مفهوم الأمة السورية؛ مدخلاً إلى بناء المستقبل المنشود

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • توحيد مصطفى عثمان
    أديب وكاتب
    • 21-08-2010
    • 112

    مفهوم الأمة السورية؛ مدخلاً إلى بناء المستقبل المنشود



    مفهوم الأمة السورية
    مدخلاً إلى بناء المستقبل المنشود


    إعداد: محمد أديب ياسرجي، توحيد مصطفى عثمان، محمد باسم العباس


    الباب الأول- توطئة تاريخية

    1- انبعاث الأمل:

    كان الشعور العامُّ في سورية غداة انتهاء الحرب العالمية الأولى (شعوراً قوميّاً عربياً، تغذِّيه انفعالات الحوادث، وعواطفُ الجماهير المتصاعدة البعيدةُ عن إدراك ما يجري فعلاً ويُحاك ضدَّ العرب، وكان يغذِّيه ما يبثُّه بعض الزعماء العرب من روح قومية مبنيَّة على ذكرى الدولة العربية الغابرة... مما كان يجد لدى عواطف الجماهير أعظم صدى) ([1]).

    وفي يوم الثامن من آذار 1920، وبعد الاجتماعات التي شهدها يوم ا السادس والسابع من الشهر نفسه، قدَّم المؤتمر السوريُّ العامُّ للأمَّة بيانه الختامي الذي جاء فيه:
    (إنَّ المؤتمر السوريَّ العامَّ الذي يمثِّل الأمَّة السورية العربية في مناطقها الثلاث الداخلية والساحلية والجنوبية "فلسطين" تمثيلاً تاماً ... يضع القرار الآتي...: نحن أعضاء هذا المؤتمر، رأَينا بصفتنا الممثلين للأمَّة السورية في جميع أنحاء القطرالسوري تمثيلاً صحيحاً، نتكلم بلسانها ونجهر بإرادتها، ... استناداً على حقِّنا الطبيعي والشرعي في الحياة الحرة، وعلى دماء شهدائنا المراقة، وجهادنا المديد في هذا السبيل المقدَّس... وعلى ما شاهدناه ونشاهده كلَّ يوم من عزم الأمَّة الثابتة على المطالبة بحقها ووحدتها والوصول إلى ذلك بكل الوسائل، فأعلنّا بإجماع الرأي استقلالَ بلادنا السورية بحدودها الطبيعية، ومن ضمنها فلسطين، استقلالاً تاماً لاشائبةَ فيه على الأساس المدنيِّ النيابي، وحفظ حقوق الأقلية، ورفضَ مزاعم الصهيونيين في جعل فلسطين وطناً قومياً لليهود أو محلَّ هجرة لهم، وقد اخترنا سموالأمير فيصل بن الملك حسين... ملكاً دستورياً على سورية) ([2]).

    وكانت ظواهر الأمورتشير وقتها إلى ملامح دولة دستورية آخذة في التشكُّل، تديرها مؤسسات منتخَبة، ويتفاعل معها أبناء الأمَّة بإيجابيَّة ([3])، وهكذا وضع المؤتمر السوريُّ نفسه دستوراً باسم (القانون الأساسي للمملكة السوريَّة العربية)، جاء في المادة الأولى منه: (إنَّ حكومة المملكة السورية العربية حكومةٌ ملكيَّة مدنيَّة نيابية)([4]).

    كما تمَّ تشكيل وزارة برئاسة رضا الركابي، طلب منها المؤتمر تقديم البيان الوزاري إليه لنيل الثقة، على الرغم من اعتراض الملك فيصل على ذلك وطلبه أن تكون الوزارة مسؤولةً أمامَه لا أمام المؤتمر، بذريعة أنَّ المؤتمر لا يملك الحقَّ في ذلك لأنَّه ليس مجلساً نيابياً، فأجابه محمد رشيد رضا: (إنَّ المؤتمر أعظمُ سلطةً من المجلس النيابي، لأنَّه جمعيَّة وطنيَّة تأسيسية). ولما قال له الملك: (إنني أنا الذي أوجدته فلا أعطيه هذا الحق الذي يعرقل عمل الحكومة)، أجابه رشيد رضا: (بل هو الذي أوجدك، فقد كنتَ قائداً من قوادالحلفاء تحت قيادة الجنرال "أللنبي" فجعلك ملكاً لسورية... وقد اجتمع -أي المؤتمر السوري - باسم الأمَّة، وهي صاحبة السلطان الأعلى بمقتضى أصول الشرع الإسلامي الذي تدين اللهَ به، وبمقتضى أصول القوانين العصرية الراقية، وقد اشترط في تأسيسه لهذه الحكومة التي اختارك ملكاً لها أن تكون مسؤولةً تجاهه... فأرجو أن لا تُحدِث لنا أزمةً في أول طريقنا !) ([5]).

    2- تقهقر الأحلام:

    غير أنَّ تلك الآمال في الاستقلال والوحدة، وهذه الروح الفريدة - التي تعبِّر عنها مواجهة رئيس المؤتمر وقتها للملك - وجدت أمامها سدّاً عالياً تضافرت على بنائه عوامل من تخلُّف وتخاذل واستعمار ضرب بأطنابه في أرض سورية حتى عام 1946، ثمَّ خرج منها تاركاً وراءه دولةً ضمن حدود صناعية، تتحكم فيها طبقة سياسية (كان همُّها في الكفاح أن تحلَّ محلَّ الأجنبيِّ، وتنشئ دولةً قطرية تؤمِّن مصالحها... لا أن تبدِّل طبيعةَ الحكم، ولا أن تؤسِّس نظاماً جديداً يكفل الحرية والمساواة للشعب، ويمكِّن المجتمعَ من مواجهة التحديات التاريخية التي تعصف به، وفي مقدِّمتها قوى التجزئة... وبذلك كان التفتت العربيُّ، فنشأت الكيانات المصطنعة... وبرزت الدولة القطرية ضد الشعب، وفوقه، وعلى حسابه !) ([6]).

    3- استقرارالدولة القطرية على حساب الوحدة القوميَّة:

    لقد وجدت الدولة القطرية مصادر قوَّتها في منابع متعددة، منها مواريث المراحل التاريخية السابقة: الاستعمارية التي قسمت البلاد العربية وفق خطوط المصالح الدولية، ومن قبلها الدولة العثمانية التي جعلت هذه البلاد ولايات مستقلة عن بعضها، بالاستناد إلى معطيات مختلطة؛ جغرافية واجتماعية وسياسية.
    ومن هذه المنابع ما ظهر لدى بعض الفئات من (الرغبة في الاستمتاع بالاستقلال الحديث، والاستئثار بسلطة الدولة... ومنها التنافس بين بعض الزعامات والحكام على النفوذ والسيطرة، ومنها دور القوى الخارجية) ([7]).
    وهكذا يمكن تصنيف أهمِّ أسباب استقرار الدولة القطرية على حساب الوحدة القوميَّة إلى:

    أ- عوامل داخليَّة: يأتي في مقدِّمتها عدم مشاركة أبناء الأمَّة في صناعة القرار على المستوى القطري، واستفراد الطبقة الحاكمة به، مما جعلها تبتعد حقيقةً عن كل ما يُفقدها مصالحها، وعلى رأس ذلك العمل من أجل الوحدة أو التكامل بين البلاد العربية، ويؤكد ذلك غياب المؤسسات الدستورية التي تمثِّل الأمَّة تمثيلاً صحيحاً، وتتبنَّى وجهات نظرها، وتعمل على تحقيق أحلامها.
    أضف إليه تفريغ الحكَّام الأحزابَ والجمعيات الأهلية من دورها في صنع حركة شعبيَّة عامَّة، تعمل على تهيئة رأي عامٍّ مناهض للتجزئة ومؤيد للوحدة.
    وكانت خاتمة الأثافي مع الفقر والجهل وسلطان القوى الأمنيَّة التي تحكَّمت ثلاثتها في مصائر الناس، ووجهتم نحو الاهتمام بمعاشهم في أحسن الأحوال.

    ب- عوامل خارجيَّة: استغلت الأوضاع الداخليَّة لصالحها، حيث تدخَّلت القوى العالمية لا من أجل الحيلولة دون قيام وحدة أو تكامل عربيٍّ فقط، بل من أجل إعاقة التنمية أيضاً، ولوكان ذلك على حساب إعاقة الديمقراطية، وبواسطة تأييد الأنظمة الاستبدادية، وإنشاء تحالفات معها.

    ج- عوامل قانونيًّة: ظهرت أولاً - بحكم الضرورة - في إعلانات الاستقلال المنفردة التي تحررت بموجبها الدول العربية تباعاً من ربقة الاستعمار.
    ولكن الأمر تجاوز ذلك عبر دخول هذه الدول في شبكة من الاتفاقيات الدولية، وعدد من المنظمات العالمية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، مما أعطى للتجزئة شرعيةً قانونيَّة لا يُماري أحدٌ فيها.
    ولا أدلَّ على ذلك من أنَّ الجامعة العربيَّة نفسها، وهي التي أنيطت بها مهمة العمل من أجل الوحدة العربية، قد نصَّ ميثاقها في ديباجته على (احترام استقلال هذه الدول وسيادتها)، كما أشارت المادة /2/ منه إلى أنَّ الغرض من قيام الجامعة هو (تحقيق التعاون بين البلاد العربية وصيانة استقلالها وسيادتها).

    د- عوامل فكريَّة: يعبِّر عنها انحسار الفكر القوميِّ الوحدوي عن أن يكون له حضوره المؤثِّر بين أبناء الأمَّة، والذي كان ينبغي أن يعزِّز فيهم شعورهم بالهويَّة الجامعة، ويحفزهم للعمل من أجل قضية الوحدة التي يؤمنون بها، ولهذه المسألة بيان موجزٌ نورده فيما يلي.

    _____________________________________

    · يُعتبر هذا البحث بمثابة النواة التي قام عليه مشروعنا "شركاء في الإصلاح". كما أنه حلقة من سلسلة أبحاث، أُنجز بعضها، والبعض الآخر قيد الإنجاز.

    ([1]) علي سلطان: تاريخ سورية 1908-1918، 2/110، دار طلاس 1987.

    ([2]) مذكرات محمد رشيد رضا. مجلة المنار، المجلد 21، 8/434.

    ([3]) يكتب محمد رشيد رضا عن حكومة هاشم الأتاسي: (كانت هذه الحكومة العربية الطفلة أقربَ إلى العدل والحرية والمساواة والإصلاح، وأبعدَ عن التعصب والمحاباة والإفساد الأدبي والاقتصادي من حكومتَي الدولتين اللتين ابتدعتا لنا بدعة الانتداب لإصلاح بلادنا... ولقد كانت هذه الحكومة ... متوجهة إلى الإصلاح الإداري والعلمي، وكانت الحرية بجميع أنواعها، ولا سيما حرية الاجتماع والخطابة والنشر مما تحسدها عليه سائر البلاد... وشعر الشعب بحريته وكرامته). يوسف إيبش: رحلات الإمام محمد رشيد رضا، ص297-298، ط1/1971، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

    ([4]) انظر دراستنا: (تأملات إصلاحية في المادَّة(....) من الدستور).

    ([5]) رحلات محمد رشيد رضا، مصدر سابق، ص305-306. ومذكرات محمدرشيد رضا: مصدر سابق، المجلد 34، 2/152، والمجلد 53، 5/390.

    ([6]) مجدي حمَّاد: جامعة الدول العربية مدخل إلى المستقبل،ص13-14، سلسلة عالم المعرفة، العدد 299، 2004.

    ([7]) مجدي حمَّاد: المصدر السابق، ص44.





