نجمة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    نجمة

    نجمة


    لأجل أن تتلألأ عيناها و يزداد شعرها طولا و يفرح جذعها و يستعر فكري لحظة من الدّهر ،سرقت خليّة النّحل..الدّرب وعرة و الجبل ميّت منذ عصور..و لأنّها زهرتي التي يقتلني أن تضحك للأصيل ،سطوت على شهد الخليّة.
    لسعني نحل كثير.بلا ريب ستتبدّل ملامحي بعد قليل،و حدّثت نفسي بأن أسرع كي لا يروّعها منظري..يا كم مشيت..
    لا شيء في خاطري سوى أن أقول للنّجمة أنت نجمة و أنّي أراك ليل نهار.هذا كلّ شيء.
    يومها لم أجدها تحت شجر الدرّاق العاقر تستظل و تسامر صاحباتها كما اعتادت.كنت أمسك بجرابي باليد و باليد الأخرى أحاول أن أستر وجهي .
    لا يحقّ لي أن أسأل عنها،لذا سألت عن أمّها.
    أبيع الحليب و الجميع يعرفني.
    قالوا: فاطمة اليوم تزوّج ابنتها من الفتى المدلّل الذي يعرفه الجميع..راحت أيّام الحليب يا مسكين..الدّنيا ابتسمت لهم و سيأكلون الشّهد منذ اليوم.
    كيف أشرح لهم أنّها زهرتي التي يقتلني أن تضحك للأصيل ،و أنّها حمامتي البيضاء؟
    و نظرت إلى جرابي ..إنّ به مملكة عسل سطوت عليها من الجبل الميّت منذ عصور.ركضت ..يا كم ركضت ،و لم أنتبه إلاّ و أنا أقتحم القصر.و لو أنّ الحارس الضّخم لم يمنعني من الدّخول و يحبسني في القبو ريثما تنتهي المراسم ،لوقفت أمامهما من بعيد و لحدّقت فيهما جيّدا و لرحلت بسلام : كي أخسر و حسب كان عليه أن يضمّها بعينيه كما يليق بنجمة،و كي أستمر في الخسارة أبدا كان عليه أن يُجلسها إلى جانبه كلطخة أو كوجبة أو كرحلة صيد أو كعروس من خرق و أزرار و خيوط..
    بعد أيام سمحوا لي بالذّهاب ،كان جرابي يتدلّى بعد على كتفي كحكاية هزليّة..صفعني مالك البيت و صفعني الفتى المدلّل الذي يعرفه الجميع و قال: ماذا بداخل هذه القذارة؟
    قلت :عسل و شهد..
    أدخلني إلى بهو فسيح يطلّ على حديقة ليس بها زهور ،فوق السّور أسلاك شائكة لولبيّة و جديدة و تذكّرت ما قاله أبي حين اضطرّ لبيع البقرة السّوداء لأمر أجهله إلى الآن :أخاف الله و من بعده الذين لا يضطرّون لتعمير استمارة للحصول على أسلاك العساكر..و أشار الفتى بيده إلى أحد رجاله؛كنت في الأثناء أجول ببصري في كلّ الاتّجاهات لعلّي ألمحها.
    بعد برهة جاءه الرّجل الغليظ بقفص بداخله فأر أبيض.فهمت أنّي سأخضع إلى درس في التّربية .وضعه فوق رخامة و انصرف.فتح الفتى بابه الصّغير و قال بقسوة :هيّا أطعمه..
    و أطعمته..و كنت أطعمه نجمة و أسقيه دمها.
    كان الفأر يأكل شهد العسل بشراهة و الفتى يقول: حمامتي البيضاء ..لم أكن أدرك أنّك تحبّين أكل الأوساخ بهذا الشّكل..
    ثمّ أُلقي بي خارج القصر.
    يا كم هو مريع أن تُنفى ما بقي لك من عمر إلى لحظة هباب كتلك التي تبدأ فيها الثّمالة بالزّوال.
    و خمّنت أنّها تبكي في ركن ما من ذاك البيت الفسيح بعدما أشار الأمير لأمّه بأنّه انتهى منها و أنّ بوسعها أن تمزّقها.تخيّلتها في المطبخ تطهو له أرانبه البريّة ليسكر بها مع أصحابه،و تخيّلتني إلى جانبها أمسح العرق على جبينها و أخطّط معها للهروب من السّور الخلفيّ إلى مكان مجهول لا نعرف فيه أحدا و لا أحد يعرفنا فيه..لم أكن أدر أنّها سبقتني إلى الحيّ و أنّي قضيت في القصر مدّة أطول منها.
    لمّا سمع أبي عواء الباب ،التفت و أطرق بسرعة،كانت الشّمس حارّة و كان يجلس فوق حجره المعتاد تحتها يدخّن.كان عليه أن يبيع الحليب بنفسه لذلك هو غاضب.
    هويت لأقبّل رأسه فتنحّى عنّي .دلفت إلى الدّاخل و استلقيت على ظهري و جاءني صوته عاتبا حدّ الوجع:
    - ..أريد رجلا إذا وعد بقتلي غدا،لا يكتفي في الغد بصفعي..
    و روت لي أختي أنّ نجمة عادت إلى بيت والدها دون حقيبة.و سرت في أوصالي رعدة شرّيرة و لذيذة،و فكّرت بأنّي سأخسر و حسب لو ثبت لي أنّ أهلها غصبوها على الزّواج بالولد المدلّل الذي يعرفه الجميع،و أنّي سأسكن ما بقي لي من عمر داخل لحظة أنا فيها جاموسة يأكل الضّبع صغيرها و هي ترقب،لو ثبت لي أنّها مالت إليه.
    و ظلّ أبي ينثر أسفه على خيبتي في كلّ زاوية من الدّار جيئة و ذهابا و لم أجد ما أقول..كيف أشرح لأبي أنّ النّجمة يجب أن يقال لها أنت نجمة و أنّنا نراك ليل نهار؟
    يوما ما سأخطف نجمة و سأهمس لها : أنتِ نجمة..



