هزّّاتُ العكّار
اهتز وجدانه عندما أبصر السواد يغلّف مجلسهن .. تحلقن حول شقيقته .. كما يغشى الليل النهار .. يزدن أوار النار بما يزرعنه في رأس شقيقته من أوهام وأفكار جعلاها تزبد وترعد ، وتصيح بأعلى صوتها عندما رأته : لا يطفئ النار إلا الثأر يا عكّار .. لا يطفئ النار إلا الثأر يا عكّار!! .
اقترب منهن يرسم بعصاه دوائر في الهواء تشير إلى طريقة جلوسهن .. كأنّه قائد فيلق غير راض عن مرؤوسيه ، وهو يدلهم إلى مواقع العدو على خريطة معركةٍ ، يمكن أن توقعهم في الأسر.. أو تنجيهم من الحصار .
تنخع بصوت مرتفع ، مثل جندي مهزوم .. يشخُر وهو ينام أسيراً .. تُدغدغه أحلام الحرية والنصر.. وألقى ببُصاقة كبيرة ملء فمه .. تدحرجت على الأرض كقنبلة يدوية لم تنفجر .. فزادت من إحساسه بطعم مرارة الفشل .. ولزوجة الهزيمة .. وخيبة الأمل من مجتمع يقاتل عدواً لا يعرفه .. ويرد على الموت بالموت .
لاكته الألسن .. فوصفه تارةً بالمعتوه .. وتارةً بالمجنون .. أكثرية أهل قريته يعتقدون أنه بالحق والطهر مسكون .. قلّةٌ منهم تجزم أنه خرافيّ مأفون .
صراحته تطرق أحياناً أبواب الوقاحة .. صبورٌ في تصيّد أخطاء الآخرين .. يتفنن في نسج شباكه حولهم .. يفرد أشرعة أذنيه على مداها .. يلتقط هائمات أخبارهم ، يستمتع باغتصاب عذرية أسرارهم وسقطات ألسنتهم .. لمْسته النهائية في صناعة الخبر ، جعلته محطّ ألسنة النساء .. وموضع تندر الرجال .
إذا تواجد في مجلس يصبح السكوت فيه من ذهب .. وحتى السكوت فإنه لا يفيد مجالسيه أحياناً .. إذ سرعان ما يستفزهم بحادثةٍ يرويها ، أو قصةٍ يحكيها.. تجبرهم على أخذ مواقف دفاعية للرد عليه .. ليصبح السجال معه حديث أهل القرية في اليوم التالي .
لم يكن ينزعج من مناداته بالعكّار .. ذلك اللقب الذي التصق به ، وأصبح يوجّه سلوكه إلى درجة التوحد .. و كان عندما يمر بموقف يعجز فيه عن قول الحقيقة .. يغادر القرية متوجهاً إلى وادي العلان .. يحادث نفسه .. لا يرد أو يطرح على أحد السلام .. ينشئ محكمة افتراضية .. يمثل فيها دور القاضي .. ودور المتهم .. دور الجاني ودور الضحية .. يعطي الجميع الحقوق والواجبات ذاتها.. كلٌ حسب موقعه وموقفه .. يطلق الأحكام ، ويودعها الأيام .. لأن الزمن وحده كفيل بكشف المستور .. وتجاوز المحظور .. وبذلك تستعيد الحياة توازنها .. وتعود المياه لمجاريها .
شعرت أم هاجم بثقل الجلبة التي أحدثها مقدم العكار .. كأنه جيش عرمرم يقترب مطبقاً على مدينة فقدت كل عناصر قوتها .. ضاق صدرها .. بان هلعها واضحاً .. وحارت تحت وطأة سؤال أخذ يتشكل في وعيها .. ويستفز محرضات تفكيرها : بم سترد عليه إن أطلق رشق لسانه ، ومس بالسوء دم ولدها ، وآذاه في مرقده ؟ وعصف دماغها يستمطر الأفكار .. كمن يتلمّس أي منفذٍ للفرار .. لكن رطوبة الفكر .. ووطأة القهر .. ولّدا لديها شعوراً بالعجز .. هيمن عليها .. وعبث بمحدّدات تفكيرها .. وأخفى مسالك النجاة من سبل إدراكها .. وداخلها الرعب من فلتات لسانه .. وهزّاته التي تثير عكر الحياة.. وتحرّك مكامن النفوس .. وتعبث بما تختزنه من رواسب الزمن .. تقطعت الارتباطات بين جزر الدّماغ لديها .. فلم تعد قادرةً على التفريق بين السؤال وما تتوقعه من جواب .. رمت بصرها إلى الأرض .. وراحت يداها تعبثان بالتراب .
