أنا وهو والثانوية العامة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فاطمة يوسف عبد الرحيم
    أديب وكاتب
    • 03-02-2011
    • 413

    أنا وهو والثانوية العامة

    أنا وهو والثانوية العامة



    تراكمت الكتب الدراسية أمامي تستجدي عطفي كي أقبل عليها دارسا أو باذلا أي جهد من أجل تحقيق النجاح، بدأت أخطط لبرنامج دراسي محكم بالساعة والدقيقة، وشحذت الهمّة لخوض معركة الدراسة، المدة الزمنية قاربت على الانتهاء، والامتحانات تدق الأبواب بعنف، بذلت أقصى الجهد ليكون البرنامج دقيقا محكما، وشعرت بنشوة الانتصارعلى ذاتي وقدراتي.

    خلال العام الدراسي لم أفتح كتابا، ولم أعط المعلمين أيّ انتباه أثناء الشرح، أحيانا نتغامز وأصدقائي في كيفية تدبير مقلب للمعلّم أولأحد الطلاب الذين يدّعون الاجتهاد، وأبتعد بخيالي خارج أسوار المدرسة لأمني النفس بلقاء إحدى صويحباتي اللواتي يتدللّن على باب مدرستهن.
    أمنيتي إسكات أمي التي كلما التقت عيناي بعينيها تقول لي: أدرس، حتى تقولها بعينيها قبل لسانها، أخيرا انتهى البرنامج الذي سيحقق لي المعادلة الصعبة ألا وهي النجاح، وبعد هذا الجهد العظيم غفوت تحت شجرة التوت، لا أعرف كم مرّ من الزمن علي نومي لكنّي صحوت على صوت خربشة بين أوراق التوت الجافة، أخذت أوزع النظرات باحثا عن مصدر الصوت.
    فزعت من رؤيته أنه جرذ كبير يحاول الاقتراب من كتبي المكدّسة، أخذت أحاوره : ماذا تريد من كتبي، هل تريد أن تحصل أنت على الثانوية العامة أيضا، أم أنّ الجوع قد قرصك فتريد قرضها، وإذا أكلتها، كيف سأنجح في الثانوية العامة؟ حدّقت به بنظرة غاضبة، علة يفرّ خائفا مني، لكن المفاجأة أنه تسمّر في مكانه وأخذ يبادلني النظرات المرعبة، يا لوقاحته! ماذا تريد مني؟ هل أنت مسكون بجني كما تقول حكايات أمي؟ للحظة فكّرت أن أطلق ساقي للريح، لا لن أجبن وأترك لك الساحة لتعربد بها وحدك.
    تذكرت النصلة الحادة التي أحتفظ بها لعراكي مع أترابي وذلك عندما يكون الصراع من أجل فتاة ما، أو من أجل مساندة أحد أصدقائي إذا تهجم ّأحد عليه من أعداء الحارة الثانية، سحبتها بدقة متناهية من جيبي وصوبتها نحوه، شعر بالخطر ففرّ هاربا لكنها أصابت الرأس، واختفى عن الأنظار، تيقنت أنه أصيب برأسه وهو يموت الآن ببطء بعيدا عني، ولن يعود.
    أقنعت نفسي أن الجهد الذي بذلته من أجل تحضير البرنامج لا بد أنه سيحقق الهدف المنشود، أطلت أمي من النافذة مبتسمة: الله يرضى عليك وييسر لك سبل النجاح، أرجو أن تبذل أقصى جهد لتحقيق النجاح، ولك مني هدية مجزية إذا تحقق النجاح، رفعت إبهامي عاليا: لقد أنجزت أعظم مهمة، خطة البرنامج الدراسي، سأخرج قليلا لأرفه عن نفسي.
    في اليوم التالي تناولت كتاب اللغة العربية وبدأت أقرأ قصيدة أبي فراس الحمداني "أراك عصيّ الدمع"لم استطع المتابعة وقلت متأففا :يا أبا فراس بأي لغة كتبت قصيدتك وكأنها كتبت باللغة السنسكريتية، معانيهاعصيّة على مداركي، حدّقت في أغصان شجرة التوت وثمارها الشهية، فقلت في نفسي قليل من ثمار التوت قد تفتح شهيتي على الدراسة، وبدأت أتقافز من غصن لآخر حتى شبعت ونزلت ثم غفوت تداعب جفوني نسائم الربيع الناعمة، وتدغدغ أحلامي أماني المستقبل الجامعي المشرق.