    التعديل الأخير تم بواسطة توحيد مصطفى عثمان; الساعة 22-07-2011, 12:29.
    وطني... محلُّ تكليفي، ومختبَر صلاحي

  • توحيد مصطفى عثمان
    أديب وكاتب
    • 21-08-2010
    • 112

    #2


    - في البحث عن الهوية:

    لقد تطوَّر الفكر الباحث عن هويَّة وطنيَّة في بلادنا وَفق مراحل استوفى الحديثَ عنها العلَّامةُ الشيخ عبدالله العلايلي في كتابه (دستور العرب القومي) ([1])، حيث بيَّن كيف انتقل هذا البحث من الهويَّة الإسلامية العربية الدائرة حول قطب الدولة العثمانية، إلى أن وصل أخيراً إلى العربيَّة القومية، وهي المرحلة التي انتصرت فيها فكرة (الجامعة العربية) على الأفكار المنافسة، وخاصة منها فكرة (الجامعة الإسلامية) ([2]).

    غير أنَّ فكرةَ القوميَّة العربية المتطلعة إلى بناء الدولة العربية الواحدة ظلَّت تعاني من عدَّة مشكلات، يمكن إدراك تقاطعها مع العوامل التي ذكرناها في الفقرة السابقة بسهولة، وعلى رأسها

    1-التجاذب المستمر إلى يومنا هذا مع واقع التجزئة والانقسام العربي، وفشل جميع التجارب الوحدوية.
    2- واقع التعدد العرقي والقومي الذي تعيشه أغلب الأقطار العربية من شرقها إلى غربها ([3]).
    3- ارتهانها في قوَّة مدِّها إلى شخصيات رائدة تتبنَّاها، فكانت تقوى بوجودهم وتضعف بفقدهم ([4]).
    4- استغلالها لتبرير سياسات ترفض الحديث في قضايا أساسية ضرورية لبناء الدولة الدستورية، وتتغافل عن مسائل جوهرية لتحقيق التنمية الاقتصادية، بذريعة مواجهة الخطر الصهيوني المدعوم بالإمبريالية والمؤيَّد بواقع التجزئة العربية.
    5- ضبابية الفكرة في أذهان معظم أبناء أمَّتنا رغم تعلُّقهم العاطفيِّ بها، وسوء ظنِّهم بالدعاة الرسميين لها، نظراً لتسخير هؤلاء مبادئ التربية الوطنية من أجل تكريس الأنظمة القائمة وفرض سياساتها الخاصَّة.

    كلُّ ذلك وأسبابٌ أخرى من دعاية الفِكَر المنافسة أدخل فكرةَ القومية العربية في صراعات أفقدتها الكثيرَ من قوَّتها، وأقصاها عن أن يكون لها حضور واقعيٌّ فاعل، أو أثرٌ عمليٌّ في السياسات الحكومية إلا ما تعلَّق منها بمقاومة المشروع الصهيونيِّ.

    وهكذا تغلَّب فعليّاً منطق الدولة التي تهتمُّ بالسيادة والاستقلال، على منطق الأمَّة الساعية إلى الوحدة، واستقرَّ - أو كادَ يفعلُ إلا قليلاً - مفهومُ الدولة ذات السيادة على حساب الفكرة الوحدوية الجامعة ([5])، وتحوَّل الواقع القطريُّ ليكون الإطار المعترَف به عملياً وإن أنكرناه قولياً، وغدا بشكل طبيعيٍّ المعوَّلَ عليه حكوميّاً في تخطيط السياسات الداخلية والخارجية.

    5- فهل نتخلَّى عن خيار الوحدة ؟

    إنَّ منطق الواقعية السياسيَّة يفرض على الدول رعايةَ مصالحها الاستراتيجية، التي ينبغي توضيح حدودها والسَّهر على حمايتها كما تسهر على حمايةحدودها الجغرافية السياسية.
    وهذا ما يدفع الدول الكبرى مثلاً إلى التدخل السياسيِّ - مصحوباً بالسلاح الاقتصادي غالباً أو بالقوة العسكرية في بعض الأحيان - في بلاد ومناطق تبعد عنها جغرافياً آلاف الأميال، ولكنها تقع في صميم مصالحها الاقتصادية أو الثقافية أو العسكرية.

    وبدافع من المنطق نفسه تقوم الدول أيضاً بإنشاء تحالفات وروابط ومنظمات يكون عمادها الاشتراك في الإقليم أحياناً كمنظمة المؤتمر الإفريقي، أو المصالح الاقتصادية أحياناً أخرى كمنظمة الدول الصناعية، أو للأمرين معاً كمنظمة آسيان، أوبسبب عوامل ثقافية وفكرية كمنظمة دول الكومنويلث.

    وبدافع من هذا المنطق ذاته أيضاً نقول:
    إنَّ ما يجمع بين أقاليم بلاد الرافدين والجزيرة العربية وبلاد الشام وحوض النيل والشمال الإفريقي - التي يجمعها اسم "الوطن العربي" - من الروابط الثقافية والتاريخية والجغرافية، وضرورات المصالح العلميَّة والاقتصادية والسياسية وغيرها، أكبرُ من أن يتغاضى الإنسان عنها، وأعظم من أن ينكرها المنكرون.

    ولئن عانت الوحدة العربية - ولا تزال - من مشاكل جمَّة بالتوازي مع معاناة الفكر القوميِّ الوحدويِّ، فإنَّ ذلك لا يجيزُ لأحد منَّا - في رأينا - أن يضرب صفحاً عن السعي إلى مثل هذه الوحدة، ليس لما لها من أصول تاريخية وفكرية فقط، ولا لإيمان معظم أبناء أمَّتنا بها فحسب، ولكن لأنها يمُكن أن تشكِّل آفاقاً مقترحةً لمستقبل قادم، تتكامل فيه دولنا في إطار وحدة عملية، لاتحاكي النماذج التاريخية بالضرورة، ولكنَّها تصنع لنفسها أنموذجها الخاصَّ بها، القائم على رؤية جديدة تتجاوز أخطاء الرؤية السابقة ونواقصها.

    6- آفاق جديدة للمستقبل المنشود:

    لقد جَهد الكثير من المفكرين في دراسة المفاهيم والسياسات والأحداث المرتبطة بقضية الوحدة، وقدَّموا بذلك ذخيرة ثمينة ([6]) يجب على شبابنا العودة إليها للتثقُّف في شأن تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا.
    إلا أنَّهم لم يدَّعوا أنَّ جهدهم المبرور هذا قد ختَم باب الدراسات أو أتى على كلِّ ما يمكن أن يُقال في موضوعاتها، وهذا واقعٌ صحيحٌ يشفع لنا إذ نحاول تقديم مشاريع رؤى جديدة، قد لا تصحُّ عند تمحيصها، وقد يثبت منها شيءٌ، وتَذهب جُفاءً أشياء أخرى، ولا ضير في ذلك، فتلك سبيلٌ لسنا فيها لوحدنا، والمهمُّ أن يمكث في أرضنا ما ينفع أهلها، سواءٌ أجرى على لساننا أم أتى به أخٌ لنا.

    ومن هنا نقول: إنَّ الواجب والمصلحة يقضيان علينا معاً بإعادة دراسة التراث الفكري والتجارب الواقعية لقضية الوحدة، للوقوف على جوانب القوة والضعف، واقتراح الجديد من الأفكار والتصورات وعرضها على الحوار.
    لكنَّنا رأينا أن السبيل إلى هذه الوحدة يجب أن تقوم على أسس جديدة، نعرض فيما يلي خمسةً من أهمِّها:
    أ-تحديدٌ جديدٌ للمفاهيم:
    والتجديد هنا لا يتلازم مع هدم القديم، ولكنه يعني الاستفادة من تطور البحث الفلسفي واللسانيِّ والاجتماعي والسياسي في درسها وتمحيصها وتقديمها واضحةً قابلة للتبني، وعلى رأس هذه المفاهيم: الأمَّة والشعب والعروبة والقومية والهوية والدِّين والدولة والسيادة والمواطنة والحرية والسلطة والحاكميَّة وغيرها.

    ب-الاعتماد على التنوع:
    الذي تغنى به أقاليم الوطن العربيِّ كلُّها، دينيّاً وقوميّاً وثقافياً، وإذا كان القوميون العرب قد استطاعوا - مسلمين ومسيحيين - التوفيق بين الدِّين والقومية، فقد بقيت أمامهم مشكلة التنوُّع القومي واللغوي في الوطن العربي، إذ لم يعد ممكناً فضلاً عن أن يكون مقبولاً الإغضاء عن أهمية وجود شعوب أخرى غيرالعرب في المنطقة، وعن ضرورة قيام الوحدة المنشودة على شراكة معها.
    ونخصُّ من بين هذه الشعوب العديدة الأكراد في المشرق والأمازيغ في المغرب، الذين ينبغي التعامل مع مُطالبتهم بحقوقهم الثقافية والسياسية على أنها مطالبة مشروعةوواجبة، وأن تحقيق ذلك لهم واجب وطنيٌّ يمكن الوفاء به في إطار وحدة يتوافق الجميع عليها لإمكانها أولاً ولإيمانهم بضرورتها ثانياً.

    ج-الاستناد إلى إرادة الأمَّة:
    التي أُقصيت عن المشاركة في تقرير حاضرها وتحديد مصيرها، وكان أقصى ما يُسمح لها به تأييد الزعامات والتهليل للانقلابات والثورات، حتى وقعت في أسر الإحباط واليأس، غير أنَّنا شهدنا منذ مطلع القرن وحتى أيامنا ([7])هذه انبعاث روح جديدة في الجسد المثقل للأمَّة، وهي روح ينبغي علينا الاستفادة منها إلى أقصى الدرجات في تفعيل دور الأمَّة في بناء مستقبلنا المنشود، ولكنَّ ذلك يحتاج إلى إيجاد الأطر المؤسساتية التنظيمية التي يفقد الشارع بدونها قدرته على التأثير والتفاعل، وتضحي حركته مجرَّد انفجار مؤقت لا يلبث أن يعود إلى همود، مما يسهل على المغرضين امتصاص انفعالاته وتشتيت تطلعاته.

    وهنا يبرز دور المفكرين ومؤسسات المجتمع الأهلي في العمل على التخطيط لهذه الأطر والسعي إلى إيجادها ووضع البرامج العملية لها ([8]).

    د-تكوين دولةأنموذج:
    ونعني بها دولة دستورية مؤسساتية، تنبثق عن إرادة أبناء الأمَّة فيها، وتسعى إلى تحقيق الكفاية والأمان لهم، فتتحلى بالقدر الأكبر من الديمقراطية، وما يرتبط بذلك من تنظيم لعمل السلطات فيها، ورعاية للإنسان وحقوقه، وتَبنٍّ لفكرةٍ وسطية جامعة، تجعلها مثلاً يقتدى به، ومركزاً لتعزيز فكرة الوحدة.

    وإنَّنا لنعلن هنا إيماننا بأهلية سورية لذلك، وقدرتها على القيام به، لما لها مكانة تاريخية في نفوس أبناء أمَّتنا، ولمواقفها السليمة من قضايانا الرئيسية.
    وهذا ما يجب أن يحملنا اليوم في سورية - مهما كان موقعنا فيها - على أن نضع حساباتنا الخاصَّة أخيراً بعد المصالح الوطنيَّة الجامعة، وأن نعمل لاستثمار الفرصة البادية أمامنا، فهي فرصة تاريخيَّة حقاً، وأنَّى لها إذا فرَّطنا فيها أن تعود من قريب ؟!

    هـ- إطار اتحادي جديد:
    لقد قدَّم لنا نموذج الجمهورية العربية المتَّحدة 1958-1961 عِبَراً جمَّة يمكن الاستفادة منها في عملية تكوين إطار اتحاديٍّ من نوع جديد ([9])، لا يتقيَّد بالأشكال التقليدية للدولة، ولكنه يُبدع شكلَه الخاصَّ كما ألمحنا سابقاً.
    وإنَّ دراسة نموذج الاتحاد الأوربي تؤكد إمكانية قيام نماذج وحدوية أخرى جديدة، فقد استطاع هذا الاتحاد ضمَّ معظم الدول الأوربية بما فيها دول أوربا الشرقية سابقاً، رغم الصرامة والتدقيق المفصَّل في طلبات العضوية، وعدم التنازل عن الشروط الإضافية المتمثلة في اتباع النظام الديمقراطي، ومبدأ الليبرالية الاقتصادية، واحترام حقوق الإنسان، ورغم الصراعات الطويلة التي عاشتها دول هذا الاتحاد فيما بينها إلى فترة قريبة، ووجود هويات وطنية مختلفة،كالهويَّة الإيطالية واليونانية والبريطانية والألمانية وغيرها، إلا أنَّ ذلك كلَّه لم يَحُل بينها وبين العمل على إيجاد هويَّة أوربيَّة جامعة لا تُلغي ما سبق، ولكنها تقدم لها إطاراً يجمع المشتركات ويرعى المصالح.

