الميت يتذوق قهوة وتمر أجره

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نبيل عودة
    كاتب وناقد واعلامي
    • 03-12-2008
    • 543

    الميت يتذوق قهوة وتمر أجره

    الميت يتذوق قهوة وتمر أجره

    قصة : نبيل عودة

    النظرات في عيني الطبيب لا تكذب، رغم ان كلماته لم تنقل ما ينعكس في عينيه. لو قال بوضوح ان الحالة ميئوس منها، لما فاجأ أحد من أهل البيت، كان واضحا ان مرض أب البيت في مراحله الأخيرة.. و رفض أن يموت في المستشفى..وأصر ان يموت في بيته.
    كان يفلسف اقتراب موته بقوله ان الموت يشكل أحد أهم تحديات الحياة، وانه لا يختلف عن تحديات الولادة.وهو يريد ان يواجه هذه التجربة في بيته، هناك ولد وهناك سيسلم روحه.
    وقال ربما لو قيل لي قبل سنوات ، وانا في نشاطي وحيويتي ان موتي قد حان، لشعرت بالرعب،أما اليوم ، وأنا أرى نفسي جسدا مشلولا موجوعا، فاني أرى الموت مكسبا. لا أريد ان أرى حزنا حولي. اتركوني أغمض عيني ألاغماضة الأخيرة وانا وسط أبنائي وأحفادي.. هذا هو ما كسبته من حياتي، وهو لا يقدر بثمن. الحياة ليست بدون نهاية، وما يريحني اني أنجزت حيوات كثيرة ، تحيطني اليوم بالحب .
    كان يعرف حالته، ويعرف ان حياته على الأرض وبين أهله ، هي لحظات قد تقصر وقد تطول بعض الشيء، ولكنها لن تتجاوز الأيام القليلة ما دون الأسبوع أو أكثر قليلا.
    وضعوا سريره أمام التلفاز لعل ذلك يسري عنه بعض الشيء.ولكن ضجيج التلفاز كان يزعجه حين يواجه الامه الحادة. كانت غفواته أكثر من صحواته، وطلباته تستجاب ، ودائما يجد حوله أهل البيت.. زوجته، أولاده وزوجاتهم، بناته وأزواجهن، أحفاده.. هذا ما أراده بالضبط، أن يموت بين أحب الناس إلى قلبه. كان يشعر بالراحة انه وسط من أحبهم وأحبوه، رغم يقينه أن حياته بيولوجيا قد انتهت . ويسعده ضجيج أحفاده حوله، وطالبا من زوجته إلا تزجرهم وتتركهم على طبيعتهم يمرحون ويضجون، وان تصور لهم غياب جدهم القريب كانتقال من حالة المرض الشديد والآلام القاسية، التي كانوا شهودا لها إلى حالة الراحة.. وترتفع الابتسامة على شفتيه وهو يسمع أصواتهم ويشاهد ألعابهم، لدرجة انه ينسى آلام جسده.
    لم تعد نفسه ترغب بشيء خاص ، لذا قليلة هي طلباته ،على الأغلب بعض الماء ليرطب حلقه الجاف، ولكن زوجته لا تكف عن الإلحاح عليه، تخيره بعشرات الاقتراحات عن الطعام والحلويات والشراب لتعدها له، وكان يكتفي بهز رأسه رافضا وهامسا ان لا شيء في نفسه .
    كان الحزن يتغلغل ولا يفارق قسمات وجه زوجته، ولكنها تكابر على نفسها حتى لا يرى ما بها.. ودائما تقول له:"غدا ستتحسن"، وكان وقع هذه الجملة في أذنه لا يختلف عن وقع:" غدا ستموت ونتخلص من تعبك"، ولكن الحق يقال، كان يسمع نشيجها ليلا، تبكي بصمت، كان متأكدا من ذلك، وآثار الدموع لا تُخفى.. وأشد ما يؤلمه شعوره انه أصبح عالة مرهقة على أهل بيته وأولاده .. ينتظرون بصبر ان يسلم وداعته لربه، ليعودوا إلى حياتهم التي توقفت في مكان ما ، منذ صار واضحا ان مرضه العضال لا شفاء منه.
    زوجته تجلس قرب سريره كل ساعة تقريبا، متوقعة ان يطلب شيئا ما أو خدمة ما، ويكتفي بأن يبتسم لها رغم آلامه الشديدة ،ويشكرها على ما تقوم به لخدمته، وانه يشعر بصعوبة حملها وما يمر عليها، ويردد بصوت يكاد لا يسمع:" لا شيء في نفسي إلا الراحة الأبدية".فتغادره مسرعة حتى لا يرى دموعها.
