ماريو فارغاس يوسا
حرب نهاية العالم
(الرواية الحائزة على جائزة همنغوي)
ترجمة: أمجد حسين
إهداء المؤلف
إلى "يوكليدس داكونيا"
في العالم الآخر،
وفي هذا العالم
إلى "نيلذا ينيون"
مقدمة المترجم
هذه رواية مزلزلة، في ما تحتويه من أفكار وما تعرضه من مشاهد. ولسوف يخرج قارؤها (كما خرج مترجمها) مبلبل البال، محيَّراً، مستمتعاً، مستهجناً.... وحين يطوي صفحتها الأخيرة سيجد نفسه أمام السؤال الحتمي: وبعدُ؟
في الرواية صراع (وهل تكون رواية بغيره؟) بين معسكرين، قوتين، وقد يتبادر إلى الذهن أن الكاتب يمثل (أو يتبنى) أحد طرفي الصراع. ولكن مهارة "فارغاس يوسا" – أو إحدى مهاراته – تكمن في أسلوب الطرح الذي ينتهجه. إنك ما إن تنحاز إلى جانب، بفعل قوة الحجة أو دلالة التصرف أو التعاطف الوجداني، حتى ينتشلك الكاتب، بفعل العوامل عينها، ليحطك في صف الجانب الآخر.
وقد يتساءل متسائل يسعى إلى تبسيط الأمور: هل تحاول الرواية المواءمة بين الثورية الفوضوية (في أواخر القرن التاسع عشر) والتعصب الديني المنطوي، في جانب منه، على رفض الظلم؟ هل المواءمة جادة أم ساخرة؟ إن في الرواية عشرات القرائن على هذا ونقيضه في آن واحد.
إن "فارغاس يوسا" فنان في صنعته. فمع أن الرواية طويلة النفس، ملحمية (تذكر المرء بـ "الدون الهادئ" و "الحرب والسلام")، إلا أنه يظل ممسكاً بخيوطها الكثار المتشعبة إمساك اللاعب الحاذق المسيطر على المفردات كلها. ومن سمات هذه المهارة أنه يعمد إلى التعددية في خطوط السرد، ولكنها تعددية تخدم التنامي الدرامي للأحداث. ومنها أيضاً تطويع النحو (وبخاصة أزمان الأفعال) لخدمة هذا التنامي. وفي بعض المقاطع تتداخل خطوط السرد وتتداخل المشاهد من خلال استخدام أسلوب الاسترجاع (الفلاش باك) بحيث ينبغي على القارئ أن يشحذ انتباهه لكي يشخّص نقاط التقاطع.
"ماريو فاغارس يوسا" كاتب وأستاذ جامعي وسياسي من (بيرو)، ولد عام 1936 وكتب روايات عدة منها (الرؤساء) الحائزة على جائزة (ليوبولدو آلاس) عام 1959، و(المدينة والكلاب) الحائزة على جائزة (بيبليوتيكا بريبه) عام 1962 والتي أعيد طبعها أكثر من عشرين مرة وترجمت إلى عدد من اللغات، و(زمن البطل) و(المنزل الأخضر) و(حوار في الكاتدرائية) و(القبطان "بانتويا" والخدمة الخاصة) و(الحملان وقصص أخرى) و (العمة "خوليا" وكاتب السيناريو) و(الحياة الحقيقية لـ "أليخاندرو مايتا")، فضلاً عن روايته هذه (المترجمة إلى العربية لأول مرة) والحائزة على جائزة "همنغوي". عاش ردحاً من الزمن في باريس وبرشلونه (كما عاش فيهما "غاليليو غال" في الرواية) وأقام زمناً في كوبا صديقاً للرئيس فيدل كاسترو، ثم عاد إلى (بيرو) مشاركاً في الحياة السياسية ورشح نفسه عام 1990 لمنصب رئيس الجمهورية إلا أنه أخفق.
قفزت آراؤه السياسية من اليسار الكاستروي إلى يمين الاقتصاد الحر. ولكن.... أي يسار وأي يمين على خارطة اليوم؟ تُرى، هل تجيب (حرب نهاية العالم) عن هذا السؤال؟ أم سيخرج قارؤها – كما خرج مترجمها – محيّراً، متسائلاً: وبعدُ؟
أمجد حسين
(1)
الجزء الأول
كان الرجل طويلاً وجدَّ نحيف بحيث كان يبدو دائماً كأن الناظر إليه لا يرى سوى صورته الجانبية. كان نحيلاً قاتم الجلد عيناه تضطرمان بنارٍ أزلية. كان ينتعل خُفَّي رعاة، وكان الرداء الأرجواني الغامق الذي يتسربله يذكّر بأردية كهنة الإرساليات التبشيرية، أولئك الذين كانوا يترددون كثيراً على قرى الأراضي الخلفية ليعمّدوا حشوداً من الأطفال، ويزوّجوا رجالاً ونساءً متعايشين عيشة الأزواج. كان من المحال معرفة عمره وخلفيته وقصة حياته. لكنْ كان ثمة شيءٍ ما في مسلكه الهادئ وعاداته المقتَّرة ووقارة الرزين يجتذب الناس حتى قبل أن يعرض النصح عليهم.