نظر العكار إليهن .. وبحركة تنطق مكوناتها بالشيطنة والسعدنة .. ودون سلام.. جلس القرفصاء قبالة شقيقته .. وجّه إليها عصاه بتأشيرة فيها دلالات الأمر والزجر، وبعيدة كل البعد عن المسكنة والرحمنة .. وصاح بها : حزينةٌ ؟ لديك الحق كلّه .. لكن الحزن لا يموت بالحزن .. لماذا تؤججين النار، وتصرين على الأخذ بالثأر ؟ الهندي قتل لك ولداً .. وأنت ستقتلين الثاني .. أه لو حكّموني بالدنيا يوماً ً .. يوماً واحدا فقط.
أم عوض تقول لزوجة العكّار : لقد جنّ زوجك حتى يقتحم جمعتنا على هذه الحال .
أم هاجم تشعر بالرضا لأن شقيقها لم يسئ إلى ذكر ابنها المغدور .. لكن هاجساً ما لا يزال معششاً في صدرها .. ويبعث على القلق لديها .. لأن العكار مثل البركان لا يلبث بعد الهدأة أن يفاجئ الجميع بالثوران .. راودتها فكرة قطع الطريق عليه.. صاحت وناحت .. ورفعت رأسها في وجهه مثل فرسٍ جموح .. محاولةً إخماد بريق إيماءاته .. ونيران غمزاته ولمزاته .. التقت عيناها بعينيه .. جمدتها إيماءاته .. أرعبتها جرأة عينيه .. طأطأت رأسها وكأن جاذبية الأرض كلها تشدّه إليها .
من عينيها أدرك العكّار أنّه يسود الموقف .. اكتشف نقطة ضعفها .. تابع الضغط لتقوية محور الشك لديها .. صرخ بأعلى صوته : روح ابنك الثاني في كفة الميزان الآن .. ورباط السروال يصلح لحزم الحذاء ، وربط الحمار، وقتل الإنسان .
أم عوض : لا شكّ أنه على علاقة بالجان .. لذلك صدق توقعه .. وقُتل هاجم خنقاً بواسطة رباط سروال.. أنه يعرف ما لا نعرفه !
يرفع العكّار درجة صوته لإحكام السيطرة ويصيح بهنّ : لولاكن لما حُلّ رباط سروال .. ولولا رباط السروال .. ما قتل الرجالُ الرجالَ .. أه لو حكّموني بالدنيا يوماً.. يوماً واحداً فقط .
حاصرت عبارات العكّار أم هاجم .. ولم تترك لها منفذاً واحداً للفرار .. خافت من تلميحاته .. وما يخفيه بين طيات حديثه .. بلغ التوتر النفسي حدّه الأقصى لديها .. تجمدت قسمات وجهها .. جحظت عيناها .. انكفأت أحاسيسها إلى الداخل لتحمي نفسها من الموت والعكّار معاً .. فقدت وعيها .. أُغمي عليها .
تعالى صياح النسوة يطلبن نجدة العكّار .. هرجْنَ ومرجْنَ .. وتدافعْنَ لإيقاظ أم هاجم من غيبوبتها .. أسرع العكّار يرشّ الماء على وجهها ، وهو يصيح بهن : ابتعدن .. ابتعدن أيتها الغمامات السود .. ابتعدن ولا تضعن في طريق وعيها السدود .
