الأرجوحة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • دينا نبيل
    أديبة وناقدة
    • 03-07-2011
    • 732

    الأرجوحة

    الأرجوحة

    " أريد أن أتأرجح !"
    هكذا لمحت عيناها الأرجوحة رغم ظلمة الحديقة .. وهكذا قالت في صرخة طفل وجد لعبة جديدة
    -- " أريد أن أتأرجح !"
    أخذت تثب ممسكة يديه ثم جذبته بكلتا يديها وراءها.. تثاقلت خطواته، فأفلتت يديها وراحت تخطر على أطراف أصابعها تجر وراءها فستانها الأبيض الهفاف ، وكأن راقصة ( باليه ) حطت من السماء تحمل قفزاتها نسمات الليل الباردة ، فتبعثر خصلات شعرها ، وتلوح بأطراف أكمامها وفستانها كلّما تحركت مستأذنة سويعات الليل المتبقية أن تمهلها لحظات حتى تتأرجح ..

    بقفزة ، جلست على الأرجوحة ، ثم قبضت على سلاسلها الحديدية وتصاعدت تنهداتها .. وبصوت حالم كليلها، ناعم كملبسها ، طفولي كروحها .. نادته : " هلا أعطيتني دفعة ؟!"

    تحولت عيناه إلى السماء كمن يتأمل النجوم وبروجها وينشغل بعدّها وصفّها ..ربما ينتظر نجما يخفت نوره أوآخر يهوي أو ثالثا يهمس وسط هذا الليل الغارق في السكون ، فرفعت صوتها أكثر : " أعطني دفعة أرجوك ! "
    لم تصبر حتى يلتفت إليها هذه المرة ، أخذت تحرك جذعها إلى الأمام وإلى الخلف وتخبط الأرض بطرف قدمها ثم تدفع نفسها إلى الوراء ..

    وبدأت الأرجوحة تتحرك ..
    إلى الأمام .. إلى الخلف .. إلى الأمام .. إلى الخلف
    كسؤال وجواب صوت احتكاك السلاسل الحديدية الصدئة .. إلى الأمام " يسأل " ويعود إلى الخلف " فيجيب " .. وهكذا تتحرك الأرجوحة !
    إلى الأمام .. إلى الخلف ، يزداد الاحتكاك ويزداد الصوت .. يختنق بين عقد السلاسل الحديدية ليبدأ بالصراخ كصوت طفل يعلو صراخه .. بالسؤال والجواب
    إلى الأمام .. إلى الخلف .. ( كبندول ) ساعة بدت الأرجوحة ؛ دقاتها زفرات أنفاسها وصراخ السلاسل .. بالسؤال والجواب
    من الخلف إلى الأمام .. نصف دائرة لن تكتمل لتفلت قبضتها وتكسر سلاسلها الحديدية وتطير .. لكن الصوت يصرخ ويختنق بين السؤال والجواب

    وهكذا تحركت عيناه الزرقاوان معها ترمقان ابتسامة ثغرها وسط صراخ السلاسل وذقنها يرتفع إلى السماء بانتظار لثم الهواء ومداعبة وجنتيها ، وشعرها الأحمر يحلق حول رأسها ثم يعود إليها معانقا رأسها وجيدها ، وقدها الدقيق الحفر والخرط يتمايل مع الأرجوحة .. إلى الأمام وإلى الخلف ..