كان من عاداته ان يظهر فجأة، بمفرده في البداية، راجلاً دوماً، يعلوه غبار الطريق، كل بضعة أسابيع معدودة، كل بضعة شهور معدودة. كانت الخطوط الخارجية لقامته المديدة تتبدى في ضوء الغسق أو الفجر حين يسير في شارع البلدة الوحيد بخطى واسعة وبشيءٍ من العجالة وسط مِعازٍ ذوات أجراس ترنّ، وسط كلاب وأطفال كانوا يفسحون له الطريق ويحملقون فيه بفضول، من دون أن بردّ على تحيات النسوة اللواتي كنّ يعرفنه من قبل واللواتي يومئن له بالتحية ويسارعن إلى جلب أباريق من حليب المعاز وأطباق المينهوت* والفول الأسود له. لكنه ما كان ليأكل أو يشرب حتى يبلغ كنيسة البلدة ويرى للمرة المئة انها متهدمة وأن طلاءها قد بهت وأبراجها لم تكتمل وجدرانها مليئة بالثقوب وأرضياتها منبعجة ومذابحها قد نخرها الدود. آنذاك تتبدّى نظرة حزينة على وجهه، ذاخرة بالأسى كله الذي يحمله مهاجر من (الشمال الشرقي) قتل الجفافُ أطفاله ودوابه ولم يتبقَ له شيء فتوجّب عليه إخلاء داره وعظام موتاه ليولّي الأدبار، هارباً إلى مكان ما لا يعرف أين يقع. احياناً كان يبكي، وآنذاك تضطرم النار السوداء في عينيه بومضات مخيفة، ويشرع في الصلاة فوراً. لكن ليس مثلما يصلّي آخرون وأخريات. كان يتمدّد على الأرض أو الصخور أو الآجر المنثلم، منكفئ الوجه قبالة المذبح أو موقعه الذي كان أو سيكون، ويتمدد هناك مصلّياً، في صمت أحياناً، أو بصوت عالٍ أحياناً أخرى، مدة ساعة أو ساعتين، وأهل البلدة يرقبونه باحترام وإعجاب. كان يتلو (دستور الإيمان)، و (أبانا) و (السلام عليك يا مريم) التي كان الجميع يعرفها، وكذلك صلوات أخرى لم يسمعها احد من قبل، لكن الناس حفظوها عن ظهر قلب شيئاً فشيئاً بمرور الأيام والشهور والسنين. أين راعي الابرشية؟ ذلكم السؤال الذي كانوا يتوقعون سماعه منه. لمَ لا يوجد قسيس للرعية هنا؟ وكلّما اكتشف عدم وجود قسيس في القرية اجتاح قلبَه حزنٌ مثل الحزن الذي يخيم على خرائب بيوت الله.
لم يكن يوافق على أن يأكل ويشرب شيئاً، وهو يكاد يكون عيّنةً حسب مما كان القرويون يسرعون إلى تقديمه له حتى في السنين العجاف، إلاّ بعد أن يستغفر (يسوع المبارك) عن الحال الذي آلتْ إليه داره على أيديهم. كان يميل إلى النوم في الداخل، حيث يعلو سقفٌ رأسه، في أحد المساكن التي يستضيفه فيها سكان الأراضي الخلفية. بيد أن أولئك الذين منحوه السكن نادراً ما رأوه يرتاح في الأرجوحة الشبكية أو السرير المؤقت أو الفراش الذي يوضع تحت تصرفه. كان يرجح الاضطجاع على الأرض، حتى من دون بطانية، فيخلد إلى النوم بضع ساعات، مسنداً رأسه ذا شعر القفا الأسود الجامح على إحدى الذراعين. ساعات نوم قليلة على الدوام. بحيث كان هو آخر من يأوي إلى الفراش ليلاً، ومع ذلك فحين كان رعاة البقر والأغنام، السابقون في النهوض، يتوجهون نحو الحقول كان يلمحونه وقد انهمك منذ مدّة قي تصليح جدران الكنيسة وسقفها.