    صوت صرصرة أيقظني، فتنبهت، أنه على مقربة مني، يحدق بي بعين واحدة، ضحكت حتى انقلبت على ظهري : أهو أنت؟ وإصابتي قد نالت من عينك اليسرى، ونلت شرف اللقب الرفيع "الجرذ الأعور" هذه العاهة ستعينني على قتلتك، ماذا تريد ؟ هل تحفظ معي قصيدة أبي فراس أم تحلّ مستعصيات الرياضيات؟ ويدأت أطارده من زاوية إلى أخرى تمنيت لو فقأت عينه الثانية، تعبت كثيرا من ملاحقته إلى أن اختفى ثانية.
    استأذنت أمي: سأخرج قليلا مع أصحابي لأرفه عن نفسي عناء المطاردة، أقصد الدراسة، تنهدت: الله لا يضيعلك تعب يا ابني، وطالت الاستراحة إلى منتصف الليل مع أصدقائي كلّ يحدث عن إنجازه العظيم في تخطيط برنامجه الدراسي، انتهت المدة المقررة لمادة اللغة العربية وأنا مصمم على حفظ أبيات أبي فراس، لكن المشكلة أنّ البيت الأول لم يستطع اختراق حافظتي لو ثبت لانسابت أبيات القصيدة بتلقائية إلى تلافيف ذاكرتي، الجرذ اللعين يناورني بعينه اللئيمة.
    هجمت على مادة الفيزياء هجوم الصناديد أحدق بالنظريات والمسائل، أهي أحجية ؟ ثم استسلمت بألم، شهقت أمي :ما بك؟ : الفيزياء با أمي صعبة جدا لا أفهم منها شيئا : ما الحل؟ : الحل عند المدرّس الخصوصي :لكن أجرته غالية، من أين ؟ :يا أمي، يا غاليتي، بدل أن يزين هذا السوارالجميل معصمك لم لا تزين شهادة الثانوية العامة جدارغرفة الاستقبال: كما تريد يا بني، لكن!!: أعرف سأدرس بكل قوتي، لكني اكتشفت أن جدار ذاكرتي صلب لم تخترقه أي مسألة أو نظرية.
    توالت الأيام والجرذ يزورني كل يوم يناورني، وفي يوم سبقني اللعين إلي كتبي المنتشرة بدلال تحت شجرة التوت يداعب وريقاتها نسيم الربيع العليل، وأخذ يقرض كتاب الثقافة العامة فالتهم نصفه، ثارت حميتي، كيف تقرض يا لعين تاريخ البشرية، المشكلة أنك كيف استطعت هضمه، يالله، لقد استرحت من دراستي له فأنا لا أفهم منه شيئا.
    في يوم وقعت الطامة الكبرى واقترف هذا المجرم جريمة كبرى بحقي لقد خطف برنامج خطة الدراسية، وقرضه وأهدر كلّ جهودي ولم يعد أمامي هدف إلا استرجاع البرنامج والانتقام لجهدي العظيم في إعداده، وأخذت أعد الأفخاخ للإيقاع به، كلما طلّت من النافذة أمي: ماذا تفعل، أرد بحماس: أبحث عن برنامج الدراسة وخطته المحكمة.
    مرت الأيام والحرب المستعرة بيني وبينه لا ينطفىء إوارها، أنا أعد الأنصال أطلقها عليه وهو يراوغني و يفرهاربا، وأخيرا اخترق النصل رأسه وأطلقت صوتي: انتصرت عليه، لقد قتلته ،وتكوّم أمامي بشكل مقزز، وانتهت الامتحانات بموت الجرذ، وأخذت أسرد على أصدقائي قصة صراعي مع الجرذ الأعور، فيضحكون أحيانا ويتغامزون ساخرين مني، وظهرت النتيجة ورسبت رسوبا مشرفا وهجم أبي عليّ ليضربني، قلت: لست مسؤولا عن الرسوب، أنه الجرذ اللعين الذي سرق برنامج خطة الدراسة، سألني أبي : وهل نجح الجرذ في امتحان الثانوية؟!
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    شدّتني هنا الكتابة بيسر ،و تلك الانسيابيّة في ربط الأفكار و مرونة الّلغة و كيفيّة تسخيرها.نصّ يعرض الصّورة متحرّكة كما لو أنّنا نشاهد الأحداث و لسنا نقرؤها و حسب.
    الموقف طريف إذا أردت،و يذكّرني بالتّاجر الذي قعد أمام محلّه يندب ؛سئل :ما بك؟ قال الجرذ الّلعين ترك الحلوى و الخبز و البسكويت و الدّقيق و كلّ شيء ،و لم تحلو له سوى كرّاس الدّيون ...
    أمّا ما يعلق في الذّاكرة حقّا هو تمكّن صاحبة القصّة من آليّات القصّ و قدرتها على الابتكار و على نقل ما تشاء .
    سررت بهذه الصّحبة أستاذة فاطمة.
    مودّتي و تقديري.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • نبيه أبو غانم
      أديب وكاتب
      • 26-05-2010
      • 94

