اسعاف / قصة د. محمد فؤاد منصور

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يسري راغب
    أديب وكاتب
    • 22-07-2008
    • 6247

    اسعاف / قصة د. محمد فؤاد منصور

    Mohamed Mansour
    تم النشر في كتّاب القصة القصيرة‏.



    12 يولية 2011م
    إسعاف.. إسعاف
    ( قصة قصيرة من مجموعتي / إسعاف.. إسعاف )
    ---------------------------------
    لم تكن المشكلة قط أن عبدو قد أخطأ في عد الأوراق وحصر الأصوات الصحيحة بينما استبعد الأصوات الباطلة وقرر أن يسجلها في تقرير منفصل كما تقضي الأصول ، ولا كانت المشكلة أن ابن بهية قد احرز تفوقاً ملحوظاً على سعادة هشام بك نائب الدائرة المخضرم وممثلها لسنين طويلة..
    كانت المشكلة التي تؤرق العمدة هي أنه أصبح قاب قوسين أو أدنى من فقد منصبه بسبب عناد عبدو وتشبثه بأن رجاله قد أحسنوا العد والفرز وأن اتجاه الأصوات كلها يصب في صالح ابن بهية بينما يضرب العمدة كفاً بكف وهو يهمس في أذن المأمور المنشغل بنزع قطعة لحم من ضلع الخروف الذي تم إعداده لعشاء أعضاء اللجنة الواقفين منذ الصباح الباكر على أقدامهم لتنظيم دخول وخروج الناخبين.
    - والله عال ،القوالب نامت والأنصاص قامت .. لم يبق غير ابن بهية ليمثلنا في البرلمان .
    وبالكاد ميز العمدة كلمات المأمور الغاضبة التي تناثرت من فمه المنشغل بازدراد مافيه بينما يتقاطر السمن من بين أصابعه.
    - نبهتك خمسين مرة من قبل أن تبلغني بأسماء المشاغبين في البلد .. لم يكن صعباً علينا أن نطبق عليه قانون الطوارئ ونتخلص من مشاغبته.
    - ولكن ياحضرة المأمور الولد مدرس في المدرسة الإعدادي و محبوب من الناس وليس عليه أي ملاحظات ومعروف في الناحية كلها و...
    لم يدعه المأمور يكمل ، فقد أشاح بيده وهو يتهيأ لحشر قطعة كبيرة من اللحم في فمه وقال في ضيق :
    - يعني كنت هاتغلب ياعمدة..مش كان زمانا مرتاحين في بيوتنا بدل المرمطة دي..ماله هشام بك ألم يغرق البلد بخيره ؟ .. ألم يعمل لهم مائدة رحمن تكلفت مبالغ طائلة ؟ .. ألم يوزع الفلوس على الناخبين أمام اللجان ؟.. ماذا فعل لهم ابن بهية ليفضلوه على البك ؟ .
    أطرق العمدة وهو يفكر في كيفية الخروج من المأزق الذي وجد نفسه فيه دون توقع، الولد مدرس صحيح ولكنه لايكاد يعرف له اسماً وهو قد قضى حياته كلها لاهم له سوى تنظيم مجموعات تقوية مجانية لأبناء القرية بالإضافة لرعايته لوالدته المريضة ، فسجله من هذه الناحية ناصع البياض وهو من جانب آخر ليس مصدراً للمشاكل من أي نوع ولم يدر بخلد أكثر الناس تفاؤلاً أن يمنحه الناس أصواتهم بهذه الطريقة الهستيرية وكأنه يستعين على حشدهم بقوى خفية ، حتى عندما أراد رجال هشام بك جره إلى معارك جانبية بترديد اسم ابن بهية ليستقر في الأذهان بديلاً عن اسمه الحقيقي لم تثر حفيظته ولم يدخل معارك يعرف أنه سيخسرها أمام بلطجية هشام بك العتاة وأنه لن يخرج منها إلا خاسراً ، قرر دون توقع من أحد أن يجاريهم في لعبتهم وأن يضع لافتات دعايته تحمل الاسم الذي اختاروه له "ابن يهية " وتحته اسمه الشخصي ورمزه الانتخابي مما فوّت الفرصة على رجال هشام بك للتمثيل به وتلقينه درساً يجبره على الانسحاب من الانتخابات مؤثراً السلامة .