    أخيراً:

    إنَّ هذه الأسس التي نقترحها هنا للدولة المستقبلية الواحدة التي نسعى إليها، هي التي شكَّلت المنطلق الفكريَّ لمفهوم جديد في مضمونه ندعو إليه، رغم تشابهه ظاهراً مع دعوات أخرى، أردنا من خلاله تطبيقاً عملياً لمبدأ إعادة تحديد المفاهيم، وسعَينا عبره إلى تقديم إطار فكري مناسب وعملي لعملية الإصلاح في سورية، ابتغاء أن يتحول هذا الوطن العزيز ليكون الدولة الأنموذج التي تكلَّمنا عنها، فتكون نقطة جذب لتكوين دولة اتحادية أوسع، يمكنها تحقيق التكامل الاقتصادي والاجتماعي والأمنيِّ والتنموي ما بين بلدان منطقتنا.

    إنَّنا نرجو أن يطرح مفهوم الأمَّة السورية- التي تقدِّمه ورقتنا هذه منذ عنوانها - للحوار بعيداً عن الأحكام المسبقة، وبروح من الموضوعية، فإنَّما هو في النهاية وسيلةٌ للوصول إلى الغاية وإطار لتحقيق الموضوع.
    وها نحن فيما يلي ساعون إلى بيان هذا المفهوم وجلاء أبعاده، فنسأل الله التوفيق.

    ____________________________________

    ([1]) طبع الكتاب لأول مرة عام 1941 بمكتبة العرفان في بيروت، ثم أعادت نشره دار الجديد اللبنانية ثانيةً عام 1996، وهو كتابٌ فريد في بابه.

    ([2]) عرضَ لأبعادالصراع بين هاتين الفكرتين - من وجهة نظره الخاصة - الدكتور محمد محمد حسين في كتابه (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر)، ومعلومٌ أن المقصود بكلمة (الجامعة) هنا هو (الرابطة)، ومن الفكرة المنتصرة أخذت المنظمة التي تضمُّ الدول العربية اسم(الجامعة العربية).

    ([3]) يرى أحد أعظم المنادين بفكرة القومية العربية وأكثرهم انفتاحاً واستيعاباً، وهو العلامة العلايلي، في هذه المجموعات القومية وأمثالها من المجموعات المذهبية عائقاً يحول دون تخلُّق الروح القومي، ويذهب إلى ضرورة صهرهم في البوتقة القومية عبر توزيعهم في جهات متنائية ! انظر: دستور العرب القومي، ص177-178، دار الجديد.

    ([4]) أبرزالأمثلة من هؤلاء جمال عبد الناصر وحافظ الأسد.

    ([5]) مجدي حمَّاد: المصدر السابق، ص35-38، بتصرف.

    ([6]) تُعدُّ أعمال "مركز دراسات الوحدة العربيَّة" في بيروت رائداً لا نظير له في هذا المجال، وفي قائمة إصداراته من كتب ومجلات ما لا يستغني عنه إنسانٌ في هذا الشأن، مهما كان موقفه منه.

    ([7]) ابتداء من نجاح المقاومة في دحر العدوِّ عن جنوب لبنان، وقيام انتفاضة الأقصى، مروراً بالحروب الصهيونيَّة الأخيرة على المقاومة في لبنان وعلى غزة، وأخيراً تحركات الشعوب العربية الحالية، رغم ما شابَها من مشكلات وأخطاء.

    ([8]) انظر للمزيد: مجدي حمَّاد، الجامعة العربية، مصدر السابق،ص155-158.

    ([9]) انظر أحمد عبد الكريم: أضواء على تجربة الوحدة، ط1، مكتبة أطلس، دمشق 1962.

    التعديل الأخير تم بواسطة توحيد مصطفى عثمان; الساعة 22-07-2011, 19:05.
    وطني... محلُّ تكليفي، ومختبَر صلاحي

    تعليق

    • محمد زعل السلوم
      عضو الملتقى
      • 10-10-2009
      • 2967

      #3
      اخي الكريم توحيد
      لا تعجبني صراحة مفهوم الأمة السورية
      قد لا انتمي لحزب البعث ولكنن اعتز بالأمة العربية من المحيط الى الخليج وهي جوهر الامة الاسلامية وقلب العالم وبالتالي أرفض حتى طرح مفهوم سورية كأمة مع كامل احترامي ارأيك الذي تعبر عنه
      محمد زعل السلوم

      تعليق

      • توحيد مصطفى عثمان
        أديب وكاتب
        • 21-08-2010
        • 112

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة محمد زعل السلوم مشاهدة المشاركة
        اخي الكريم توحيد
        المشاركة الأصلية بواسطة محمد زعل السلوم مشاهدة المشاركة



        لا تعجبني صراحة مفهوم الأمة السورية


        قد لا انتمي لحزب البعث ولكنن اعتز بالأمة العربية من المحيط الى الخليج وهي جوهر الامة الاسلامية وقلب العالم وبالتالي أرفض حتى طرح مفهوم سورية كأمة مع كامل احترامي ارأيك الذي تعبر عنه



        محمد زعل السلوم








        الأستاذ الذي أحترم وأقدَّر؛ محمد زعل السلوم
        يؤسفني أيها العزيز أن طرح هذا المفهوم لا يعجبك!

        ولكن... لا أدري علامَ بنيتَ رأيك ونحن لم نطرح بعدُ فهمنا لهذا المفهوم؟!

        لا تتعجل الحكم يا صديقي، فربَّما كان لك غداً رأي آخر!
        بكل الأحوال أحترم وأقدِّر رأيك وآراء الجميع.

        ولكَ تحيتي وخالص ودِّي.













        التعديل الأخير تم بواسطة توحيد مصطفى عثمان; الساعة 22-07-2011, 19:41.
        وطني... محلُّ تكليفي، ومختبَر صلاحي

        تعليق

        • توحيد مصطفى عثمان
          أديب وكاتب
          • 21-08-2010
          • 112

          #5
          الباب الثاني- مفهوم الأمَّة السورية



          أولاً- لماذا نتحدَّث اليوم عن الهوية ؟

          إذا كانت الهويَّة ([1]) هي: ما نكون به نحنُ نحنُ، بوصفنا وجوداً متميِّزاً عن غيرنا، وهو تميُّز نابعٌ من إدراكنا لما يجمعنا، أي للفكرة التي نؤمن بها ويتحدَّد بناءً عليها دورنا في الحياة أو رسالتنا.
          فإنَّ إثارة النقاش اليوم حول الهوية ضرورة لازمةٌ، وليست فُضولاً من القول أو تفلسفاً في غير مكانه، لأنَّ تلك الروح التي توَقَّدُ اليوم بين جنَبات السوريين تحتاج إلى ما يستوعبها ويحفظ لها ألَقها ويذكِّيها، كما يحتاج ذلك الكمُّ الهائل من المطالب والأفكار إلى إطار يجمعها وينسِّقها ويوضِّحها، ولا نجد في هذا المقام خياراً يحقِّق هذه المصالح التي نتطلُّع إليها إلا إعلان الهوية التي:

          1- يتعلَّق بها الناس عبر الحبِّ:
          فتغذي فيهم الشوقَ إلى السموِّ أو النزوع نحو الأفضل، وتحميهم من أن يتحوَّل الأمل المتراقص بالفرح أمام عيونهم إلى يأسٍ أو إحباط وهمود. ولقد ظلَّ وجود هويَّة جامعة من أقوى العوامل في حركة الأمم عبر التاريخ، ولا يفوتنا هنا أن نلاحظ كيف غدا لاسم سورية اليومَ وَقْعٌ آخر في النفوس وعلى الألسنة، لم نعهد له مثيلاً في الحبِّ ودفء العلاقة منذ أمدٍ غير قريب.

          2- تجعل حركتَهم عملاً واعياً:
          عندما تحدِّد لهم مرجعيَّة هذه الحركة، وتوضِّح منطلقاتها وغاياتها ووسائلها، فتصونهم من أن يصير سعيُهم هذا إلى تجربة فاشلة، أو يكون ردَّة فعلٍ غير واعيةٍ ([2])، ونحن نرى ما يحفل به المشهد السوريُّ اليومَ من تخبُّط عند معظم الأطراف، وضبابيةٍ في الرؤية عند كثيرين.

          3- تجمع شتاتهم وتؤلِّف بين أطيافهم:
          وتكوِّن منهم فريقاً متجانساً متماسكاً، وتحصِّنهم من أن يتحوَّل تعددهم واختلافهم مدعاةً إلى التفرُّق والتشرذم، بل تجعل من ألوانهم المتباينة لوحةً متناغمة، بيِّنة الملامح، ونسيجاً محكم الحبك، ومن ذا الذي يشكك في حاجة السوريين جميعاً في هذه المرحلة خاصةً إلى مثل هذا التماسك والتجانس ؟!

          ثانياً- السوريون بين الشعب والأمَّة:

          ألمحنا من قبل إلى أهميَّة إيجاد تحديد جديد للمفاهيم الأساسية، ومن بينها مفهوما الأمَّة والشعب اللذان نستعملهما على وجه التقابل ([3]) بناءً على أصل الدلالة اللغوية لكلٍّ منهما، حيث نجد أن كلمة "الشعب" تنتمي إلى ما يسمَّى في اللغة العربية "ألفاظ الأضداد"، التي تحمل المعنى ونقيضه معاً، فكلمة الشَّعب تحمل معنى الجمع ومعنى التفريق في آنٍ واحد، يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي: (من عجائب الكلام ووُسع العربية، أن الشَّعب يكون تفرُّقاً، ويكون اجتماعاً) ([4]).
          أمَّا كلمة "الأمَّة" فتحمل معاني متعددة، لكنها متآلفة غير متضادَّة، فنجدها تدلُّ على معاني الاجتماع والأصل والمرجع والغاية ([5]).
          وإذا كان القدماء قد أدركوا - بناءً على الدلالة اللغوية - أنَّ الأمَّة كلُّ جماعة يجمعهم أمرٌ ما، حتى إنَّ جماعة الحيوان من صنفٍ واحد قد تسمَّى أمَّةً بهذا الاعتبار، كما في القرآن الكريم: ﴿ومَا مِنْ دَابَّةٍ في الأرضِ ولا طائرٍ يَطيرُ بجناحَيْهِ إلَّا أُمَمٌ أمثالُكمْالأنعام:38.
          فإنَّهم قد تباينت آراؤهم في الأمر الجامع الذي تسمَّى بناءً عليه جماعةٌ من الناس أمَّة، فرأى المسعودي أنَّ المكان الواحد أو الإقليم يجعل من سكَّانه أمَّة واحدة، وقسم أهل الأرض بناءً على ذلك إلى سبع أمم، بينما ذهب ابن خلدون إلى أنَّ أهل الزمان الواحد يُسمَّون أمَّة ([6])، وذهب آخرون قديماً وحديثاً إلى أنَّ الأمر الجامع هو الدِّين الواحد، وزعم غيرهم أنَّه العِرق الواحد، بينما رأى فريق ثالث أنَّه اللغة الواحدة.
          ولكنَّنا نجد في القرآن الكريم إشارةً إلى دور الفكرة - سواءٌ أكانت صحيحة أم لا - في جعل المؤمنين بها أمَّة واحدة، كما في قوله تعالى: ﴿بل قالوا إنَّا وجدنَا آباءَنا على أمَّة وإنَّا على آثارهم مُهتدونالزخرف:22.
          وفي قوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمَّة يدعون إلى الخيرآل عمران:104.

