نجمة
لأجل أن تتلألأ عيناها و يزداد شعرها طولا و يفرح جذعها و يستعر فكري لحظة من الدّهر ،سرقت خليّة النّحل..الدّرب وعرة و الجبل ميّت منذ عصور..و لأنّها زهرتي التي يقتلني أن تضحك للأصيل ،سطوت على شهد الخليّة.
لسعني نحل كثير.بلا ريب ستتبدّل ملامحي بعد قليل،و حدّثت نفسي بأن أسرع كي لا يروّعها منظري..يا كم مشيت..
لا شيء في خاطري سوى أن أقول للنّجمة أنت نجمة و أنّي أراك ليل نهار.هذا كلّ شيء.
يومها لم أجدها تحت شجر الدرّاق العاقر تستظل و تسامر صاحباتها كما اعتادت.كنت أمسك بجرابي باليد و باليد الأخرى أحاول أن أستر وجهي .
لا يحقّ لي أن أسأل عنها،لذا سألت عن أمّها.
أبيع الحليب و الجميع يعرفني.
قالوا: فاطمة اليوم تزوّج ابنتها من الفتى المدلّل الذي يعرفه الجميع..راحت أيّام الحليب يا مسكين..الدّنيا ابتسمت لهم و سيأكلون الشّهد منذ اليوم.
كيف أشرح لهم أنّها زهرتي التي يقتلني أن تضحك للأصيل ،و أنّها حمامتي البيضاء؟
و نظرت إلى جرابي ..إنّ به مملكة عسل سطوت عليها من الجبل الميّت منذ عصور.ركضت ..يا كم ركضت ،و لم أنتبه إلاّ و أنا أقتحم القصر.و لو أنّ الحارس الضّخم لم يمنعني من الدّخول و يحبسني في القبو ريثما تنتهي المراسم ،لوقفت أمامهما من بعيد و لحدّقت فيهما جيّدا و لرحلت بسلام : كي أخسر و حسب كان عليه أن يضمّها بعينيه كما يليق بنجمة،و كي أستمر في الخسارة أبدا كان عليه أن يُجلسها إلى جانبه كلطخة أو كوجبة أو كرحلة صيد أو كعروس من خرق و أزرار و خيوط..
بعد أيام سمحوا لي بالذّهاب ،كان جرابي يتدلّى بعد على كتفي كحكاية هزليّة..صفعني مالك البيت و صفعني الفتى المدلّل الذي يعرفه الجميع و قال: ماذا بداخل هذه القذارة؟
قلت :عسل و شهد..
أدخلني إلى بهو فسيح يطلّ على حديقة ليس بها زهور ،فوق السّور أسلاك شائكة لولبيّة و جديدة و تذكّرت ما قاله أبي حين اضطرّ لبيع البقرة السّوداء لأمر أجهله إلى الآن :أخاف الله و من بعده الذين لا يضطرّون لتعمير استمارة للحصول على أسلاك العساكر..و أشار الفتى بيده إلى أحد رجاله؛كنت في الأثناء أجول ببصري في كلّ الاتّجاهات لعلّي ألمحها.
بعد برهة جاءه الرّجل الغليظ بقفص بداخله فأر أبيض.فهمت أنّي سأخضع إلى درس في التّربية .وضعه فوق رخامة و انصرف.فتح الفتى بابه الصّغير و قال بقسوة :هيّا أطعمه..
و أطعمته..و كنت أطعمه نجمة و أسقيه دمها.
كان الفأر يأكل شهد العسل بشراهة و الفتى يقول: حمامتي البيضاء ..لم أكن أدرك أنّك تحبّين أكل الأوساخ بهذا الشّكل..
ثمّ أُلقي بي خارج القصر.
يا كم هو مريع أن تُنفى ما بقي لك من عمر إلى لحظة هباب كتلك التي تبدأ فيها الثّمالة بالزّوال.
و خمّنت أنّها تبكي في ركن ما من ذاك البيت الفسيح بعدما أشار الأمير لأمّه بأنّه انتهى منها و أنّ بوسعها أن تمزّقها.تخيّلتها في المطبخ تطهو له أرانبه البريّة ليسكر بها مع أصحابه،و تخيّلتني إلى جانبها أمسح العرق على جبينها و أخطّط معها للهروب من السّور الخلفيّ إلى مكان مجهول لا نعرف فيه أحدا و لا أحد يعرفنا فيه..لم أكن أدر أنّها سبقتني إلى الحيّ و أنّي قضيت في القصر مدّة أطول منها.
لمّا سمع أبي عواء الباب ،التفت و أطرق بسرعة،كانت الشّمس حارّة و كان يجلس فوق حجره المعتاد تحتها يدخّن.كان عليه أن يبيع الحليب بنفسه لذلك هو غاضب.
هويت لأقبّل رأسه فتنحّى عنّي .دلفت إلى الدّاخل و استلقيت على ظهري و جاءني صوته عاتبا حدّ الوجع:
- ..أريد رجلا إذا وعد بقتلي غدا،لا يكتفي في الغد بصفعي..
و روت لي أختي أنّ نجمة عادت إلى بيت والدها دون حقيبة.و سرت في أوصالي رعدة شرّيرة و لذيذة،و فكّرت بأنّي سأخسر و حسب لو ثبت لي أنّ أهلها غصبوها على الزّواج بالولد المدلّل الذي يعرفه الجميع،و أنّي سأسكن ما بقي لي من عمر داخل لحظة أنا فيها جاموسة يأكل الضّبع صغيرها و هي ترقب،لو ثبت لي أنّها مالت إليه.
و ظلّ أبي ينثر أسفه على خيبتي في كلّ زاوية من الدّار جيئة و ذهابا و لم أجد ما أقول..كيف أشرح لأبي أنّ النّجمة يجب أن يقال لها أنت نجمة و أنّنا نراك ليل نهار؟
يوما ما سأخطف نجمة و سأهمس لها : أنتِ نجمة..
محمد فطومي
تعليق