شهريار ..رقيق القلب !
- أيها السيّاف !
شقّت صرختي صدر الليل و اخترقت سمع زوجتي..فانتبهت فزعة..
- بسم الله الرحمن الرحيم..أفق يا رجل ..هل عاودك الكابوس ؟ .
تأفّفت بصوت عال و بعصبية أزاحت الملاءة و نهضت لتتفقد أبناءنا النائمين في الغرفة المحاذية ثم رجعت بعد قليل ..اندسّت بثقلها إلى جانبي فأزّ السرير أزا ..أدارت ظهرها لي و هي تتمتم ..
- كله بسبب تلك الكتب المصفرّة التي تغطس رأسك فيها ليل نهار.
لم أنبس بحرف . استعذت بالله من الشيطان . تمدّدت على جنبي الأيمن , ردّدت بعض الأذكار و عدت للنوم .
في الحقيقة لميكن كابوسا بل حلما جميلا , رائعا , و لم تكن المرة الأولى التي يراودني فيها بنفس التفاصيل و بالألوان أيضا . أرى فيما يرى النائم أني الملك شهريار, , أتبختر في قصري المنيف , أرفل في الحرير و الديباج, الخدم و الحشم يحيطون بي من كل جانب و جوارٍ كأنهن الأقمار يرتمين عند قدمي.. السمراء و الشقراء, الطويلة و القصيرة , السمينة البضّة و الرشيقة كعود الخيزران ..ثم أراني ليلا في فراش وثير متكئا على وسائد من ريش النعام , ستائر من مخمل و قطائف تغطي النوافذ , رائحة البخور تعبّق القصر , و بين يدي أطباق الفاكهة و كؤوس الراح ... و في آخر الليل أراني أدخل بعروس شابة عذراء غاية في الحسن و الجمال ثم لا أدري كيف أجدني أصرخ مناديا مسرور السياف كي يقطع عنق عروسي الجميلة أمام ناظري..
في اللحظة ذاتها أفيق من النوم....و ينتهي الحلم .
أخبرني صديقي الحميم أنّ جلّ الأحلام لها تفسير ,خاصة تلك التي تتكرّر بحذافيرها , و أنها غالبا تعبّر عن أمر مكبوت و اقترح عليّ أن أخضع لاستشارة نفسية . في البداية استحسنت الفكرة و لكني سرعان ما طردتها من رأسي..قرأت كثيرا عن تجار العُقَد ..أقصد أطباء النفس , و تشكّلت عندي صورة كونهم أشخاص معقّدون ومرضى و مبتزّون.. يبتزّون جيبك و ذاكرتك ..نعم .. ماذا يمكن لدكتور نفسي أن يفعل من أجلي ؟ أكيد سوف يصدّع رأسي بالحديث عن العقل الباطن و الإحساس بالذنب و عن الشعور و اللاشعور , ثم يلبسني على مقاسي واحدة من الألف عقدة و عقدة التي يحتفظ بها في درج مكتبه , و قد يسمُني بإحدى العاهات النفسية المزمنة و أخيرا يخربش فوق الوصفة منوّما يدوّخني فأحرم من النوم الطبيعي و من حلمي اللذيذ ..
ثم.. ماذا سيظن بي لو أخبره أني في الحلم آمر بقتل عروسي ؟.سيعتقد أني رجل سادي أو مختل نفسيا يكره النساء , سوف يسألني عن علاقتي بوالدتي و إذا كنت أحس بالغيرة نحو أبي..أو إذا تمنيت لو أني ولدت امرأة ! و غير ذلك من الاسئلة الغريبة ..
أنا أكره النساء ؟ مستحيل !..بالعكس .. أنا أعبدهن , و لا يمكن أن أفكّر مجرّد التفكير في إيذائهن , بل لا أرضى أن تُمسّ شعرة من أجسادهن الفاتنة أو تكدّر سحابة حزن صفاء أحداقهن أو تتساقط اللآلئ من عيونهن النرجسية ...كيف أكره المرأة و أنا المقتول بسهام لحظها و بريق ابتسامتها ...كيف.. و هي " مسروري " و سروري , ألمي و لذّتي , جنتي و ناري , متعتي و عذابي..سعادتي و شقائي ..؟
أنا لا أفهم كثيرا في علم النفس و لكني أفهم سرّ حلمي الغريب .. أنا رجل ولد عاشقا للمرأة و سيموت عاشقا ..رجل قلبه عنقود محار , في كل محارة تسكن امرأة جميلة .. بحّار مغامر لا يكاد يرسو في ميناء حتى يدغدغه الشوق لإبحار جديد ..عصفور طنّان لا يستقر فوق غصن..فراشة لا تكتفي برحيق زهرة واحدة ..