    محمد فطومي
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25791

    #2
    مالك محمد صعبت الأمر عليّ هذه المرة
    و حولت رأسي إلى عش من الدبايير
    و كل هذا و أنا مازلت ألهث خلف نجمة
    نجمة سبية .. كان حليبا يوما ثم شهدا
    و خلية نحل .. !

    سوف أعاود القراءة عل تلك الظلمة تنجلي
    و أكون فى حضرة الشيخ
    نتابع معا
    و لن ننتظر من وعدني بالموت ثم اكتفي بالصفع !


    لا بد من الركض إلى هنا ومعاودة الرؤية
    sigpic

    تعليق

    • ريما ريماوي
      عضو الملتقى
      • 07-05-2011
      • 8501

      #3
      نعم الأستاذ محمد لا يكتب أي كلمة اعتباطا,
      إلاّ كي تؤدي معنى عميقا, وإن شاء الله يتجاسر
      ويبوح لنجمته عما يحس نحوها ويعود ويعلّيها بالسماء
      بعد أن كسر الدلوع الحقير روحها, وتستحق هذا الشهد
      الذي جمعه لها رغم ما تعرض له من عقص وقرص,
      وسجن واهانة.

      يسلموا الأيادي أستاذي الكبير محمد,
      قصصك ما هي الا دروس وعبر لنا,
      الله يسعدك ويوفقك ويحفظك.
      مودتي وتقديري, تحياتي.


      أنين ناي
      يبث الحنين لأصله
      غصن مورّق صغير.