          - تعريفنا لمفهومي الشعب والأمَّة:
          وبناءً على المعنى اللغويِّ للشَّعب والأمَّة، ومع ملاحظة التطور الدلالي لكلا المفهومين، عرَّفناهما بما يلي:
          الشَّعب: اجتماع عددٍ من الناس تحت نظامٍ واحدٍ يخضعون له، فإن ارتفع عنهم هذا النظام تفرَّقوا وعادوا شُعَباً، أي جماعات يشكِّل كلُّ واحد منها شُعبةً قائمةً بذاتها.

          والأمَّة: اجتماع الإنسان مع الإنسان على فكرةٍ تتضمن منطلقاً ومرجعاً وغايةً، تحدِّد هذه الفكرة ما تمتاز به الأمَّة على بقية الأمم ودورها في الحياة، سواءٌ أكان سلبياً أم إيجابياً.

          فالأصل في اجتماع الشعب - كما رأينا - النظامُ الموضوع عليه، والذي قد يكون قسريَّاً أو نابعاً من مصلحة، فإذا ارتفعت القوة الفارضة أو انتفت المصلحة عاد أفراد الشعب كلٌّ إلى أصله.
          ونضرب لذلك مثلاً الشعب اليوغسلافي الذي تكوَّن تحت قوة حكم "تيتو" من قوميات متعددة على رأسها الصِّرب والكروات بالإضافة إلى البوسنيين المسلمين، فلما انهار الحكم الشيوعي تفرَّق هذا الاجتماع، وعادت كلُّ شعبة لتستقلَّ بنفسها.
          كما يصدق الأمر نفسه على شعب الاتحاد السوفييتي السابق، الذي تفرَّق مع انهيار الدولة المركزية الشمولية.

          أمَّا الأمَّة فالأصل في وجودها الفكرةُ المعبِّرة عن تصوُّرها لدورها في الحياة:
          يترافق وجود هذه الفكرة مع قيام نظام يحكمها، وهو الشكل الأرقى للأمَّة؛ كما نجد قديماً في حالة الأمَّة الإسلامية التي قامت على فكرة التوحيد، وكما نجد حديثاً في حالة الأمَّة السويسرية التي تقوم على فكرة الحرية والعدالة.
          وقد لا تتمتع الأمَّة بهذا النظام لطارئ يعرض لها، إلا أنها تبقى قادرة على إفراز هذا النظام المتوافق مع فكرتها، بزوال الطارئ وارتفاعه، كما نجد تاريخياً في حالة انهيار نظام الخلافة العباسية على يد التتار، لكنَّ الأمَّة بقيت رغم الهزيمة العسكرية، واستطاعت أن تحوِّل الغزاة ليدخلوا في دينها خلال سنوات.

          فإذا ما طرح أحدٌ علينا السؤالين التاليين:

          1- هل يكوِّن السوريون أمَّة ؟
          2- وما هي الفكرة التي تقوم عليها هذه الأمَّة ؟

          (يتبع)

          [line]-[/line]


          ([1]) الهويَّة عندنا - وفقاً لتعريف أستاذنا العلامة محمود عكام - هي ما يُجيب به الإنسان الآخرين عندما يُسأل: ما أنت ؟ ونستعملها في مقابل الشخصيَّة، وهي التي يجيب بها الإنسان عندما يُسأل: من أنت؟

          والفارق بينهما أنَّ الثانية (الشخصية) تحدِّدها عوامل هي في الغالب عوامل جبرية، لا اختيار للإنسان في أساسياتها، فإنْ سُئلتُ: من أنتَ ؟ قلتُ: أنا فلانٌ، المولود في زمنٍ هو كذا، في مدينةٍ هي كذا، من أبوين ينتميان إلى الجماعة الفلانية... إلى آخر ذلك من التحديدات التي لم يكن لي مساهمةٌ في اختيارها، وبالتالي لا مسؤولية عليَّ فيها.
          وأمَّا (الهويَّة) فتحدِّدها عوامل اختيارية عموماً، فإن سُئل إنسانٌ: ما أنت ؟ قال: أنا المؤمن بكذا، الساعي إلى الأهداف التالية، المجتمعُ مع المتَّصفين بكذا في الرابطة الفلانية... وهكذا يتابع معدِّداً من العوامل تلك التي اصطفتْها إرادةُ الإنسان وقدرته، فهو مسؤولٌ عنها إذن.
          فإذا انتقلنا إلى الحديث عن الهويَّة الجماعية أكَّدنا على ما قلناه عند الحديث عن الهويَّة الفردية، من حيث الاختيار القائم على الإرادة والقدرة، وأضفنا ما يعزِّز ذلك فقلنا: إنَّ الهوية هي ما نكون به نحن نحن... إلخ.

          ([2]) لعلَّ الوعي هو الفارق الأهمُّ ما بين الفعل الغريزي الحيوانيِّ والعمل الإنساني، وهو الفارق الذي يؤهل العمل الإنساني ليكون قابلاً للمراجعة والتحسين، لأنَّ الحيوان وإن كان يُحدث تغييراً في الطبيعة إلا أنه لا يَعي أبعادَ أفعاله ولا نتائجها، بخلاف الإنسان.

          ([3]) انظر مشروعنا (شركاء في الإصلاح)، ص15-16.

          ([4]) ابن فارس القزويني: معجم مقاييس اللغة، مادة شعب.

          ([5]) ابن فارس القزويني: المصدر السابق، مادة أمم.

          ([6]) محمد أحمد خلف الله: التكوين التاريخي لمفاهيم الأمَّة والقومية. في: القومية العربية والإسلام، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، ص21. والمسعودي: التنبيه والإشراف، 1/67، دارالصاوي، القاهرة.






          التعديل الأخير تم بواسطة توحيد مصطفى عثمان; الساعة 25-07-2011, 13:15.
          وطني... محلُّ تكليفي، ومختبَر صلاحي

          تعليق

          • توحيد مصطفى عثمان
            أديب وكاتب
            • 21-08-2010
            • 112

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة توحيد مصطفى عثمان مشاهدة المشاركة

            أمَّا الأمَّة فالأصل في وجودها الفكرةُ المعبِّرة عن تصوُّرها لدورها في الحياة:
            يترافق وجود هذه الفكرة مع قيام نظام يحكمها، وهو الشكل الأرقى للأمَّة؛ كما نجد قديماً في حالة الأمَّة الإسلامية التي قامت على فكرة التوحيد، وكما نجد حديثاً في حالة الأمَّة السويسرية التي تقوم على فكرة الحرية والعدالة.
            وقد لا تتمتع الأمَّة بهذا النظام لطارئ يعرض لها، إلا أنها تبقى قادرة على إفراز هذا النظام المتوافق مع فكرتها، بزوال الطارئ وارتفاعه، كما نجد تاريخياً في حالة انهيار نظام الخلافة العباسية على يد التتار، لكنَّ الأمَّة بقيت رغم الهزيمة العسكرية، واستطاعت أن تحوِّل الغزاة ليدخلوا في دينها خلال سنوات.

            فإذا ما طرح أحدٌ علينا السؤالين التاليين:

            1- هل يكوِّن السوريون أمَّة ؟
            2- وما هي الفكرة التي تقوم عليها هذه الأمَّة ؟

            (يتبع)










            فإذا ما طرح أحدٌ علينا السؤالين التاليين:

            1- هل يكوِّن السوريون أمَّة ؟
            2- وما هي الفكرة التي تقوم عليها هذه الأمَّة ؟

            أجبناه بقولنا:

            1- لا شكَّ عندنا أبداً في أنَّ السوريين يشكِّلون أمَّة واحدة، وهذا أمرٌ ليس طارئاً عليهم، بل هو أصيلٌ فيهم ويعود إلى زمن بعيد، وإذا لم يكونوا كذلك فعلاً - في نظر بعض من يشكُّ في أنَّهم أمَّة - فإنَّ الواجب والمصلحة معاً يفرضان عليهم أن يكوِّنوا هذه الأمَّة.
            ونستبق هنا حديثاً سنفصِّله في القادم من هذا البحث لنقول: إنَّ تشكيل السوريين لأمَّة واحدة لا يتناقض مع انتمائهم إلى روابط أخرى أوسع عدداً، كالأمَّة العربية أو الأمَّة الإسلامية أو غيرهما، لأنَّ هذه الروابط قد تتداخل كالدوائر بلا تعارضٍ فيما بينها، سواء أكان تداخلها على محور واحد، أم على محاور متعددة متقاربة.

            2- وأمَّا الفكرة التي تقوم عليها هذه الأمَّة، فهي (الوسطية)، وهي فكرةٌ جامعة لمصالح السوريين على اختلاف اتجاهات هذه المصالح ومستوياتها، بما فيها التأسيس لرسالتهم العالمية الإنسانية.

            رابعاً- الأمَّة السوريَّة ضرورة وجوديَّة:

            إنَّ كل دعوة أو برنامج إصلاحي يُطرح اليوم من أجل سورية يجب أن يضع في اعتباره جوانب الصُّورة كاملة، وأن يرعاها جميعاً في إطاره، ومن أهمِّ هذه الجوانب:
            1- التنوُّع الذي تشتمل عليه سورية: دينيّاً ومذهبيّاً وقوميّاً ولغويّاً وسياسياً وفكريّاً، وغير ذلك من أشكال التنوع، وهو تنوُّع يجب المحافظة عليه، انطلاقاً من أهميته لتعزيز فكرة الوسطية التي تقوم عليها أمَّتنا، ولما كان له من دور أساسي في مسيرة سورية تاريخياً ([1]).
            وبالتالي لا هويَّة جامعة ولا إصلاح مع أيِّ استبعاد لشريحةٍ ما في سورية، مهما قلَّ عدد أفرادها، والناجحُ فينا فعلاً هو من يقدِّم الإطار الأقدر على استيعاب كلِّ سوريٍّ فيه، استيعاباً عادلاً دون تمييز ([2]).

            2- متطلبات الإصلاح الداخلي في سورية: ومن أولوياتها وضع برامج فعَّالة للتنمية، وبناء دولة دستورية مؤسساتية، وضمان الحريات، وحفظ حقوق الإنسان، وإيجاد نظام تربوي مناسب لعملية تكوين الإنسان المواطن.

            3- مكانة سورية الإقليمية والعالمية: فموقع سورية الجغرافي، وتاريخها المُعرِق في المسيرة الإنسانية، ووقوفها - وفق منظومات متعددة - إلى جانب الدول العربية والإسلامية والدول النامية ومناصرتها لحقوق الشعوب المستضعفة والقضايا العادلة، وتبنِّيها لنهج المقاومة في وجه السياسة الصهيونية، كلُّ ذلك يفرض على أيَّة دعوة أن تقدِّم لعملية الإصلاح في سورية مضموناً يعزز من مكانتها الإقليمية الرائدة، ويدعم مواقفها الخارجية.

            4- دور سورية في مواجهة المشروع الصهيوني: والكلام في هذه المسألة فرعٌ للحديث عن مكانة سورية الإقليمية والعالمية، إلا أنَّا نُفرده بالذكر لأهميَّته القصوى، فليس العدوُّ الصهيوني بمعزل عمَّا يجري في سورية اليوم، ولن يكون بعيداً مستقبلاً، وإن فرَضنا أنَّه لم تكن له صلةٌ بإثارة الاضطرابات في سورية، عبر اللعب على التناقضات ونقاط الخلل الموجودة لدينا، فلا شكَّ في أنَّ له يداً في إذكاء الأحداث ومحاولة توجيهها نحو الفوضى، واستغلالها بما يخدم مصالحه، بالتعاون مع حلفائه الإقليميين وعلى المستوى الدولي.
            من أجل ذلك كلِّه كان لابدَّ للسوريين من أن يجتمعوا ويتآلفوا على هويَّة واحدة تحقق لهم المقاصد التي يسعون إليها، وترعى كلَّ الجوانب التي تهمُّنا:

            ... هويةٍ تجمع العربيَّ والكرديَّ والشركسيَّ والتركمانيَّ والمسلم والمسيحيَّ والزردشتيَّ والمؤمنَ وغير المؤمن، وغيرَها من الأطياف الكثيرة التي تحفل بها سورية... سواءً بسواء.