كان يقدم مواعظه عند حلول الغسق، حين يكون الرجال قد عادوا من الحقول وتكون النسوة قد أكملن واجباتهن المنزلية ويكون الأطفال قد ناموا. كان يعظ في تلك المواضع الصخرية المفتوحة الجرداء التي تُرى في جميع قرى الأراضي الخلفية عند مفترقات الطرق الرئيسية، والتي كان يمكن تسميتها ميادين عامة لو كانت فيها مصاطب و مماشٍ مشجرة الجوانب وحدائق، أو لو كان قد أُبقي على تلك التي كانت موجودة والتي دمرها الجفاف والوباء والكسل شيئاً فشيئاً. كان يعظ في تلك الساعة التي تكون فيها سماء شمال البرازيل مستعرة وسط غيوم منعقدة بيضٍ أو رماديّة أو مزرقّة، قبل أن تمسي معتمة تماماً ومرصعة بالنجوم، فيكون هناك ما يشبه عرضاً فخماً من الألعاب النارية فوق الرؤوس، فوق العالم الفسيح. كان يعظ ساعة إيقاد النيران لطرد الحشرات وإعداد وجبة المساء، حين يصير الهواء المشبع بالبخار أقلّ مضايقة وتهبّ نسمة تجعل الناس أطيب مزاجاً لتحمّل المرض والجوع ومعاناة الحياة.
كان يتحدث عن أمور بسيطة ومهمة، من دون أن ينظر إلى أي شخص على وجه التحديد من بين أولئك الذين كانوا يتحلقون حوله، بل كان ينظر بعينيه المتوهجتين متجاوزاً حلقة الكهول والرجال والنساء والأطفال، إلى شيء ما أو شخص ما كان هو الوحيد الذي يستطيع أن يراه. أمور مفهومة لأنها كانت معروفة على نحو غامض منذ عهود سحيقة، أمور يتلقاها المرء مع حليب ثدي أمه. أشياء راهنة، ملموسة، يومية، حتمية، مثل نهاية العالم و(يوم القيامة) اللذين قد يحدثان تماماً قبل مضي الوقت الذي تستغرقه البلدة في إعادة إعمار الكنيسة الصغيرة ذات الأجنحة المتزعزعة. ما الذي سيحدث حين ينظر يسوع المبارك من علٍ إلى الحال المزرية التي تركوا فيها بيته؟ ما الذي سيقوله عن سلوك القساوسة الذين يفرغون جيوب الفقراء بدل مساعدتهم وذلك باستيفاء المال منهم لنصرة الدين؟ هل يمكن بيع كلمات الله؟ ألا يتوجب القاؤها من دون مقابل، من دون قصاصة السَّعر الملحقة بها؟ ما العذر الذي سيقدّمه للربّ القساوسةُ الذين يرتكبون الفحشاء بالرغم من نذرهم بالطهارة؟ هل يمكنهم اختلاق أكاذيب يمكن أن يصدقها ربّ يستطيع أن يقرأ أفكار الشخص بالسهولة التي يستطيع بها كشّافٌ اقتفاءَ الأثر الذي يتركه النمر المرقط الأمريكي؟ أمور عملية يومية، عادية، مثل الموت الذي يفضي إلى السعادة إذا أتاه المرء بفؤاد صافٍ جذل، كما يأتي عيد من الأعياد. هل الناس حيوانات؟ إنْ لم يكونوا كذلك ينبغي عليهم المرور عبر تلك الباب، مرتدين أحسن ملابسهم طراً دليلاً على إجلالهم له وهم على وشك لقيا الربّ. كان يتحدث إليهم عن الجنة، وعن جهنم كذلك، وعن مكان (الكلب الأكبر)* حيث المواطئ جمرُ فحمٍ متقد وموبوء بأقاعٍ ذوات أجراس، وكذلك عن كيفية تمكن الشيطان من إظهار نفسه بمبتكرات لا تؤذي في الظاهر.
