أنا وهو والثانوية العامة
تراكمت الكتب الدراسية أمامي تستجدي عطفي كي أقبل عليها دارسا أو باذلا أي جهد من أجل تحقيق النجاح، بدأت أخطط لبرنامج دراسي محكم بالساعة والدقيقة، وشحذت الهمّة لخوض معركة الدراسة، المدة الزمنية قاربت على الانتهاء، والامتحانات تدق الأبواب بعنف، بذلت أقصى الجهد ليكون البرنامج دقيقا محكما، وشعرت بنشوة الانتصارعلى ذاتي وقدراتي.
خلال العام الدراسي لم أفتح كتابا، ولم أعط المعلمين أيّ انتباه أثناء الشرح، أحيانا نتغامز وأصدقائي في كيفية تدبير مقلب للمعلّم أولأحد الطلاب الذين يدّعون الاجتهاد، وأبتعد بخيالي خارج أسوار المدرسة لأمني النفس بلقاء إحدى صويحباتي اللواتي يتدللّن على باب مدرستهن.
أمنيتي إسكات أمي التي كلما التقت عيناي بعينيها تقول لي: أدرس، حتى تقولها بعينيها قبل لسانها، أخيرا انتهى البرنامج الذي سيحقق لي المعادلة الصعبة ألا وهي النجاح، وبعد هذا الجهد العظيم غفوت تحت شجرة التوت، لا أعرف كم مرّ من الزمن علي نومي لكنّي صحوت على صوت خربشة بين أوراق التوت الجافة، أخذت أوزع النظرات باحثا عن مصدر الصوت.
فزعت من رؤيته أنه جرذ كبير يحاول الاقتراب من كتبي المكدّسة، أخذت أحاوره : ماذا تريد من كتبي، هل تريد أن تحصل أنت على الثانوية العامة أيضا، أم أنّ الجوع قد قرصك فتريد قرضها، وإذا أكلتها، كيف سأنجح في الثانوية العامة؟ حدّقت به بنظرة غاضبة، علة يفرّ خائفا مني، لكن المفاجأة أنه تسمّر في مكانه وأخذ يبادلني النظرات المرعبة، يا لوقاحته! ماذا تريد مني؟ هل أنت مسكون بجني كما تقول حكايات أمي؟ للحظة فكّرت أن أطلق ساقي للريح، لا لن أجبن وأترك لك الساحة لتعربد بها وحدك.
تذكرت النصلة الحادة التي أحتفظ بها لعراكي مع أترابي وذلك عندما يكون الصراع من أجل فتاة ما، أو من أجل مساندة أحد أصدقائي إذا تهجم ّأحد عليه من أعداء الحارة الثانية، سحبتها بدقة متناهية من جيبي وصوبتها نحوه، شعر بالخطر ففرّ هاربا لكنها أصابت الرأس، واختفى عن الأنظار، تيقنت أنه أصيب برأسه وهو يموت الآن ببطء بعيدا عني، ولن يعود.
أقنعت نفسي أن الجهد الذي بذلته من أجل تحضير البرنامج لا بد أنه سيحقق الهدف المنشود، أطلت أمي من النافذة مبتسمة: الله يرضى عليك وييسر لك سبل النجاح، أرجو أن تبذل أقصى جهد لتحقيق النجاح، ولك مني هدية مجزية إذا تحقق النجاح، رفعت إبهامي عاليا: لقد أنجزت أعظم مهمة، خطة البرنامج الدراسي، سأخرج قليلا لأرفه عن نفسي.
في اليوم التالي تناولت كتاب اللغة العربية وبدأت أقرأ قصيدة أبي فراس الحمداني "أراك عصيّ الدمع"لم استطع المتابعة وقلت متأففا :يا أبا فراس بأي لغة كتبت قصيدتك وكأنها كتبت باللغة السنسكريتية، معانيهاعصيّة على مداركي، حدّقت في أغصان شجرة التوت وثمارها الشهية، فقلت في نفسي قليل من ثمار التوت قد تفتح شهيتي على الدراسة، وبدأت أتقافز من غصن لآخر حتى شبعت ونزلت ثم غفوت تداعب جفوني نسائم الربيع الناعمة، وتدغدغ أحلامي أماني المستقبل الجامعي المشرق.