    تسلل من ورائها .. وفي لحظة توقف ( البندول ) وكفّ الصراخ وعلق بين السؤال والجواب وشهقتها ، ثم لحظات وأتبعتها مئات الشهقات والزفرات ، ارتجت لها الأرجوحة ، وبدفعة قوية ... قوية جدا ... وسط صراخ السلاسل وصراخها أفلتت قبضتها إلى غير طيران وانكسر البندول وعادت الأرجوحة للسؤال ولا جواب
    ........
    حملها بين ذراعيه :
    " هيا يا حبيبتي قد تأخرنا، السيارة ليست بعيدة .. هيا اركبي .. لا، انتظري ! ، أنا من سأحملك إليها وأجلسك على مقعدها كطفلتي المدللة ،أخشى على عروقك النفور .. أخشى على يديك مسّ الحديد !
    هل تعبت من التأرجح؟ ، لنعد إذن إلى البيت .. تريدين جولة! .. لا وقت لها ، لنعد إلى البيت نسرق لحظات الليل الأخيرة
    ما أجملك وشعرك الأحمر متدل إلى جانب عنقك ! .. أدفعه إلى الخلف ؟ .. نعم هكذا أفضل ! ، فجيدك يأتلق بياضا كاللجين تحت فستانك .. وشفتاك الحمراوان ، هل لي بـــ .. حسنا في البيت في البيت ..
    لم لا تتحدثين معي ؟! .. عرفت ! .. تحبين صوتي ، تعشقينه قد تسكتين الدهركله كي تسمعيه ، أليس كذلك ؟! .. هيا ردي قولي نعم !
    إذن أنت تخاصمينني ؟! لأنك تريدين جولة ؟ .. حسنا فلنقم بجولة صغيرة
    ماهذا ؟ ! .. تراب على جبهتك ؟! .. انتظري ، سأمسحه لك بمنديلي ثم أشمّه كي أتنفس ترابا لامس جلدك .. وهذا ؟! .. دم يسيل من فمك ؟ حسنا سأمسحه لك، لا تلوثي أناملك الرقيقة يا حلوتي !
    أين تريدين الجولة ؟ عند البحر ؟ تعلمين أني لا أحبه! .. الحديقة حيث الأرجوحة ؟ .. فليكن !
    أ إلى هذا الحد أعجبتك الأرجوحة ؟ .. هيا قد وصلنا .. انتظري ، لا تنزلي ! .. سأحملك أنا وأضمك أنا ، لا تعفري قدميك ولا تثيري أعصابك ، ستكونين بين ذراعي !
    هاهي الأرجوحة! .. سأجلسك عليها يا أميرتي .. لا تستطيعين الجلوس وحدك ؟ .. حسنا سأجلس أنا وأضعك على رجلي ! وأضم خصرك إلى ! .. انظري ، الأرجوحة بلا صوت .. السلاسل بلا صوت ، أرأيت عندما ركبت معك ؟ هكذا أفضل ! ... فلتهدئي إذن ولتريحي رأسك إلى كتفي .. وأنا سأدفع الأرجوحة..
    ما أجملك وأنت ساكنة كطفل نائم وأنا أحتضنك ! .. فأنا حبيبك وأنت ملكة فؤادي وأنا مليكك .. لقد اكتفيت ،هل اكتفيتي ؟ .. ماذا ! ،تريدين البقاء ؟ لا هيا إلى البيت ... هيا إلى البيت ! ... لا؟!! ... حسنا ..."
    حملها بين ذراعيه وأجلسها على مقعد خشبي بالحديقة ورأسها متدلٍ إلى الوراء وذقنها إلى أعلى ، لكن ما من هواء يداعب وجنتيها .. قد يطير شعرها ولكن كطائر منكسر الجناح لا يقوى على التحليق ولا يقدر على الهبوط ، فاستند إلى المقعد الخشبي متهدل الخصلات قد انطفأ بريقه الأحمر
    وبعد دقائق عاد ومعه أدوات (البستنة) ، وانطلق نحو الأرجوحة وأخذ يحفر تحتها .. ويحفر .. يخرج ما في باطنها من التراب الذي اختلط بقطرات مالحة شفافة لا زرقاء كعينيه
    " هيا حبيبتي .. تودين البقاء هنا .. قد أعددت لك الفراش ، هيا استرخي فيه .. نعم لا سرير هنا .. أنا آسف ! .. ولكن هكذا يلائمك .. أنا آسف !!"
    أنزلها إلى الحفرة وأهال عليها التراب " الوداع .. يا حلوتي !"
    التعديل الأخير تم بواسطة دينا نبيل; الساعة 20-07-2011, 19:45.

  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    الأرجوحة
    كانت قاسية أستاذة دينا
    الجزء الأول كان الفرح و التمرجح
    و ما علمتنا الأراجيح إلا البكاء
    و هنا فى الجزء الثاني من القصة كان البكاء حد الاختناق
    كم كنت ناعمة و قوية و جسورة
    فى تغليف هذه الحريمة بثوب مغاير .. بثوب ممتع ، و مدهش بحق !!

    لن أطيل الحديث
    أسعدتني بتلك القصة
    و أبكيتني كثيرا ، و لكن !

    تقديري و احترامي
    sigpic

    تعليق

    • إيمان الدرع
      نائب ملتقى القصة
      • 09-02-2010
      • 3576

      #3
      الأستاذة دينا نبيل :
      كم أدهشني هذا النصّ القويّ بأسلوبه، وتراكيبه ...
      ولوحته الفنيّة التي رسمتها بأناملَ مبدعةٍ ...!!؟؟
      عنصر التشويق كان يفرض حالةً من الترقّب ..
      للإمساك بخيوطٍ أطبقت على العيون ، والفكر الذي يتابع ..
      يستبين الومضة التي تشبع فضوله ..
      ليروي أنفاسه، التي تلاحقتْ مع نبض البطل..
      ولكن ..!!
      بقيت الأصابع مشدودة على المشهد ..
      لتدخل في دائرة الاحتمالات
      التي لم تكن على أيّ حال ضمن مساحة رسم شخصيّة البطل
      رغم ثراء الشخصيّة ..وإبداعها ..وإمكانية استنباط عالمٍ متكاملٍ من المشاعر الإنسانيّة المنبثقة عنها ..
      هل كان القتل بدافع الثأر لجرح الخيانة ..؟؟
      هل كان بدافع الحبّ بجنونٍ يفتك بالعقل ، خارج السيطرة / لأنّ من الحبّ ما قتل / ..؟؟
      هل ..؟؟
      هل..؟؟
      كلها احتمالات ...
      ربّما تعمّدت الكاتبة المبدعة: دينا
      ..أن تبقيها هكذا لمخيّلة القارئ ..
      دون أن تحدّد قسمات المولود التجريديّ ..
      ولكن من المؤكّد أنني أمام كاتبة واثقة الأدوات ، مدهشة القلم ..
      تشرّفتُ بالقراءة لها ..ويسعدني أن أتابع القادم من نتاجها المميّز ...
      أهديك غاليتي أحلى ، وأطيب الأمنيات ...تحيّاتي ..