      تعليق

      • جمال عمران
        رئيس ملتقى العامي
        • 30-06-2010
        • 5363

        #4
        الاستاذ محمد فطومى
        هل طافت قصتك بنا بين الأمل واليأس..؟؟ نعم..
        هل اوضحت لنا أن الفروق بين الناس ستظل للأبد تلك اللعنه المُحطِمَة ؟؟نعم
        أرى أنه حلم يتأرجح بين الواقع المرير ..والحلم البعيد المنال..
        شكرا لك ..
        التعديل الأخير تم بواسطة جمال عمران; الساعة 31-07-2011, 15:55.
        *** المال يستر رذيلة الأغنياء، والفقر يغطي فضيلة الفقراء ***

        تعليق

        • منيره الفهري
          مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
          • 21-12-2010
          • 9870

          #5
          كان لي شرف قراءة هذه الرائعة...وددت لو أن القصة كانت أطول لأني انتظر الكثير ممن يقدرون ما معنى ان تكون نجمة نجمة

          جميلة جدا كلماتك و ايحاءاتك أستاذي الكبير محمد فطومي

          قرأت لك الكثير و هذه رائعة من روائعك سيدي


          شكرا لهذا الجمال

          تعليق

          • عبدالمنعم حسن محمود
            أديب وكاتب
            • 30-06-2010
            • 299

            #6

            ماذا حدث بعد ذلك ..؟
            سؤال كهذا لا يتجرأ ويطرق باب متلقي نصوص م فطومي البتة ..!
            وإذا داهمه في مكان آخر فعليه أن يدرك بأنه أمام حكاية وليس بنص قصصي ..
            و فطومي لا يمتهن الحكايات ..
            ولا مفر من السؤال (لماذا) ..
            (فلماذا) هذه لا تطل برأسها الرفيع إلا عندما تكون

            أمام نص ذو حبكة نصية متماسكة متسقة

            وذات سرد غير سببي مطرد ومشوق ويعقد في خاصرة الحواس حبلا من حب الاستطلاع ..
            صادم هو ومباغت هذا الكاتب ..

            بين الكلمة والكلمة يفاجئك بانزياح غير متوقع وكأنه يمزح معك مزاحا محببا ..
            انسيابي في سرده وكأنه يدندن بلحن يحبه أصطاده في لحظة صفاء شاردة ..
            غير تقليدي في مجمل تداعياته ..
            لماذا هو كذلك ..؟
            لأن النص لديه يتأزم منذ البدايات ..
            كل كلمة داخل نسيج القص تحمل ذروتها .. ذروة الصراع والتوتر ..
            في كل انزياح تعبيري يكتبه ذروة كامنة ..
            لا يترك نصه انطباعا واحدا وإنما مجموعة تأثيرات متشابكة ومتحركة في كل الجهات ..
            الحياة داخل نصه ليست مكونة من مجموعة أحداث نظمت بعناية ..
            لا يقدم عاطفة مضللة في تعريته لواقع أشبه بالفضيحة ..
            يستأصل البدايات والنهايات في قصته ..
            الحقيقة الوحيدة في نصوصه هي الحياة ولا غير الحياة ..
            حرفي ماهر وفق أدواته (التكرار، التوازي، والتداخل) ..
            بحيث عادة ما يجعلنا نرى جانبا معروفا بطريقة غير معروفة

            وفق رؤى متضاربة ومغايرة تريق ظلالا من الشك أكثر مما تسعى لتثبيته تاركا مهام التحري لمتلقيه ..
            يجيد لعبة التزامن .. تزامن عناصر المتن

            يبعثرها وفق زمن خاص جيئة وذهابا بسيولة وتلقائية ..
            كل تلك الأشياء مجتمعة وأكثر يحفل بها هذا النص .. نص نجمة ..
            كم تروق لي هذه المخيلة يا صديقي
            مع إعجابي الشديد
            التواصل الإنساني
            جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


            تعليق

            • آسيا رحاحليه
              أديب وكاتب
              • 08-09-2009
              • 7182

              #7
              أول ما قرأت العنوان تذكرت رواية نجمة للروائي الجزائري الكبير كاتب ياسين و التي كتبها بفرنسية أدهشت الفرنسيين أنفسهم ..
              و قرأت النص فبدا لي أن نجمة و الشهد و القصر و الأمير كلها رموز وضّفها القدير محمد فطومي ليحكي لنا قصة أعمق وأعظم..
              أحتاج أيضا لقراءة أخرى للسطور و لما وراء السطور..
              تحية و تقدير.
              يظن الناس بي خيرا و إنّي
              لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