            ... هويةٍ تقيم بين جميعهم عقداً تتساوى أطرافه في جوانب الأهليَّة كلِّها، تحمُّلاً للحقوق وأداءً للواجبات.

            ... هويةٍ واقعيَّة تحدد إطاراً منظوراً للعمل، وترسم أهدافاً مشهودةً غير غيبيَّة.

            ... هويةٍ مصلحيَّة يمكن اعتمادها أساساً لرؤية إصلاحية يتشارك في تحقيقها وبناء المستقبل وَفقها جَميعُ الآخذين بها والمنضوين تحت لوائها.

            ... هويةٍ تقوم على فكرة منطقية، لها منطلق ومرجع وغاية، يؤمنون بها، ويدعون الآخرين إليها، ويتحدَّد بناءً عليها دورهم في الحياة ورسالتهم الإنسانية.

            وتلك هي "الأمَّة السورية" دون غيرها، وإنَّنا إن غفلنا عن الالتفات إليها، وربط مشروعنا الإصلاحي بها، فقد تعرَّضنا لا إلى فشل هذا المشروع فقط، ولو بعد حين، ولكن إلى خطرٍ عظيم ينال من وجودنا ووحدة بلدنا أيضاً.

            خامساً- الوسطيَّة فكرةً تجتمع عليها الأمَّة السوريَّة:

            سبق وذكرنا تعريفنا الذي اخترناه لمفهوم الأمَّة، إذ حدَّدناها بأنَّها: اجتماع الإنسان مع الإنسان على فكرةٍ تتضمن منطلقاً ومرجعاً وغايةً، تحدِّد هذه الفكرة ما تمتاز به الأمَّة على بقية الأمم ودورها في الحياة، سواءٌ أكان سلبياً أم إيجابياً.

            وقد حرصنا في هذا التعريف على أن يكون الأمر الجامع لأفراد الأمَّة فكرةً لها منطلق ومرجع وغايةٌ لأسباب هي:

            1- أنَّ الإيمان بالفكرة لا يكون إلا عن طريق الاختيار الحرِّ لأفراد الأمَّة، بعيداً عن أشكال الجبرية المختلفة، سواءٌ أكانت جبريةً طبيعية كانتماء الإنسان إلى قوميَّة أوإقليم أو نطاقٍ لغويٍّ ما، أم جبريَّة صناعيَّة كالتي تفرضها عوامل بشرية بواسطة التربية القائمة على التلقين ([3]).
            ومن هنا ننبِّه على التربية الوطنية من أجل أن نحذر التلقين والإكراه فيها، أو ربطها بأشخاص الزعماء والقيادات، فذلك يجعلها جبريَّة قاتلة لمبدأ المواطنة، بل يجب أن تقوم تربيتنا الوطنية على التفهيم المنطقي والممارسة العمليَّة - بالتدريج - في إدارة الشأن العامِّ، والمشاركة في التنفيذ والمراقبة والتصحيح عبر المؤسسات الرسمية والأهليَّة.

            2- لأنَّ الاجتماع على الفكرة يتناسب مع خصائص الإنسان الفريدة من حيث كونه كائناً عاقلاً مفكِّراً.

            3- لأنَّ في ذلك انتقالاً إلى طورٍ أرقى من أطوار الاجتماع الإنسانيِّ، يأتلف فيه الناس على أمرٍ أبعدَ من روح القبليَّة وما تفرزه من الاستبداد والتعصُّب والعنف، الذي يبرِّره أصحابه بالتأويلات القوميَّة أو الدِّينيَّة غالباً.

            وعندما رأينا أنَّ الوسطيَّة هي الفكرة الجامعة لأفراد الأمَّة السورية، فلأنَّها الخاصَّة الأكبر لنا جغرافية وفكراً وسلوكاً، فهي الأنسب إذن لطبيعتنا ومصالحنا، ولأنَّها هي التي حدَّدت عبر التاريخ ما نمتاز به على بقية الأمم، ورسمت لنا دورنا في الحياة ورسالتنا إلى الإنسانية، فضلاً عن أنَّا رأينا معظم مشكلاتنا نابعةً عن ابتعادنا عن هذه الفكرة.

            فما هي الوسطية، وما هي منطلقاتها ومرجعيتها وغايتها ؟

            1- تعريف الوسطيَّة:

            إذا كانت الوسطية نسبةً إلى الوسط الذي يعني الاعتدال، ووقوفك بين طرفين بحيث تكون نسبتك وقُربك إلى أحدهما بمقدار نسبتك إلى الطرف الآخر وقربك منه، فإنَّا نعرِّف الوسطية إنسانياً بأنها:
            قدرة نفسية وعملية، تحمل الإنسان على تقبُّل الآخر والتعامل معه بإيجابية، تقبُّلاً نابعاً من الاعتقاد بالمساواة معه في أصل الإنسانية، وتعاملاً مؤسساً على الإيمان بضرورة التكامل معه في الصفات والمزايا المتقابلة، الإضافية على الإنسانيَّة.

            وهكذا فإنَّ إيماني بأنَّ المختلف عنِّي قوميَّة أوديناً أو موهبةً أو ... هو مساوٍ لي في أصل الإنسانية يحملني على تقبُّل وجوده معي، ويدعوني بالتالي إلى الإقرار له بمثل الحقوق التي أطلبها لنفسي.
            كما إنَّ قناعتي بالحاجة إلى ما يمتلكه من مزايا ومواهب، في مقابل ما أمتلكه أنا من مزايا ومواهب أخرى يحتاجها هو، يُدخلني معه في تبادل إيجابيٍّ وتكامل بنَّاء هو أساس لارتقاء الإنسانية.
            وهكذا يبدو الحامل لفكرة الوسطيَّة وكأنه يقف في النقطة الوسط ما بين ذاته وبين ذوات الآخرين، فلا يبخس نفسَه ولا الآخرين حقوقهم، بل يعدل ويتكامل، وذلك هو القِسط الذي دعا القرآن إليه في مواطن متعددة منها:
            ﴿يا أيُّها الذين آمنُواكونوا قوَّامين بالقِسْط شهداءَ لله ولو على أنفسِكم أو الوالدَين أو الأقربين إنْ يكُنْ غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتَّبعوا الهوَى أن تعدِلوا وإن تَلْووا أو تُعرضوا فإنَّ الله كان بما تعملون خبيراً﴾النساء: ١٣٥.
            ﴿يا أيُّها الذين آمنُوا كونوا قوَّامين لله شهداءَ بالقِسْط ولا يجرمنَّكم شنآن قومٍ على ألا تعدِلُوا اعدِلُوا هو أقربُ للتقوى واتقوا اللهَ إنَّ الله خبير بما تعملون﴾ المائدة:٨.

            فإذا ما قام الإنسان بالقسط فشهدَ على نفسه، فقد اتصف بالوسطيَّة، فأصبحت شهادته على الناس مقبولة، وتأهَّل ليكون فرداً في أمَّة أو نواةً لأمَّة:
            ﴿وكذلك جعلناكم أمَّةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسولُ عليكم شهيداً﴾ البقرة: ١٤٣.

            وعندما يجانب الإنسان الوسطيَّة فقد وقع في التطرُّف حكماً، وفتح بذلك على نفسه والآخرين أبواب العصبيَّة والعنف.
            ولو تأملنا مشكلات الإنسانية لأدركنا أنَّها بسبب ابتعاد الإنسان عن الوسطيَّة:

            أليس الاستبداد السياسيُّ تطرُّفاً من حاكم يرى لنفسه من الحقِّ ما لا يراه لغيره ؟!
            أليست السياسات الاقتصادية المجحفة تطرُّفاً من شركات تتغافل في آنٍ واحد عن حقوق العمال الذين هم أدوات الإنتاج الحقيقية، وعن حقِّ فقراء العالم في الوصول إلى الكفاية الماديَّة ؟!
            أليس التعصُّب الدينيِّ والفكريُّ تطرُّفاً من صاحب رأي يدعي امتلاك الحقيقة بشكل لا يقبل حواراً ولا استثناءً ؟!

            وما العنف الذي يشهده العالم إلا نتيجة لهذه الأشكال من التطرف والبُعد عن الوسطية، يستخدمه المستبدون أو أصحاب الأموال والمتعصبون تارةً، أو يردُّ عليهم به المستضعفون والمسحوقون من الناس.

            وما ينطبق على العالم بأسره ينطبق على الحالة التي تشهدها سورية اليوم، فإن كان من غير المقبول أن تستأثر فئة منَّا بحقوقٍ سياسية أو اقتصادية لا تنالها بقية الأمَّة، لأنَّ هذا الاستئثار تطرُّف وابتعاد عن الوسطية، فإنَّ مواجهة ذلك بالعنف أو بالهدم الفكريِّ أو الماديِّ هو تطرُّف أيضاً ومجانبة للوسطية، ولا مخرجَ لنا من هذا التطرف أو ذاك إلا بالعودة إلى رحاب الأمَّة الجامعة، وفكرة الوسطية التي تقوم عليها.

            وإنَّ السوريَّ الذي يحمل فكرة الوسطية وينطلق في عمله من منطلق الأمَّة لن يرى في السوريِّ الآخر إلا شريكاً له، لا خصماً منافساً، ولا عدوّاً من باب أولى، حتى لو أخطأ هذا الشريك أحياناً أو تجاوز على قواعد الشراكة، فإنَّ الأمَّة كفيلةٌ بردَّه عن تجاوزه وتصحيح خطئه.

            2- منطلق الوسطيَّة:
            ونعني بمنطلق الوسطيَّة الأصلَ الذي أفرزها وصدرت عنه، ونحن نرى أنَّ هذا الأصل هو الطبيعة الإنسانية، وهذا ما يجعل الوسطيَّة قرينة للوجود الإنسانيِّ الصحيح، ويُفهمنا السبب الذي زالت لأجله كلُّ الدعوات التي قامت على التمييز والتفريق بسبب العنصر أو الاعتقاد أو الطبقة الاجتماعية وما شابه، وما ذلك إلا لأنَّها تناقض هذه الطبيعة الإنسانية، وتريد أن توجِّه الإنسان في مسارٍ يخالفها، عبر التلقين والإكراه المعنوي والماديِّ، بما فيه الترغيب والترهيب.

            3- مرجع الوسطيَّة:
            وهي قواعد العدالة المؤيَّدة بالتعاليم السماوية والفلسفات الإنسانية والقوانين العلمية، ومهمتها الفصل بين الناس عند تنازعهم أو شكِّهم، والعمل على إرجاعهم إلى الوسطية عند انزياحهم عنها.

            4- غاية الوسطيَّة:
            وهي تحقيق السَّلام، الذي هو وصول العالم - ونعني به الإنسان في الدرجة الأولى - إلى الكمال والتمام معاً من حيث الأمن والأمان.

            وكنَّا قد عرَّفنا الأمن بأنَّه ([4]): هو العوامل الذاتيَّة التي تؤمِّن للذَّات استقرارها ونموَّها دون خوفٍ أو وَجَل؛ سواءً أكانت الذّات فرداً أم أمَّةً.
            وعرَّفنا الأمان بأنَّه: العوامل الخارجية التي تنعكس على الذَّات - فرداً أو أمة - فتؤثِّر في تحقيق استقرارها ونموَّها.
            أمَّا المقصود بالكمال فهو بلوغ الأمن والأمان أقصى نسب التغطية كمَّاً، بحيث يغطيان الجوانب التي تحتاجها الذات كافة ؛ بينما يعني التمام مناسبة الأمن والأمان للإنسان نوعاً، بحيث يرتقي كل جانب نحو أعلى الدرجات مناسبةً.

            (يتبع)

            [line]-[/line]

            ([1]) ينبغي ألا يغيب عن فكرنا أن عملية تفريغ المنطقة - وخاصة سورية والعراق - من الوجود المسيحي أمرٌ ضروري لإكمال قيام "إسرائيل"، التي حققت اعتراف أغلب الأنظمة العربية بوجودها، وهي تسعى الآن لاعتراف العالم بها دولةً يهوديَّة، ولليهود فقط، مما يعطي الشرعية لعملية تفريغ فلسطين من غير اليهود، ومن هنا كان السعي إلى تشجيع هجرة المسيحيين من المنطقة، ومنحهم كل التسهيلات والمغريات لذلك، تأكيداً لضرورة حفظ الدولة اليهودية من خطر المحيط الإسلامي الذي يهددها.