    لم يفكر العمدة لحظة واحدة في أنه كان يجب أن يحسم الأمر منذ وقت طويل ، ربما منذ تلك الجلسة التي جمعته بهشام بك وأصر فيها بكرمه المعهود أن يتولى العمدة بنفسه الإشراف على نقل الناخبين إلى اللجان واستئجار مايلزم لذلك من سيارات مهما كان عددها ، كان دائماً يتصور انه لامجال للمنافسة مع مثل هذا الرجل الذي لم ير منه إلا كل خير ، وليس أدل على ذلك من تكليفه هو شخصياً بالإشراف على مائدة الرحمن التي يدفع فيها مبالغ طائلة دون ان يطالبه بكشوف الحساب.
    هاهي لحظة الحساب قد حانت وبدأ المأمور يتنصل من مسؤوليته عن السماح للأوباش بدخول اللجان ليلصق التهمة في العمدة ورجاله ويتهمهم بالتقصير في الواجب مع هشام بك الذي غمر خيره الجميع ..
    المأمور من ناحيته كان يعلم أن هشام بك لن يعفيه من المسؤولية تماماً ، وليس بعيداً ان يجد نفسه منقولاً في أول حركة تنقلات إلى أقصى الجنوب أو أقصى الغرب بتوصية مؤكدة من رجال الحزب..
    تحول هذا الخاطر الذي ألمّ بالمأمور إلى كابوس مزعج أزهده في الطعام، فأشار إلى الجنود المصطفين قريباً منه بحمل صينية الطعام بعيداً، بينما سارع أحد الخفراء بحمل الطست والإبريق ليصب الماء على يدي المأمور وهو يناوله صابونة معطرة أعدها العمدة خصيصاً له ووقف ممسكاً بالمنشفة في انتظار انتهائه من غسل يديه ليناولها له بينما المأمور يزجر الخفير بين الحين والحين بلا مناسبة صارخاً فيه:
    - صب .. صب ، جاتكوا القرف بهايم.
    كأنما كان يستعين بالشتائم بين الحين والآخر لتحفزه على إيجاد مخرج للمأزق الذي لم يكن في الحسبان .
    مروره الصباحي على اللجان لم يسفر عن أي ملاحظة غير طبيعية فالقرويون يدخلون ويخرجون في صمت ، وملامحهم هادئة لايبدو عليها أي تمرد أو عداء ، ولم يدر في باله للحظة واحدة أن الانتخابات هذه المرة ستحمل أي جديد يخالف عشرات الانتخابات السابقة التي ارتبطت في ذهنه دائماً بالخير الوفير الذي يعم عليه وعلى أهل بيته حين يصلهم الغذاء حتى باب البيت في صورة أقفاص ملأى بكل ذي ظفر و جناح.
    الوقت يداهمه ، وبعد ساعات قليلة سينتهي فرز بقية الصناديق ولابد من مخرج ، هو لايهمه هشام بك ولاابن بهية ولاحتى العمدة ورجاله بقدر اهتمامه بما ينتظره من ثناء الوزارة على همته وانضباطه وقيادته الحكيمة التي ساعدت في نجاح العملية الانتخابية واكتساح مرشحي الحكومة لها ككل المرات السابقة .

