مفهوم الأمة السورية
مدخلاً إلى بناء المستقبل المنشود
إعداد: محمد أديب ياسرجي، توحيد مصطفى عثمان، محمد باسم العباس
الباب الأول- توطئة تاريخية
1- انبعاث الأمل:
كان الشعور العامُّ في سورية غداة انتهاء الحرب العالمية الأولى (شعوراً قوميّاً عربياً، تغذِّيه انفعالات الحوادث، وعواطفُ الجماهير المتصاعدة البعيدةُ عن إدراك ما يجري فعلاً ويُحاك ضدَّ العرب، وكان يغذِّيه ما يبثُّه بعض الزعماء العرب من روح قومية مبنيَّة على ذكرى الدولة العربية الغابرة... مما كان يجد لدى عواطف الجماهير أعظم صدى) ([1]).
وفي يوم الثامن من آذار 1920، وبعد الاجتماعات التي شهدها يوم ا السادس والسابع من الشهر نفسه، قدَّم المؤتمر السوريُّ العامُّ للأمَّة بيانه الختامي الذي جاء فيه:
(إنَّ المؤتمر السوريَّ العامَّ الذي يمثِّل الأمَّة السورية العربية في مناطقها الثلاث الداخلية والساحلية والجنوبية "فلسطين" تمثيلاً تاماً ... يضع القرار الآتي...: نحن أعضاء هذا المؤتمر، رأَينا بصفتنا الممثلين للأمَّة السورية في جميع أنحاء القطرالسوري تمثيلاً صحيحاً، نتكلم بلسانها ونجهر بإرادتها، ... استناداً على حقِّنا الطبيعي والشرعي في الحياة الحرة، وعلى دماء شهدائنا المراقة، وجهادنا المديد في هذا السبيل المقدَّس... وعلى ما شاهدناه ونشاهده كلَّ يوم من عزم الأمَّة الثابتة على المطالبة بحقها ووحدتها والوصول إلى ذلك بكل الوسائل، فأعلنّا بإجماع الرأي استقلالَ بلادنا السورية بحدودها الطبيعية، ومن ضمنها فلسطين، استقلالاً تاماً لاشائبةَ فيه على الأساس المدنيِّ النيابي، وحفظ حقوق الأقلية، ورفضَ مزاعم الصهيونيين في جعل فلسطين وطناً قومياً لليهود أو محلَّ هجرة لهم، وقد اخترنا سموالأمير فيصل بن الملك حسين... ملكاً دستورياً على سورية) ([2]).
(إنَّ المؤتمر السوريَّ العامَّ الذي يمثِّل الأمَّة السورية العربية في مناطقها الثلاث الداخلية والساحلية والجنوبية "فلسطين" تمثيلاً تاماً ... يضع القرار الآتي...: نحن أعضاء هذا المؤتمر، رأَينا بصفتنا الممثلين للأمَّة السورية في جميع أنحاء القطرالسوري تمثيلاً صحيحاً، نتكلم بلسانها ونجهر بإرادتها، ... استناداً على حقِّنا الطبيعي والشرعي في الحياة الحرة، وعلى دماء شهدائنا المراقة، وجهادنا المديد في هذا السبيل المقدَّس... وعلى ما شاهدناه ونشاهده كلَّ يوم من عزم الأمَّة الثابتة على المطالبة بحقها ووحدتها والوصول إلى ذلك بكل الوسائل، فأعلنّا بإجماع الرأي استقلالَ بلادنا السورية بحدودها الطبيعية، ومن ضمنها فلسطين، استقلالاً تاماً لاشائبةَ فيه على الأساس المدنيِّ النيابي، وحفظ حقوق الأقلية، ورفضَ مزاعم الصهيونيين في جعل فلسطين وطناً قومياً لليهود أو محلَّ هجرة لهم، وقد اخترنا سموالأمير فيصل بن الملك حسين... ملكاً دستورياً على سورية) ([2]).
وكانت ظواهر الأمورتشير وقتها إلى ملامح دولة دستورية آخذة في التشكُّل، تديرها مؤسسات منتخَبة، ويتفاعل معها أبناء الأمَّة بإيجابيَّة ([3])، وهكذا وضع المؤتمر السوريُّ نفسه دستوراً باسم (القانون الأساسي للمملكة السوريَّة العربية)، جاء في المادة الأولى منه: (إنَّ حكومة المملكة السورية العربية حكومةٌ ملكيَّة مدنيَّة نيابية)([4]).