              تعليق

              • محمد فطومي
                رئيس ملتقى فرعي
                • 05-06-2010
                • 2433

                #8
                كم مرّة عليها أن تغدو الغيلان و المضايقات و الصّروف و حجر النّرد و تروح فوق الجرح المبتلّ،كي نكتب وثيقة واحدة تكفي لاختزال الحكاية؟
                أتراني نجحت ؟
                أتراني قلت بهذا النصّ للنّجمة أنت نجمة،و ماذا يفيد ؟،إّن الاستمرار في خسارة ما كشاشة توقّفت على لقطة بشعة ،لا يروى بسهولة.
                أخي الحبيب ربيع،هزّني فرح ككلّ مرّة أجدك فيها تتلقّفني بكلماتك الخبيرة العذبة.
                مدوّنة

                فلكُ القصّة القصيرة

                تعليق

                • فاطمة يوسف عبد الرحيم
                  أديب وكاتب
                  • 03-02-2011
                  • 413

                  #9
                  لأستاذ فطومي
                  تحية وبعد
                  سرد غرائبي مشوق يجذبك بخيوط من عسل النحل ،رمزية عالية ترمي فكرك ضمن عقد متينة السبك ،
                  العاطفة بوحها صادق يتناغم بين حزن وفرح ، الحقيقة أربكتنا في متاهة نص مبدع ، لكن....رمضان كريم وتقبّل الله طاعاتكم

                  تعليق

                  • محمد فطومي
                    رئيس ملتقى فرعي
                    • 05-06-2010
                    • 2433

                    #10
                    يخسر و حسب لو أنّ الفتى الذي لا يحقّ له أن يلتقط دبّوسا ملقى على الأرض سقط من شعر نجمة،ضمّها بعينيه كما يليق بنجمة.
                    و أشفق عليه من خاطرة أنّها بين أغراضه كاملة بكلّ تفاصيلها،واحدة من سخافاته التي تنتهي.
                    يسرّني دائما مرورك الودود و تناولك النقيّ لما يُعرض و تكتبين.
                    مودّتي أختي ريما.

                    مدوّنة

                    فلكُ القصّة القصيرة

                    تعليق

                    • سالم وريوش الحميد
                      مستشار أدبي
                      • 01-07-2011
                      • 1173

                      #11
                      الاستاذ الفاضل محمد فطومي

                      ليت اني احمل هذا الشهد حتى وإن غزتني ممالك نحل ، وليت ان تلك النجمة تشفع لي عندك كي استعير بعض من سحر الكلام من هذا العبق الذي يفوح به قلمك
                      تغور الصورة في المجهول ثم تتجلى شيئا فشيئا حتى تظن انك وصلت الى مايروم اليه (الاستاذ محمد )في اقصوصته ولكنك تركن من جديد الى الحيرة ، صراع بين الرغبة والواقع ، بين الحقيقة والخيال ، بين الاستهانه بجهد الاخرين وماتحمله البطل من اذى للحصول على الشهد( والذي يكون قذارة بالنسبة للمدلل) حيث تتغير المفاهيم الفأر يصبح حمامه والشهد قذارة انه تصويرفي غاية الدقه للصراع بين الطبقات ، صراع الذات مع الذات بين من يروم النجوم وبين القبول ولو بنظره ذليله ( ..أريد رجلا إذا وعد بقتلي غدا،لا يكتفي في الغد بصفعي.) اي ان لايقبل الانسان بالحلول الجزئيه والسهله اذا مارام شيئا عظيما ، ان الابداع في كتابه هذه القصه هو انه جعل القارئ يمتلك اكثر من رؤيا للحدث واعطاء تفكيره مساحة كبيره من الاحتمالات ، بحيث لاتجعله يجذب انفاسه الابعد ان يجهز على اخر حرف فيها ليبدأ رحلة الفلاش باك يستعيد فيها تفاصيل القصة ويعيش لحظة ذهول لبضع دقائق حتى يفيق ، سلمت ايديكم استاذ نا الفاضل ... اولا على هذا الموقع الرائع الذي امني نفسي ان اكون واحد من اقلامه حتى وإن كنت في الصف الاخير من رهطه .. و ثانيا على هذا الفن الراقي .... وشكرا
                      التعديل الأخير تم بواسطة سالم وريوش الحميد; الساعة 01-08-2011, 21:01.
                      على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
                      جون كنيدي