كان رعاة البقر وكادحو الأراضي الخلفية يستمعون إليه في صمت، مبهورين، مرتاعين، متأثرين، ومثلهم كان يفعل العبيد والمعتوقون العاملون في مزارع قصب السكر الكائنة على شاطئ البحر، وكذلك جميع الزوجات والأمهات والآباء والأطفال. وبين الحين والحين كان أحدهم يقاطعه – وإنْ ندر حدوثُ ذلك لأن رزانته، أو صوته الأجوف، أو حكمته كانت تخيفهم – سعياً وراء إزالة شك يراوده هل دنت نهاية العالم؟ هل يطول ذلك حتى العام 1900؟ فيجيب فوراً من دون حاجة إلى تأمل، وبثقة هادئة، وبتنبؤات ملغزة في الأغلب. في العام 1900 ستطفأ مصادر النور، وستنهمر الكواكب مدراراً. لكنْ ستسبق ذلك أشياء غير عادية. ثم يلي حديثَه صمتٌ يستطاع فيه سماع طقطقة النيران المكشوفة وطنين الحشرات التي يلتهما اللهب، بينما يجهد القرويون ذاكرتهم حيال الواقعة، مقطوعي الأنفاس، ليتأكدوا من تذكر المستقبل. في العام 1896 ستفرُّ أفواج من الناس لا حصر لها من ساحل البحر إلى الداخل، وسيستدير البحر والجاً الأراضي الخلفية وستستدير هذهِ والجةً البحر، وفي العام 1897 ستكسو الحشائش الصحراء ويختلط الرعاة بالقطعان، ومن ذلك التاريخ فصاعداً لن يكون هناك غير قطيع واحد وداعٍ واحد. وفي العام 1898 ستزداد القبعات حجماً وتصغر الرؤوس. وفي العام 1899 ستغدو الأنهار حمراً وسيدور كوكب جديد عبر الفضاء.
وعلى هذا صار الاستعداد لازماً. لابدّ من إعمار الكنيسة، وكذلك المقبرة، أهم منشأ بعد بيت الله لكونه المجاز المفضي إلى الجنة أو الجحيم، ولابد من تكريس الوقت الباقي إلى ما هو غاية في الأهمية: ألا وهو الروح. هل سيغادر الرجال أو النساء إلى العالم الثاني مرتدين التنورات والأثواب وقبعات اللباد ونعال الحبال وجميع تلك الملابس الفاخرة المصنوعة من الصوف والحرير التي لم يكن يعرفها المسيح المبارك قطّ؟
كانت نصيحته عملية، بسيطة. وحين كان الرجل يرحل كان الحديث يكثر عنه: إنه كان قديساً، إنه قد أتى المعجزات، إنه قد شاهد شجيرة العليقة وهي تحترق في الصحراء، كما فعل موسى، وإن صوتاً قد أفصح له عن اسم الله الذي لا ينطق. لقد نوقشت مواعظه على نطاق واسع. وهكذا، فقبل أن ينتهي أمر الإمبراطورية ويبدأ عهد الجمهورية، كان سكان (توكانو) و(سوري) و(امبارو) و (بومبال) قد سمعوا عن أحاديثه، وشرعت كنائس (بوم كوتسليو) و (جريموابو) و (ماساكارا) و(إنهامبوب) تنهض من خرائبها من شهر لآخر، ومن سنة لأخرى. وطبقاً لتعليماته، أقيمت جدرانٌ من لِبْن ومحاريب معقودة في مقابر (مونته سانتو) و(انترة ريوس) و(اباديا) و( باراكاو) واحتفل بالموت بطقوس جنائزية جليلة في (ايتاييكورو) و(كومبي) و(ناتوبا) و(موكامبو). وشهراً فشهراً، وسنة بعد سنة، عمرَّت مواعظه ليالي (الاغوانياس) و(اواوا) و(ياكوبينا) و(ايتابيانا) و(كامبوس) و(اتيابيانينيا) و(جيرو) و(رياخاو) و(لاغارتو) و(سيماو – داياس). لقد بدت تعليماته حسنة في عيون الجميع، وهكذا أخذ الرجل الذي كان يبدي مثل هذهِ النصيحة يُعْرَف بالمرشد في بلدة واحدة أولاّ، ثم في أخرى وأخيراً في جميع مدن الشمال على الرغم من حقيقة أن اسمه كان "انقونيو فيسنته" ولقبه "منسس ماسييل".