كما تمَّ تشكيل وزارة برئاسة رضا الركابي، طلب منها المؤتمر تقديم البيان الوزاري إليه لنيل الثقة، على الرغم من اعتراض الملك فيصل على ذلك وطلبه أن تكون الوزارة مسؤولةً أمامَه لا أمام المؤتمر، بذريعة أنَّ المؤتمر لا يملك الحقَّ في ذلك لأنَّه ليس مجلساً نيابياً، فأجابه محمد رشيد رضا: (إنَّ المؤتمر أعظمُ سلطةً من المجلس النيابي، لأنَّه جمعيَّة وطنيَّة تأسيسية). ولما قال له الملك: (إنني أنا الذي أوجدته فلا أعطيه هذا الحق الذي يعرقل عمل الحكومة)، أجابه رشيد رضا: (بل هو الذي أوجدك، فقد كنتَ قائداً من قوادالحلفاء تحت قيادة الجنرال "أللنبي" فجعلك ملكاً لسورية... وقد اجتمع -أي المؤتمر السوري - باسم الأمَّة، وهي صاحبة السلطان الأعلى بمقتضى أصول الشرع الإسلامي الذي تدين اللهَ به، وبمقتضى أصول القوانين العصرية الراقية، وقد اشترط في تأسيسه لهذه الحكومة التي اختارك ملكاً لها أن تكون مسؤولةً تجاهه... فأرجو أن لا تُحدِث لنا أزمةً في أول طريقنا !) ([5]).
2- تقهقر الأحلام:
غير أنَّ تلك الآمال في الاستقلال والوحدة، وهذه الروح الفريدة - التي تعبِّر عنها مواجهة رئيس المؤتمر وقتها للملك - وجدت أمامها سدّاً عالياً تضافرت على بنائه عوامل من تخلُّف وتخاذل واستعمار ضرب بأطنابه في أرض سورية حتى عام 1946، ثمَّ خرج منها تاركاً وراءه دولةً ضمن حدود صناعية، تتحكم فيها طبقة سياسية (كان همُّها في الكفاح أن تحلَّ محلَّ الأجنبيِّ، وتنشئ دولةً قطرية تؤمِّن مصالحها... لا أن تبدِّل طبيعةَ الحكم، ولا أن تؤسِّس نظاماً جديداً يكفل الحرية والمساواة للشعب، ويمكِّن المجتمعَ من مواجهة التحديات التاريخية التي تعصف به، وفي مقدِّمتها قوى التجزئة... وبذلك كان التفتت العربيُّ، فنشأت الكيانات المصطنعة... وبرزت الدولة القطرية ضد الشعب، وفوقه، وعلى حسابه !) ([6]).
3- استقرارالدولة القطرية على حساب الوحدة القوميَّة:
لقد وجدت الدولة القطرية مصادر قوَّتها في منابع متعددة، منها مواريث المراحل التاريخية السابقة: الاستعمارية التي قسمت البلاد العربية وفق خطوط المصالح الدولية، ومن قبلها الدولة العثمانية التي جعلت هذه البلاد ولايات مستقلة عن بعضها، بالاستناد إلى معطيات مختلطة؛ جغرافية واجتماعية وسياسية.
ومن هذه المنابع ما ظهر لدى بعض الفئات من (الرغبة في الاستمتاع بالاستقلال الحديث، والاستئثار بسلطة الدولة... ومنها التنافس بين بعض الزعامات والحكام على النفوذ والسيطرة، ومنها دور القوى الخارجية) ([7]).
وهكذا يمكن تصنيف أهمِّ أسباب استقرار الدولة القطرية على حساب الوحدة القوميَّة إلى:
ومن هذه المنابع ما ظهر لدى بعض الفئات من (الرغبة في الاستمتاع بالاستقلال الحديث، والاستئثار بسلطة الدولة... ومنها التنافس بين بعض الزعامات والحكام على النفوذ والسيطرة، ومنها دور القوى الخارجية) ([7]).
وهكذا يمكن تصنيف أهمِّ أسباب استقرار الدولة القطرية على حساب الوحدة القوميَّة إلى:
أ- عوامل داخليَّة: يأتي في مقدِّمتها عدم مشاركة أبناء الأمَّة في صناعة القرار على المستوى القطري، واستفراد الطبقة الحاكمة به، مما جعلها تبتعد حقيقةً عن كل ما يُفقدها مصالحها، وعلى رأس ذلك العمل من أجل الوحدة أو التكامل بين البلاد العربية، ويؤكد ذلك غياب المؤسسات الدستورية التي تمثِّل الأمَّة تمثيلاً صحيحاً، وتتبنَّى وجهات نظرها، وتعمل على تحقيق أحلامها.
أضف إليه تفريغ الحكَّام الأحزابَ والجمعيات الأهلية من دورها في صنع حركة شعبيَّة عامَّة، تعمل على تهيئة رأي عامٍّ مناهض للتجزئة ومؤيد للوحدة.
وكانت خاتمة الأثافي مع الفقر والجهل وسلطان القوى الأمنيَّة التي تحكَّمت ثلاثتها في مصائر الناس، ووجهتم نحو الاهتمام بمعاشهم في أحسن الأحوال.
