لا تسألني

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالمنعم حسن محمود
    أديب وكاتب
    • 30-06-2010
    • 299

    لا تسألني

    لا تسألني

    مساءات (جامشورو) المطلية بألوان الحنين الدافق والراني أبدا لنجمة تسطع في قلب الغياهب البعيدة، تعيش حالة خصام شبه دائمة مع نهاراتها الزمهريرية، فالعقارب وهي تدور بين الخامسة والسادسة تلسع النقطة العمياء الواقفة بين زمنين لا رابط بينهما، فتنجلي النقطة عن أجواء سديمية تلفح برونقها خلايا الدماغ (الجامشوري)، يولد الشاعري من الأحاسيس وترفع الأحلام رأسها، تتماسك العقول الطلابية وتصفو ليتقاطر الشهد من حواراتها المشحونة بالهم الوطني، وفي ذلك المساء الباهي تكون (فرح) في تلك البقعة من الأرض المقتولة بمدية السكون.
    زاهيا احتضن كف صديقه الجديد (نجم عبدالقادر) الذي وصفه في ما بعد بأنه كان منجما للفحم البشري، ومعملا لتفريخ الأفكار الثورية، شخصية اندماجية بحذر تحملها مرتكزات نحيلة وهيكل مسلول إلى أعلى، يبدو كمتعب الهذال أو مهدي جواد.
    (نجم) الفتى لم يطل بحبله السري في منتصف الستينيات سهوا، ففي السادسة من عمره تنامت إلى مسامعه كلمات والده وابتهاجه به كبهجته بثورة أكتوبر، أكتوبر الحدث الأسطوري وليس فعل ما بعد الثورة، كان يسمع والده وهو يمتطي كتفه يقول :
    - عامك يا (نجم) عام أول حكومة وطنية بحق، لم يدعوها وشأن خططها التحررية، ترصدوها كما تترصد الكلاب الإبل ..
    وفي ما بعد اقتادت الكلاب والده، علقوه من العنق التي كان يمتطيها في الأماسي الطليقة، يهش بكفه الغض الدخان المتصاعد من المنجم تحته. من تلك النقطة المضئية نشأ (نجم) ممسكا بمناديل الوصول، ففي أول ليلة له في الزنزانة أشعل عود ثقاب واقترب من الجدار ليؤرخ تاريخا جديدا للنضال، خط كلمات دامية برماد كبريتٍ أسود، وببقية رماد لم يتكون بعد دقق النظر في الخربشات على الجدار المقابل، وما أن اقترب أكثر حتى أطفأت الدموع كل مخزونة من أعواد الثقاب وهو يميز خط والده على الجدار :
    / العالم لا يصير مستحيل الاحتمال إلا عندما يجري التنكر لإمكانية تغييره /
    ضغط (فرح) بأصابعه الخمسة على يد صديقه (نجم)، وزاهيا اجتاز معه ممر الحديقة الضيق المؤدي إلى مدخل مقهى الطلاب، قدمه (نجم) إلى مجموعة من الطلاب يلتفون حول طاولة مستديرة تدور فوقها أكواب الشاي بلا توقف، وكشمس مصقولة بحلم سرمدي ابتسم لهم (فرح) معرفا نفسه، مدوا له أيادي باردة وفاترة تنم عن ترحيب اجباري، وبدون مقدمات التفت صاحب وجه محروق بانت عروقه العصبية تجاه (فرح) وبصورة نزقة قذفه بكلمات كالشظايا :
    - لقد رأيتك من قبل تجتاز المسافات برفقة الأصولي والانتهازي (صخر)، وفي يده مصحفا ..!
    لم يعد نجومه الساطعة لهذه المباغتة التي باغتته من بؤرة الاحتراق، تشكل صخر أمامه، أزاحه جانبا بطرف جوانحه المندهشة لهمجية المباغتة وامتهان سياسة التهور وشغل اليوم باليوم، بانت له عدة كتل صخرية، وبحذر جواني أمسك بميزانه، تساولت لديه كل الجوانب، وتعانق السائل المباغت المحترق السطح مع المبتل بغراميات الانتهاك، صمم أن لا يكون رده على هذا المبلط من الداخل فيه رنة غضب حتى لا يزرع بذورا للعداء من بدايات الطريق، وأن لا يكون رده متهاونا ينم عن ضعف في منطقة غالبا ما يسودها الانطباع الأولي، وبهدوء قاتل استل ذرات أعصابه المنصهرة من فوهة الغضب وسد بها فراغات جهاز التبريد المقابل بينما شعر بأنفاس (أمل دنقل) تهمس في أذنه ..
    لا تسألني
    إن كان القرآن
    مخلوقا أم أزلي
    بل فأسألني
    إن كان السلطان
    لصا أم نصف نبي
    وكدلوٍ من ماء عذب أندلق في احتراقات الوجه تدلى الوجه إلى أسفل يضاري آثار جريمته، بينما كسى البريق واللمعان الوجوه الأخرى، والنجم جواره يشعل لفافة تبغ ويبث دخانا يتصاعد إلى أعلى ليسمي رفقته التي لا تخذل أبدا.