* *
ثمة مشبك خشبي يفصل بين النساجين وسائر مستخدمي صحيفة "جورنال دي نوتيسياس" (التي كان اسمها مكتوباً بحروف غوطية كبيرة فوق المدخل) عن الأشخاص الذين كانوا يفدون إلى مكاتبها لينشروا إعلاناً في صفحاتها أو يأتوا بخبرٍ ما. لا يوجد أكثر من أربعة أو خمسة مخبرين صحفيين ضمن منتسبي الصحيفة. أحدهم يراجع معلومات في خزانة إضبارات مثبتة داخل الجدار. وينهمك اثنان في حديث نشيط وقد نضوا عنهما سترتي بليتهما، لكن من دون خلع ياقتي قميصيهما المنشّاتين أو رباطيهما الفراشيَّي الشكل. ثمة تقويم على الجانب يري التاريخ – الجمعة 2 تشرين الثاني 1896. هناك أيضاً شخص آخر، شاب يافع ونحيل، ذو نظارة سميكة من النوع الذي يستعمله الذين يعانون من قصر البصر الحاد، جالس إلى منضدة، يكتب ببراعة ريشٍ، من دون أن يأبه بما هو جار حوله. في النهاية القصية للغرفة، يوجد مكتب رئيس التحرير، يتقدمه باب من زجاج. هناك رجل يرتدي الحافة الأمامية لقبعة وكُمَّيْن من السليلويد يخدم صفاً من الزبائن عند نضد الإعلانات المبَّوبة. لقد ناولته إحدى النساء إعلاناً تواً. يبلل أمينُ الصندوق سبابته ويعدّ الكلمات: حُقَنُ (جيفوني) الشرجية/ تشفي من السيلان والبواسير، ومرض (الزهور البيض) وجميع أمراض المجاري البولية/ تحضير السيدة أ.دي كارفاليو/ رقم 8، شارع ماركو الأول. ويُعْلِمُها بالسعر. تدفع السيدة المبلغ وتضع فضلة النقود في جيبها. وبينما تغادر النضد، يتقدم الشخص المنتظِر خلفها، ويتناول أمين الصندوق قطعة ورق. يرتدي هذا سترة (الفراك) السوداء التي تبلغ الركبتين وقبعة سوداء مستديرة يدل مظهرها على البلى، هناك خصلاتٌ حمر تغطي أذنيه. إنه رجل ممتلئ أقرب إلى الطول، متين الكيان، عريض المنكبين. يحصي أمين الصندوق الكلمات في الإعلان مجرياً إصبعه عبر الورقة ثم يعبس فجأةً ويرفع إحدى أصابعه ويدني النص من عينيه كما لو كان يخشى أن يكون قد اخطأ في قراءته. وأخيراً ينظر محتاراً إلى الزبون الواقف من دون حراك كأنه تمثال. تطرف عينا أمين الصندوق غير مرتاحتين، ثم يوْمئ إلى الرجل أن ينتظر. يمشي متثاقلاً عبر الغرفة، والورقة تتدلى من يده، وينقر بمفاصل سلامياته على الباب الزجاجي لمكتب رئيس التحرير ويدخل. يظهر ثانية بعد بضع ثوانٍ ويومئ للزبون أنْ ادخُلْ، ثم يقفل راجعاً إلى عمله. يعبر الرجل المرتدي بدلة سوداء المكتب الأمامي لجريدة (الجورنال دي نوتيسياس) وكعبا حذاءيه يرنّان كأنه قد انتعل حدوتي حصان. وإذ يلج المكتب الصغير الكائن في الخلف، المملوء بالصحف والنشرات الدورية والدعاية للحزب (التقدمي الجمهوري) مثل: (برازيل متحدة)، (وطن قوي)، يجد في انتظاره رجلاً ينظر إليه بفضول ودود، كما لو كان نوعاً ما من الحيوان النادر. الرجل مرتدٍ بدلةٍ رمادية وجزمة، وجالسٌ خلف المنضدة الوحيدة في الغرفة. إنه شاب أسود الشعر، ذو مظهر نشيط.
يقول: (أنا "ايبامينونداس غونثالفس"، محرر هذه الصحيفة وناشرها. ادخل) ينحني الرجل المرتدي سواداً انحناءة قليلة، ويرفع يده إلى قبعته، لكنه لا يخلعها ولا يقول كلمة. يسأل الناشر، ملوّحاً بالورقة الصغيرة: (تريد منا أن نطبع هذا أليس كذلك؟).
يومئ الرجل المرتدي سواداً. له لحية صغيرة حمراء بمثل لون شعره، وعينان نفاذتان، براقتان، زرقاوان. فمه العريض راسخ الموضع، ومنخراه المتوهجان يبدوان كأنهما يستنشقان هواء يفيض عن حاجة بدنه. يغمغم ببرتغالية كسِرة: (بشرط ألا تكلف أكثر من "ميلريسين". فذلك هو رأسمالي كله).
يجلس "ايبامينونداس" في موضعه كما لو كان غير متيقن مما إذا كان ينبغي عليه أن يضحك أو يغضب. يقف الرجل حيث هو ببساطة مراقباً إياه، وعليه سيماء الجد التام. يحلّ الناشر المشكلة برفع قطعة الورق قرب عينيه. يقرأ عالياً وببطء: "جميع محبي العدالة مدعوون لحضور تظاهرة عامة للتضامن مع مثالييَّ (كانودوس) وثوار العالم كافة، ستُعقد في (براكادي لبرداد)، في الرابع من تشرين الأول في الساعة السادسة بعد الظهر". ثم يقول: (هل لي أن أسأل من الداعي إلى عقد هذا الاجتماع؟). يجيب الرجل من فوره (أنا، في الوقت الحاضر. فإن أرادت صحيفة (جورنال دي نوتيسياس) أن تمد يد العون فذلك شيء رائع). (ينطق الكلمة الأخيرة باللغة الإنكليزية). يدمدم "ايبامينونداس" ضارباً المكتب بعنف: (أتعلم ما فعل أولئك القوم، هناك في "كانودوس"؟. إنهم يحتلون أرضاً لا تعود لهم، ويحيون حياة عابثة كالحيوانات) يجيب الرجل المرتدي سواداً، مؤكداً، بإيماءة راضية من رأسه: (شيئان يستحقان الإعجاب. ذلك هو السبب الذي جعلني أقرر إنفاق دراهمي على هذا الإعلان العام).