صوت صرصرة أيقظني، فتنبهت، أنه على مقربة مني، يحدق بي بعين واحدة، ضحكت حتى انقلبت على ظهري : أهو أنت؟ وإصابتي قد نالت من عينك اليسرى، ونلت شرف اللقب الرفيع "الجرذ الأعور" هذه العاهة ستعينني على قتلتك، ماذا تريد ؟ هل تحفظ معي قصيدة أبي فراس أم تحلّ مستعصيات الرياضيات؟ ويدأت أطارده من زاوية إلى أخرى تمنيت لو فقأت عينه الثانية، تعبت كثيرا من ملاحقته إلى أن اختفى ثانية.
استأذنت أمي: سأخرج قليلا مع أصحابي لأرفه عن نفسي عناء المطاردة، أقصد الدراسة، تنهدت: الله لا يضيعلك تعب يا ابني، وطالت الاستراحة إلى منتصف الليل مع أصدقائي كلّ يحدث عن إنجازه العظيم في تخطيط برنامجه الدراسي، انتهت المدة المقررة لمادة اللغة العربية وأنا مصمم على حفظ أبيات أبي فراس، لكن المشكلة أنّ البيت الأول لم يستطع اختراق حافظتي لو ثبت لانسابت أبيات القصيدة بتلقائية إلى تلافيف ذاكرتي، الجرذ اللعين يناورني بعينه اللئيمة.
هجمت على مادة الفيزياء هجوم الصناديد أحدق بالنظريات والمسائل، أهي أحجية ؟ ثم استسلمت بألم، شهقت أمي :ما بك؟ : الفيزياء با أمي صعبة جدا لا أفهم منها شيئا : ما الحل؟ : الحل عند المدرّس الخصوصي :لكن أجرته غالية، من أين ؟ :يا أمي، يا غاليتي، بدل أن يزين هذا السوارالجميل معصمك لم لا تزين شهادة الثانوية العامة جدارغرفة الاستقبال: كما تريد يا بني، لكن!!: أعرف سأدرس بكل قوتي، لكني اكتشفت أن جدار ذاكرتي صلب لم تخترقه أي مسألة أو نظرية.
توالت الأيام والجرذ يزورني كل يوم يناورني، وفي يوم سبقني اللعين إلي كتبي المنتشرة بدلال تحت شجرة التوت يداعب وريقاتها نسيم الربيع العليل، وأخذ يقرض كتاب الثقافة العامة فالتهم نصفه، ثارت حميتي، كيف تقرض يا لعين تاريخ البشرية، المشكلة أنك كيف استطعت هضمه، يالله، لقد استرحت من دراستي له فأنا لا أفهم منه شيئا.
في يوم وقعت الطامة الكبرى واقترف هذا المجرم جريمة كبرى بحقي لقد خطف برنامج خطة الدراسية، وقرضه وأهدر كلّ جهودي ولم يعد أمامي هدف إلا استرجاع البرنامج والانتقام لجهدي العظيم في إعداده، وأخذت أعد الأفخاخ للإيقاع به، كلما طلّت من النافذة أمي: ماذا تفعل، أرد بحماس: أبحث عن برنامج الدراسة وخطته المحكمة.
مرت الأيام والحرب المستعرة بيني وبينه لا ينطفىء إوارها، أنا أعد الأنصال أطلقها عليه وهو يراوغني و يفرهاربا، وأخيرا اخترق النصل رأسه وأطلقت صوتي: انتصرت عليه، لقد قتلته ،وتكوّم أمامي بشكل مقزز، وانتهت الامتحانات بموت الجرذ، وأخذت أسرد على أصدقائي قصة صراعي مع الجرذ الأعور، فيضحكون أحيانا ويتغامزون ساخرين مني، وظهرت النتيجة ورسبت رسوبا مشرفا وهجم أبي عليّ ليضربني، قلت: لست مسؤولا عن الرسوب، أنه الجرذ اللعين الذي سرق برنامج خطة الدراسة، سألني أبي : وهل نجح الجرذ في امتحان الثانوية؟!
تعليق