لا تسألني
مساءات (جامشورو) المطلية بألوان الحنين الدافق والراني أبدا لنجمة تسطع في قلب الغياهب البعيدة، تعيش حالة خصام شبه دائمة مع نهاراتها الزمهريرية، فالعقارب وهي تدور بين الخامسة والسادسة تلسع النقطة العمياء الواقفة بين زمنين لا رابط بينهما، فتنجلي النقطة عن أجواء سديمية تلفح برونقها خلايا الدماغ (الجامشوري)، يولد الشاعري من الأحاسيس وترفع الأحلام رأسها، تتماسك العقول الطلابية وتصفو ليتقاطر الشهد من حواراتها المشحونة بالهم الوطني، وفي ذلك المساء الباهي تكون (فرح) في تلك البقعة من الأرض المقتولة بمدية السكون.
زاهيا احتضن كف صديقه الجديد (نجم عبدالقادر) الذي وصفه في ما بعد بأنه كان منجما للفحم البشري، ومعملا لتفريخ الأفكار الثورية، شخصية اندماجية بحذر تحملها مرتكزات نحيلة وهيكل مسلول إلى أعلى، يبدو كمتعب الهذال أو مهدي جواد.
(نجم) الفتى لم يطل بحبله السري في منتصف الستينيات سهوا، ففي السادسة من عمره تنامت إلى مسامعه كلمات والده وابتهاجه به كبهجته بثورة أكتوبر، أكتوبر الحدث الأسطوري وليس فعل ما بعد الثورة، كان يسمع والده وهو يمتطي كتفه يقول :
- عامك يا (نجم) عام أول حكومة وطنية بحق، لم يدعوها وشأن خططها التحررية، ترصدوها كما تترصد الكلاب الإبل ..
وفي ما بعد اقتادت الكلاب والده، علقوه من العنق التي كان يمتطيها في الأماسي الطليقة، يهش بكفه الغض الدخان المتصاعد من المنجم تحته. من تلك النقطة المضئية نشأ (نجم) ممسكا بمناديل الوصول، ففي أول ليلة له في الزنزانة أشعل عود ثقاب واقترب من الجدار ليؤرخ تاريخا جديدا للنضال، خط كلمات دامية برماد كبريتٍ أسود، وببقية رماد لم يتكون بعد دقق النظر في الخربشات على الجدار المقابل، وما أن اقترب أكثر حتى أطفأت الدموع كل مخزونة من أعواد الثقاب وهو يميز خط والده على الجدار :
/ العالم لا يصير مستحيل الاحتمال إلا عندما يجري التنكر لإمكانية تغييره /
ضغط (فرح) بأصابعه الخمسة على يد صديقه (نجم)، وزاهيا اجتاز معه ممر الحديقة الضيق المؤدي إلى مدخل مقهى الطلاب، قدمه (نجم) إلى مجموعة من الطلاب يلتفون حول طاولة مستديرة تدور فوقها أكواب الشاي بلا توقف، وكشمس مصقولة بحلم سرمدي ابتسم لهم (فرح) معرفا نفسه، مدوا له أيادي باردة وفاترة تنم عن ترحيب اجباري، وبدون مقدمات التفت صاحب وجه محروق بانت عروقه العصبية تجاه (فرح) وبصورة نزقة قذفه بكلمات كالشظايا :
- لقد رأيتك من قبل تجتاز المسافات برفقة الأصولي والانتهازي (صخر)، وفي يده مصحفا ..!
لم يعد نجومه الساطعة لهذه المباغتة التي باغتته من بؤرة الاحتراق، تشكل صخر أمامه، أزاحه جانبا بطرف جوانحه المندهشة لهمجية المباغتة وامتهان سياسة التهور وشغل اليوم باليوم، بانت له عدة كتل صخرية، وبحذر جواني أمسك بميزانه، تساولت لديه كل الجوانب، وتعانق السائل المباغت المحترق السطح مع المبتل بغراميات الانتهاك، صمم أن لا يكون رده على هذا المبلط من الداخل فيه رنة غضب حتى لا يزرع بذورا للعداء من بدايات الطريق، وأن لا يكون رده متهاونا ينم عن ضعف في منطقة غالبا ما يسودها الانطباع الأولي، وبهدوء قاتل استل ذرات أعصابه المنصهرة من فوهة الغضب وسد بها فراغات جهاز التبريد المقابل بينما شعر بأنفاس (أمل دنقل) تهمس في أذنه ..
لا تسألني
إن كان القرآن
مخلوقا أم أزلي
بل فأسألني
إن كان السلطان
لصا أم نصف نبي
وكدلوٍ من ماء عذب أندلق في احتراقات الوجه تدلى الوجه إلى أسفل يضاري آثار جريمته، بينما كسى البريق واللمعان الوجوه الأخرى، والنجم جواره يشعل لفافة تبغ ويبث دخانا يتصاعد إلى أعلى ليسمي رفقته التي لا تخذل أبدا.
هامش :
لا تسألني .. من نصوص أيام الجامعة .. منتصف 95 م
جامشورو .. مدينة جامعية بأقليم السند بباكستان
تعليق