ما أنا بسارقة .. أيا غيضا من ذاك الفيض

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جلال داود
    نائب ملتقى فنون النثر
    • 06-02-2011
    • 3893

    ما أنا بسارقة .. أيا غيضا من ذاك الفيض

    صديقتي الوفية ....
    أُقبِّل جبينك ( رغم كل شيء ) ..
    وأكررها لك و أقولها مراراً و تكراراً، رغم كل ما بدر منك نحوي ...
    قرأتُ خطابك الناري .. ولم أغضب .. فقد كنتُ أتوقعه في أي لحظة ..
    كنت أعرف أن غضبك سيتحول إلى سيل جارف من الإحتقار .. وإعصار لا يُبْقِي و لا يذر.
    وأعلم تماماً بأنني الآن في نظرك فتاة لا أستحق أن أرْقَى إلى مصاف الأسوياء من البشر ..
    ولك كل الحق في ذلك ..لك الحق في وَصْمِي بكل ما يخطر لك على بال ...
    ولكنني أعتقد أنه من حقي أن أتصرف كما تصرفتُ ..
    يدفعني قلبي وتوجّهني أحاسيسي .. فأنا إنسانة من لحم ودم أولاً وأخيراً .. أليس كذلك؟
    عزيزتي.. دعيني أجْتَرُّ معك الماضي .. أقصد ماضينا سويا.
    متى تم تعارفنا ؟
    كان ذلك منذ أن دلفنا ذاك اليوم في المدرسة الإبتدائية قبل سنوات طويلة مضت ..
    تآلفت الروحان منذ أول لقاء لنا ..
    إنها مسيرة طويلة و ممتدة من الزمالة والصداقة والمحبة ..
    لا أعتقد أن أحدا يحبك مثلي ..
    وأثِق في تقديري هذا لدرجة كبيرة ..
    أعجبتني شفافيتك .. وأسرني صدقك .. وحبك لأسرتك .. وخاصة والدك الذي تفتخرين به أيما إفتخار، وهو رجل يستحق ذلك ..
    هذاالرجل السامق .. الذي بدأ إعجابي به بسببك ..
    إعجابك به الذي لا يدانيه أي شعور آخر لديك .. بل هو شعور أقرب إلى التقديس ..
    تكادين تنزهينه عن الخطأ وعن كل فعل بشري .. بل يرقى عندك إلى مرتبة الملائكة ..
    تتحدثين عنه .. فلا أجد من أقارنه به..
    فأنا لم أعرف طعم الأبوة قط ..
    عشتُ يتيمة الأب منذ أن وعيت هذه الدنيا الغريبة ..
    أعيش في كنف والدتي الغنية وزوجها الطامع في ما تملك والزاهد فيها وفيني وحتى في أولاده..
    كنت تتحدثين عن والدك، فأحاول أن أرسم صورة لأبي وأتساءل : هل يا ترى كان سيكون مثل والدك ..؟
    وأصدقك القول .. بأنني كنت أحسدك أحياناً .. وأغبطك تارة .. وأحياناًأخرى تطفو مشاعر حبي لك فأسعد لسعادتك ..
    ألم أكن معذورة في كل هذه المشاعر المتضاربة ؟؟
    ألا أستحق الإشادة لأنني كوَنْتُ شخصيتي هذه دون أب يقود خطواتي في دروب الحياة ومسالكها ؟؟
    حبيبتي وصديقتي ...
    أعلم أن غضبك لن تنطفيء جمرته ولن تذْوَى جذوته طالما أنا على قيد الحياة ..
    إنقلب حبك لي إلى بغضاء .. للأسف البالغ، ولكن كل همّي ألا تغضبي من والدك .. فهو من طينة آدم وحواء ..
    فإن كنتِ تظنين أن ما فعله خطأ كبير .. فأجلسي إلى نفسك بهدوء ..
    وفكري في الأمر من زاوية أخرى وحاولي أن تجدي الأعذار والمبررات بعيداً عن كونه والدك ..ضعيه في مرتبة البشر العاديين ثم أحكمي ..
    مشكلتك أنك تعتقدين جازمة أنه بعيد كل البعد عن إرتكاب ما يقترفه عامة الناس، بل حتى هفوة صغيرة ..
    لم أمارس شيئا في الخفاء .. فقد بدأ إعجابي بأبيك ينمو في قلبي المتعطش أمام ناظريك وتحت سمعك وبصرك ..
    عرفته من إطرائك له ..
    لاتنكري أنني كنت أقف مشدوهة أمامه ...
    فتغلغلتُ إلى دواخله لأعرفه أكثر لأنني كنت لا أعرف كيف يكون الأب ولا أعرف معنى أن يربت أحدهم على كتفي مواسياً أو أن يمد حدهم يده ليمسح دمعة منزلقة على خدي من القهر والعذاب..
    فأنت تعرفين بأنني لم أقل يوما لأحد ( يا أبي ) ولم أمسك بيد أحد وأنا أنظر إليه بفخر كما تفعلين مع أبيك ...
    ولأن والدك فيض من بحر الرحمة والمحبة .. كانت أمواجه تصيبني برذاذ يكفيني لأنام تكتنفني الطمأنينة ويسكنني الهدوء وكأنه يحيطني بذراعين من الرعاية والشفقة ..
    أغفو، فأراه في منامي محاطاً بي وبك ..
    نعم.. بي وبكِ ..
    حاولت أن أن أقول لك بأنني أحب والدك .. لأنه بدأ حباً ينبع من محبتي لك ..
    حاولت أن أدفع عن نفسي جذوة بدأتْ تستعر في أتون روحي وحنايا قلبي ..
    خفت أن أصارحك ..
    فكتمتُ ما يجيش بدواخلي ..
    فرِحْتُ به أول الأمر لأنه نبْض لم أحس به من قبل .. فتركته ينتشر في أوردتي و يضخ دما لم آلفه.
    أحسست به كوسوسة تهمس في الدواخل عند تذوق شيء جرَّبه أحد قبلي وحذرني من أن رحيق شهده الطاعم دونه أشواك ومزالق ..
    إحساس جعلني أسترسل بعيداً أسبح في خيال يزين إطاره ألوان قوس قزح وتغرد أسراب من الطيور بين أغصانه ..
    ولكن ما أن بدأ النبض يجعلني أتحاشاك وأتحاشى مقابلتك والتحدث إليك .. شعرت بعِظم ماأنا مُقبلة عليه .. تقود خطاى مشاعر وليدة تدغدغ كياني .. وتكبح جماحها صداقتي لك..
    أرأيت أي عذاب كنتُ فيه ؟؟
    أرأيت مدى تمزقي وتشتتي ؟؟
    تخيلت للحظة بأنني أعيش حالة من إنفصام الشخصية ..
    شعور طفل يريد ألعابه و ألعاب من حوله.
    حبي لك كان يقودني إلى الإرتماء في حضنك عند كل مشكلة أو أمر عارض يجرح إحساسي.
    ولكن هذه المرة لا أجرؤ على فعل ذلك ..
    وقف حبي لوالدك جدارا يجعلني أقطع كل صلة بك لأنك ستعتقدين بأنني سرقته منك .. و قد كان
    فهذه الكلمة تجعلني أجفل وتجعل قلبي ينتفض رعباً ..
    هل سرقته منك ؟
    هذاما خطته يدك في خطابك لي ..
    هل تعتقدين بأن والدك لن يعد كما كان ؟
    أنا أجزم بأنه يحبك أكثر من ذي قبل ..
    فغيرتك عليه تجعله يزداد يقيناً بأن حبك له يفوق أي مشاعر أخرى ..
    وخاصة عندما قرأ في خطابك الفقرة التي تقولين فيها :