    هامش :
    لا تسألني .. من نصوص أيام الجامعة .. منتصف 95 م
    جامشورو .. مدينة جامعية بأقليم السند بباكستان
    التواصل الإنساني
    جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    حقيقة لازلت أتعرّف عليك صديقي عبد المنعم.
    ربّما لأنّك تحترف الرّقص فوق بقعة الزّمن العمياء فإنّ أحدا لا يمكنه أن يتنبّأ بما تنجز.
    نصّك هذا منجم أدب و ثورة ،و على قصره نسبيّا ولد مكتضّا
    بأزمنة الشّعوب الحزينة و التّعب و الأجساد النّاحلة التي تكسّر الجليد و الطّلبة المناضلين و الرّجال و الشّيع و الهزائم التي تنشأ من بطن ذات الأمّ،أزمنة النّكبات الحقيقيّة التي لا مجال لوصفها إلاّ بالانفجار الجميل.
    نجم الدّين لا يعيش طويلا شأنه شأن دنقل و بوشكين،و إن عاش فلا أمل له في منصب يغيّر به الرّداءة و الدّنس،و إن أعطي فإنّه حتما سيكسّر كرسيّه و يهبه حطبا تتدفأ به أوّل عجوز مهملة.
    استمتعت معك و كنت معهم أيّها المبدع.
    شكرا لك عبد المنعم.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • إيمان الدرع
      نائب ملتقى القصة
      • 09-02-2010
      • 3576

      #3
      لا تسألني
      إن كان القرآن
      مخلوقا أم أزلي
      بل فأسألني
      إن كان السلطان
      لصا أم نصف نبي
      وكدلوٍ من ماء عذب أندلق في احتراقات الوجه تدلى الوجه إلى أسفل يضاري آثار جريمته، بينما كسى البريق واللمعان الوجوه الأخرى، والنجم جواره يشعل لفافة تبغ ويبث دخانا يتصاعد إلى أعلى ليسمي رفقته التي لا تخذل أبدا.

      الزميل الغالي: عبد المنعم حسن محمود :
      طاولة مستديرة
      جمعت صحبةً ، كانوا بملامح ، ومشارب مختلفة ..
      وبعد الأفق لم يكن واحداً ..
      فمنهم من كان أسير نظرةٍ ضيّقة
      والبعض الآخر ..يرون ماوراء الأفق ، يستشفّون معنى الفكر الحرّ الذي يرى الأشياء بمسمّياتها ، وأحجامها الطبيبعيّة..
      بورك بقلمٍ ، حمل ملامحه الناضجة منذ أن عرف للكتابة طريقاً ، وقصداً..
      وبورك لنا بك أخي وزميلي: عبد المنعم ..فوالله بمثل مؤلفاتك يجب أن تتصدّر مكتباتنا ، وتزهر
      ومع أطيب أمنياتي... تحيّاتي

      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        #4
        لا تسألني