كل ذلك يجري بينما أم هاجم غائبة عن الوعي .. غارقة في حواراتها الداخلية .. تلهث خلف قشة تتعلق بها لتنقذها من صدأ معرفتها .. وجهالة الشط الذي تسبح فيه .. وتعينها على إخفاء لغز رباط السروال .. وكانت كلما حاولت الغوص بحثاً عن جوهر الحل .. يمنعها النفخ الذي ملأها بهواء فاسد .. وكاد أن يحولها إلى عجلة يعوم عليها الآخرون .. غير مكترثين إن وجدت من ينفس عنها كربها ، أو حتى إن انفجرت وتشظت ، وعبّدت بحياتها طريق حياتهم .. ولولا القليل من مفردات المعرفة المختزنة في حوض تجربتها .. لما استطاعت إعادة ترتيب بعض مواقعها.. وحملت كل هذا الثقل الجاثم على صدرها .. ولما تمكنت من عبور مسافات وعرة ، اكتشفت خلالها قدراً من الجهل الذي يبطن ثقافةً لا تختلف حياة النساء فيها عن مماتهن إلا بطريقة العبور من قبر إلى قبر. .
ارتجفت أوصالها .. وهي تستعيد صورة ولدها يتدلى مشنوقاً برباط السروال .. ذلك الرباط الذي حوله إلى شيطان ومكنه من مهاجمة أعراض الناس .. سمعته يومها ينادي على عروس الهندي: حلِّي الدِّكة يا امرأة .. حلِّي الدِّكة يا امرأة ، بعد أن أوقفها قبالة رباط السروال الذي كان يربطه على حبل في منتصف غرفة الكشف والمعالجة ..حيث كان الناس يأتون إليه طلباً للتداوي .. تشدهم سمعة والده الحسنة في الطب الشعبي .. انتفضت عروس الهندي ، وصرخت بأعلى صوتها خسئت أيها النذل !!خسئت أيها الجبان!!
شعرت أم هاجم برائحة الموت تختلط في هدير صوت الهندي .. جفلت على وقع جلبته وقد قام بجدل رباط السروال كحبائل شيطان ، وأطلقه على هاجم كثعبان، فأطبق على عنقه ولم يتركه إلا جثة هامدة معلقة كطعمٍ من الدود في عقدة بائسة من رباط سروال اكتنز بنصال الموت في حدائق الشيطان.
بدأت الحركة تعود ببطء لعيني أم هاجم ، فأخذت تجيل النظر حولها .. تتلمّس الواقع .. وتستمدّ منه الشعور بالأمان .. الذي خالت أنه لن يعود إليها بعد الآن وتهللت بالبشر قسمات وجهها .. لرؤية النساء حولها يرتدين الثياب السود .. وعبراتهن تضمّخ الخدود .
ومع أن وعيها عاد مُجهَداً .. فإنها أحسّت ببقعـة ضوءٍ تروي ظمأ روحها ، وتغسل كدر وجدانها ، أجهشت بالبكاء .. شعرت بضعف ووهن شديدين أتيا على شيء ما بداخلها .. أومأت إلى العكّار بيدها وهي تقول بصوت منخفض : خذني إلى غرفتي يا أخي .
أجهش العكّار بالبكاء .. دون أن يشعر بالحرج وهو يبكي على مرأىً من النساء مسح بطرف منديله الدمع من عينيه.. أمسك يد شقيقته .. نهضا معاً .. أسندت رأسها إلى كتفه .. استسلمت له كطفل صغير هدأ بين ذراعي أمه .. ومشت على هون معه باتجاه غرفتها .
سوت أم هاجم من وضعية قعدتها .. جلست على ركبةٍ ونصف.. كصخرة بازلتٍ عتيقةٍ تحرس المكان وتغالب تقلبات الزمان .. أخذت نفساً عميقاً .. كأنها تعد العدة لمقارعة الجان زفرت زفرة طويلة .. ازداد معدل نبض قلبها .. شعرت بالراحة وهي تتحرر من أسر الحقيقة التي نغصّت عيشها ، وأقلقت منامها وغيرت من معايير ثقل كفة الميزان.