    (لن ألوم أبي .. فهو في غمرة الخلاف العائلي الحاد الذي جعل والدتي تغضب وتترك له البيت كل هذه السنوات .. هو خلاف أعتقد أنه لم يكن طرفاً في إذكاء أواره أو تأجيج شرارته أو حتى سببا فيه .. فإن أبي وبشحنات عاطفته الجياشة .. وجدك أمامه فتاة يتلهف قلبها البكر متعطشاً لقطرة واحدة من الحنان .. فما أن أحس بتجاوب قلبك، فتح نافذة لك مُشْرعة دونما ضوضاء وبهدوئه المعهود .. فتسللتِ إليه وتربعتِ في خضم أمواجه المتلاطمة التي غمرتْنا طويلا ..... لماذا أنت بالذات ؟ لماذا لم تراع شعوري ؟ كنت أتمنى أن تكون فتاة أخرى لا أعرفها حتى نفرغ غضبنا عليها سوياً .. ولكن لك أن تعلمي .. إنه أبي .. ولن أتركك تنعمين طويلاً بخيانتك لي ) ..
    هذه الفقرة جعلت أبيك يردد إسمك في هذيانه ذات ليلة ..
    عزيزتي..
    نعم لقد تزوجته سراً .. ولا أدري كيف وصلت إليكم الأخبار بهذه السرعة ..
    فقد كانت النية أن يكون الخبر على دفعات ..
    ولكن لتعلمي والله على ما أقول شهيد .. أنا سعيدة للغاية بأبيك لسببين ..
    الأول لأنني أحببته كرجل بغض النظر عن كونه والد صديقتي
    الثاني: هو أن حبي له مضاعف .. لأنك يا هذي غَيْضٌ من فيْض هذا الرجل الحبيب..
    أنظرإليه فأراك وأراه في آن واحد .. أهناك سعادة أكثر من هذا ؟؟
    لقد وضعتك في كفة وهو في كفة أخرى ..
    فلو فقدته فلن أحظى بحب مثل حبي له ..
    ولوفقدتك مؤقتا اليوم .. فأنا أثق بأن علاقتنا ستعود يوما بعد أن تهدأ نفسك وتخبو سورة غضبك.
    وسيقف والدك معي ليعيدك إلى صداقتي مرة أخرى ..
    كان بإمكاني أن ألوذ بوالدك وحبه وأغمض عيني عنك، بعد أن فزتُ بأسباب سعادتي ..
    ولكن حبي لك وصداقتي لك ومعزتك عندي .. كلها أشياء تجعلني لا أتنازل عنك مهما فعلتِ أوقلتِ .. فأعذريني وأرحميني .. فلن أغفر لنفسي فقدانك ..
    لك أن تكرهينني أو تنسيني .. ولكن حبي لك لم ولن يتغير حتى وإن تركني والدك إرضاءاً لك ..
    أخت مرسالتي ودمعة كبيرة تتساقط على طاولتي ..
    ليتك معي لترتاح رأسي على كتفك ..
    لك محبتي الدائمة..
    صديقتك السعيدة والمعذبة في آنٍ واحد...