      #3
      قصة شيقة ممتعة جداً.
      الأستاذة فاطمة: شكراً جزيلاً على هذه اللحظات الجميلة.

      تعليق

      • د.نجلاء نصير
        رئيس تحرير صحيفة مواجهات
        • 16-07-2010
        • 4931

        #4
        قصة مميزة غاليتي
        حيث تناولتي فيها هذه الدراسة الثقيلة الظل على الطلاب وأولياء
        أمورهم
        تحية تليق بك وفي انتظار الجديد


        sigpic

        تعليق

        • آسيا رحاحليه
          أديب وكاتب
          • 08-09-2009
          • 7182

          #5
          سرد شيّق ممتع .
          سررت بالقراءة .
          تحيّتي لك .
          يظن الناس بي خيرا و إنّي
          لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

          تعليق

          • إيمان عامر
            أديب وكاتب
            • 03-05-2008
            • 1087

            #6
            استمتعت بسردك جميل وسلس.. أستاذة فاطمة

            وهذا بعبع الثانوية العامة مرعب ومخيف يخيم علي كل بيت

            كنت بالامس أتابع ظهور الثانوية العامة لحظات مرعبة ....

            شكرا لك علي هذه المتعة

            دمت بخير ولك أرق تحياتي
            "من السهل أن تعرف كيف تتحرر و لكن من الصعب أن تكون حراً"

            تعليق

            • إيمان الدرع
              نائب ملتقى القصة
              • 09-02-2010
              • 3576

              #7
              غاليتي فاطمة :
              نصّ ناطقٌ على لسان ، وواقع حال ، كلّ من قرأه ..
              لقد حشدتِ به ، كلّ الأجواء الامتحانيّة الصّعبة التي مررنا بها ..أو مرّبها أولادنا..
              أسلوبك كان جميلاً ...انسيابياً ..
              سلمت يداك ..
              ومع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي

              تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

              تعليق

              • فاطمة يوسف عبد الرحيم
                أديب وكاتب
                • 03-02-2011
                • 413

                #8
                الأستاذ فطومي
                تحية وبعد
                قراءتك للنص أعطته قيمة أدبية وميزته أشكر ذائقتك الأدبية في نص ترفيهي أردت منه عرض للمشاكل التي يمر بها طالب الثانوية العامة

                فاطمة
                التعديل الأخير تم بواسطة فاطمة يوسف عبد الرحيم; الساعة 23-07-2011, 09:29.

