المفردات أيضا
      عطف الفعل بغير مرفوعه على فعل آخر وحده
      2- ويمكن أن تأتي في عطف الجمل عندما يعطف الفعل مع مرفوعه على فعل آخر مع مرفوعه نحو : انطلق الطائرة وانطلقت السيارة
      ومثل ( وليس أخي من ودني رأى عينه= ولكن أخي من ودني وهو غائب)
      3- وقد تكون الواو للعطف والمعيةوهي ما ينصب بعدها الفعل المضارع بأن الناصبة المضمرة وجوبا فهي تجمع مع العطف الدلالة على المصاحبة والاجتماع فزمن التحقق والوقوع واحد
      4- وقد تفيد الواو العاطفة الجمع في المعنى والترتيب الزمني مع فارق المهلة بينهما بعطف المتقدم على المتأخر في الزمن بقرينة كقول الله تعالى :
      ( كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك اللهُ العزيز الحكيم ) مخاطبا محمدا صلى الله عليه وسلم فالمعطوف سابق زمنيا
      على المعطوف عليه بوجود مهلة بينهما مع الاشتراك في الإيحاء أي المعنى دون إفادة الترتيب الزمني
      5- يجوز حذف الواو العاطفة أو المعطوف عليه وحده دون حذف العاطف ( الواو ) فتكون في هذه الحالة عاطفة أو غير عاطفة بمعنى ( رُبَّ ) بشرط عدم اللبس في المعنى كقول الشاعر :
      إني مُقَسِّمُ ما ملكت فجاعلٌ = قسْما لآخرةٍ ودنيا تنفعُ
      أي وقسْم دنيا بمعنى لدنيا تنفع
      6- وللواو العاطفة ميزات تنفرد بها عن بقية حروف العطف ومنها :
      عطف العام على الخاص مثل قوله تعالى ( رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات)
      ومنها : تعطف المفرد بعد الكلام المنفي بمجيئها قبل ( لا ) النافية ؛ نحو قولنا :
      شجاع النفس لايحب الجبن ، ولا الكذب ، ولا الرياء
      أي لايحب كل واحدة من هذه الصفات المذكورة فالنفي واقع على كل واحدة من غير توقف على غيرها بتكرار (لا)
      وكذلك وقوع واو العطف بعد نهي فتعطف مفردا إذا جاءت قبل ( لا) النافية مثل :
      لاصدق الحلاَّف ولا النمام ولا الحاسد.
      وذكر الدكتور عباس حسن في كتابه النحو الوافي
      زيادة وتفصيلا حول ما تنفرد به واو العطف وإيحاءاتها في ثماني عشرة حالة مع ضرب الأمثلة التوضيحية عليها
      ويمكن للدارس الرجوع إليها عند صفحة 567 من الجزء الثالث .

      وأعرف أن ( حرف الواو ) في غير باب العطف لها استعمالات كثيرة طريفة ومفيدة

      تعليق

      يعمل...
      X