يلبث الناشر جالساً في صمت، برهة. يتنحنح قبل أن يعاود الكلام: (هل لي أن أسأل من أنت يا سيدي؟).
ومن دون تبجح أو مباهاة، وبقليل القليل من الوقار، يعّرف الرجل نفسه بهذهِ الكلمات: (مناضل في سبيل الحرية يا سيدي. هلاّ نشرت الإعلان؟).
يجيب "ايبامينونداس" وقد غدا سّيد الموقف: (مستحيل يا سّيد. إن السلطات في "باهيا" تنتظر حجة لا غير لتغلق صحيفتي. إنهم لا يزالون ملكيين بالرغم من تملقهم الجمهورية. أحسب أنك قد أدركت أننا أصحاب الصحيفة اليومية الجمهورية الصادقة الوحيدة في هذه الولاية كلها).
يضيف الناشر قائلاً وهو يناوله قطعة الورق ثانية: (أنصحك ألاّ تأخذ هذا الإعلان إلى صحيفة "دياريو دي باهيا". إنها تخص البارون "دي كانابرافا" مالك "كانودوس" الحق. سيكون مآلك السجن).
ومن دون كلمة وداع واحدة، يستدير الرجل المرتدي سواداً ويغادر المكتب، واضعاً الإعلان في جيبه، ثم يجتاز مكتب الصحيفة الخارجي من دون أن يلقي نظرة على أحد، مغادراً حتى بلا إيماءة من رأسه، ولوقع قدميه دويٌّ رنان، ويكتفي بإلقاء نظرة من زاوية عينه بمنظره الظليّ الكئيب وشعره الأحمر الناري على الصحفيين والعملاء الذين كانوا يقدمون إعلاناتهم المدفوعة الأجر. ينهض الصحفي الشاب ذو النظارة السميكة التي يستعملها ذوو النظر القصير جداً من مكتبه بعد أن تجاوزه هُذا، ويتوجه إلى مكتب رئيس التحرير وبيده صحيفة من الورق الأصفر، حيث يجلس "ايبامينونداس" وهو لا يزال يراقب كلّ حركة من حركات الغريب وهو يغادر المكان.
يقرأ عالياً وهو يقف في المدخل: (بأمر حاكم ولاية "باهيا"، فخامة السنيور "لويز فيانا" غادرت سرية من فوج المشاة التاسع بقيادة الملازم "بيرسي فريرا" "سلفادور" اليوم حيث انيطت بها مهمة انتزاع "كانودوس" من يد العصابات التي احتلت الولاية واسر زعيمها "انتونيو كونسليرو" السباستياني. على الصفحة الأولى أم في الداخل، سيدي؟).
يجيب رئيس التحرير: (لتُنَضَّد تحت بيانات النعي والقّداس) ثم يشير نحو الشارع حيث اختفى الرجل المرتدي سواداً قائلاً: (أتعرف من هو ذلك الشخص؟) يجيب الصحفي قصير البصر: ("غاليليوغال": اسكتلندي يتجول سائلاً الناس في "باهيا" إن كان من الممكن أن يتحسس رؤوسهم).
*
لقد ولد في (بومبال)، ابناً لصانع أحذية وخليلته – كانت الأخيرة كسيحة أنجبت على الرغم من عوقها ثلاثة صبيان قبله، ثم بنتاً صغيرة بعده عاشت متجاوزة الجفاف. لقد سمّوه "انتونيو"، ولو كان في الدنيا شيء اسمه المنطق، ما كان عليه إن يستمر في الحياة قطّ. ذلك أنه كان لا يزال طفلاً يزحف على الأربعة حين وقعت الكارثة التي دمرت المنطقة وقضت على المحاصيل والرجال والدواب. وبسبب الجفاف هاجر جميع سكان (بومبال) تقريباً إلى الشاطئ، لكن "تيبور جيودي موتا"، الذي لم يكن قد سافر في حياته التي امتدت نصف قرن مسافة تبعد أكثر من فرسخ عن تلك القرية التي لم تكن فيها قدمان لم ترتديا أحذية من صنع يديه، أعلن أنه غير تارك داره. وظل أميناً على قراره، ماكثاً هناك في (بومبال) مع أربعة وعشرين شخصاً في الأكثر. ذلك أنه حتى إرسالية الآباء (اللازاريين) هجرت المنطقة كلية.