    بعد زيارة الطبيب الأخيرة شعر أن الحركة في البيت ازدادت، كثر الزوار من الأقارب والأصحاب والجيران، هل جاؤوا لوداعه؟ وانتبه أن وعاء كبير وضع على الغاز لإعداد كمية كبيرة من القهوة. لا شك انها قهوة سادة، ليوم أجره وأيام التعزية بوفاته. كانت رائحة القهوة تملأ البيت . إذن لا بد أن الطبيب أخبرهم أن أجلي قد حان.. وإنهم باتوا على علم أكيد بأن ما يفصله عن تسليم الروح، صار يعد بالساعات.
    رائحة القهوة السادة تفتح النفس. حتى الميت يعود إلى الحياة إذا تنشق هذه الرائحة الطيبة المليئة بالهيل .. أراد أن يتذوقها، ولكن صوته كان أضعف من أن يسمع في هذه الجلبة التي دبت في البيت. انتظر أن تمر به زوجته ليطلب ان منها ان يتذوق القهوة. وربما يكون قد غاب في غفوة.. لا يعرف، استيقظ، أو كان مستيقظا، لم يعد يميز غفواته من صحواته، أحفاده يحيطون به ، واجمين وكأنهم يدرون ما سيحدث بعد ساعات.. ربما بعد يوم على أكثر تقدير.. ورائحة القهوة تعبق بجو البيت. و يتمنى ان يتذوقها.
    شعر بآلام حادة اضطرته إلى التركز بنفسه والأنين بصمت من الألم. حاولت زوجته ان تحركه لعل الألم يخف.أحفاده وقفوا متأهبين للمساعدة.. ابنه سارع يستدعي الطبيب تلفونيا، كان واضحا، كما قال الطبيب انه عدا أدوية التخدير لا شيء يساعده إلا قرار ربه.
    حضر الطبيب على عجل وحقنه وجبة مضاعفة، وقال ان هذا الحل الأفضل لما تبقى له من وقت، سمع هذا بوضوح، ويبدو ان الطبيب كان على ثقة انه مريضة غائب عن الوعي.. وشيئا فشيئا غاب عن الوعي ورائحة القهوة تستفزه برغبة مجنونة لتذوقها.
    فتح عينيه شاعرا بإرهاق شديد ، وعدم وضوح في الرؤية. يبدو انه تأثير المخدر.. ولكن رائحة القهوة تشتد وتشتد ويتمنى لو يقدر ان يقول ان له رغبة بتذوقها. يشعر ان لسانه قد تيبس. أحضرت له زوجته كوب ماء، رطب لسانه وحلقه، وتمتم بضعف وبصوت يسمع بصعوبة متمنيا الموت السريع خلاصا من عذابه وعذاب أهل بيته معه.
    في داخله كان يعرف ان أمنية الموت ليست خياره ، إنما خيار واقعه الذي لم يعد فيه إلا العذاب. خيار الخلاص من الألم والغيبوبة المتواصلة.. وهمس :"هل لي بتذوق القهوة ؟"
    أصيبت زوجته بمفاجأة .. لم تتوقع انه متنبه لما تعده. شعرت بألم أن تكون قد سببت له الإزعاج في آخر ساعات حياته. قالت:" الآن سأعد لك أحسن فنجان قهوة". رد بضعف:" أريد مما أعددتيه".
    رطبت القهوة سقف حلقه، وانتشر سحرها في أنفاسه متنشقا رائحة الهيل الطيبة وطعمه الساحر.
    كان الوجوم يخيم على زوجته ، لشعورها أنها ارتكبت خطأ بإعداد القهوة في البيت ، كان عليها ان تكلف إحدى بناتها ان تعدها بعيدا عن انف زوجها. هل فهم أنها ليوم أجره ؟
    شكرها على القهوة. وأغمض عينيه على رائحة الهيل .
    عندما استيقظ لمح زوجته ترتب فواكه مجففة على الصواني، ولاحظ كيف ارتبكت وسارعت تغطيها بشرشف أبيض ، اقتربت منه بوضعية الاستعداد لأي خدمة، وسألته:" هل احضر لك شيئا تأكله؟" . قال :" نفسي بحبة تمر ، لعلها تزيل مرارة فمي وحلقي". وأضاف:" لا تقلقي واصلي تحضير ما ترينه مناسبا، أرجو من الله أن لا أعذبكم أكثر".
    نظرت إليه حائرة، ويبدو أن إبليس قد لخبط عقلها:" ولكن يا زوجي هل نفسك أن تأكل منه.. نعده ليوم ...؟"
    ولم تكمل جملتها!!