      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

      تعليق

      • ريما ريماوي
        عضو الملتقى
        • 07-05-2011
        • 8501

        #4
        ما شاء الله دينا في هذه القصة تفوقت على نفسك,
        امتعتينا حقا, ولكن لا ادري لماذا؟ انا عكس زملائي,
        لم احس بالجريمة التي حدثت, احسستها عروس فرحة مع عريسها
        ارادت ان تتمرجح على ارجوحة سلاسلها صدئة لم تتحمل وزنهما معا
        عندما رغب ان يشاركها الارجوحة, فانكسرت بهما مما ادى لوفاتها, وانهار
        العريس لما شاهدها ميتة, ودفنها تحت الأرجوحة التي احبتها,
        هكذا تخيلت, ولم ار الا الحب والسعادة, التي انتهت للاسف
        بسبب حادث مؤلم بموت تلك العروسس الجميلة السعيدة.
        اي كان تأويلها, فأنا اسعد بتأويلي,
        واستمتعت بقصك فعلا, والحلو فيك تنوعك فيه.
        واعتبريني من قرائك الدائمين.
        مودتي وتقديري.
        تحياتي.


        أنين ناي
        يبث الحنين لأصله
        غصن مورّق صغير.

        تعليق

        • دينا نبيل
          أديبة وناقدة
          • 03-07-2011
          • 732

          #5
          أشكر لكم مروركم الكريم ... وتعليقكم المشجع لي .. ولن أخفي عنكم سعادتي البالغة به ....أما بالنسبة لتأويلها .. فقد أصبتم جميعا ... وحقيقة في البداية أردتها أن تبدو كجريمة ... ثم عدلتها لتصلح أن تكون جريمة وحادث مؤلم

          فيبدو البطل فيها كمجرم قاتل ويبدو أيضا كعاشق يكاد يقتله موت حبيبته الذي كان ولا يمكن أخفاء ذلك سببا فيه ... فهو من دفعها بالأرجوحة

          وأخيرا لا تبخلوا علي أبدا بالتوجيه فمنكم أتعلم

          تعليق

          • دينا نبيل
            أديبة وناقدة
            • 03-07-2011
            • 732

            #6
            أود أن آخذ رأي حضراتكم ... هل أعيد كتابة وصياغة قصة الإسكافي ؟ ... لأن فكرتها وجوها يعجبني ... أم ماذا تقترحون علي ؟

            بانتظار ردكم الكريم

            تعليق

            • ريما ريماوي
              عضو الملتقى
              • 07-05-2011
              • 8501

              #7
              انا برأيي اتركيها كما هي أختي, حتى يكون تطورك ملموسا,
              وتكون قصة الاسكافي لك من الذكريات العزيزة
              فهي من أول محاولاتك.
              أنت نفسك ستدهشين من تطورك السريع في الكتابة.
              على الأقل أنا عملت كذلك مع أول محاولاتي.
              تحياتي يا كاتبتنا المبدعة وإلى الأمام,
              ولا تنظري للوراء كثيرا.
              مودتي وتقديري.


              أنين ناي
              يبث الحنين لأصله
              غصن مورّق صغير.

              تعليق

              • سحر الخطيب
                أديب وكاتب
                • 09-03-2010
                • 3645

                #8
                شعرت أني اشاهد فلما سينمائي
                انتظر الحدث بموسيقى تلحن الفرح ثم
                تصدم المشاهد بصدمة غير متوقعه
                تصويرك رائع هنا
                مودتي لك قلم يبهر
                الجرح عميق لا يستكين
                والماضى شرود لا يعود
                والعمر يسرى للثرى والقبور

                تعليق

                • دينا نبيل
                  أديبة وناقدة
                  • 03-07-2011
                  • 732

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة سحر الخطيب مشاهدة المشاركة
                  شعرت أني اشاهد فلما سينمائي
                  انتظر الحدث بموسيقى تلحن الفرح ثم
                  تصدم المشاهد بصدمة غير متوقعه
                  تصويرك رائع هنا
                  مودتي لك قلم يبهر

                  أشكرك على مرورك الكريم ... وتعليقك المشجع ... وإن كان هناك انتقاد أرجو إرشادي إليه ..

                  ويجزيك الله خيرا

                  ولكن لي سؤال لحضراتكم ... عرضت هذه القصة على البعض ... ولكن رأوا أنها مأساوية كئيبة ... فلم تعجبهم ! .... فكيف لي بالموازنة بين موضوع أحب الكتابة فيه .. وأسلوب ادبي مؤثر .. وما يجذب القارئ ؟ ..

