يوم في حياة أعمى
قبل أن أنهض من الفراش تذكّرت أنّني اليوم أعمى وأنّني لن أرى النّور إلاّ في اليوم الموالي أحكمت إطباق جفوني ووضعت الشّريط القماشيّ الأسود على عينيّ وشددته إلى رأسي من الخلف ووضعت النظّارات السّوداء وشرعت أبحث عن ملابسي والنّعلين .لم انشغل بالأحاسيس التي انتابتني في تلك اللّحظة كلّ ما كان يهمّني هو أن أعيش يوما أعمي كبقيّة العميان وأتمتّع بما يتمتّعون به من استواء الظلمة والنّور الذي لا تقبله عقول المبصرين .أريد أن يستوي عندي الحقّ والباطلُ .واستويت ماشيا مرفوع الرّأس في شيء من التّكلّف قدوتي في ذلك ما يصنع العميان وهم يمشون ويكلّمون النّاس .لاحظت أنّ حركات يديّ غريبة عن العميان فهم لا ينشغلون بكلّ ما يتوهّمون وجوده أمامهم بل يقتصرون على التّثبّت من المعيقات .ابتسمت للجدران التي لم يعد يهمّني لونها ولا شكلها وجلت في أنحاء الدّار التي لم تصبح لاتساعها وضيقها قيمة كبرى .ذهبت إلى الحمّام ومرّ كلّ شيء بسلام وقصدت بعدئذ قاعة الجلوس لأشاهد الأخبار كالعادة بل قل لأسمع الأخبار .طلبت من ابني المساعدة كما يطلب الأعمى من أبنائه المساعدة .رجوته أن يشغّل جهاز التّلفاز ويختار لي قناة إخباريّة ."سيّداتي سادتي نترككم مع هذه المشاهد المثيرة وننبّه إلى أنّ بعضها على درجة من القسوة بحيث لا يصلح أن يشاهده ذوو الحساسيّة المفرطة ." "بني ماذا نصنع ؟صف لي ما تستطيع من مشاهد ولا تمدنّ بصرك إلى مما هو مؤذٍ منها " "بني أين أنت ؟" .لا أحد غيري في قاعة الجلوس بإمكاني أن أتابعها كلّها بدون حرج .سمعت طلقات الرّصاص ونعيق أبواق سيّارات الإسعاف وسمعت كلاما أنقليزيّا لم أتبيّن معناه .وبين الفينة والفينة كنت أسمع أنينا وأكاد أقول إنّني أسمع الدّماء الحمراء تنزف في الشّارع ويصبح للرّائحة صوت كذلك ...مسكين هذا الصّوت كم يتحمّل من أذى العميان مثلي !عاد المذيع في النّهاية إلى الحكاية :"يعتقد أنّ عدد القتلى قد تجاوز السّبعين أفاد بعض شهود العميان عفوا بعض شهود العيان أن الجرحى مازالوا إلى حدّ اللّحظة ملقين في الشّوارع ويعتقد أنّ القصف دام أكثر من ساعة على هذا الحيّ الشّيعي في مدينة بغداد ."سكت المذيع مفسحا المجال لأصوات سيّارات الإسعاف وللعويل والتّساؤل اللاّمجدي .أنا لا أسال لأنّني لا أرى شيئا ولست أرغب في أن أرى شيئا من هذا القبيل ولا من غيره .بإمكاني أن أكذّب ما أسمع ولأكون أمينا سأقول لنفسي :"سمعت ولكنّي والحقّ يقال لم أر شيئا ممّا يروى على ألسنة المبصرين ".الحمد لله على نعمة العمى التي أتاحت لي رؤية ما أريد والإغضاء عمّا لا أريد وليس على الأعمى حرج .
عند الظّهر ,تناولت الغداء مع العائلة وسط جلبة من الأسئلة حول سبب وضع الخرقة والنظّارات على عينيّ ألحّ الأبناء عليّ لمعرفة ما لم أوضّحه لهم في الصّباح .وجعل بعضهم يبكي لكنّي كنت مصمّما على مواصلة التّجربة رغم ذلك .أخطأت في البدء في الاهتداء إلى آنية الطّعام وأوشكت أن أقتفي اثر المعرّي في تركه ما يؤكل بالملاعق ولكنّي تذكّرت بسرعة أنها تجربة لن تدوم .حاول أفراد العائلة أنه يقدّموا لي المساعدة ولكنّي رجوتهم ألّا ينشغلوا بالأمر فأنا سعيد بذلك ."ما رأيكم في جولة في الحقول يا أبنائي؟" ردّ ابني بصوت مضطرب :"وماذا يمكنك أن ترى ؟" قلت له في هزؤ " سيكون بإمكاني أن أرى مالا تستطيع أنت أن تراه يا بنيّ .ولنجرّب وستقف على صدق ما أقول " وخرجنا جميعا إلى الحقول وجعلت أحدّثهم لأشغلهم عن الاهتمام بي غير أنّ ابني كان في كلّ مرّة يقطع عليّ الحديث لينبّهني إلى حفرة أو حاجز فأزعم كاذبا كما يكذب المبصرون أنّني قد تفطّنت إلى ذاك. فلا يجيب .أهي كبرياء العميان ؟أهو كذب المبصرين ؟ لا أدري .وصفوا لي الزّهور والصّابات والغلال وحدّثوني عن المارة بعد مرورهم وقالوا لي :"إنّ فلانا وفلانا وفلانا يطيلون النّظر إليك وهم يسلّمون " لا أحد سأل .أنا منذ اليوم محلّ شفقتهم ورحمتهم سيتسابقون لمساعدتي .ولكنّي سأكون سعيدا بأن أعرض عمّن لا أراه ولا أريد أن أراه .أردت أن أحادثهم فيما هو أهم من وصف الحقول قلت لهم "الأوضاع في العراق لا تسرّ .البلد مقبل على حرب أهليّة "لم يهتمّ أحد بحديثي ولا أحد منهم كان بمقدوره أن يحدّثني عن غير الألوان والأشكال والأحجام وما خطّ في المدرسة وما رسم في أوقات فراغه . خيّم الصّمت لبرهة ثمّ انطلق فجأة سرب من العصافير فقلت لابني :"يا ولدي هل رأيت "فرررر؟" قال لي ضاحكا "وما فرررر؟" قلت له :"هو شيء أراه لأول مرّة في حياتي فأنا في السّابق كنت أرى لون العصفور وشكله وابحث عن مقدار نفعه وضرّه وما كنت في يوم أعير اهتماما لـ"فرررر" التي رأيتها اليوم في حركة الأجنحة "
-كم السّاعة ؟
- قرابة الرّابعة عصرا
-لنعد بسرعة. أريد أن أستمع إلى شريط الأخبار .