    ***
    من مجموعتي القصصية ( مراسيل )
  • آسيا رحاحليه
    أديب وكاتب
    • 08-09-2009
    • 7182

    #2
    جميل هذا النص .
    أرى أن عنوانا آخر يمكن أن يكون مناسبا اكثر.
    تحيّتي.
    التعديل الأخير تم بواسطة آسيا رحاحليه; الساعة 11-07-2011, 12:49.
    يظن الناس بي خيرا و إنّي
    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

    تعليق

    • فايزشناني
      عضو الملتقى
      • 29-09-2010
      • 4795

      #3

      نعم يا أستاذ جلال هي دنيا عجيبة غريبة
      في الواقع سمعنا قصصاً مشابهة بل قصصاً أقوى
      نعود هنا إلى الاسلوب و الضرر وهما لم يعرضا أحداً لإهانة أو ضرر
      ربما أذى نفسي لإبنته( صديقتها ) ولكن طالما وجدت أن والدها
      لم يتعرض للإغواء ( مثلاً ) أو لخديعة ما وتم الأمر مباشرة
      ووالدها وصديقتها يراعيان مشاعرها ومحبتهما لها لم تنقص
      فلا بأس أن يتسع صدرها وقلبها لما جرى وتقبل به قضاءاً وقدراً
      طريقتك بعرض القصة بشكل رسالة رداً على رسالة تقابلها
      كان جميلاً وايجابياً لأنه طريقة عوضت عن الجفاء الحاصل بينهم
      وتركت مساحة كبيرة للصلح والغفران.
      أستمتعت بما قرأته لك
      حياك الله
      هيهات منا الهزيمة
      قررنا ألا نخاف
      تعيش وتسلم يا وطني​