            ([2]) نضيف هنا إلى قضية التنوع مصطلحين برزا خلال الأحداث الحالية، وهما مصطلح السلطة أو النظام، في مقابل المعارضة، لنؤكِّد - وبقوة - على أنَّ التجاذب الموجود اليوم على الساحة ما بين هذين القطبين، بالإضافة إلى مسيرة العقود الأربعة الماضية وما شهدته بعض مراحلها من أزمات كأزمة اليوم، كلُّ ذلك يجب أن يُستوعب في إطار الهويَّة المنشودة وما تفرزه من إصلاحات، فلا نسمح أبداً بأن يشكِّل هذا التجاذب وتلك الأزمات نقطةَ توتر لمستقبل سورية، وهذا ما يفرض علينا نحن السوريين التحلِّي بشجاعة التسامح والإغضاء وتحمُّل المسؤولية والقبول بالعدالة.

            ([3]) الأصل في الدين أن يكون بعيداً عن الجبرية، وهذا ما قرَّره القرآن الكريم: ﴿لا إكراه في الدِّين﴾، ولكن التربية الدينية لم تتقيد بذلك دائماً، وهذا ما أشار إليه الحديث: (كلُّ إنسانٍ تلدُه أمُّه على الفطرة، وأبواه بُعْدُ يُهوِّدانه وينصِّرانه ...، فإن كانا مسلمين فمسلمٌ،....) رواه مسلم.

            ([4])شركاء في الإصلاح: ص15.
            التعديل الأخير تم بواسطة توحيد مصطفى عثمان; الساعة 24-07-2011, 22:44.
            وطني... محلُّ تكليفي، ومختبَر صلاحي

            تعليق

            • توحيد مصطفى عثمان
              أديب وكاتب
              • 21-08-2010
              • 112

              #7
              سادساً- صفات الأمَّة السوريَّة:

              إذن فإنَّ القول الأمَّة السورية ليس هرطقةً إقليمية تحاكي ما نادى به بعضهم، كالنزعة الفرعونية أو الفينيقية، وليس اصطناعاً أو اختلاقاً لوضع جديد لا أصلَ أو لا جذور له في التاريخ، ولا فكرةً نظريةً لا أثرَ عمليّاً لها في الواقع، ولا إلغاءً لروابط أخرى تجمع بين الناس وتهدف إلى تحقيق التعارف بين الناس، وإقامة العدل فيهم، ونشر السَّلام عليهم.

              بل إنَّ الدعوة إلى الأمَّةالسورية اعترافٌ بحقيقةٍ جيوسياسيَّة ظلَّت حاضرةً وفعَّالة لأكثر من مئة سنة خلَتْ، وتأطيرٌ فكريٌّ لهذه الحقيقة وتجليةٌ لأبعادها، ومحاولةٌ لاستثمارها بما يخدم الإنسانَ الذي يحيا ضمن نطاقها.
              وهذا ما يظهر عند بيان صفاتها، فالأمَّة السوريَّة:

              1- أمَّةٌ جامعة مستوعبة: لكلِّ التنوعات الموجودة على أرض سورية دينياً ومذهبياً وعرقياً ولغوياً وفكرياً وسياسياً و....، استيعاباً يتساوى فيه نصيبُ جميعِ الأطراف من هذه الهوية، فلا تكون في أحد الأطياف أقوى منها في الآخر، بل هي موجودةٌ في جميعهم بالقوة نفسِها والمستوى ذاته، يشهد لها تاريخٌ طويل من الحياة المشتركة ما بين الأطياف المتعددة على ساحتها، ويؤكد استيعابَها هذا إسهام هذه الأطياف جميعاً في صناعة تاريخ سورية وتشكيل صورتها وإغناء مساهمتها في خدمةالإنسانية.

              2- أمَّةٌ حقيقية لا مختلَقة: فالهويَّة لا تُختلَق اختلاقاً ولا تُصطنع افتعالاً، بل ينبغي أن تُختار من بين الاحتمالات الكائنةِ فعليّاً، والمؤيَّدةِ بوجودٍ له امتداده التاريخيُّ والجغرافيُّ والسياسيُّ والنفسيُّ، وإلا سُهل هدمُها أو زالت بنفسها بزوال العوامل الخارجية التي تفرضها، وقد شكَّلت سورية - ضمن الكتلة العامَّة للمحيط الموجودة فيه - كائناً له مميزاته الثقافية والاجتماعية والسياسية على مدى قرون عديدة وإلى يومنا هذا.
              وهذا ما يحملنا على الانتساب إليها عند الاختيار، فكلُّنا يُجيب إذا ما سُئل - خارجَ سورية - ما أنت ؟ فيقول: أنا سوريٌّ. انطلاقاً من شعورنا الفطريِّ بأنَّ هذا التحديد يكفي ابتداءً للتعريف، وذلك رغم الضعف الذي نعانيه على مستوى التربية الوطنية، ورغم عدم تأهيل المواطن لدينا للمشاركة العملية في إدارة القضايا الوطنية التي تمسُّه، فما بالك بشعوره الفطريِّ ذاك إذا انضافت إليه التربية والتأهيل ؟!

              3- أمَّةٌ غير مفروضة: لأنَّها تقوم كما ذكرنا على ثنائية الشعور الفطريِّ والعقد القانونيِّ الطوعيِّ "المواطنة"، اللذين يحتاجان إلى الحريَّة لكي يظهرا، لأنَّ الاستبداد يقضي على المواطنة، وبذلك يهدم الأمَّة من أصولها النفسية وينتزعها من جذورها الروحيَّة، فلابدَّ إذن من تأسيس مستقبلنا المنشود - في جميع نظمه: التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية و... - على الوفاء بحقوق الإنسان وفي مقدمتها الحريَّة.

              4- أمَّة منفتحة: ونعني بالانفتاح قدرتها على التوسع والامتداد مع قابليتها للأخذ والاستيعاب، وهو انفتاح يقوم على عدد من العوامل، منها طبيعة أبنائها وخواصُّهم النفسية، ونحن نرى مقدار انفتاح السوريين على العالم من حولهم، إذ يبلغ عدد المنتشرين منهم في العالم ما يقرب من /20/ مليون إنسان، يحمل الكثيرون منهم جنسيات أخرى إلى جانب الجنسيَّة السورية، ويشكلون فرصةً للتواصل ما بين سورية والعالم كلِّه، خاصة عند حملهم لفكرة الوسطية التي تقوم عليها أمَّتهم - وهي العامل الثاني من عوامل الانفتاح - ونشرهم لها في مواجهة مشكلات التطرف والعنف والتعصب التي تتفجر في أنحاء المعمورة، وأمَّا العامل الثالث فهو غنى سورية بأشكال التنوع التي تحدثنا عنها فيما سبق.

              5- أمَّةٌ راعية لمصالح مواطنيها: ذلك أنِّ الإصلاح الذي تحتاجه سورية يبلغ من العمق والاتساع مدىً يطال الجوانب كلَّها، وسيفرز ولا شكَّ اختلافاً في وجهات النظر حول سُبل الإصلاح ووسائله في أقلِّ تقدير، وهنا يصبح تآلف السوريين على "الأمَّة السورية" أمراً ضرورياً من أجل ضبط الاختلاف ووضعه في سياق التنافس الديمقراطي على خدمة الأهداف المشتركة.

              6- أمَّةٌ إنسانية: تقوم على تقدير الإنسان من حيث كونه إنساناً بغضِّ النظر عن أسباب التمييز، سواء أكانت دينية أم قومية أم جنسية أم اقتصادية أم جغرافية، أم غير ذلك، ويهدف عملها إلى تحقيق الكفاية والأمان لهذا الإنسان، متابعةً لمسيرة تاريخية طويلة من العطاء الذي قدَّمه أسلافنا للإنسانية.

              سابعاً- المواطنة نظاماً للأمَّة السورية:

              ذكرنا من قبل أنَّ منَ الأسس المكوِّنة لروح الأمَّة قيامَها بمصالح أبنائها، ولاسيَّما فيما يتعلق بضبط العلاقات ما بين الأفراد، وهذا يقتضي كما قلنا وجودَ نظام حقوقي يحدِّد الحقوق والواجبات، ويتصف بمثل الصفات الست التي شَرَطنا توفرها في الهوية، فيلتزم به الفردُ طواعيةً ابتداءً، وتقوم على مراقبة تطبيقه مؤسسات منتدَبة من الأمَّة، وهذا النظام هو المواطنة.
              وقبل تقديم التعريف الذي وضعناه للمواطَنة، ينبغي الوقوف على تعريفنا للوطن ثم للمواطن، فهذه ثلاثية مترابطة يكمِّل بعضها بعضاً، ويؤدي واحدها إلى الآخر.

              لقد قلنا في تعريف الوطن إنَّه:
              مكانٌ صالحٌ للاستقرار والنموِّ، يرتبط معه الإنسانُ بعقدٍ يتضمن عهداً من الإنسان ووعداً من المكان.

              وبالتالي فإنَّ المواطن هو:
              إنسانٌ يرتبط مع المكان الذي ارتضاه محلاً لاستقراره ونموّه بعهدٍ على أن يقدِّم عمله الصالح فيه، تهيئةً وحمايةً ورعايةً، في مقابل أن يحقق المكان وعده بأن يَفيء عليه بخيره، كفايةً وأماناً.

              وهكذا نصل أخيراً إلى تعريف المواطنة قائلين:
              المواطَنة: مفاعَلةٌ ما بين ثلاثة أطراف هي المواطن الفرد والوطن ومجموع المواطنين، يَنظم ما بينها عقدٌ يتضمن حقوقاً وواجباتٍ متبادلة (عهدٌ ووعدٌ)، وهي حقوقٌ وواجباتٌ دستوريَّة، تحدِّدها قوانين يتوافق عليها مجموع المواطنين.

              وإذا كانت المواطنةُ مفاعلةً ينظمها عقدٌ، فإنَّ منْ أهم مقوماتِ العقد الصحيح - بعد الحرية - تساوي أطرافه كما ذكرنا سابقاً، وهذا ما يدفعنا لنؤكِّد مجدداً على أنَّ نصيب كلِّ فرد من المواطنة مساوٍ لنصيب جميع الأفراد الآخرين، بناءً على المساواة القائمة بينهم أصلاً في انتسابهم إلى الأمَّة، وهذا ما يعطي جميع المواطنين كامل الأهلية - بالمعنى الحقوقي للكلمة - في المطالبة بالحقوق وأداء الواجبات، فلا يُحجَر على أحدهم فيُمنعَ من اكتساب حقٍّ ما بذريعةٍ لا مسؤوليةَ له عنها، ما دامت غير مؤثرة في صلاحيته لاكتساب هذاالحقِّ.



              التعديل الأخير تم بواسطة توحيد مصطفى عثمان; الساعة 26-07-2011, 21:09.
              وطني... محلُّ تكليفي، ومختبَر صلاحي

              تعليق

              • توحيد مصطفى عثمان
                أديب وكاتب
                • 21-08-2010
                • 112

                #8
                ثامناً- الدّين والقومية في الأمَّةالسورية.

                لقد ذكرنا عند الحديث عن صفات الأمَّة السورية أنَّها هوية واقعية، لا تمسُّ الاختلافات الدينية أو المذهبية أو العرقيَّة أو غيرها من الاختلافات بسوء، ولا تقوم تجاهها بمحاولات الصَّهر والهضم، رفضاً منها للإالغاء والإقصاء؛ بل تتكامل مع كلِّ واحد من هذه الأطياف على حدَة، وتُظهر الرابطَ الجامع بينها.

                ولا شكَّ في أنَّ أكثر التساؤلات الواردة على مفهوم الأمَّة السورية في هذا الشأن سوف تتعلق بالإسلام ديناً والأمَّة الإسلامية كرابطة، كما تتعلق بالقومية العربية والأمَّة العربية أيضاً.