                      الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

                      تعليق

                      • ربيع عقب الباب
                        مستشار أدبي
                        طائر النورس
                        • 29-07-2008
                        • 25791

                        #12
                        نجمة


                        لأجل أن تتلألأ عيناها و يزداد شعرها طولا و يفرح جذعها و يستعر فكري لحظة من الدّهر ،سرقت خليّة النّحل..الدّرب وعرة و الجبل ميّت منذ عصور..و لأنّها زهرتي التي يقتلني أن تضحك للأصيل ،سطوت على شهد الخليّة.
                        سطوت على شهد الخلية لأجلي و أجلها ، لكي تتلألأ عيناها و وتطول جدائل شعرها و تمتد ، لترتمي على كل الوادي ، بما يحمل و يسكن ، و تكون الفرحة مؤكدة لجذعها الذى منه تكون حياة الفروع و الأوراق و الشعر الذى يمتد ، و لكي يستعرو يلتهب فكري للحظة ، بعد تبلد و ركود .. و هناك ندخل فى مشهدية الزمان و المكان ( الدرب وعرة و الجبل ميت منذ عصور ) هكذا . و من خلال تلك المقدمة أو البداية ، قد لا نرى امتدادا لها بقدر ، ما نري حدود ما تم خلال رحلته التى قطعها عن قصد و عمد ؛ لأنها زهرته التى يقتله أن تضحك للهباء و الزيف المقنع ، الذى أمقته ، و أمقت وجودها فيه ، لذلك سطوت على شهد الخلية !

                        و حالة السطو على الخلية ، و شهدها ، لم تكن حالة لصوصية عادية ، إنه اقتراب من الشهد ، الزاد ، الذى سوف يكون فى حوزته دافعا خلال الرحلة .. و الخلية نحلها لاسع و لاذع ، لكنه فى ذات الوقت ينمي فيه ملامح أخري ، ملامح لم يعهدها بنفسه من قبل ، انها ذاك النحت الذى يظهر جليا على الجبهة و العينين ، و أيضا الروح ، كأنها دم جديد يتفجر فى الشرايين
                        كما اختبأ بتلك الملامح كي لا يفزعها أو يعذبها رؤيته ، و هنا حالة من قمع الهوى ، و كم فعل .. وكم مشى .. حد التعب و الموت ليظل يرفعها نجمة ، و ليس هذا فحسب ، بل ليظل يردد معها و فى حضورها أنت نجمة .. ربما هنا الأعلان كان أعلي من قمر فى السماء أو راية ترفرف فى وطن !

                        يومها لم أجدها تحت شجر الدرّاق العاقر تستظل و تسامر صاحباتها كما اعتادت.كنت أمسك بجرابي باليد و باليد الأخرى أحاول أن أستر وجهي .
                        أستر الوجه هنا كان حياء أم إحساسا بالتقصير و خيبة الأمل ؟
                        سوف نتساءل بلا شك .. أين ذهبت ، و كيف اختفت ؟
                        لا يحقّ لي أن أسأل عنها،لذا سألت عن أمّها.
                        كيف لا يحق له أن يسأل عنها ، أخانه التعبير ، أم خانه الوقت ، ربما خانه الوقت فعلا ، و هنا أجد ثمة انفصال ، و ربما إهمال منه لها .. و إحساسه بأنه غريب عنها ، و لا يحق له السؤال ، و إن كان هذا مبعثا على تحجيم الرؤية ، و كسر الحالة الأكبر مساحة ورقعة !