                  لأنني أرى هذه معادلة صعبة جدا ، وانا لا أزال مبتدئة


                  لكم مني المودة والامتنان

                  تعليق

                  • أمين خيرالدين
                    عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
                    • 04-04-2008
                    • 554

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة دينا نبيل مشاهدة المشاركة
                    الأرجوحة



                    " أريد أن اتأرجح !"
                    هكذا لمحت عيناها الأرجوحة رغم ظلمة الحديقة ... وهكذا قالت في صرخة طفل وجد لعبة جديدة
                    -- " أريد أن أتأرجح !"
                    أخذت تثب ممسكة يديه ثم جذبته بكلتا يديها ورائها ... تثاقلت خطواته ... فتفلتت يداها وصارت تخطر على أطراف أصابعها تجر ورائها فستانها الأبيض الهفاف ، وكأن راقصة باليه قد حطت من السماء تحمل قفزاتها نسمات الليل الباردة فتبعثر خصلات شعرها وتلوح بأطراف أكمامها وفستانها كلما تحركت مستأذنة سويعات الليل المتبقية أن تمهلها لحظات حتى تتأرجح ..

                    بقفزة ... جلست على الأرجوحة ... ثم قبضت على سلاسلها الحديدية ... وتصاعدت تنهداتها كمن ظفر بضالة نفس أثيرة لم يكن يعرفها حتى أدركها فما إن أدركها حتى عرف اطمئنانه لحيازته إياها بعد طول الضلة
                    وبصوت حالم كليلها ... ناعم كملبسها ... طفولي كروحها ... نادته : " هلا أعطيتني دفعة ؟!"

                    تحولت عيناه إلى السماء كمن يتأمل النجوم وبروجها وينشغل بعدّها وصفّها ... ربما ينتظر نجما يخفت نوره وآخرا يهوي أو ثالثا يهمس وسط هذا الليل الغارق في السكون ... فرفعت صوتها أكثر : " ... أعطني دفعة أرجوك ! "
                    لم تصبر حتى يلتفت إليها هذه المرة ... أخذت تحرك جذعها إلى الأمام وإلى الخلف.. وتخبط الأرض بطرف قدمها ثم تدفع نفسها إلى الوراء .... وبدأت الأرجوحة تتحرك ........

                    إلى الأمام .... إلى الخلف ..... إلى الأمام .... إلى الخلف
                    كسؤال وجواب .. صوت احتكاك السلاسل الحديدية الصدئة ... إلى الأمام " يسأل " ويعود إلى الخلف " فيجيب " ... وهكذا تتحرك الأرجوحة !
                    إلى الأمام .... إلى الخلف ... يزداد الإحتكاك ... ويزداد الصوت ويختنق بين عقد السلاسل الحديدية ... ويبدأ بالصراخ كصوت طفل ويعلو صراخه ... بالسؤال والجواب ...
                    إلى الأمام .... إلى الخلف ... كبندول ساعة بدت الأرجوحة .. لكن بندول دقاته زفرات أنفاسها وصراخ السلاسل ...بالسؤال والجواب
                    من الخلف إلى الأمام ... نصف دائرة لن تكتمل لتفلت قبضتها وتكسر سلاسلها الحديدية وتطير .. لكن الصوت يختنق ويصرخ بين السؤال والجواب

                    وهكذا تحركت عيناه الزرقاوتان معها ترمقان ابتسامة ثغرها وسط صراخ السلاسل ... وذقنها يرتفع إلى السماء بانتظار لثم الهواء ومداعبة وجنتيها ... وشعرها الأحمر يحلق حول رأسها ثم يعود إليها معانقا رأسها وجيدها ... وقدها الدقيق الحفر والخرط يتمايل مع الأرجوحة ... إلى الأمام وإلى الخلف ...

                    تسلل من ورائها ... وفي لحظة توقف البندول ... وكف الصراخ وعلق بين السؤال والجواب وشهقتها .. ثم لحظات أتبعتها مئات الشهقات والزفرات ارتجت لها الأرجوحة ... وبدفعة قوية ... قوية جدا ... وسط صراخ السلاسل وصراخها ... أفلتت قبضتها إلى غير طيران ... وانكسر البندول ... وعادت الأرجوحة للسؤال ولا جواب
                    ..........................
                    ............
                    حملها بين ذراعيه :

