يوم كسرتُ دميتي !
( شعر ذهبي معقود بشريط أحمر ... عينان خضراوان تنظران إلى اللاشئ ... أهداب سوداء حادة ... وجنتان حمراوان ممتلئتان تتوسطهما ابتسامة مبهمة ... ورأس مطاطي قد انفصل عن جسده )
جلستُ على سور مطل على البحر وقت الظهيرة حاملة الرأس في يد والجسد في اليد الأخرى .. وأبكي
أنظر إلى البحر أغرف منه مدادا لعيني فتزداد دموعي انهمارا ، لم أعد أرى سوى الماء – في البحر ، السماء والصخور !
لم أنتبه إلا على صوت رخيم هامس في أذني قاطع نشيجي:
-- " ما بكِ ؟ ... لم تبكين ؟!"
-- " كسرتُ دميتي التي اشترتها لي أمي! "
جلس إلى جواري وأخذها مني وقال كمفجوع لموت عزيز لديه:" كيف حدث هذا ؟ "
-- " كنت أحتضنها بقوة فانفصلت رأسها رغما عني !"
كفكفَ دمعي بمنديله :" لا عليكِ ، ستشتري لكِ أمك غيرها "
ازددت بكاء :" لقد ماتت أمي العام الماضي!"
وضع الدمية في حقيبتي : " قولي لي ، من أين لكِ بهذا الشعر الجميل ؟"
-- " إنه مثل شعر أمي"
-- " لا شك أنها كانت تحبك كثيرا كي تهديك هدية جميلة كهذه فغدوتِ بها أجمل الفتيات !"
لم أقاوم عذب كلماته فقد وقعت على قلبي كقطر الندى على زهرة عطشى فأخذت تلملم بتلاتها حولها كي ترتوي
--"بل أراك كبيرة لا تحتاجين إلى دمية .. تعالي معي سآخذكِ إلى مكان أفضل !"
ترددت فأنا أعلم أن هذا عيب لكن وجدته ينطلق أمامي مسرعا كسهم ممشوق يمرق وسط أمواج اللحم المتلاحمة ويقطرني بنظرات باسمة تدعوني لألحق به ، وماكان هذا ليحدث فقد كان يمشي كمن يعدو .. وفجأة تجمدت مكاني كمن يفيق على ماء ثَلِج أريق على رأسه :" ترى إلى أين سيأخذني ؟!"
------------- قصر ثقافة ( ... )-----------------
آه ! أسأت الظن به .. ظلمته! ... فعجلت خطاي كي ألحق به عند البوابة
-- " تعلمين ، إنني أحب هذا المكان جدا ، وأرى أنكِ ستحبينه أكثر مني!"
طوابق وأروقة يجول بينها ويدور بجسمه النحيل مسرعا كإبرة بوصلة لا تخطئ جهتها .. وأنا خلفه .
-- " كم عمركِ؟ "
-- " أربعة عشر "
-- " أتحبين القراءة ؟"
على استحياء أجبت " نعم !"
وصلنا غرفة المطالعة وطلب مني الجلوس ريثما يأتي بكتاب ، أخذت عيناي تلاحقان يديه تتنقل بسرعة بين الكتب كماسح ضوئي ، وفي ثوان أتى بمجموعة كتب عن " تاريخ مصر .. أدب عالمي للناشئين "
-- " مارأيك ؟ ... تأتين كل يوم إلى هذا المكان وتستعيرين هذه الكتب وتطالعينها وأناقشك فيها بعد أسبوعين بعد عودتي من السفر ... فقط أعطي هذه البطاقة لأمين المكتبة !"
قرأت الاسم .. أنا أعرفه :" ألست الكاتب فلان ؟ " – " أجل "
مدفوعة لا أعرف مم !، توجهت إلى المكتبة في اليوم التالي، أخذت الكتب ورحت أقرأ ورغبة مني في زيادة إرضائه قمت ببعض التدوين ، كنت آتي تقريبا كل يوم أمضي الساعات في ذلك العالم المغاير أسلو فيه فرحي وترحي ، فلا أرى سوى عالمي الجديد بتصاويره التي ينسجها عقلي ووجداني.
انفرط الأسبوعان وعدت في اليوم الموعود ، وجدته ممسكا جريدة يتصفحها ، فما أن رآني حتى قام إليّ متهللا -- " ها أنا ذا جاهزة!"
لم يسألني سؤالا واحدا : " أنا أعرف أنك طالعت الكتب ودونتِ أشياء .. اجلسي أود أن أقرأ عليكِ مقالا جديدا وتخبريني برأيكِ !"
وسريعا انقلب ذاك الصوت الحاني وصار يعلو وتحتد نبرته فارتج لوقعه فؤادي ... قد انتفخت أوداجه وصار جسمه النحيل يهتز تحت وطأة الانفعال ... فقد كان مقالا سياسيا ساخنا !
-- " لمَ تبتسمين ؟!"
-- " تبدو كالأسد!"
-- " وأنا أرى فيكِ لبؤة مخبوءة ! "
-- " مامعنى لبؤة ؟"
-- " ابحثي عنها في المعجم !"