                        أبيع الحليب و الجميع يعرفني.
                        كان رد الأم حين سأل .. أى ليست نكرة فى ذاك المكان ، تبيع
                        الحليب ، و الحليب ينفتح فى دلالات متعددة و متشعبة ، فلا يعنى أنه اللبن بالمعنى المفهوم
                        قالوا: فاطمة اليوم تزوّج ابنتها من الفتى المدلّل الذي يعرفه الجميع..راحت أيّام الحليب يا مسكين..الدّنيا ابتسمت لهم و سيأكلون الشّهد منذ اليوم.
                        و كان قد سطا على شهد الخلية .. و بين شهد و شهد مسافات
                        و أعمار و طريق طويل .. فأي شهد سوف يأكلون ؟ و هو حامل الشهد من نبع الخلية ، وكم تحمل لأجل أن يكون لها و له !
                        كيف أشرح لهم أنّها زهرتي التي يقتلني أن تضحك للأصيل ،و أنّها حمامتي البيضاء؟
                        و نعود إلى حالة من الفقد ، يحس لوعته ، ونستشعره معه ، بعد أن تم زفافها على الولد المدلل ، ليرى ثانية ربما من باب التأكيد ما تعني له ، و كأنه لا يفعل ، بل يرصد ، حالة تمتد ، و تأخذ من حياتها الجديدة ، وهي ماتزال تضحك للاصيل ، هذا اللحن الثابت البليد ، الخالي من الريح أو الزوابع ، ليس غير بلادة و ثبوت و ارتخاء .. تلك حمامته البيضاء ، و كأني هنا مع البيضاء أبصر غصن الزيتون و الأرض الوطن !
                        و نظرت إلى جرابي ..إنّ به مملكة عسل سطوت عليها من الجبل الميّت منذ عصور.ركضت ..يا كم ركضت ،و لم أنتبه إلاّ و أنا أقتحم القصر.و لو أنّ الحارس الضّخم لم يمنعني من الدّخول و يحبسني في القبو ريثما تنتهي المراسم ،لوقفت أمامهما من بعيد و لحدّقت فيهما جيّدا و لرحلت بسلام : كي أخسر و حسب كان عليه أن يضمّها بعينيه كما يليق بنجمة،و كي أستمر في الخسارة أبدا الله ياسيدي .. كان الكشف عن نجمته و حمامته البيضاء
                        و كان سعيه إليها ، ومعه جرابه الملآن بالشهد ، و الجراب لايحمل الشهد فالشهد للقوارير ، لكنه شهد الفكر و الحب و الجسارة ، الذى اقتحم به القصر بعد تعب ومشقة و كبد لا أول له و لا آخر ، و لكنه لا يتوقف ، فليس الأمر رهينا بمكسب أو خسارة ، لكنه حين رأها كان عليه أن يُجلسها إلى جانبه كلطخة أو كوجبة أو كرحلة صيد أو كعروس من خرق و أزرار و خيوط..
                        كان يخسر .. و لكن أى شىء يخسر ؟
                        المهم ألا يخسر نفسه ، و الشهد الذى يحمل .. لكنني هنا أرى الخسارة فيما لم يتحدث عنه ووضعه فى واحد ، فردا كان هو
                        الخسارة كانت ربما فى قوته و شساعة بأسه !