                    " هيا يا حبيبتي قد تأخرنا ... السيارة ليست بعيدة ... هيا اركبي ... لا ! ... أنا من سأحملك إليها وأجلسك على مقعدها كطفلتي المدللة .. أخشى على عروقك النفور ... أخشى على يديك مس الحديد !
                    لقد تعبت من التأرجح؟ .... لنعد إذن إلى البيت .... تريدين جولة! ... لا وقت لها .... لنعد إلى البيت نسرق لحظات الليل الأخيرة
                    ما أجملك وشعرك الأحمر متدل إلى جانب عنقك ! ... أدفعه إلى الخلف ؟ ... نعم هكذا أفضل ! ... فجيدك يأتلق بياضا كاللجين تحت فستانك .. الأحمر!! ... وشفتاك الحمراوتان ... هل لي ب ... حسنا في البيت في البيت !
                    لم لا تتحدثين معي ؟! ... عرفت ! ... تحبين صوتي ..تعشقينه .. قد تسكتين الدهركله كي تسمعيه أليس كذلك ؟! .. هيا ردي قولي نعم !
                    إذن أنت تخاصمينني ؟! .. لأنك تريدين جولة ؟ ... حسنا فلنقم بجولة صغيرة
                    ماهذا ؟ ! ... تراب على جبهتك ؟! .... انتظري .. سأمسحه لك بمنديلي ثم أشمه كي أتنفس ترابا لامس جلدك ... وهذا ؟! .. دم يسيل من فمك ؟ ... حسنا سأمسحه لك .. لا تلوثي أناملك الرقيقة يا حلوتي !
                    أين تريدين الجولة ؟ ... عند البحر ؟ ... تعلمين أني لا أحبه! .... الحديقة حيث الأرجوحة ؟ ... فليكن !
                    أإلى هذا الحد أعجبتك الأرجوحة ؟ ... هيا قد وصلنا ... انتظري! ... لا تنزلي ! ... سأحملك أنا .. وأضمك أنا ... لا تعفري قدميك ولا تثيري أعصابك .. ستكونين بين ذراعي !
                    هاهي ذي الأرجوحة! .. سأجلسك عليها يا أميرتي ... لا تستطيعين الجلوس وحدك ؟ ... حسنا .. سأجلس أنا وأضعك على رجلي ! .. وأضم خصرك إلى ! ... انظري ... الأرجوحة بلا صوت .. السلاسل بلا صوت ... أرأيت عندما ركبت معك ؟ ... هكذا أفضل ! ... فلتهدئي إذن ولتريحي رأسك إلى كتفي .. وأنا سأدفع الأرجوحة..
                    ما أجملك وأنت ساكنة كطفل نائم وأنا أحتضنك ! ... فأنا حبيبك وأنت ملكة فؤادي وأنا مليكك ... لقد اكتفيت ... هل اكتفيتي ؟ ... ماذا ! ... تريدين البقاء ؟ .. لا هيا إلى البيت ... هيا إلى البيت ! ... لا؟!! ... حسنا ..."

                    حملها بين ذراعيه وأجلسها على مقعد خشبي بالحديقة ورأسها متدل إلى الوراء وذقنها إلى أعلى ... لكن .. ما من هواء يداعب وجنتيها .. قد يطير شعرها ولكن .. كطائر منكسر الجناح لا يقوى على التحليق ولا يقدر على الهبوط .. فاستند إلى المقعد الخشبي متهدل الخصلات قد انطفأ بريقه الأحمر
                    وبعد دقائق عاد ومعه أدوات البستنة .. وانطلق نحو الأرجوحة وأخذ يحفر تحتها .. ويحفر .. ويخرج ما في باطنها من التراب الذي اختلط بقطرات مالحة شفافة لا زرقاء كعينيه

                    " هيا .. يا حبيبتي .. تودين البقاء هنا .. قد أعددت لك الفراش .. هيا استرخي فيه .. نعم لا سرير هنا .. أنا آسف ! ...ولكن هكذا يلائمك أكثر ...أنا آسف !!"
                    أنزلها إلى الحفرة وأهال عليها التراب ... " الوداع ...يا حلوتي !"



                    صدق من قال أن من الحب ما قتل
                    هذا إن كان بينهما حبّ
                    انجرفتُ مع هذا السيل من المشاعر الإنسانية
                    هل كانت هذه المشاعر غطاء!؟
                    استغربتُ في القسم الأول من القصة أنها لم تجبه على كلمة واحدة
                    وحتى عندما سألها "لماذا لا تتحدثين"
                    ظننت أن تدفق المشاعر الإنسانية من الحب النقي ،لم تترك لها مكانا للإجابة أو للحديث
                    حديثه متسارع ، كالأسئلة، لا تنتظر إجابات
                    لكن
                    في نهاية القصة، مع تلك القفلة الجميلة، اتضحت الأمور وظهرت خيوط جريمة
                    قصة تحكي التّمَكّنَ من اللغة بالتعبير الجميل والتعابير الأجمل والتسلسل المريح والأحداث والقفلة الجميلة
                    تحياتي
                    وودي
                    [frame="11 98"]
                    لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

                    لكني لم أستطع أن أحب ظالما
                    [/frame]

                    تعليق

                    • دينا نبيل
                      أديبة وناقدة
                      • 03-07-2011
                      • 732

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة أمين خيرالدين مشاهدة المشاركة
                      صدق من قال أن من الحب ما قتل
                      هذا إن كان بينهما حبّ
                      انجرفتُ مع هذا السيل من المشاعر الإنسانية
                      هل كانت هذه المشاعر غطاء!؟
                      استغربتُ في القسم الأول من القصة أنها لم تجبه على كلمة واحدة
                      وحتى عندما سألها "لماذا لا تتحدثين"
                      ظننت أن تدفق المشاعر الإنسانية من الحب النقي ،لم تترك لها مكانا للإجابة أو للحديث
                      حديثه متسارع ، كالأسئلة، لا تنتظر إجابات
                      لكن
                      في نهاية القصة، مع تلك القفلة الجميلة، اتضحت الأمور وظهرت خيوط جريمة
                      قصة تحكي التّمَكّنَ من اللغة بالتعبير الجميل والتعابير الأجمل والتسلسل المريح والأحداث والقفلة الجميلة
                      تحياتي
                      وودي