                ونحن نقول: إنَّ رؤيتنا التي نقدِّمها للأمَّة السورية، لا تتناقض ألبتةَ مع انتمائنا إلى العروبة قوميةً ننهل من معطياتها الإيجابية، ولا إلى الأمَّة العربية أفُقاً يشكل امتداداً مكمِّلاً لأمَّتنا السورية، وقد قدَّمنا في التوطئة التاريخية الأسباب التي جعلتنا نقدِّم هذا المفهوم الجديد، انطلاقاً من دراستنا لمسيرة الفكرة القومية وتجربة الوحدة العربية.

                وهو ما ينطبق على الأمَّة الإسلامية أيضاً، فإنَّ فيها أفُقاً واسعاً لنا من جهة أخرى، كما يمدُّنا إيماننا بالإسلام ديناً بنظام لا نستغني عنه لتحقيق التوازن في علاقاتنا مع عالمي الغيب والشهود.

                فإذا ما انتقلنا إلى الحديث عن القوميات الأخرى التي تغنَى بها أمَّتنا السورية، كالكردية خاصَّة، والأديان الأخرى وعلى رأسها المسيحية، فإنَّ منَ الطبيعي أن لا يحُول انتماءُ السوريِّ إلى الأمَّة السورية بينه وبين تعميق علاقته بهذه الانتماءات، وأن يقول عنها ما قلناه عن الإسلام والعروبة.

                ولعلَّ صورة الدوائر المتداخلة التي نراها تقرِّب إلينا علاقة الأمَّة السوريَّة بمختلف الانتماءات التي أوردناها:

                [imgr]http://im8.gulfup.com/2011-07-27/1311777839312.jpg[/imgr]

                حيث تُسهم كلُّ دائرة في إيجاد عُمق استراتيجيٍّ للأمَّة السورية، فلا يلغي أحدُها الآخر، ولكنَّ الدائرة التي تطفو على السطح بالنسبة لنا، هي الدائرة التي انبثق عنها العقد الذي ارتبطنا عبره فيما بيننا، وهي دائرة الأمَّة السورية التي أفرزت عقد المواطنة.




                تاسعاً- ما الذي تربحه الأمَّة السورية من الدِّين والقومية ؟

                إذن لا تقف الأمَّة السورية من القومية أو الدِّين موقفاً حياديّاً أو لا مبالياً بهما، بل هي متفاعلة بإيجابية معهما، وهذا مايحملها على أن تستثمر ما فيهما من طاقات لتعزيز رسالتها الإيجابية في الحياة.

                1- فإذا ما تناولنا الدِّين أولاً قلنا:
                إنَّ من أعظم الأشياء التي يمدُّ بها الدِّينُ الأمَّة تزكيةَ الإنسان بحيث يجعله مُعدّاً للقيام بواجبه في الحياة الاجتماعية ([1])، عبر تحريره من آثار الأثَرة أو الأنانية الشخصية، فالإيمانُ بالله تعالى وبالغيب وما فيه من ثواب وعقاب يقوِّي الغيرية في الإنسان، ويحمله على الفداء والتضحية.
                كما إنَّ التزكية الإيمانية التي تنمِّي الشعور بالرقابة الإلهية ترفع الإنسان إلى مرتبة الإحسان، التي تعني حرص الإنسان على أن يؤدي أفعاله وأقواله بالصورة الأمثل الممكنة ([2])، ولا شكَ في أنَّ الأمَّة الناهضة هي أحوج من أممٍ غيرها إلى أن يتحلَّى أبناؤها بالإحسان في أعمالهم، ولا شكَّ في أنَّ التربية الإيمانية المنسجمة مع التربية الوطنية هي الأجدر بزرع هذه القيم في نفوس المواطنين.
                هذا فضلاً عن أنَّ الدِّين يقرِن دائماً بين الإيمان والعمل الصالح، وقد عرَّفنا في القسم الأول من مشروعنا مفاهيم العمل والصلاح، وقلنا إنَّ العمل الصالح هو: العمل القائم على تصوُّرٍ يحقِّق الغاية المرجوَّة؛ التي هي جعل الواقع أكثر نفعاً ومناسبةً للإنسان، حمايةً ورعايةً.
                وهذا المفهوم للصلاح يستند إلى معطيات كثيرة في نصوصنا،منها ما جاء في القرآن الكريم، كقوله تعالى:
                ﴿فأمَّا الزَّبدُ فيذهبُ جُفاءً وأمَّا ما ينفعُ الناسَ فيمكُثُ في الأرض الرعد: ١٧.
                وقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمَّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهَون عن المنكر﴾ آل عمران:104.
                ومنها ما ورد على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، كقوله: (الخلق كلُّهم عيال الله، فأحبُّهم إلى الله أنفعهم لعياله).

                إنَّ كل ما سبق أحوالٌ إنسانيةٌ راقية تحتاجها الأمَّة في نهوضها واستمرارها، ولا يوفِّرها للأمَّة شيءٌ كالدِّين إذا أُحسن التعامل معه.

                2- وأمَّا القومية:
                فهي تعمل كالمعدِّل لشطط الإنسان عندما يغرق في المثالية، وذلك أنَّ القومية رابطةٌ مادية، والمادة شُهودٌ وعقل، وهي بالتالي تقوِّي في المواطن إحساسَه بتقدير الذات، وتضفي على أفكاره وأفعاله الواقعية المطلوبة، وهذا ما ينبغي الالتفات إلى إذكائه في نفوس المواطنين عبر الجمعيات والنوادي الثقافية ذات الصبغة القومية الخاصة، كائنةً ما كانت قوميَّتها.

                أضف إلى ذلك كلِّه ما أشرنا إليه سابقاً من أنَّ الأمَّة العربية والإسلامية تشكِّلان أبعاداً استراتيجية هامَّة لسورية، وتطرحان آفاقاً لتكاملات حقيقية على صعيد السياسة والاقتصاد والبحث العلميِّ وغيرها من المجالات التي لا يمكن لدولة منفردة أن تستقلَّ بها، دون أن يُخلَّ هذا التكامل بالتنوع الذي تعيشه كلُّ دولة ضمن حدودها السياسية، وبما لا يهدر الحقوق السياسية والثقافية للجماعات الدينية أو العرقية، مع المحافظة في الوقت نفسه على وحدة الدولة وتماسكها.

                عاشراً - أين هي دعوتنا من دعوات أخرى تشبهها اسماً ؟

                نجد من حقِّ القارئ علينا هنا أن نجيبه على سؤال مشروعٍ قد يتبادر إلى ذهنه إذ نطالعه بمفهوم الأمَّة السوريَّة، وهو سؤال يتعلَّق بصلة مفهومنا بدعوة الأستاذ أنطون سعادة - صاحب الحزب القومي السوري - ومفهوم الأمَّة السورية عنده.

                وفي الجواب نذكر بعض أهمِّ الفروق بين مفهومنا ومفهوم الأستاذ سعادة:

                1- إنَّ مفهوم الأمَّة السورية ليس من إبداع أنطون سعادة، الذي نشط بدعوته منذ منتصف الثلاثينات ونشر كتابه "نشوء الأمم" عام 1938، ولا أدلَّ على ذلك من نصِّ إعلان الاستقلال الأول عام 1920، الذي أوردنا جزءاً منه في بداية بحثنا هذا، وأشرنا في مكان آخر إلى أن تعبير "الأمَّة السوريَّة" قد ورد في البيان ثلاث مرات، كما ورد تعبير "الأمَّة العربيَّة" ثلاث مرات أيضاً.
                لقد أخذ أنطون سعادة هذا التعبير وأعطاه معنى جديداً يتناسب والفكرة التي يحملها عن القومية ونشوء الأمم، وهذا لا يحجر على غيره أن يعطي للتعبير معنى جديداً، وهذا ما فعلناه نحن.
                وإن كان لابدَّ وأن ينتسب المعنى الذي نقدِّمه اليوم إل ىفكرة سابقة عليه، فإنَّ مفهوم "الأمَّة السوريَّة" الذي نتكلَّم عنه هنا هو أقرب إلى مفهوم إعلان الاستقلال منه إلى مفهوم القوميين السوريين.

                2- أقام أنطون سعادة دعوته على مفهوم القومية، وفق رؤيته الخاصَّة له، ونحن نرى أنَّ الأمَّة السورية ليست أمَّةً تقوم على القوميَّة، وإن كانت تقدِّرها وتستفيد من إيجابياتها، فلا تنظرُ بالتالي بعَين الأولوية إلى قوميَّةٍ دون أخرى، بل تراها متساوية في الاعتبار، بغضِّ النظر عن عدد المنتمين إلى كلٍّ منها، فالحقوق لاتتأثر بالعدد.
                وهكذا يقدم مفهوم الأمَّة في رؤيتنا إطاراً أوسع من إطار القوميَّة، سواء أقامت على (استيقاظ الشّعور بالوحدة الحيويّة والمصلحة الواحدة والرّابطة الواحدة بالحياة) كما يرى أنطون سعادة، أم على اللغة الواحدة، أم على العِرق، كما يرى آخرون غيره.

                3- ثمَّة فرق آخر يكمن في الموقف من الدِّين، إذ إنَّ التعليل الدينيَّ الذي نبذه الأستاذ سعادة في الفصل الأول من كتابه (نشوء الأمم) هو تعليلٌ لا يتناقض في رأينا مع فكرة الأمَّة السورية التي ندعو إليها، بل إنَّ الدِّين يشكل بالنسبة إليها عامل قوة لا يمكن الاستغناء عنه أبداً، وهو ضروريٌّ لتكوين المواطن المنشود كما أشرنا من قبل، ونزيده بياناً لاحقاً.

                إنَّ أحد الأسباب التي تدعونا إلى التمسك بالدِّين في تكوين الأمَّة وبناء المواطن هو السبب نفسه الذي دعا سعادة إلى نبذ الدِّين عندما قال:(الحقيقة أنَّ الدِّين في أصله لا قوميّ ومناف للقوميَّة وتكوينِ الأمَّة، لأنَّه إنسانيٌّ ذو صبغة عالميَّة)، فنحن لا نريد أمَّة عصبيَّة مغلقة، بل هي مستوعبة ومنفتحة على الإنسانية كما شرحنا ذلك في صفاتها من قبل.

                4- يجعل سعادة من القطر الخاصِّ، أو الأرض، سبباً كافياً لإكساب الجماعة خصائصها التي تميِّزها عن غيرها من الجماعات، فيعرِّف الأمَّة بقوله: (الأمَّة جماعة من البشر تحيا حياة موحَّدة المصالح، موحَّدة المصير، موحَّدة العوامل النفسية-المادية، في قطر معيَّن يكسبها تفاعلها معه، في مجرى التطوُّر، خصائصَ ومزايا تميِّزها عن غيرها من الجماعات).
                ونحن إذ لا ننكر - كما لا ينكر غيرنا - أهمية الأرض للأمَّة، إلا أنها لا تستطيع لوحدها - في رأينا - مع مجرى التطور أن تعطيَ الأمَّة ميزتها التي أرادها سعادة، بل قد تفقد الأمَّة أرضها بحكم الغزو أو ما يشبهه، لكنها تبقى أمَّة برابط الفكرة أو الرسالة التي تؤمن بها وتميِّزها عن غيرها، كما نرى نحن.
                على أنَّ تعريفه للأمَّة هو أقرب إلى التعريف الذي قدَّمناه لمفهوم الشعب، عندما قلنا: إنَّ الشعب يعني اجتماع عدد من الناس تحت نظامٍ واحدٍ يخضعون له، فإن ارتفع عنهم هذا النظام تفرَّقوا وعادوا شُعَباً، أي جماعات يشكِّل كل واحد منها شُعبةً قائمةً بذاتها. وأنَّ الأصل في اجتماع الشعب هو النظامُ الموضوع عليه، والذي قد يكون قسريَّاً أو ذاتيَّاً نابعاً من مصلحة، فإذا ارتفعت القوة الفارضة أو انتفت المصلحة عاد أفراد الشعب كلٌّ إلى أصله.
                أمَّا الأمَّة فالأصل في وجودها الفكرةُ المعبِّرة عن تصوُّرها لدورها في الحياة، يترافق وجود هذه الفكرة مع قيام نظام يحكمها، وهوالشكل الأرقى للأمَّة؛ وقد لا تتمتع الأمَّة بهذا النظام لطارئ يعرض لها، إلا أنها تبقى قادرة على إفراز هذا النظام المتوافق مع فكرتها، بزوال الطارئ وارتفاعه ([3]).

