أدعـــــــــية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • توفيق بن حنيش
    أديب وكاتب
    • 14-06-2011
    • 490

    أدعـــــــــية

    أدعـــــــــية

    أدعـــــــــية

    أنهيت رسم الشخصية الأولى فتحرّكت بعد أن بعثت فيها الحياة .ابتسم ونظر إليّ بعينين حالمتين وقال :"
    ــ أنا سعيد بأن أوجدتني .أعطني اسما .
    نظرت إليه مليّا ثمّ قلت :
    ــ سيكون اسمك سعيدا .هل يعجبك ذلك ؟
    أشار إليّ برأسه أنّ ذلك يسعده كثيرا ثمّ عضّ على إصبعه وأطرق بعض الوقت ثمّ قال :
    كيف ستكون حياتي ؟أريد أن نتّفق على بعض الأمور منذ البدء
    قلت له : حياتك بيدي .ادعني أستجب لك .
    انفصل عن الورق ثمّ انحنى أمامي وقبّل الأرض ثمّ توجّه إليّ بالدّعاء
    ــ اجعلني وسيما ،حكيما وذا حظّ من الدّنيا .
    قلت له :دعاء مجاب وأنت كما أردت .
    استبشر وغمرت وجهه سعادة عارمة .
    رسمت الشّخصيّة الثّانية ونفخت فيها من روحي فتحرّكت بعصبيّة وقد بدا عليها التشنج والاضطراب .انتفض الرّجل وأشاح بوجهه عنّي وصاح مغضبا :
    ــ لا أرغب في مننك .لماذا خلقتني دون استشارتي ؟وكيف تضعني حذو هذا الجبان .لقد سمعت دعاء الذّلّ الذي دعاه من قبل خلقي .
    تشاغلت عن ثورته وقلت له ببرود وأنا مكبّ على وجهه لأرسم له شاربا عريضا .منذ اليوم سيكون اسمك حنظلة
    بصق عليّ وسمعت خربشة على الورق تنمّ عن غضب ورفض . لم ألتفت إلى ذلك وواصلت أرسم الشّخصيّة الثالثة .كانت امرأة جميلة ،كانت فاتنة .نطقت باسمة وحيّتني بأجمل التّحايا... انبرت تحكي ... لم يكن يهمّها موضوع الحديث ولم تنشغل بالمنهج ... استرسلت في الحكايات .كانت تحكي عن كلّ شيء ولا شي بالتّحديد .أسكتتها بعد جهد ... أسكتّها بعد مدّة قضّتها في السّؤال والإجابة .قلت لها :
    ــ اسمعيني ، سيكون اسمك ليلى .وستكونين فتنة لأصحابك ولكنّي لن أقبل أن تعبدي من دوني أحدا
    ضحكت بغنج ثمّ هزّت جذعها هزّا لطيقا فيه إغراء واتّجهت ناحية الرّجلين السّابقين وجعلت تحدّثهما بلجلجة وتميل بجذعها نحوهما .
    رسمت مجموعة أخرى من الشّخصيّات فكان منها العالم والجاهل وفيها المؤمن والكافر والخائن والوفيّ والصّادق والمنافق والأمين والسّارق .خلقتهم من ورق ومداد ونفخت فيهم من روحي فكان منهم الأبيض والأسود .وجعلتهم شعوبا وقبائل وجعلتهم أحزابا وأحلافا .سوّيتهم بشرا ونظرت إليهم وأمرتهم بالسّجود فسجدوا جميعا إلّّاّ وفلانا فكان من المبعدين ثم في آخر النّهار لم يمتثل أمري إلّا السّعيد . وكان إذا سجد قهقه وإذا رفع رأسه قهقه وإذا سبّح قهقه حتّى أنّه أضحكني معه .قلت له :
    ــ أتدري لماذا اصطنعتكم ؟
    ــ قال : لا علم لي إلّا ما علّمتني
    قلت:ــ إنّما الحكاية أردت وأنتم شخوصها أبطالها
    قال :ــ فليكن ما أردت و ستجدني إن شئت من الطّائعين
    قلت :ــ ولكنّك وحدك لا سند لك .فهل تقوى على النّطق بألسنتهم والبوء بأوزارهم ؟
    قال : ــ صنعتني من صمغ وورق والنّار مثواي شئت أم أبت .
    قلت :ــ الطّاعة الطّاعة .فأنتم خشبي أحرّكها كما أشاء .
    جمعت كلّ ما ابتكرت من الخلق أمامي أطرقت أتفرّسهم سألت نفسي :"هل كنت سأسجد لهم لو طلبوا منّي ذلك ؟
    قلت في سرّي كيف يسجد الصّانع لما صنع رفعت رأسي كما لو كنت ساجدا .
    وقطّبت وقد تجهّم وجهي وبدا عليّ الحنق الشّديد .
    ضربت بيدي على الطّاولة وصحت فيهم :" تحرّكوا ولتكن الحكاية .أريدها حكاية معجبة ... تصرّفوا أطيعوا أمري " ارتجّت الطّاولة والأقلام والشّخصيّات حتى سقط بعضها فوق بعض ثمّ نهضوا حانقين .قفزوا لصفعي فضحكت من عجزهم .بصقوا عليّ / بالوا على الورق وهرجوا ومرجوا ثمّ قفزوا خارج الورق .خبطتّ بيد للإمساك بهم ... ضربت هنا وهناك ... قلبت الطّاولة والكرسيّ وسقط الفلم على الأرض وسقط عرشي ... خبطتّ هنا وهناك ولكنّي لم أقبض إلّا على السّعيد ... وضعته على صفحة الورق وأحطته بخطّ مغلق حتّى أمنعه من الهروب ثمّ زدت في التّشديد عليه فرسمت حوله قضبان وجعلته كالقرد في سجنه .ورسمت بالقرب من القفص مفتاحا مكسورا لتيئيسه من الخروج .بصق عليّ السعيد وأسمعني نابئ الكلام
    فجأة هبَّ كلّ المخلوقين من نواحي البيت وقفزوا على صفحة الورق وتحلّقوا بالسّعيد في قفصه ...هتفوا باسمه وحرّكوا القضبان بعنف شديد .حرّكوها حتّى اقتلعوا بعضها وكسروا بعضها الآخر ...أيقنت أنّهم فائزون ... اهتزّ عرشي المشروخ وخالطني خوف وغضب وندم فانقضضت على الورق بما عليه من المخلوقات وعجنته بين يديّ ثمّ ألقيت به في النار
    سمعت استغاثتهم وسمعت دشدشة النّار وهي تحيلهم إلى رماد ... كنت سعيدا وتعيسا في نفس الآن لم يبق لي سوى القلم ...بسطت كفّي وشرعت في كتابة الحكاية عليه




    موجود في
    http://www.madarate-alifba.com/showthread.php?641-%C3









يعمل...
X