                      أشكرك سيدي الفاضل على المرور الكريم ... وتعليقك المشجع

                      تعليق

                      • فاطمة يوسف عبد الرحيم
                        أديب وكاتب
                        • 03-02-2011
                        • 413

                        #12
                        الأستاذة دينا
                        أسلوبك الأدبي المميز ومشاعرك الرهيفة أخذتنا إلى عوالم الخيال والدهشة والنهاية المؤسفة
                        تحية لقلمك المبدع
                        فاطمة

                        تعليق

                        • د.نجلاء نصير
                          رئيس تحرير صحيفة مواجهات
                          • 16-07-2010
                          • 4931

                          #13
                          دينا أعلن أنني سرقت هنا
                          نعم لقد سرقني هذا العمل الرائع منذ البداية حتى القفلة
                          يا لها من أرجوحة!
                          sigpic

                          تعليق

                          • ابراهيم ابويه
                            قاص وباحث لغوي
                            مستشار أدبي
                            • 14-11-2008
                            • 200

                            #14
                            1. الأرجوحة


                            " أريد أن اتأرجح !"
                            هكذا لمحت عيناها الأرجوحة رغم ظلمة الحديقة ... وهكذا قالت في صرخة طفل وجد لعبة جديدة
                            -- " أريد أن أتأرجح !"
                            أخذت تثب ممسكة يديه ثم جذبته بكلتا يديها ورائها ... تثاقلت خطواته ... فتفلتت يداها وصارت تخطر على أطراف أصابعها تجر ورائها فستانها الأبيض الهفاف ، وكأن راقصة باليه قد حطت من السماء تحمل قفزاتها نسمات الليل الباردة فتبعثر خصلات شعرها وتلوح بأطراف أكمامها وفستانها كلما تحركت مستأذنة سويعات الليل المتبقية أن تمهلها لحظات حتى تتأرجح ..

                            بقفزة ... جلست على الأرجوحة ... ثم قبضت على سلاسلها الحديدية ... وتصاعدت تنهداتها كمن ظفر بضالة نفس أثيرة لم يكن يعرفها حتى أدركها فما إن أدركها حتى عرف اطمئنانه لحيازته إياها بعد طول الضلة
                            وبصوت حالم كليلها ... ناعم كملبسها ... طفولي كروحها ... نادته : " هلا أعطيتني دفعة ؟!"

                            تحولت عيناه إلى السماء كمن يتأمل النجوم وبروجها وينشغل بعدّها وصفّها ... ربما ينتظر نجما يخفت نوره وآخرا يهوي أو ثالثا يهمس وسط هذا الليل الغارق في السكون ...فرفعت صوتها أكثر : " ... أعطني دفعة أرجوك ! "
                            لم تصبر حتى يلتفت إليها هذه المرة ... أخذت تحرك جذعها إلى الأمام وإلى الخلف.. وتخبط الأرض بطرف قدمها ثم تدفع نفسها إلى الوراء .... وبدأت الأرجوحة تتحرك ........

                            إلى الأمام .... إلى الخلف ..... إلى الأمام .... إلى الخلف
                            كسؤال وجواب .. صوت احتكاك السلاسل الحديدية الصدئة ... إلى الأمام " يسأل " ويعود إلى الخلف " فيجيب " ... وهكذا تتحرك الأرجوحة !
                            إلى الأمام .... إلى الخلف ... يزداد الإحتكاك ... ويزداد الصوت ويختنق بين عقد السلاسل الحديدية ... ويبدأ بالصراخ كصوت طفل ويعلو صراخه ... بالسؤال والجواب ...
                            إلى الأمام .... إلى الخلف ... كبندول ساعة بدت الأرجوحة .. لكن بندول دقاته زفرات أنفاسها وصراخ السلاسل ...بالسؤال والجواب
                            من الخلف إلى الأمام ... نصف دائرة لن تكتمل لتفلت قبضتها وتكسر سلاسلها الحديدية وتطير .. لكن الصوت يختنق ويصرخ بين السؤال والجواب

                            وهكذا تحركت عيناه الزرقاوتان معها ترمقان ابتسامة ثغرها وسط صراخ السلاسل ... وذقنها يرتفع إلى السماء بانتظار لثم الهواء ومداعبة وجنتيها ... وشعرها الأحمر يحلق حول رأسها ثم يعود إليها معانقا رأسها وجيدها ... وقدها الدقيق الحفر والخرط يتمايل مع الأرجوحة ... إلى الأمام وإلى الخلف ...