لا أعرف من الغبي الذي اخترع كذبة أن امرأة واحدة بإمكانها اختصار كل النساء ؟ هذا كلام مرسل , محض خرافة , نضحك بها نحن الرجال على عقول النساء ! و هل يغني مذاق فاكهة معيّنة عن الرغبة في تذوّق صنوف الفواكه الأخرى ؟
لا تعتقدوا أنني رجل سيئ ..لا ..أبدا..ولست أعاني من أية مشاكل نفسية أو أخلاقية . لست زير نساء و لا أحمل في تركيبتي طفرة الدون جوان . لست شيطانا..حتى أني أؤدي واجباتي الدينية بانتظام – حسنا , أحاول ذلك - كل ما في الأمر أني أقع في الحب بسرعة عجيبة و أنسى الأمر بسرعة أعجب..
أحب النساء . أعشقهن . و أعشق التربة التي تلامسها أقدامهن الصغيرة.. عشق رافقني منذ طفولتي الأولى . أذكر كم انتشيت بدور العريس في لعبة عريس و عروسة ..كان الإختيار يقع عليّ دائما لوسامتي و ظرفي و تودّدي للبنات ..و أذكر أني حين بدأت اكتشف عالم الحب و اللذة و الشهوة , وقعت في غرام كل بنات الجيران و كل تلميذات الصف ..كلهن مرّة واحدة . كل واحدة كنت أشكو لها لوعتي و شوقي و آخذ منها وعدا بأن تبقي الأمر سرا بيني و بينها حتى لا يحسدنا العذّال... كم كتبت لهن اشعارا و وفّرت من مصروفي الضئيل لاشتري لهن هدايا و شكولاته , و استعرضت أمامهن قدراتي في صيد الحمام و لعب الكرة و خوض المعارك الضارية مع الصبيان .. و كم نالني من والدي تقريع و توبيخ عندما تصله الوشاية بأني أغازل بنات الحيّ ..
سنو مراهقتي قضيتها حائرا , متذبذبا , مهووسا بالجمال , منجذبا نحو الفتيات , مأخوذا بسحر الأنوثة , مشتّت الفكر و القلب بين هاته و تلك ..كنت أخرج من مغامرة لأدخل أخرى و كل علاقاتي بالجنس اللطيف تنتهي في وقت قصير و على غير ما كنت أحب و أرغب ..
أما في الجامعة , فقد عشت أطول قصة حب في حياتي . فتاة رائعة . عشقتها بجنون ...بشرتها سمراء في لون البن المحمّص , عيناها سبحان المعبود ! لوزيتان واسعتان , و شفتاها ممتلئتان شهيّتان . كنت كلما ألتقيتها استجمع وعيي و أبذل مجهودا خرافيا كي أكبح جماح رغبتي في تقبيلها أمام الملأ.. وجدت فيها كل مواصفات المرأة التي يتمناها أي رجل . عاقلة , خلوقة و من عائلة محترمة.. جسدها ممتلئ و صحتها جيدة - ما يعني أنها ستنجب لي أطفالا أصحّاء أقوياء – و كنت , حين يلمّح زملائي إلى سمرتها الشديدة , أتّهمهم بالغيرة و الحسد و أذكّرهم أنه "لولا سواد المسك ما بيع غاليا " !
دامت علاقتنا سنة و ثمانية أشهر. تيّقنت أنها هي ..رفيقة مشوار العمر . خطّطت جدّيا للزواج منها بعد التخرّج و استلام الوظيفة . لكن كان ذلك اليوم المشؤوم الذي قدّمتني فيه لصديقة لها عائدة من بعثة دراسية في فرنسا فإذا بقلبي يتحوّل مئة و ثمانين درجة و يسقط سقوطا حرا ليقع بين عيون الشقراء .. رأيت قلبي متأرجحا معلّقا بأهداب الحسناء و" الموج الأزرق يناديني نحو الأعمق " ..و التفت إلى سمرائي التي رشّحتها للفّ الحبل حول عنقي , فإذا بالمسك يتبخّر وإذ بي أراها بعين السخط دميمة و ممتلئة أكثر مما يجب .. حتى أنه عندما تركتني و قفلت مغادرة بدا لي أنها تعرج قليلا بقدمها اليمنى ..!