                        بعد أيام سمحوا لي بالذّهاب ،كان جرابي يتدلّى بعد على كتفي كحكاية هزليّة..و هنا أجد انهيارا ، و ربما مراجعة لما كان ، حيث عاد من الرحلة مثخنا بالجراحات ، الجراب يتدلي على كتفه كحكاية هزلية
                        صفعني مالك البيت و صفعني الفتى المدلّل الذي يعرفه الجميع و قال: ماذا بداخل هذه القذارة؟
                        قلت :عسل و شهد..
                        و عده لها ، عسله و شهده الذي نال من عمره و عمرها ، يوصم بالقذارة
                        و حين أجاب كان يقول ما بداخله شهد ؛ كأنه استنكار أو تأكيد أن الشهد ربما كان فى تلك القذارة التي وصمت من قبل مالك البيت و الفتى المدلل
                        أدخلني إلى بهو فسيح يطلّ على حديقة ليس بها زهور ،فوق السّور أسلاك شائكة لولبيّة و جديدة و تذكّرت ما قاله أبي حين اضطرّ لبيع البقرة السّوداء لأمر أجهله إلى الآن :أخاف الله و من بعده الذين لا يضطرّون لتعمير استمارة للحصول على أسلاك العساكر..و أشار الفتى بيده إلى أحد رجاله؛كنت في الأثناء أجول ببصري في كلّ الاتّجاهات لعلّي ألمحها.
                        هذه حدود الحكاية ، وهذا هو مسكن و محيا النجمة ، وها هو يري جيدا ما تعيش فيه ، و ما يحيط بها ، كحالة فكرية و حياتية ميتة ، ليس بها زهور !
                        و على عينيه كانت تخضع للتجربة تلو الأخرى ، بل أرغموه على أن يقدمها لتلك التجارب ، يقدمها و يسقيها دمها
                        بينما تلك التجارب الفأرية تأكل العسل و الشهد بشراهة
                        و الفتى المدلل يردد بقسوة عجيبة ، و ربما تهكم و سخرية :حمامتي البيضاء .. لم أكن أدرك أنك تحبين أكل الأوساخ بهذا الشكل !
                        تم استهلاكه بكل ما يحمل ، و ما يعنى ، على حجرهم و بين قبضة الفتى المدلل ، الذي كان رجلها .. يالقسوة الكلمات محمد ، و الرحلة ، و أنت تنظر إليها نظرة تأمل ، و تحاول فلسفتها بمقدرة عالية
                        يا كم هو مريع أن تُنفى ما بقي لك من عمر إلى لحظة هباب كتلك التي تبدأ فيها الثّمالة بالزّوال.
                        و تطرد الأحداث ، ما بين قمع و سخرية ، و صعود و هبوط ،
                        شقية و قاتلة ، و النجمة هناك فى ذاك الخراب ، ما بين صاحب البيت و الفتى المدلل
                        و ظلّ أبي ينثر أسفه على خيبتي في كلّ زاوية من الدّار جيئة و ذهابا و لم أجد ما أقول..كيف أشرح لأبي أنّ النّجمة يجب أن يقال لها أنت نجمة و أنّنا نراك ليل نهار؟
                        يوما ما سأخطف نجمة و سأهمس لها : أنتِ نجمة..

                        نعم سيدي لا بد أن يقال لها نجمة ، لأنها لن تكون إلا نجمة و حمامة بيضاء ، و كل شغله .. لها المجد .. لها المجد أبدا ، من أول القرى و حتى آخر حدود السماء
                        و مهما طالت الشقة ، و تمنعت علي
                        يوما ما سأخطف نجمة ، و سأهمس لها : أنت نجمة .. وكم أحبك .. حيتي كلك ، شهدي و عسلي و كل ما أملك !!

                        لست مع أخي الجميل ( عبد المنعم ) فى أن حالة القص ، حالة تفكيكية ، أجزاء تتناثر ، و تتلاقي .. بل أن الحدوتة إن جاز لي ، كانت متسلسلة و مترابطة الأجزاء منذ أول كلمة و حتى آخر لفظ بها ، و لم يكن بها ثمة ارتداد ، أو تناثر .. بل وحدة متماسكة متنامية ، تحكي قصة ينوء بها كتاب كبير !
                        التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 02-08-2011, 16:54.
                        sigpic

                        تعليق

                        • ربيع عقب الباب
                          مستشار أدبي
                          طائر النورس
                          • 29-07-2008
                          • 25791

                          #13
                          و روت لي أختي أنّ نجمة عادت إلى بيت والدها دون حقيبة.و سرت في أوصالي رعدة شرّيرة و لذيذة،و فكّرت بأنّي سأخسر و حسب لو ثبت لي أنّ أهلها غصبوها على الزّواج بالولد المدلّل الذي يعرفه الجميع،و أنّي سأسكن ما بقي لي من عمر داخل لحظة أنا فيها جاموسة يأكل الضّبع صغيرها و هي ترقب،لو ثبت لي أنّها مالت إليه.