                            تسلل من ورائها ... وفي لحظة توقف البندول ... وكف الصراخ وعلق بين السؤال والجواب وشهقتها .. ثم لحظات أتبعتها مئات الشهقات والزفرات ارتجت لها الأرجوحة ... وبدفعة قوية ... قوية جدا ... وسط صراخ السلاسل وصراخها ... أفلتت قبضتها إلى غير طيران ... وانكسر البندول ... وعادت الأرجوحة للسؤال ولا جواب
                            ..........................
                            ............
                            حملها بين ذراعيه :

                            " هيا يا حبيبتي قد تأخرنا ... السيارة ليست بعيدة ... هيا اركبي ... لا ! ... أنا من سأحملك إليها وأجلسك على مقعدها كطفلتي المدللة .. أخشى على عروقك النفور ... أخشى على يديك مس الحديد !
                            لقد تعبت من التأرجح؟ .... لنعد إذن إلى البيت .... تريدين جولة! ... لا وقت لها .... لنعد إلى البيت نسرق لحظات الليل الأخيرة
                            ما أجملك وشعرك الأحمر متدل إلى جانب عنقك ! ... أدفعه إلى الخلف ؟ ... نعم هكذا أفضل ! ... فجيدك يأتلق بياضا كاللجين تحت فستانك .. الأحمر!! ... وشفتاك الحمراوتان ... هل لي ب ... حسنا في البيت في البيت !
                            لم لا تتحدثين معي ؟! ... عرفت ! ... تحبين صوتي ..تعشقينه .. قد تسكتين الدهركله كي تسمعيه أليس كذلك ؟! .. هيا ردي قولي نعم !
                            إذن أنت تخاصمينني ؟! .. لأنك تريدين جولة ؟ ... حسنا فلنقم بجولة صغيرة
                            ماهذا ؟ ! ... تراب على جبهتك ؟! .... انتظري .. سأمسحه لك بمنديلي ثم أشمه كي أتنفس ترابا لامس جلدك ... وهذا ؟! .. دم يسيل من فمك ؟ ... حسنا سأمسحه لك .. لا تلوثي أناملك الرقيقة يا حلوتي !
                            أين تريدين الجولة ؟ ... عند البحر ؟ ... تعلمين أني لا أحبه! .... الحديقة حيث الأرجوحة ؟ ... فليكن !
                            أإلى هذا الحد أعجبتك الأرجوحة ؟ ... هيا قد وصلنا ... انتظري! ... لا تنزلي ! ... سأحملك أنا .. وأضمك أنا ... لا تعفري قدميك ولا تثيري أعصابك .. ستكونين بين ذراعي !
                            هاهي ذي الأرجوحة! .. سأجلسك عليها يا أميرتي ... لا تستطيعين الجلوس وحدك ؟ ... حسنا .. سأجلس أنا وأضعك على رجلي ! .. وأضم خصرك إلى ! ... انظري ... الأرجوحة بلا صوت .. السلاسل بلا صوت ... أرأيت عندما ركبت معك ؟ ... هكذا أفضل ! ... فلتهدئي إذن ولتريحي رأسك إلى كتفي .. وأنا سأدفع الأرجوحة..
                            ما أجملك وأنت ساكنة كطفل نائم وأنا أحتضنك ! ... فأنا حبيبك وأنت ملكة فؤادي وأنا مليكك ... لقد اكتفيت ... هل اكتفيتي ؟ ... ماذا ! ... تريدين البقاء ؟ .. لا هيا إلى البيت ... هيا إلى البيت ! ... لا؟!! ... حسنا ..."

                            حملها بين ذراعيه وأجلسها على مقعد خشبي بالحديقة ورأسها متدل إلى الوراء وذقنها إلى أعلى ... لكن .. ما من هواء يداعب وجنتيها .. قد يطير شعرها ولكن .. كطائر منكسر الجناح لا يقوى على التحليق ولا يقدر على الهبوط .. فاستند إلى المقعد الخشبي متهدل الخصلات قد انطفأ بريقه الأحمر
                            وبعد دقائق عاد ومعه أدوات البستنة .. وانطلق نحو الأرجوحة وأخذ يحفر تحتها .. ويحفر .. ويخرج ما في باطنها من التراب الذي اختلط بقطرات مالحة شفافة لا زرقاء كعينيه

                            " هيا .. يا حبيبتي .. تودين البقاء هنا .. قد أعددت لك الفراش .. هيا استرخي فيه .. نعم لا سرير هنا .. أنا آسف ! ...ولكن هكذا يلائمك أكثر ...أنا آسف !!"
                            أنزلها إلى الحفرة وأهال عليها التراب ... " الوداع ...يا حلوتي !"




                            نفحات الموت والحلم في حكاية الأرجوحة .


                            تعريف لابد منه :
                            من المعروف أن القصة الصيرة قد شكلت نقطة التقاء بين عدة أنواع أدبية ، فهي من ناحية نص حكائي يشبه في كثافته ورمزيته النص الشعري ، ومن ناحية أخرى تلتقي مع الرواية لاشتغالهما معا على السرد والوصف والحوار ، رغم الاختلاف في الحجم وطريقة العرض والآثر والوقع والاسلوب. القصة القصيرة تمتاز بالتركيز والقصر لانها تتمحور على حدث واحد وشخوص محدودة بخلاف الرواية . القصة القصيرة إذن لا تتحمل اللغو الكثير ولا الحشو والتفصيل ، لذلك فهي تقلص الصفحات وتشخص لحظات الحكي سائرة نحو ذروة النهاية بثبات واقتصاد في اللغة واختزال قضايا الوجود العميقة داخل متن مكثف يقتضي سعة الأفق وقوة الايحاء ودقة التلميح الذي بمقدوره أن ينقل للمتلقي أبعاد التجربة الانسانية في شتى تمظهراتها.
                            إن الأثر الفني للقصة القصيرة يتأسس على خلفية الاسلوب ودقة اللغة وتقنية العرض . في هذا السياق يمكننا استحضار تجربة القصة النقيض التي ندرجها ضمن ما يسمى بالتداعي الحر الذي يجعل الازمنة متداخلة حين تستحضر الذكريات والانفعالات والاحاسيس غير مهتمة بالانماط التقليدية للحكاية أو غير عابئة باللغة ونسقيتها .
                            هل تحقق شي من هذا في قصتنا " الأرجوحة " ؟؟