        مساءات (جامشورو) المطلية بألوان الحنين الدافق والراني أبدا لنجمة تسطع في قلب الغياهب البعيدة، تعيش حالة خصام شبه دائمة مع نهاراتها الزمهريرية، فالعقارب وهي تدور بين الخامسة والسادسة تلسع النقطة العمياء الواقفة بين زمنين لا رابط بينهما، فتنجلي النقطة عن أجواء سديمية تلفح برونقها خلايا الدماغ (الجامشوري)، يولد الشاعري من الأحاسيس وترفع الأحلام رأسها، تتماسك العقول الطلابية وتصفو ليتقاطر الشهد من حواراتها المشحونة بالهم الوطني، وفي ذلك المساء الباهي تكون (فرح) في تلك البقعة من الأرض المقتولة بمدية السكون.
        زاهيا احتضن كف صديقه الجديد (نجم عبدالقادر) الذي وصفه في ما بعد بأنه كان منجما للفحم البشري، ومعملا لتفريخ الأفكار الثورية، شخصية اندماجية بحذر تحملها مرتكزات نحيلة وهيكل مسلول إلى أعلى، يبدو كمتعب الهذال أو مهدي جواد.
        (نجم) الفتى لم يطل بحبله السري في منتصف الستينيات سهوا، ففي السادسة من عمره تنامت إلى مسامعه كلمات والده وابتهاجه به كبهجته بثورة أكتوبر، أكتوبر الحدث الأسطوري وليس فعل ما بعد الثورة، كان يسمع والده وهو يمتطي كتفه يقول :
        - عامك يا (نجم) عام أول حكومة وطنية بحق، لم يدعوها وشأن خططها التحررية، ترصدوها كما تترصد الكلاب الإبل ..
        وفي ما بعد اقتادت الكلاب والده، علقوه من العنق التي كان يمتطيها في الأماسي الطليقة، يهش بكفه الغض الدخان المتصاعد من المنجم تحته. من تلك النقطة المضئية نشأ (نجم) ممسكا بمناديل الوصول، ففي أول ليلة له في الزنزانة أشعل عود ثقاب واقترب من الجدار ليؤرخ تاريخا جديدا للنضال، خط كلمات دامية برماد كبريتٍ أسود، وببقية رماد لم يتكون بعد دقق النظر في الخربشات على الجدار المقابل، وما أن اقترب أكثر حتى أطفأت الدموع كل مخزونة من أعواد الثقاب وهو يميز خط والده على الجدار :
        / العالم لا يصير مستحيل الاحتمال إلا عندما يجري التنكر لإمكانية تغييره /
        ضغط (فرح) بأصابعه الخمسة على يد صديقه (نجم)، وزاهيا اجتاز معه ممر الحديقة الضيق المؤدي إلى مدخل مقهى الطلاب، قدمه (نجم) إلى مجموعة من الطلاب يلتفون حول طاولة مستديرة تدور فوقها أكواب الشاي بلا توقف، وكشمس مصقولة بحلم سرمدي ابتسم لهم (فرح) معرفا نفسه، مدوا له أيادي باردة وفاترة تنم عن ترحيب اجباري، وبدون مقدمات التفت صاحب وجه محروق بانت عروقه العصبية تجاه (فرح) وبصورة نزقة قذفه بكلمات كالشظايا :
        - لقد رأيتك من قبل تجتاز المسافات برفقة الأصولي والانتهازي (صخر)، وفي يده مصحفا ..!
        لم يعد نجومه الساطعة لهذه المباغتة التي باغتته من بؤرة الاحتراق، تشكل صخر أمامه، أزاحه جانبا بطرف جوانحه المندهشة لهمجية المباغتة وامتهان سياسة التهور وشغل اليوم باليوم، بانت له عدة كتل صخرية، وبحذر جواني أمسك بميزانه، تساوت لديه كل الجوانب، وتعانق السائل المباغت المحترق السطح مع المبتل بغراميات الانتهاك، صمم أن لا يكون رده على هذا المبلط من الداخل فيه رنة غضب حتى لا يزرع بذورا للعداء من بدايات الطريق، وأن لا يكون رده متهاونا ينم عن ضعف في منطقة غالبا ما يسودها الانطباع الأولي، وبهدوء قاتل استل ذرات أعصابه المنصهرة من فوهة الغضب وسد بها فراغات جهاز التبريد المقابل بينما شعر بأنفاس (أمل دنقل) تهمس في أذنه ..
        لا تسألني
        إن كان القرآن
        مخلوقا أم أزلي
        بل فاسألني
        إن كان السلطان
        لصا أم نصف نبي
        وكدلوٍ من ماء عذب اندلق في احتراقات الوجه تدلى الوجه إلى أسفل يضاري آثار جريمته، بينما كسا البريق واللمعان الوجوه الأخرى، والنجم جواره يشعل لفافة تبغ ويبث دخانا يتصاعد إلى أعلى ليسمي رفقته التي لا تخذل أبدا.


        هامش :
        لا تسألني .. من نصوص أيام الجامعة .. منتصف 95 م
        جامشورو .. مدينة جامعية بإقليم السند بباكستان
        لن أسألك سيدي
        و لكن سوف أكتفي بما بين يدي
        عن نجم و أصله و فصله
        و حين التاريخ الذى يحمله
        فى ثنايا عمره
        و ردهات منجمه
        ثم بعد ذلك لا يجب أن يسأله أحد
        أو يسأل رفيقه من تكون
        الماوراء فى دهاليز الطريق
        و لكن تلك المواجهات كثيرا ما تكون
        و كثيرا
        ما أجهضت أى تجمع عقلاني
        ربما ما أنتجته أجيال الثورة العربية منذ شهور
        هو القادر على استيعاب الأمر
        و عدم الالتفات لدعاوى التخوين
        و شتل الفتنة فى بساتين الثورة
        و البحث عن خلاص قد يكون !
        ربما أيضا كانت اللغة تبحر فى المجاز
        و إن كشفت عورات القص
        وفضحت الحكاية تماما
        و إن كان المقصود باستخدام المجاز التورية
        و القتنع
        على كل حال كان عملا أعادني إلى حقب سالفة
        و قريبة
        و وضع أمل دنقل أمامي فى سريره الأبيض
        قبل دقات الختام !



        sigpic

        تعليق

        يعمل...
        X