                تعليق

                • فاطمة يوسف عبد الرحيم
                  أديب وكاتب
                  • 03-02-2011
                  • 413

                  #9
                  لأستاذ نبيه أبو غانم
                  تحية وبعد
                  أشكر تواجدك الذي أثرى العمل بروعة التعليق
                  فاطمة

                  تعليق

                  • فاطمة يوسف عبد الرحيم
                    أديب وكاتب
                    • 03-02-2011
                    • 413

                    #10
                    العزيزة نجلاء
                    تحية عطرة وبعد
                    أشكر لك هذا التواجد المتميز في صفحتي ولباقة تعليقك وما كتبته هو من ما لاحظته من خلال مهنتي كمعلمة وكأم تعاني من مشاكل الثانوية العامة
                    فاطمة

                    تعليق

                    • فاطمة يوسف عبد الرحيم
                      أديب وكاتب
                      • 03-02-2011
                      • 413

                      #11
                      العزيزة آسيا
                      أشكر اهتمامك بما أكتب وعتز برأيك وأنا أتابع باهتمام فيض قلمك الممتع
                      فاطمة

                      تعليق

                      • د.نجلاء نصير
                        رئيس تحرير صحيفة مواجهات
                        • 16-07-2010
                        • 4931

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة فاطمة يوسف عبد الرحيم مشاهدة المشاركة
                        العزيزة نجلاء
                        تحية عطرة وبعد
                        أشكر لك هذا التواجد المتميز في صفحتي ولباقة تعليقك وما كتبته هو من ما لاحظته من خلال مهنتي كمعلمة وكأم تعاني من مشاكل الثانوية العامة
                        فاطمة
                        الأستاذة الرائعة فاطمة
                        لقد كتبتي عن كابوس تعاني منه كل الأسر العربية
                        وما قصرتي في توضيح القضية غاليتي
                        ما شاء الله تمتلكين أدواتك
                        ننتظر جديدك
                        sigpic

                        تعليق

                        • فاطمة يوسف عبد الرحيم
                          أديب وكاتب
                          • 03-02-2011
                          • 413

                          #13
                          العزيزة إيمان
                          تحية حب وتقدير
                          الثانوية العامة هي البعبع الذي يقتنص لحظات استقرارنا ولذا أنا كتبت من الواقع وأحداث القصة كما رواها لي الطالب الذي ندم كثيرا على ضياع وقته
                          شكرا لإشراقة بصمتك في صفحتي
                          فاطمة

                          تعليق

                          • فاطمة يوسف عبد الرحيم
                            أديب وكاتب
                            • 03-02-2011
                            • 413

                            #14
                            الغالية ايمان
                            سعيدة وممتنة بهكذا حضور وهكذاقراءة أضفت على النص صور الواقع الذي نعانيه مع طلابنا وأولادنا في معاناة الثانوية االعمة
                            فاطمة



                            تعليق

                            • ربيع عقب الباب
                              مستشار أدبي
                              طائر النورس
                              • 29-07-2008
                              • 25792

                              #15
                              مختلفة إطلاقا أستاذة فاطمة هذه المرة ..
                              كانت كمية الأحزان و الصراعات القاسية فى أعمالك السابقة ، فى سبيلها لتحجب عنا روعة و دهشة
                              و قدرة عجيبة على السخرية و اللذع بمهارة فائقة !!

                              كانت اللغة سلسة بشكل رائع ، و قد وضعت أمام عينيها ، الثانوية العامة و ما تعنيه لنا و لأبنائنا
                              و أفلحت باقتدار فى رسم معالم صورة ربما تتكرر هنا و هناك فى بلداننا العربية ، و لكن ليس
                              بذات الفأر الأعور الكريه ، الذى سرق تاريخ الإنسانية ، و أيضا جدول النجاح الذى أثقل الكاهل

                              سألني أبي : وهل نجح الجرذ في امتحان الثانوية؟!
                              و أيضا أسأله : و هل نجح الجرذ فى امتحان الثانوية ؟

                              ربما العنوان وقف حائلا بيني و بين القصة ، و لذا لم أقترب منها إلا الآن
                              فعذرا لك ، و لعملك الجميل
                              على أمل أن تغيري العنوان قبل الطباعة فى كتاب !

                              تقديري و احترامي
                              sigpic

                              تعليق

                              يعمل...
                              X