                            أول ما يسترعي انتباهنا في هذه القصة القصيرة هو تركيزها على لحظتين أساسيتين للحكي : لحظة الحلم ولحظة الواقع . واذا كانت لحظة الحلم قد تميزت بوصف مفصل عن حالة الشخصية التي شكلت الارجوحة مركزا لرغباتها وأفقا معطلا لاشعوريا يغيب فيه المنطق وتتعطل فيه لغة العقل لتغدو منطقة مظلمة تحكمها الرغبة في التارجح والقفز على فجوة الحياة واعطابها المحكومة بالسؤال والجواب . هذا الحلم الابداعي يعبر بقوة عن مغامرة تعيشها الروح التي غادرت الجسد وتعوض النقص الحاصل في الواقع الذي اعلاه الصدأ قصد الوصول الى مصالحة مع الذات عبر تخييل يدمج الوصف لكل حالة تعيشها الشخصية اثناء حركيتها الملازمة لحركية الارجوحة التي لا تتوقف عن الحركة.
                            السلاسل والاصوات الاتية من احتكاك الحديد ، الشخصية الجالسة على مقعد الارجوحة ، الحلم المحمل بالشحنات النفسية ، كل هذا يمثل رغبة الحالم في تكسير الصمت والخوف ،و يجعل القرينة السردية المتمثلة في الارجوحة دالة على تبدل الاشياء وزوالها وتلاشيها بانقطاع السلسلة وتوقف الحركة عنها. السؤال والجواب لهما ما يبررهما عند السارد ، كيف يموت الانسان وهو ليس ميتا ؟ ان سؤال الموت يزعزع الذات وهي تحاول استيعابه كفعل مدمر ومجهول .
                            لحظة الواقع تبدو كاستحضار لرفض مطلق للاحداث ، وعدم قابلية ما يحدث . إن مجرد التفكير فيما حل بالشخصية من سكون قد ينتج عنه توقف في الحكي ، جعل الكاتبة تصنع عالما من الوصف الدقيق يرفض قطع الصلة بين حوار الحياة وحوار الموت . إن انطاق الموتى وعودتهم للحياة من جديد يشكل احدى ركائز العالم الغرائبي لقصة الارجوحة ، "... هل اكتفيتي ؟ ... ماذا ! ... تريدين البقاء ؟ .. لا هيا إلى البيت ... هيا إلى البيت ! ... لا؟!! ... حسنا ..." البقاء للكتابة وليس للموت ، فهي التي تدون الاثر وتحميه من النسيان والمحو .
                            بعيدا عن رمزية الحكاية ، لابد ان ننبه الى ما اشرنا اليه بالاحمر من هنات لغوية واسلوبية وغيرها جعلتنا نصرح بان العمل الادبي يستلزم حدا ادنى من شروط الكتابة ، فاللغة هي اداة المبدع وريشته وعالمه الخاص ، فاذا ما ضعفت ، ضعف العمل برمته ولم تعد له قيمة.
                            إن فعل القص بوصفه عملا ادبيا وفنيا ، له خصوصيات فريدة تجعله بهوية خاصة وفتنة خاصة ، فرغم أن اقصوصة الارجوحة تحاول ان تتماهى مع مشاهد واقعية ، غير أنها تنأى بعيدا في أقاصي التخييل والحبكة السردية لتجعل القارئ هائما في التأويل ، ممعنا في الدلالات وباحثا عن المعاني السامية للحكاية وامتدادها الانساني .
                            ورغم جهد الكاتبة في ربط الحلم بالموت وجعل الواقع أداة لتحريك الشخوص والبحث في اعماقها ، فان العوائق كثيرة جدا داخل النص والنقائص الفنية والجمالية واضحة خصوصا فيما يتعلق بالجانب اللغوي ونظام الاشارات المكملة ( الفواصل والنقاط والحذف والاضمار...)وكذا تقنيات السرد التي سبق ان اشرنا اليها في بداية التحليل. وتبقى قصة الارجوحة عملا يحتاج الى توضيب وتصحيح حتى يرقى الى مستوى مضامينه ، وهذا ممكن جدا اذا ما عادت الكاتبة الى النص مرة اخرى وتمثلته من جديد قصد اصلاح اعطابه الظاهرية خصوصا انه يحمل في عمقه تجربة انسانية مليئة بالرموز والايحاءات .



                            تعليق

                            • دينا نبيل
                              أديبة وناقدة
                              • 03-07-2011
                              • 732

                              #15
                              أشكرك سيدي الكريم على تعليقك الثمين .. وسأجتهد في أخذ نصائحك

                              لك مني الشكر والامتنان

                              تعليق

                              يعمل...
                              X