إشارة حمراء
سيارات ... عجلات بخارية ....وعربات
إشارة حمراء ...
فيتوقف الجميع فجأة ... وتتطلع الأعين إلى الإشارة الحمراء
أنوار إصطناعية صفراء ... ضاربة بصفرتها إلى السماء .. فتعلو الأجواء ظلمة شاحبة ... وتراب
صخب شديد ... بين مسجل أغان ... زمجرة محركات .... وروائح عوادم ... وتراب
كل الأصوات تمازجت وتماوجت ... تمر على أذني ... تعلو وتهبط ... تروح وتجئ ... وتدور
تترقب عيناي تلون الإشا رة .. ذابتا في اللون الأحمر .. فأخذ يتكسر إلى كريات حمراء جعلت تقفز امام عيني كلما تحركتا ...
وفي وسط السيارات .. ومن نافذة سيارة على يميني ... لمحت شخصين ... يمران على الرصيف
أولهما رجل متأنق في شرخ الشباب معتدل القامة ... شاهق بياض قميصه ... فاحم سواد بنطاله ... يبرق حذاؤه .. قد أمسك سيجارة بطرف شفتيه بينما يتكلم من الطرف الآخر .
وثانيهما رجل حافي القدمين اغبرهما .. بل أسودهما ... كث وأغبر اللحية .. أشعث الشعر طويله ... عاليه جلباب معفر عند مكان الجلوس والفخذين ..لا يتجاوز ركبتيه ومع ذلك طويل الأكمام مفتحة ازرارها ..
قد أرى كل منهما في الشارع وحده ولا يأخذني المنظر ... إن رأيت المتأنق يركب سيارة فخمة ، لا انجذب ... إن رأيت الحافي مفترش الرصيف ، لا أنجذب
ولكنني انجذبت .. فقد ترجل المتأنق وأخذ يمشي مع الحافي على الرصيف وقد أحاطه بذراعه ويربت على ظهره بينما الحافي مسترسل في الكلام قد تشنجت إحدى يديه بينما تمسك الأخرى طرف ردائه ترفعه إلى منتصف فخذه .. وقد فتح شدقه بالكلام كأنما يريد له انعتاقا بعد طول انحباس ...
رفعت بينهما الحواجز ... فالمتأنق ينظر إلى الحافي بكلتا عينيه ويومئ برأسه كانما يوافقه الرأي ... ترى ماذا يقول له ؟! هل وجد كلامه ذا فحوى حقا كي يوافقه عليه ؟ ... هل فارق المتأنق عقله لثوان حتى يفهم ما يقول الحافي أم ان الحافي قد برق عقله فجأة فصار يحكي ويتكلم كلام العقلاء ؟ ... كيف انسجما معا وهذا مجنون تقشعر لقربه الأبدان وتستقذره الأعين والأنوف وتضطرب القلوب خوفا وترقبا لردة فعل على غير توقع ؟ ...
ربما هي شكوى يتشكاها الحافي ... قسوة الرصيف ، جوع البطن ، تعفن الجسد .. فيرجو من الشاب مساعدة وانطلق إلى جواره بمنظره المقزز للحصول عليها .. ربما!
أم إنها شكاية المتأنق الذي ضجر التأنق وبريق الحياة الأخاذ الذي يعمي العينين فلا تكاد تبصر حاجتها وتضل الطرق في منتصفه ولا تصل إلى غاية ... فيريد مفارقة حياة العقلاء التي أعيت عقولهم وأبدانهم ويؤثر حياة المجانين ببساطتها ونعيمها اللاعقلاني فأخذ يستزيد الحافي في إعطائه النصائح للتعرف على هويته الجديدة ... ربما !
مر المشهد امامي فيما لا يتجاوز الخمس ثوان .. أخذت عيناي تتفادى صاحبة السيارة كي أنظر من نافذتها وتتفادى المارة أمام المتأنق والحافي ... أرسلت بصري وراءهما وأ خذت ألوي عنقي كي أطيل المشهد ... وأفقت على حملقة صاحبة السيارة في وجهي .. وقرع أذني سؤاها :
" إلام تنظر ؟ ... هل انت مجنون ؟ "
رفعت إصبعي سريعا لأدرأ عني التهمة وأشرت نحو الحافي .. " إنني أنظر إلى الرجل المجنون !"
كرصاص اخترق قلبي كانت إجابتي .. أحسست مرارتها في حلقي .. فإما هذه الإجابة وإما تلك التهمة .. عندها .. وعندها فقط ... أدركت أنني لن أكون كالمتأنق وأنني لن أترجل من سيارتي ... على الأقل في هذه اللحظة
... تلونت الإشارة
وانطلقت ....
تعليق