                          و ظلّ أبي ينثر أسفه على خيبتي في كلّ زاوية من الدّار جيئة و ذهابا و لم أجد ما أقول..كيف أشرح لأبي أنّ النّجمة يجب أن يقال لها أنت نجمة و أنّنا نراك ليل نهار؟


                          يوما ما سأخطف نجمة و سأهمس لها : أنتِ نجمة..

                          و هل غابت ثورة الياسمين عن هذا الجزء من القصة ؟َ!



                          و فى هذا الجزء بالذات اختصرت الحديث


                          و قفزت عليه لما يحمل من كثير


                          قد أنوء به


                          و أفشل فى توضيح ملامحه !!



                          دمت محمد فطومي


                          أميرا هنا للقص الجميل
                          التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 02-08-2011, 17:07.
                          sigpic

                          تعليق

                          • محمد فطومي
                            رئيس ملتقى فرعي
                            • 05-06-2010
                            • 2433

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
                            نعم الأستاذ محمد لا يكتب أي كلمة اعتباطا,
                            إلاّ كي تؤدي معنى عميقا, وإن شاء الله يتجاسر
                            ويبوح لنجمته عما يحس نحوها ويعود ويعلّيها بالسماء
                            بعد أن كسر الدلوع الحقير روحها, وتستحق هذا الشهد
                            الذي جمعه لها رغم ما تعرض له من عقص وقرص,
                            وسجن واهانة.

                            يسلموا الأيادي أستاذي الكبير محمد,
                            قصصك ما هي الا دروس وعبر لنا,
                            الله يسعدك ويوفقك ويحفظك.
                            مودتي وتقديري, تحياتي.
                            أختي العزيزة بكلّ الحروف و الكلمات التي تؤدّي ،و لا نؤدّي ما تستوجبه لحظة وهن نتمنّى فيها أن نسكن أو أن نزيل شرنقة ما..
                            فكيف إذا جاوزناها إلى ما هو مشتّت و لاغ دون جدوى؟
                            إن هو إلاّ عراك مع الّلغة كي نقترب من حقيقة ما نحن بصدد خسرانه.فليتنا نفلح و لو في جزء بسيط.

                            دمت بخير أيتها المبدعة ،و شكرا للطفك اللامتناهي.
                            مدوّنة

                            فلكُ القصّة القصيرة

                            تعليق

                            • عبدالمنعم حسن محمود
                              أديب وكاتب
                              • 30-06-2010
                              • 299

                              #15
                              لست مع أخي الجميل ( عبد المنعم ) فى أن حالة القص ، حالة تفكيكية ، أجزاء تتناثر ، و تتلاقي .. بل أن الحدوتة إن جاز لي ، كانت متسلسلة و مترابطة الأجزاءمنذ أول كلمة و حتى آخر لفظ بها ، و لم يكن بها ثمة ارتداد ، أو تناثر .. بل وحدة متماسكة متنامية ، تحكي قصة ينوء بها كتاب كبير !
                              نعم أستاذي الكبير / ربيع
                              ما ذكرته أنا بأن حالة القص حالة تفكيكية أجزاء تتناثر وتتلاقى صحيح ، ولكن في نص م فطومي (غريمي .. أنا وأنت) وليس في هذا النص .. نص نجمة الذي ذكرت فيه بالحرف ..
                              فلماذا هذه .. لا تطل برأسها الرفيع إلا عندما تكون
                              أمام نص ذو حبكة نصية متماسكة متسقة

                              راجعت الأمر أكثر من مرة وعرفت بأن هناك تداخلا .. ولا بأس في ذلك
                              مع تقديري واحترامي.
                              التواصل الإنساني
                              جسرٌ من فراغ .. إذا غادره الصدق


                              تعليق

                              يعمل...
                              X