أضف إليه تفريغ الحكَّام الأحزابَ والجمعيات الأهلية من دورها في صنع حركة شعبيَّة عامَّة، تعمل على تهيئة رأي عامٍّ مناهض للتجزئة ومؤيد للوحدة.
وكانت خاتمة الأثافي مع الفقر والجهل وسلطان القوى الأمنيَّة التي تحكَّمت ثلاثتها في مصائر الناس، ووجهتم نحو الاهتمام بمعاشهم في أحسن الأحوال.
ب- عوامل خارجيَّة: استغلت الأوضاع الداخليَّة لصالحها، حيث تدخَّلت القوى العالمية لا من أجل الحيلولة دون قيام وحدة أو تكامل عربيٍّ فقط، بل من أجل إعاقة التنمية أيضاً، ولوكان ذلك على حساب إعاقة الديمقراطية، وبواسطة تأييد الأنظمة الاستبدادية، وإنشاء تحالفات معها.
ج- عوامل قانونيًّة: ظهرت أولاً - بحكم الضرورة - في إعلانات الاستقلال المنفردة التي تحررت بموجبها الدول العربية تباعاً من ربقة الاستعمار.
ولكن الأمر تجاوز ذلك عبر دخول هذه الدول في شبكة من الاتفاقيات الدولية، وعدد من المنظمات العالمية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، مما أعطى للتجزئة شرعيةً قانونيَّة لا يُماري أحدٌ فيها.
ولا أدلَّ على ذلك من أنَّ الجامعة العربيَّة نفسها، وهي التي أنيطت بها مهمة العمل من أجل الوحدة العربية، قد نصَّ ميثاقها في ديباجته على (احترام استقلال هذه الدول وسيادتها)، كما أشارت المادة /2/ منه إلى أنَّ الغرض من قيام الجامعة هو (تحقيق التعاون بين البلاد العربية وصيانة استقلالها وسيادتها).
ولكن الأمر تجاوز ذلك عبر دخول هذه الدول في شبكة من الاتفاقيات الدولية، وعدد من المنظمات العالمية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، مما أعطى للتجزئة شرعيةً قانونيَّة لا يُماري أحدٌ فيها.
ولا أدلَّ على ذلك من أنَّ الجامعة العربيَّة نفسها، وهي التي أنيطت بها مهمة العمل من أجل الوحدة العربية، قد نصَّ ميثاقها في ديباجته على (احترام استقلال هذه الدول وسيادتها)، كما أشارت المادة /2/ منه إلى أنَّ الغرض من قيام الجامعة هو (تحقيق التعاون بين البلاد العربية وصيانة استقلالها وسيادتها).
د- عوامل فكريَّة: يعبِّر عنها انحسار الفكر القوميِّ الوحدوي عن أن يكون له حضوره المؤثِّر بين أبناء الأمَّة، والذي كان ينبغي أن يعزِّز فيهم شعورهم بالهويَّة الجامعة، ويحفزهم للعمل من أجل قضية الوحدة التي يؤمنون بها، ولهذه المسألة بيان موجزٌ نورده فيما يلي.
_____________________________________
· يُعتبر هذا البحث بمثابة النواة التي قام عليه مشروعنا "شركاء في الإصلاح". كما أنه حلقة من سلسلة أبحاث، أُنجز بعضها، والبعض الآخر قيد الإنجاز.
([1]) علي سلطان: تاريخ سورية 1908-1918، 2/110، دار طلاس 1987.
([2]) مذكرات محمد رشيد رضا. مجلة المنار، المجلد 21، 8/434.
([3]) يكتب محمد رشيد رضا عن حكومة هاشم الأتاسي: (كانت هذه الحكومة العربية الطفلة أقربَ إلى العدل والحرية والمساواة والإصلاح، وأبعدَ عن التعصب والمحاباة والإفساد الأدبي والاقتصادي من حكومتَي الدولتين اللتين ابتدعتا لنا بدعة الانتداب لإصلاح بلادنا... ولقد كانت هذه الحكومة ... متوجهة إلى الإصلاح الإداري والعلمي، وكانت الحرية بجميع أنواعها، ولا سيما حرية الاجتماع والخطابة والنشر مما تحسدها عليه سائر البلاد... وشعر الشعب بحريته وكرامته). يوسف إيبش: رحلات الإمام محمد رشيد رضا، ص297-298، ط1/1971، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
([4]) انظر دراستنا: (تأملات إصلاحية في المادَّة(....) من الدستور).
([5]) رحلات محمد رشيد رضا، مصدر سابق، ص305-306. ومذكرات محمدرشيد رضا: مصدر سابق، المجلد 34، 2/152، والمجلد 53، 5/390.
([6]) مجدي حمَّاد: جامعة الدول العربية مدخل إلى المستقبل،ص13-14، سلسلة عالم المعرفة، العدد 299، 2004.
([7]) مجدي حمَّاد: المصدر السابق، ص44.
تعليق