سمعت ابني يهمس لأختيه واصفا شيئا مرعبا "جثث في الشّارع وأشلاء العراقيين تملأ السّاحة .رأيت يدا ملقاة على قارعة الطّريق ......."
حينما انتبه إلى اهتمامي بحديثه صمت فجأة . عند وصولي إلى غرفة الجلوس وجدت زوجتي تتابع برنامج الطّبخ فطلبت كالعادة أن تغيّر القناة لبعض الوقت .أجابت طلبي وهي تسخر من الفكرة قائلة"أعتقد أنّ العميان لا يحتاجون إلى تلفزيون ؟ ! "انتصبت أمام الجهاز منتظرا بداية الأخبار .لا مناظر جديدة ولا قصف جديد .فاتحة الأخبار كانت خطبة لرجل دين كنت أعرف لحيته عندما كنت مبصرا .رجل عليم وخبير بما حدث ويحدث وسيحدث برحمة من الله.نزّه الشّيخ المتحزّب من نزّه وسبّ نفسه ألف مرّة وأنحى باللّائمة على الأصدقاء الغزاة لأنهم لم يسلّموه الملفّ الأمني ...يا عجبا !إنّي أرى الآن ما لم أكن أقدر على رؤيته في السّابق.الآن أرى الذّئب يخرج من جلد الحمل الوديع ."قال الله تعالى وفي محكم تنزيله ,قال الرّسول الأعظم الأئمّة المعصومون قال من قال ".يا إلهي ما تخمة الألوان هذه إنّني أرى بوضوح مقرف أين العمى الذي كنت أبحث عنه؟هممت بنزع النظّرات والخرقة لأنجو من الكابوس الذي زججت بنفسي فيه ولكنّي تريّثت آملا أن أعود أعمى كما كنت سألتني زوجتي :"هل بالإمكان أن أعود إلى برنامج الطّبخ ؟"
خرجت أمشي لوحدي محاولا تلبّس الحالة .كنت أريد أن ينسلخ جلدي و أن يخرج منه أعمى بلا نظّارات ولا خرقة من قماش أحس بأنّني تجاوزت الحدّ في جلد الذّات فانبريت أسبح في الوهم. الفصول أمامي شتويّة وصيفيّة وربيعيّة وخريفيّة .أنا من يديرها فلا ساعة في يدي تشغب عليّ ولا مفكّرة مجّتني ومججت النّظر فيها أنا آدم قبل الخلق
في المساء كان حديث زوجتي عن نعمة البصر .فالنّساء لا يحفظن السرّ .انقلب الجدّ إلى هزل وضحك الأولاد كما لم يضحكوا في السّابق وارتموا يحاولون نزع النظّارات والخرقة .سيطرت على الوضع بعسر وأعدت الأمور إلى نصابها .أنا أعمى .ولشغلهم عن مضايقتي كلّفت كلّ واحد منهم أن يصف لي ما يروق له وصفه من أثاث البيت .وأعجبني اللعب .وأخذت أخزّن الأوصاف في ذاكرتي وأحسست فجأة كأنّني خلقت أكمه .وضحكنا حتّى ساعة متأخّرة من المساء ----------------------- - -إلى النّوم ّ-------------------------------------وأغرقت, كالعادة, في التّفكير قبل أن يتكرّم عليّ النّوم بالزّيارة مررت على البلاد العربيّة بلدا بلدا وحللت مشاكل البعض وأرجأت مشاكل البعض الآخر إلى ليلة أخرى
في الصّباح أفقت جذلا بنجاح التّجربة .نزعت الخرقة عن عينيّ وفتحتهما .أغمضتهما وفتحتهما مرّة ومرّة نظرت إلى جهة النّافذة التي تعوّدت أن أعرف إطلالة الصّباح من خلالها وأعدت النّظر ....صحت في زوجتي :"أنا أعمى ...أعمى ولا فخر...يا زوجتى أنا بالفعل أعمى . "رفعت زوجتي الغطاء عن رأسها قائلة :"اليوم أيضا ؟"
تعليق