تعذّبت بحب الشقراء التي لم تعرني أدنى اهتمام , بل لم تشعر بوجودي , ثم توالت الأيام و نسيت أمر السمراء و الشقراء..و وقعت بعدها في حب ثلاثين ألف امرأة , متفوّقا بذلك على نزار قباني , و لكنني في نهاية المطاف , و قد شارفت على الثلاثين , استسلمت للأقدار و رضخت لحكم العائلة و قبلت الزواج ممّن اختارتها لي والدتي . إحدى قريباتي ..على قدر من الجمال و الثقافة , مؤدّبة و ربّة بيت ممتازة و طبعا في ليلة عرسنا لم أخبرها بأني عاشق متسلسل و لم أحدثها عن سوابقي العشقية بل أكّدت لها أني كنت أنتظر هبوب القدر ليحملها إليّ زوجة و حبيبة و صديقة ..!في صبيحة العرس , كنت سعيدا , منتشيا , فخورا بإنجازي العظيم و لكن أمنية غريبة دغدغت صدري ولم أجرأ على البوح بها حتى لأعز صديق .. تمنيت لو أني أتزوّج كل نساء العالم ..!
كانت زوجتي مقدم سعد على حياتي , و هبتني أطفالا رائعين ..ذكرانا و إناثا ..و نجحت في عملي و ازدهرت تجارتي و فتح الله علي أبواب الرزق الواسعة ..غير أنني لم أبرأ من عشقي للنساء و ظللت أحلم بفاتنات أخريات ..و أحمل في صدري حسدا رهيبا لشهريار و أحاول تصوّر إحساسه و هو يتنقّل كذكر النحل من زهرة لأخرى !
في الشارع , أغض بصري ما استطعت و ألعن الشيطان في السرّ و العلانية..لكني غصبا عني يهتز كياني كلما لمحت عيناي ظلا يسابق ظلّي أو لامس أذني صدى خطوات رشيقة أنيقة , و غصبا عنّي أطيل في عمر النظرة - التي هي لي - قبل أن أشيح ببصري لوجهة أخرى فتقع على فتنة أخرى , و تتملّكني الحيرة ... فلا أدري أأرفع بعيني إلى السماء أم أهبط بهما إلى الأرض...
و حاصرتني فكرة تكرار الزواج , و أخذت أجس نبض زوجتي , فمرة أحدّثها عن رغبتي في الزواج بأخرى لكي أريحها من أعبائي و أعباء البيت , و مرة أختلق قصة وهمية لرجل أعرفه جيّدا تزوج بثانية و لم تبد زوجته أي اعتراض و هم يعيشون كعائلة واحدة في وئام و سلام , و أحيانا أنتهز أية فرصة لكي أبدأ أمامها محاضرة عن حكمة الله تعالى في تشريع الزواج من أربعة و عن ثواب الزوجة التي ترضى بضرّة و أجرها العظيم عند الله .إلى أن كان يوم .
وقفتْ بالباب , محاطة بأطفالنا الأربعة , تحمل بيمناها حقيبة كبيرة ..
كان صوتها حادا و قاطعا كسيف مسرور :
- خذني إلى بيت أهلي أنا و أبنائي و تزوّج ممن تريد .
صدمتني الصورة , هزّتني العبارة و زلزلني المنظر :
- يا الهي ! ما بك عزيزتي ..من قال أني سأتزوّج ..؟ تعلمين أني أمزح ..
و بصعوبة و بعد إلحاح و تضرّع أقنعتها بالعدول عن الخروج .
وطبعا لم أكن أمزح و لكن صرامة نظرتها و جفاف عبارتها حقنتني بمهدّئ عجيب لدرجة أنني منذ تلك اللحظة لم أعاود الحديث في الموضوع لا تلميحا و لا تصريحا..لا مزحا و لا جدّا ..
و لكني مازلت في المنام أرى أني شهريار..تحيطني الجواري الحسان من كل جانب .
تعليق