    nabiloudeh@gmail.com



  • محمد زعل السلوم
    عضو الملتقى
    • 10-10-2009
    • 2967

    #2
    تحياتي أخ نبيل عودة
    الغيبوبة ودائما الدعاء بالتخفيف عن المريض والله يخفف عنه
    قصة جميلة وعبارات وجو فيه رائحة الموت بالفعل فالصور معبرة عن عذاب من هم حول المريض وآلامهم
    كل الشكر لقلمك الانساني البديع
    تحياتي الخالصة

    تعليق

    • نبيل عودة
      كاتب وناقد واعلامي
      • 03-12-2008
      • 543

      #3
      الأستاذ محمد زعل السلوم
      شرفتني بزيارتك ، وأشكرك على احتمالك أجواء الموت في قصتي، واتمنى لك الصحة لنواصل رحلتنا في عالم الحياة والفرح، وأعدك بقصة قادمة مفرحة تزيل الم الفراق لمن نحبهم.
      تحياتي

      تعليق

      • سالم وريوش الحميد
        مستشار أدبي
        • 01-07-2011
        • 1173

        #4
        الاستاذ الكبير نبيل عوده
        الموت الهاجس الذي لايغيب عن انفسنا في الطفولة وعند الكبر ، هو من قاد كلكامش ليبحث عن الخلود ، هومهاب الى الحد الذي نفرد له صفحات من الوصف البياني والتذكير به نؤبن انفسنا كل يوم حين نبكي لفراق عزيز اوحبيب ، نحطم صروح الجمال فتكتنف نفوسنا بغيوم الحزن ،وكأن كل شئ يتوقف عند هذا الحد لاديمومة ولااستمرارية في الحياة ننسى اننا امتداد لحياة الاسلاف وسنكون امتداد لحياة الاخرين من الاجيال الاحقة، ان الموت قدرنا وهو سر وجودنا هكذا يجب ان نفهم فلسفة الحياة والموت، ان الحس الاكلينيكي لفكرة الموت يجب ان نقبلها ونتعايش معها خلافا للموت المعنوي فهو الذي يجب ان نسعى لالغائه من قاموس حياتنا يقول طاغور (بأي شئ يمكنني ان استقبل الموت مالذي يمكنني ان اقدمه اليه حتى لايعود خالي الوفاض ) ويقول( في وصفه الاديب ان هذا القنديل الذي لايشع ضوئه مالم يشعل) ، في مثل هكذا فلسفة يلخص الشاعر الكبير طاغور فكرة الموت فهي ان لا نخاف الموت بل نعطيه مايريدلأننا قدمنا مانستطيع، وان الانسان عليه ان لايبخل بشئ من اجل ان يخدم الناس ادبا ،علما ،فنا،و فكرا ، فالبخور لايمكن ان يضوع عطره دون ان يحترق ،اننا لايجب ان نضيع جمال هذه الحياة وقداستها بهاجس الموت، يجب ان لاينقطع املنا بحبل الحياة ولو من خلال رائحة القهوة ونحن ننازع من خلال تلذذنا بالطعام بالايحاء ، انك ياسيدي استطعت ان تسخر قلمك لخدمة هذه الفكرة اعطيت للحياة جماليتها من خلال الموت . اوحيت ان حبل البقاء موصول بفكرة الفناء وان استمرارية هذه الحياة مرهون بمقدار العطاء . انني قرأت نموذجا مقتدر يمزج جمالية الفكرة والحدث بفلسفة عميقة وهذا مانحتاج اليه في كتابة القصة القصير ه ان لانسطر كلام فقط يجب ان نوجز فكرة بكلمة .. شكرا لك على هذا النفس الجميل وسلمت الايادي
        سالم وريوش الحميد
        التعديل الأخير تم بواسطة سالم وريوش الحميد; الساعة 24-07-2011, 04:48.
        على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
        جون كنيدي

        الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

        تعليق

        • ريما ريماوي
          عضو الملتقى
          • 07-05-2011
          • 8501

          #5
          زوجته امرأة عملية تحضر لمراسيم العزاء,
          وهو ما زال على قيد الحياة, طبعا أنا لست
          معها في ذلك أبدا, ليس خطأ وضع خطة للترتيبات,
          ولكن دون البدء فيها وهو ما زال على قيد الحياة
          لأنه يحس ويشعر, ويريد تعاطف زوجته معه.
          شكرا لك استمتعت بقراءة نصك
          ونصوصك تعبر دائما عن وجهة نظر فلسفية,
          مودتي وتقديري.
          تحياتي.


          أنين ناي
          يبث الحنين لأصله
          غصن مورّق صغير.

          تعليق

          • نبيه أبو غانم
            أديب وكاتب
            • 26-05-2010
            • 94

            #6
            الأستاذ الكريم نبيل عودة:
            قصة مؤثرة حقاً، ومن حسن حظ الأنسان الذي يموت وهو يقف على
            قدميه، فلا يوجد في الدنيا ما هو أثقل من الشخص الذي أقعده المرض
            ليصبح عالة على من حوله..وإن كانوا يحبونه.
            قد يكون ابتلاء واختبار من الله ليمتحن إيمان وصبر العبد، فيكسب ثواباً
            ولكنه بالتأكيد اختبار صعب وطوبا لمن يستطيع صبرا.
            أستاذي الكريم قصة جميلة رغم حزنها أبدعت في توصيف الحالة.
            شكراً لك دمت بخير وتقبل مني التحية

            تعليق

            • نبيل عودة
              كاتب وناقد واعلامي
              • 03-12-2008
              • 543

              #7
              الموت دائما حالة عبثية تخترق الحياة. قرأت مداخلات الزملاء، وليس من السهل المحاورة حول الموت.. لما يشكله في الذهنية من ترسبات مقيتة.
              مسألة اعداد القهوة والفواكه المجففة قبل موته.. كما تفضل احد الزملاء سائلا ومشكورا على سؤاله.
              القصة ليست عرضا للواقع ، ليست نقلا اخباريا. هي رؤية فكرية تقصد فهم فلسفة الموت في حياة البشر، وللكاتب حق ان يهدم التقاليد ويبنيها بما يتلاءم مع فكرته التي يبغي ايصالها للقارئ. والمعروف ان القصة هي خيال مبني على واقع. أي ليست سردا لواقع بكل دقته. وكما يقول الكاتب الكبير نشيخوف: " القصة هي كذبة متفق عليها بين القارئ والكاتب" ، أي ان الكاتب يكذب ، والقارئ يتلقى هذا الكذب البريء لمتعته أولا ، ولايصال رسالة ما ثانيا، وليست موعظة تلتزم الدقة في التفاصيل والحدث.
              شكرا على ملاحظاتكم
              نبيل عودة

              تعليق

              • مرام اياتي
                أديب وكاتب
                • 19-06-2011
                • 61

                #8
                سلام
                الاستاذ القدير نبيل
                اعجبت بما كتبت
                فعلا الموت هاجس لكل انسان
                سلمت يداك
                دمت بخير
                تحياتي

                تعليق

                • نبيل عودة
                  كاتب وناقد واعلامي
                  • 03-12-2008
                  • 543

                  #9
                  طبعا الموت هو جزء من الحياة، وعلم الأخلاق يطرح الموت كتحد يوازي الولادة..
                  لنعش حياتنا وكاننا لن نموت...
                  تحياتي
                  نبيل
                  التعديل الأخير تم بواسطة نبيل عودة; الساعة 07-08-2011, 16:27.

                  تعليق

                  يعمل...
                  X