( أنثى الأسد ) .. أهذا ما يعنيه ؟ ... ويستحيي أن يخبرني !
صرت أتردد على المكتبة كثيرا كي ألاقيه .. وكثيرا ما كنت أجده فيقوم ليّ وتبرق عيناه ، ثم يطالبني بالقراءة فأقرأ عليه ويصوب لي أخطائي النحوية وكثيرا ما كانت لكنه ينهي الجلسة بإعجابه بصوتي . وفي المقابل كان يقرأ من دواوين المعري وأبي فراس ... ما أعذب صوته وهو يقرأ لأبي فراس ! ، يرمقني بين السطور فتخرج كل نظرة كومضة تخطف معها قطعة من روحي فتعود مع عينيه ليختزلها في قصيدة بين يديه .. ما أشك أنه يسوق إلي هذا الكلام .. ولكن يستحيي أن يخبرني!
يزداد خفقان قلبي ويحمر وجهي كلما قابلته أو حادثته شئ ما يزحف نحوي لكن لا أدري كنهه! ... إن سرت معه في طريق العودة متأبطا الجريدة ، أحسدها " يا ليتني كنت ورقة فيك يا صاحبة الجلالة "!
ويوم أهداني كتابا له كدت أطير فرحا فطالبته بتوقيع عليه فكان كريما إذ أرفق معه كلمة ( لي ) ... صرت أحاكي خطه وتوقيعه فأكتب به الرسائل وأرسلها إلى نفسي وأرد عليها .
كنت فراشة في خميلة من أحلامي أطير حولها وأحلق وسط الأطيار ، ولكن الأطيار تعلوني وتسبقني فسقطت على أم رأسي إثر انتباهي لصوت سعال غريب هاجم صدره ! ... نعم وجهه متغير منذ مدة ، لمَ لم ألحظ هذا من قبل ؟ ... إنه شاحب كلون أوراق كتبه ... ازداد هزالا على هزاله وسعاله يشتد وهالتني بقعة حمراء في منديله يحاول إخفاءها
لم يستطع المكث أكثر من ذلك في المكتبة أسندته بجسمي الصغير وخرجنا متجهين نحو بيته كان يسير إلى جواري كسهم .. منكسر يتوقف كل خطوتين ليلتقط أنفاسه لكن هو من يتأبطني وليس أنا !
--" قد كنت لي كأختي الصغيرة"
" أخته الصغيرة !!"
لو كان على غير الحال لفارقته في الحال ، لكن همي كان إرجاعه إلى بيته ثم أنصرف. فتحت لنا امرأة مسنة ملتحفة السواد ؛ لابد أنها أمه ، أوصلتُه إلى غرفته .. ممتلئة بالكتب وأوراق متناثرة هنا وهناك كأوراق الخريف ، كان شديد الوهن لم يقو حتى على رفع رأسه ليشكرني ...
مر أسبوع .. هل أعود لأطمئن عليه ؟ ... لقد نعتني بأخته الصغيرة .... هو حتى لا يراني! ... لكن لم أمنع نفسي التفكير فيه ، ترى كيف صار حاله ؟
فتحت لي أمه قد ازدادت سنين على سنها واسود وجهها تحت سواد غطاء رأسها .. ما الأمر ؟
-- " إنه مريض جدا ... يحتضر !!"
صدع قلبي مقالها فشق صدري عن صرخة مكتومة مكلومة لم أستطع بها بوحا فوضعت يدي على فمي ألجمها ... وأسرعت نحو غرفته فما رأيت إلا فراشا عليه غطاء منشور تحته جسم ساكن هزيل كسكون الغرفة ، وفجأة يضج الجسم والغرفة بصوت سعال قوي يشق صدر صاحبه والسكون
جلست إلى جواره أتأمله .. إنه محموم يتفصد جبينه عرقا وقد جفت شفتاه ، أين ذاك الشاب المملوء نشاطا أين ابتسامته آسرة الشعاع ! بل أين نظراته الأخاذة قلبي !.. اندثر كل ذلك تحت دثاره الغليظ
انتبه لجلستي فراحت عيناه تهيمان في الغرفة حتى استقرتا عليّ ، بدا لي أنه يريد الكلام فكان يحرك لسانا تعلوه الجبال ":" ما بكِ ؟ ... هل تزالين تبكين دميتك المكسورة ؟!"
-- " بل أبكي أخا عزيزا واستاذا غاليا "
تحدرت دمعتان محمومتان :" أنت كبيرة ، عديني بشئ واحد ... أن تكوني قوية ولا تيأسي أبدا"
--" أعدك !"
...............
( شعر فاحم .. عينان مسدلتان تنظران إلى لا شئ من عالمنا ... جفون يعلوها السواد ووجنتان شاحبتان بينهما ابتسامة مبهمة )
مددت يدي في حقيبتي " دميتي!"
.........
وجلست على السور حاملة الرأس في يد والجسد في اليد الأخرى ... وأبكي
ثم نهضت وألقيت بهما إلى البحر
-- " أعدك ما حييت!"
انتهت
( أهديها إلى من كانت حياته نبراسا لي وموته إحياء لي )
تعليق