                5- يرى سعادة في المبدأ الأول من مبادئ دعوته أنَّ سورية أمَّة تامَّة، ولذلك لايرى أنَّ لأهل لجزيرة العربية أو بلاد النيل والمغرب العربيِّ علاقةً بهذه الأمَّة، ولكننا نعتبر الأمَّة السورية أمَّة متكاملة مع الأمَّة العربية، وتسعى إلى وحدة معها، وفق التصور الذي شرحناه سابقاً.

                6- في شرحه للمبدأ الرابع من مبادئ دعوته: (الأمةالسورية هي وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يرجع إلى ما قبل الزمن التاريخي الجلي) يكتب سعادة: (أنَّ مبدأ القومية السورية ليس مؤسَّساً على مبدأ وحدة سلالية، بل على مبدأ الوحدة الاجتماعية الطبيعية لمزيج سلالي متجانس، الذي هو المبدأ الوحيد الجامع لمصالح الشعب السوري، الموحِّد لأهدافه ومثله العليا، المنقذ القضيّةَ القومية من تنافر العصبيات الدموية البربرية والتفكك القومي...ومع ذلك لابدَّ من الاعتراف بواقع الفوارق السلالية، ووجود سلالات ثقافية، وسلالات منحطة، وبمبدأ التجانس والتباين الدموي أو العرقي ! وبهذا المبدأ يمكننا أن نفهم أسباب تفوق السوريين النفسي، الذي لا يعود إلى المزيج المطلق، بل إلى نوعية المزيج المتجانس الممتازة والمتجانسة تجانساً قوياً مع نوعية البيئة !).
                ولاشكَّ بأنَّ مقارنة هذا النص مع صفات الهويَّة التي بيَّناها سابقاً، توضِّح مقدار التباين الواسع بين مفهومنا وبين مفهوم الأستاذ سعادة، خاصَّة إذا أخذنا بعين الاعتبار ما أكَّدناه مراراً في بحثنا حول المساواة المطلقة التي نؤمن بها وندعو إليها بين الأعراق والقوميات.

                7- يتكلَّم سعادة عن سورية الطبيعية التي تشكِّل قبرص نجمتها، وتشمل بلاد الشام والرافدين، أمَّا نحن فنعني بها الجمهورية العربية السورية، وطننا الذي نقصده دون غيره في دعوتنا، فإن قُلنا سورية فهي مرادنا.

                [line]-[/line]

                ([1]) محمود عكام: وطنٌ ومواطنٌ ومسؤولية، دار فصلت، حلب، ط1، 2011، وخاصَّة ص75: واجباتنا نحو الوطن، وأيضاً ص91: علمتنا يا رسول الله حبَّ الوطن. وعبد الله العلايلي: دستور العرب القومي: مصدر سابق، ص 152.

                ([2]) محمود عكام: التصوف من العرض إلى النقد، ص42، دار فصلت، حلب، ط1، 2010.

                ([3]) انظر مشروعنا: شركاء في الإصلاح، 15-16.



                التعديل الأخير تم بواسطة توحيد مصطفى عثمان; الساعة 27-07-2011, 14:50.
                وطني... محلُّ تكليفي، ومختبَر صلاحي

                تعليق

                • توحيد مصطفى عثمان
                  أديب وكاتب
                  • 21-08-2010
                  • 112

                  #9
                  حادي عشر- كيف نُعدُّ المواطنَ الأميَّ ([1]) ؟

                  من أجل الوصول إلى المواطن المؤهَّل لكي يقدِّم عملَه الصالح في وطنه، تهيئةً للوطن وحمايةً ورعايةً له، القادر على أن يتفاعل مع المواطنين الآخرين التفاعلَ الإيجابيَّ الذي يفترضه نظام المواطنة، لابدَّ من إعداد السُبُل اللازمة لتربية هذا المواطن تربيةً صحيحة.
                  وإذا ما أردنا تحديداً لهذه السُبل قُلنا إنها أربعٌ هي:

                  1- التربية: ونعني بها خاصة المؤسسات النظامية ([2]) التي تشرف عليها الدولة، كالمدرسة والجامعة، إذ يُناط بهذه المؤسسات قبل غيرها مهمة إعداد المواطن الأميِّ المنشود.
                  ولقد عرضنا في مشروعنا خلاصةً للدراسات التي قُمنا بها على المناهج ذات المساس بقضيتنا التي نناقشها، وهي منهاج التربية الوطنية، ومنهاج التربية الدينية: الإسلامية والمسيحية ([3])، والتي وصلنا فيها إلى وجود ثغرات أساسية وكبيرة في أهلية هذه المناهج لأداء المطلوب منها على صعيد موضوعنا، وقد قدمنا هناك اقتراحاتنا اللازمة.

                  2- التعاليم: ويُراد بها هنا مفرزات العمل الفكري الذي ينبغي على وُعاة الأمَّة أن يقوموا به إسهاماً في دراسة مفاهيم الأمَّة والمواطنة وما يتصل بها، وفي نقدها وتطويرها، ونخصُّ بالذكر هنا من يتصدَّون للشأن الفلسفي، فعليهم تقع أولاً هذه المهمة التي نتحدث عنها، ولا يغيب عن ذهننا كيف انبثقت أممٌ كبيرة من محضن الفلسفة، كالأمَّة الألمانية في صعودها أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
                  كما ينبغي العناية الفائقة بالدور الكبير الذي تؤدِّيه التعاليم الدينية السماوية في هذا المضمار، خاصة فيما يتصل بالتكوين الأخلاقي للمواطن، ونذكِّر هنا بالاقتراح الذي قدمناه في الملحق الأول من مشروعنا، حول وجوب المبادرة إلى وضع رؤية "استراتيجية" جديدة لتدريس مادة التربية الدينية، تُعنى بتحقيق التكيف الإنساني السليم مع المحيط، بهدف تأصيل ثقافة الاعتراف بوجود المختلِف وتقبُّل العيش معه، من خلال إدراك المساحات المشتركة وتفهُّم الرأي الآخر، والسعي لبناء شراكة عملية بين المختلفين، من أجل تحسين الواقع والنهوض به.

                  3- الجمعيات الأهلية: كالنوادي الثقافية والروابط المتخصصة، فلا ينبغي أن يقتصر نشاطها على الفعاليات الخيرية كما هو معهودٌ عنها، بل يجب أن تكون الوعاء الحاضن لعمليات تدريج المواطن في سُلَّم الأهلية المواطنية، وهذا أمرٌ ينبغي أخذه بعين الاعتبار في نظام هذه الجمعيات مستقبلاً.
                  خاصةً إذا أخذنا بعين الاعتبار اقتراحَنا المذكور في الملحق الأول، والخاصَّ بوجوب إضافة الخدمة الاجتماعية أو الوطنية جزءاً أساسياً من منهاج التربية الوطنية، فلا يُعدُّ الطالب مستكملاً لمتطلبات المادَّة ما لم يُنفذ عدداً من الساعات العملية في المؤسسات والجمعيات الوطنية، الحكومية منها والأهلية، خدمةً للمجتمع ومشاركةً في بنائه وتقويمه، وأن يكون ذلك بالتدرُّج منذ الصفوف الأولى.

                  4- الأحزاب الوطنية: فالأحزاب السياسية من أهمِّ وسائل إعداد المواطن، بل إنَّها من أكبر المجالات التي يُمتحن فيها حُسن هذا الإعداد ونجاحه.
                  ونشير هنا إلى المادة الثالثة من قانون الأحزاب الذي صدرت مسوَّدته منذ أيام، والتي ورد فيها:(تسهم الأحزاب في تنظيم المواطنين وتمثيلهم سياسياً، ومن خلال ذلك تعمل على تنمية الوعي السياسي بهدف تنشيط الحياة السياسية ومشاركة المواطنين فيها وتكوين قيادات قادرة على تحمل المسؤوليات العامة). حيث يلاحَظ أنَّها حصرت هدف النشاط الحزبي في نطاق الحياة السياسية، وهو ما أكدته بوضوح أكثر المادة الرابعة من القانون المذكورة حيث نصَّت على أن الأحزاب تمارس نشاطاتها المختلفة: (بهدف المشاركة في السلطة)، وهذا أمر خطير، يتسبب بتشويش رؤية المواطنين للعمل الحزبي، في بلدٍ يخطو أولى خطواته على الطريق الجديدة التي اختارها.

                  إنَّ العمل الحزبي، ومنه المشاركة في السلطة، ينبغي صيانته عن أن يكون هدفاً بحدِّ ذاته، كما ينبغي أن لا يقتصر على التنافس السياسيِّ، بل يجب على الأحزاب أن تضع في اعتبارها أولاً أنَّها مؤسسة من مؤسسات الأمَّة، وعليها أن تكون معهداً لتلقين المبادئ التي تقوم عليها أمَّتنا، تلقيناً يخاطب العقل ويمتزج بالعاطفة، ويتمُّ عبر الخبرات العملية أساساً، وإلا تخلَّت هذه الأحزاب عن مسؤوليتها الوطنية.

                  إنَّ مواطنين لم يُعَدُّوا بالتربية الصحيحة، ولم يُثقَّفوا بالتعاليم السَّديدة، ولم يختبروا قدراتهم عبر جمعيات وأحزاب ذات برامج مدروسة... لا يمكن أن يُطالَبوا بواجبهم تجاه أمَّتهم، وإنْ أدَّوه من تلقاء أنفسهم فلا ينبغي أنْ يُطمَع في جدوى عملهم، فإنَّ إنساناً لا يملك رؤيةً لايكون مواطناً صالحاً، ولا يُنتظَر منه إن أخطأ أن يُصحِّح لنفسه أو يقبل تصحيح غيره، كما لا يُتوقَّع منه إن أصاب أن يستمرَّ على صوابه.

                  خاتمة:

                  ما هذا الذي كتبنَاه إلا تذكرةٌ، فإنَّ الكلمات والصَّفحاتُ لا تتَّسعُ لحديثٍ عن أمَّة، ولكنَّ قلبَ إنسانٍ صدَّق بها يتَّسعُ لها!
                  ونحن ندعُو كلَّ السوريين إلى أن يُصدِّقوا بسُوريَةَ أمَّةً جامعةً...
                  وأنْ ينَادُوا بها في دوائرهم...
                  وأنْ يعقِدوا إليها آمالَهم وتطلُّعاتهم...
                  ويجتمعُوا بأسْرهم علَيْها...
                  ويأتلفُوا تحتَ رايَتها...
                  وأنْ ينهلُوا منْ مَعين رُوحهَا...
                  ويفدُّوهَا بأرواحهم.



                  وعاشت سورية الأمّة والوطن.


                  محمدأديب ياسرجي، توحيد مصطفى عثمان، محمد باسم العباس


                  [line]-[/line]

                  ([1])الأميُّ هنا نسبةٌ إلى الأمَّة، لا إلى الأميَّة كما قد يُتوهَّم، وهي نسبةٌ صحيحة لغوياً، كما يصح استعمالها نسبةً إلى الجمع (الأمم)أيضاً.

                  ([2]) يقابلها في الاصطلاح التربوي نوعان من المؤسسات التربوية، وهما المؤسسات غير النظامية، والمؤسسات اللانظامية، ويُراد بالأولى المؤسسات التربوية ذات الطابع غير المدرسي كالنوادي الثقافية، وأما الثانية فتنطبق أساساً على الأسرة.

                  ([3]) انظر مشروعنا، الملحق الأول، وهو بعنوان: (نظرات في إصلاح القطاع التربوي).





                  التعديل الأخير تم بواسطة توحيد مصطفى عثمان; الساعة 31-07-2011, 21:43.
                  وطني... محلُّ تكليفي، ومختبَر صلاحي

                  تعليق

                  يعمل...
                  X