    *
    وهو يتابع بعينيه من النافذة قروية نافرة النهدين مليحة التقاطيع ، تعبر الطريق من بعيد ، تناول المنشفة من العمدة وقال في هدوء :
    - الواد ده بيشتغل أيه ؟
    - مدرس ياحضرة المأمور
    قال متأففاً :
    - لاأقصد ابن بهية .. أقصد ذاك الذي يرأس لجنة الفرز .
    - الأستاذ عبدو .. هو مدرس أيضاً ياحضرة المأمور.
    صاح المأمور وكأنما عثر على الحل السحري
    - زميله يعني .. بان المستور .. حضراتهم طابخينها مع بعض.
    في براءة قروية قال العمدة :
    - لاياحضرة المأمور عبدو أفندي مدرس من بندر بعيد ولاأظنه يعرف ابن بهية أو سمع عنه وهو ليس وحده على كل حال .
    ضاق المأمور بغفلة العمدة التي توشك أن تفوت عليه الفرصة
    - هم أبناء مهنة واحدة ياعمدة .. أنت تجهل هذه الأمور.. حضراتهم فاهمين نفسهم أذكى من الحكومة .
    ثم انتفض واقفاً وصرخ في العمدة :
    - الحق بي عند مقر لجنة الفرز.

    *
    المشهد في لجنة الفرز كان يختلف كثيراً عنه في دوار العمدة ، فأنصار ابن بهية يحيطون بالمبنى من الخارج ويرددون هتافات عدائية لهشام بك ورجاله وقد وجدها المأمور فرصة ليظهر سطوته وحزمه حين زعق بصوت ذاب وسط هتافات الجموع الواقفة ،ولوح بعصاه الطويلة في الفضاء حوله :
    - خلاص ياأخوانا .. امش من هنا منك له الفرز شغال والوقفة دي مالهاش لزوم .
    ولما لم يجد من يرد عليه تقدم يوسع لنفسه الطريق وسط الحراسة المشددة إلى داخل اللجنة حيث لمح هشام بك يجلس بركن قصي وحوله بعض رجاله دون أن يحرك ساكناً ، حتى حين نهض ليشد على يد المأمور محيياً كان يبدو ممتقع الوجه ،لاتقوي ساقاه على حمله فاعتذر وجلس من جديد .
    ألتفت المأمور ناحية عبدو أفندي الذي كان غارقاً وسط تلال من الأوراق التفاتة حاول جاهداً أن تبدو عفوية ولافتة للنظر بينما رمق مراقب لجنة الفرز الذي كان يجلس صامتاً طوال الوقت قاصداً ان يخترق صوته مسامعه :
    - أنت زميل الأستاذ المرشح ياعبدو أفندي ..
    فوجئ عبدو على مايبدو بهذا السؤال المباغت فرفع عينيه من فوق الأوراق وقال دافعاً التهمة التي أطلت برأسها من نبرات المأمور
    - نحن لسنا زملاء ياحضرة المأمور ، أنا ضيف على القرية هنا جئت لهذه المهمة فقط .
    - ولكنكما معاً تتبعان نفس الوزارة أي في حكم الزملاء وهذا يضعنا أمام مساءلة وغمز ولمز نحن في غنى عنه ..
    هزّ المراقب رأسه موافقاً فتشجع المأمور وقال بصوت ارتجت له جنبات القاعة :
    - إذا تم الطعن فسيكون موقفنا سيئاً جداً ..
    ثم توجه إلى المراقب مستثمراً صمته وقال:
    - يجب إعادة الفرز من جديد في حضور مندوبي المرشحين وحضرة المراقب شخصياً وسأكون متواجداً طوال الوقت لتأمين عملية الفرز.
    انتفض عبدو أفندي وقد عز عليه ضياع الجهود التي بذلت في العد والحصر فقال كالمتوسل :
    - لقد اوشكنا على الانتهاء من الفرز ولم يبق إلا بضع صناديق.
    تجاهل المأمور مافي كلمات عبدو من احتجاج وتوجه لبقية موظفي اللجنة وتحدث بطريقة ودية للمرة الأولى .
    - فلناخذ بعض الراحة لتناول العشاء وشرب الشاي ريثما يجهز الجنود حجرة أكبر تسع الجميع ، لابد من ضمان النزاهة الكاملة في عملية الفرز.
    ثم وهو يضغط على مخارج الحروف وكأنما يضع خطوط تنبيه تحت الكلمات
    - هذه تعليمات السيد الوزير شخصياً.
    وقبل أن يرتفع أي صوت بالاحتجاج من جديد كان المأمور يلتفت ناحية العمدة الذي لحق به ويقول في لهجة آمرة وذات مغزى:
    - صواني العشا ياعمدة .
    هرول العمدة لينفذ أوامر المأمور بينما خرج المأمور إلى هشام بك الذي كان مايزال جالساً دون حراك وفي حركة سريعة لم يلحظها أحد هجم على هشام بك وهو يصيح في هلع مصطنع بينما يجذب في قوة هشام بك ليوقعه على الأرض :
    - يالطيف يارب .. الرجل أصابته إغماءة .
    ماحدث بعد ذلك كان معداً بإتقان للحالات الطارئة ، يعرفها المأمور جيداً ويعرفها العمدة كذلك كما يعرفها رجاله المصطفون حوله عن ظهر قلب ، فقد زعق فيهم وكأنما ينطق بكلمة السر
    - روح اتصل بالإسعاف ياعسكري ..
    ذهب العسكري على الفور لاستدعاء الإسعاف ، وقد جاءت سيارة الإسعاف على عجل وبأسرع ممايتوقع أحد ،لم تكن تحمل إسعافات لهشام بك الذي استطاع أن يتقن دور المغمى عليه كأي ممثل بارع وإنما كان على متنها كذلك إسعاف من نوع آخر للصناديق التي كادت تعصف بمستقبله السياسي.
    ***