حين شرع المهاجرون من (بومبال) في العودة بعد عام، متشجعين بالأنباء القائلة إن الأراضي المنخفضة قد غمرتها المياه ثانية وإن بالإمكان إعادة زرع الحبوب، كان "تيبور جيودي موتا" قد مات ووري التراب، وكذلك محظيته الكسيحة وأولادهما الكبار الثلاثة. كانوا يقتاتون على أيّ شيء يؤكل، وحين نفذ ذلك كلّه أخذوا يقتاتون على أي شيء أخضر، وأخيراً على أيّ شيء تستطيع الأسنان مضغه. لقد أكد قسيس الأبرشية "دوم كاسيميرو" الذي كان قد دفنهم الواحد بعد الآخر أنهم لم يموتوا جوعاً، بل غباءً وذلك بأكلهم الجلود الموجودة في حانوت الإسكافي، وشربهم مياه (لاغوا دو بوي) حيث تتوالد البعوض والأوبئة التي كانت حتى صغار المعز تتجنبها. توّلى "دوم كاسيميرو" إيواء "انتونيو" وأخته الصغيرة وإبقاءهما على قيد الحياة على حمية من الهواء والصلوات، وحين امتلأت بيوت القرية بالناس ثانية سعى ليجد مسكناً لهما.
آوت الصبيةَ الصغيرة عّرابُتها، فكانت هذه تصطحبها معها حين كانت تذهب إلى عملها في إحدى المقاطعات العائدة للبارون "دي كانا برافا". أما "انتونيو" الذي بلغ الخامسة من عمره آنذاك فقد تبناه صانع الأحذية الآخر في (بومبال" المعروف بالأعور – إذ فقدَ العين الأخرى في مشادة في أحد الشوارع – والذي كان قد تعلم صنعته في حانوت الإسكافي "تيبورجيو داموتا" واستورث عملاءه عند عودته إلى (بومبال). كان عكر المزاج، وطالما أسرف في معاقرة الخمرة فينبلج الفجر وهو مضطجع في الشارع في غيبوبة تفوح منه رائحة (براندي) قصب السكر الخام. كانت له زوجة فعلاً، وكان يشغّل "انتونيو" مثل دابة الحمل، كنساً وتنظيفاً ومناولةً المسامير والمقاصيص والسروج والجزم وجلب الجلود من المدبغة. كان ينيمه على جلود الحيوانات بجانب منضدة الشغل حيث كان الأعور يمضي وقته كلّه حين لم يكن يشرب مع رفقائه.
كان اليتيم. نحيلاً، مطيعاً، مجرد جلد وعظام، وذا عينين خجولتين تثيران عطف نساء (بومبال) اللواتي كن، كلما استطعن، يعطينه شيئاً ما ليأكله أو الملابس التي ضاقت على أجسام أولادهن. في أحد الأيام قصد جمعٌ منهن – نصف دزينة من النساء اللواتي كن يعرفن والدته الكسيحة ويقفن بجانبها يثرثرن في الكثير من مناسبات التعميد والتأييد والسهر على الموتى قبل دفنهم والزيجات – دكانَ الاسكافي الأعور لإرغامه على إرسال "انتونيو" إلى صفوف تعليم أصول الدين لإعداده للتناول الأول لقد أدخلن الرعب في نفسه بالقول إن الله سِعّده مسؤولاً لو أن الصبي مات من دون ذلك بحيث وافق على مضضٍ على السماح له بحضور الدروس في الإرسالية كل عصر قبل صلاة المغرب.
عند ذاك حدث شيء غير عادي في حياة الصبي. فبعد مدة قصيرة، ونتيجة للتغيرات التي حدثت في نفسه جراء مواعظ (اللازاريين)، شرع الناس يسمونه (الصغير المبارك). فقد أخذ يخرج من جلسات الوعظ وقد كفت عيناه عن التثّبت بما يحيط به، كأنهما قد تنقّا من الخبث. أشاع الأعور أنه طالما وجده راكعاً في ظلام الليل، باكياً متأسياً لآلام المسيح، وقد استغرقته هذهِ استغراقاً حتى انه – أي الأعور لم يكن ليستطيع إعادته إلى هذا العالم إلا بمرجحته وهزّه بين ذراعيه. وفي ليال أخرى كان يسمعه يتكلم في نومه باهتياج عن خيانة "يهودا" وتوبة "ماريا المجدلية" وعن تاج الشوك. وفي إحدى الليالي سمعه ينذر نفسه لطهارة أبويه، مثلما فعل القديس "فرانس دي سالن" وعمره ثمان سنوات.