      تعليق

      • جلال داود
        نائب ملتقى فنون النثر
        • 06-02-2011
        • 3893

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة آسيا رحاحليه مشاهدة المشاركة
        جميل هذا النص .
        أرى أن عنوانا آخر يمكن أن يكون مناسبا اكثر.
        تحيّتي.
        الأستاذة القديرة آسيا
        لك التحية و التقدير
        أسعدني إعجابك بالنص
        كان معظم تعليق من قرأ هذه القصة هو : أقترح إسما آخر للنص
        لك الشكر على هذا المرور البهي
        دمتم

        تعليق

        • جلال داود
          نائب ملتقى فنون النثر
          • 06-02-2011
          • 3893

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة فايزشناني مشاهدة المشاركة
          نعم يا أستاذ جلال هي دنيا عجيبة غريبة
          في الواقع سمعنا قصصاً مشابهة بل قصصاً أقوى
          نعود هنا إلى الاسلوب و الضرر وهما لم يعرضا أحداً لإهانة أو ضرر
          ربما أذى نفسي لإبنته( صديقتها ) ولكن طالما وجدت أن والدها
          لم يتعرض للإغواء ( مثلاً ) أو لخديعة ما وتم الأمر مباشرة
          ووالدها وصديقتها يراعيان مشاعرها ومحبتهما لها لم تنقص
          فلا بأس أن يتسع صدرها وقلبها لما جرى وتقبل به قضاءاً وقدراً
          طريقتك بعرض القصة بشكل رسالة رداً على رسالة تقابلها
          كان جميلاً وايجابياً لأنه طريقة عوضت عن الجفاء الحاصل بينهم
          وتركت مساحة كبيرة للصلح والغفران.
          أستمتعت بما قرأته لك
          حياك الله
          الأستاذ فايز
          لك التحية و التقدير
          أشكر لك هذا المرور الباذخ و تحليل النص بعين فاحصة و خبيرة
          أما كتابة القصة في شكل رسالة فهي تجعل القاص أعمق غوصا في دواخل بطل القصة.
          أكرر الإمتنان لمرورك
          دمتم

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            تستهويني القصص التى تكون مادتها رسالة
            أى منولوج داخلي
            يفجر حكاية من خلاله
            ألا يعتبر المنولوج جزء ، و لا يمكن أن يمثل كلا ، فهو أحد مستلزمات أو أدوات القص و المسرح و الرواية .. و لكن ما أراه أمامي ، قصة مكتملة ، قصة قالت كل شىء ، حتى الجانب ألاخر للنهر !


            شكرا لك أن خلقت من رسالة قصة مكتملة ، بل و مشوقة !

            محبتي
            sigpic

            تعليق

            • جلال داود
              نائب ملتقى فنون النثر
              • 06-02-2011
              • 3893

              #7
              أستاذنا القدير ربيع
              تحايا و تقدير
              أشكر لك هذا المرور الباذخ البهي

              تستهويني القصص التى تكون مادتها رسالة
              أى منولوج داخلي
              يفجر حكاية من خلاله
              ألا يعتبر المنولوج جزء ، و لا يمكن أن يمثل كلا ، فهو أحد مستلزمات أو أدوات القص و المسرح و الرواية
              ..


              أنا إستهوتني هذه التسمية لمضون القصة في شكل رسالة. فهي بالفعل منلوج في لبوس رسالة أو قصة.

              و لكن ما أراه أمامي ، قصة مكتملة ، قصة قالت كل شىء ، حتى الجانب ألاخر للنهر !

              الشكر لك على هذه الشهادة.


              شكرا لك أن خلقت من رسالة قصة مكتملة ، بل و مشوقة !

              بل الشكر لك على المرور

              دمتم

              تعليق

              يعمل...
              X