  • يسري راغب
    أديب وكاتب
    • 22-07-2008
    • 6247

    #2
    أدعو كل أصدقاء صفحة كتاب القصة القصيرة لزيارة صفحة "كتبت لك
    وهي صفحة أضع فيها كل كتاباتي وتعليقاتي ..
    ويسعدني مشاركتكم بها ..
    شعار الصفحة " الانضمام بالاختيار لابالإجبار "

    كتبت لك..
    كتابات د.محمد فؤاد منصور
    مجموعة خاصة تضم كل كتاباتي
    من قصص ومقالات ومواضيع عامة ..

    تعليق

    • توفيق بن حنيش
      أديب وكاتب
      • 14-06-2011
      • 490

      #3
      كيف تحرم هذه القصّة الرائعة من الرّدود ...إنّها رائعة بالفعل ,,,قصّة ترصد الخور السياسي والعبث بالديمقراطية وتكشف عورات التدجيل ...يا لها وقفة تنقل الواقد الرديء لتكشف سوءاته التي طالما عملت الأنظمة العربية على سترها لغايات في نفسها ...المحزن بالفعل أنّ هذه الممارسات مازالت ستصحبنا إلى ما يشاء الله من الزمان لأنّ المصلحة الحزبية مازالت إلى اليوم وبعد الثورات العربية المتتالية ماوالت هي السائدة
      دمت, يا اخانا, مبدعا

      تعليق

      • يسري راغب
        أديب وكاتب
        • 22-07-2008
        • 6247

        #4
        الاستاذ توفيق المحترم
        تحياتي
        وكل سنة وانت طيب
        نقلت قصة الاديب القدير / محمد فؤاد منصور الى ملتقاه الخاص
        وتلك حدود أفضل في النقل من وضعها في ملتقى القصه
        والدكتور محمد من كتاب القصة الرائعين وكاتب سياسي كبير
        تقبل تحياتي وتقديري
        وكل عام وانت بخير

        تعليق

        • يسري راغب
          أديب وكاتب
          • 22-07-2008
          • 6247

          #5
          Mohamed Mansour تم النشر في كتّاب القصة القصيرة‏.

          Mohamed Mansour28 يوليو 09:10 مساءً جهاز إنذار
          ------------

          ماإن وطئت قدما عويس عتبة الدكان الكبير كما تعود صباح كل جمعة، ينثر في مبخرته المزيد من حبات البخور فيشيع في المكان عبقاً وأريجاً خاصاً وسط سحابات من الدخان الكثيف ، حتى ضجّ المكان بصوت صفارات الإنذار بصراخها البشع الذي يوقظ حتى الموتى.
          لم تكد تمر دقائق حتى امتلأ المكان برجال الإطفاء بخوذاتهم النحاسية ومعاطفهم الجلدية يتهيأون لنشر خراطيمهم العملاقة.
          دخل كبيرهم مهرولاً إلى الداخل ليرسم خطة البدء، لكنه سرعان ماعاد يشير لرجاله أن توقفوا ، وحانت منه التفاتة إلى عويس القابع في خزي بجانب الدكان وقد استقرت مبخرته إلى جانبه ، يتصاعد منها بقايا دخان قليل بعد أن توقف عويس ذاهلاً عن تزويدها بالمزيد من حبات البخور.
          صرخ كبير الإطفائيين في عويس:
          - انصرف من هنا يارجل وإلا حطمت رأسك.
          جرجر عويس قدميه المنهكتين وقد توقفت حركة يده البندولية التي تحمل المبخرة تماماً ، وابتعد وهو يصيح صيحته المدوية الطويلة والمنغمة في أسى.
          - ياحي..ياقيوم.
          ----------------------




          تعليق

          يعمل...
          X