لقد وجد "انتونيو" حرفة يتوجب تكريس حياته بكاملها لها، واستمر ينفذ بالانصياع كله جميع أوامر الأعور، لكنه كان يفعل ذلك وعيناه نصف مغلقتين، محركاً شفتيه على نحوٍ أدرك به الجميع أنه كان يصلي فعلاً وإنْ كان يكنس أو ينتقل متعجلاً داخل حانوت الاسكافي أو يمسك نعل الحذاء الذي كان الأعور يسمّره. لقد اقلق مسلك الصبي أباه بالتنشئة وأرعبه. فقد أقام (الصغير المبارك) تدريجياً في الزاوية التي كان ينام فيها محراباً ذا صور مطبوعة أعطيت له في الإرسالية وصليباً من خشب (الزيك ذيك) نحته وصبغه بيديه. كان يوقد شمعة قبالته كي يصلي عند نهوضه صباحاً وحين يأوي إلى الفراش ليلاً ويقضي وقت فراغه كله راكعاً أمامه شابكاً يديه ومبدياً الندم، بدلاً من التسكع في المراعي والذهاب لامتطاء الخيول الجامحة من دون سرج وصيد الحمام أو المشاهدة إخصاء الثيران كما يفعل صبية (بومبال) الآخرون. بعد التناول الأول، أصبح صبيَّ المحراب لـ"دوم كاسيميرو"، وحين توفي هذا، استمر في خدمة القداس للآباء (اللازاريين) في الإرسالية، ولو أنه كان يضطر إلى السير مسافة فرسخ يومياً ذهاباً وإياباً كي يفعل ذلك. كان يهز المبخرة في المواكب، ويساعد في تزيين المنصات المحمولة والمحاريب في نواصي الشوارع حيث كانت العذراء ويسوع المبارك يتوقفان للاستراحة. كان إخلاصه الديني عظيماً عظمة طيبة. كان مشهداً مألوفاً بالنسبة إلى أهالي (بومبال) رؤيته يخدم دليلاً لـ"ادولفو" البصير الذي كان يخرج به أحياناً إلى أراضي رعي المهور العائدة للعقيد "فريرا" حيث كان "ادولفو" قد اشتغل حتى أصيبت عيناه بالسُّدْ*، وهما اللتان يفتقدهما الآن بشدة كل يوم من أيام حياته. كان (الصغير المبارك) يأخذه من ذراعه ويقوده عبر الحقول، ماسكاً عصا بيده لينكش القاذورات اتقاءً للأفاعي، وهو ينصت إلى قصصه صابراًُ. كذلك كان "انتونيو" يجمع الطعام والكساء للأبرص "سيمياو" الذي كان يعيش كحيوان البراري منذ حرّم عليه القرويون الاقتراب من أي مكان قريب من (بومبال). كان (الصغير المبارك) يأتيه أسبوعياً بصُرّة من قطع صغيرة من الخبز والحم المقَدَّد ومختلف الحبوب التي كان قد استجداها من أجله. وكان القرويون يشددون الرقابة عليه من بعيد وهو يقود الرجل العجوز ذا الخصلات الطويلة والقدمين العاريتين والذي لم تكن تستره سوى جلدة حيوان صفراء، بينما كان يسلك سبيله بين الرحاب الصخرية على التل حيث يوجد كهنة. كان (الصغير المبارك)، حين رأى (المرشد) أول مرة، يبلغ من العمر أربع عشرة سنة. وكان قد عانى خيبة أمل فظيعة قبل بضعة أسابيع فقط فقد كان الأب "مواريس" الذي يعمل في الإرسالية (اللاناراية) قد ألقن بماء بارد على أعز أحلامه بإخباره أن ليس بمقدوره أن يكون قسيساً لأنه مولود خارج رباط الزوجية. إلا أنه واساه بأن أوضح له أن في مقدور المرء، مع ذلك، أن يخدم الله حتى دون تلقي الأسرار المقدسة، ووعده أن يتخذ كل ما يستطيع من خطوات لصالحه لدى أحد الاديرة (الكابوتشية) التي قد ترغب في إيوائه راهباً غير مرسوم. بكى (الصغير المبارك) في تلك الليلة منتحباً من الصميم إلى درجة أثارت غضب الأعور فضربه ضرباً مبرحاً لأول مرة منذ سنوات عدة. وبعد عشرين يوماً، ظهرت تحت شمس الظهيرة الوهاجة، وفي شارع (بومبال) الرئيس، قامة شخص نحيل، أسمر، ذي شعر أسود وعينين براقتين، يلفه رداء أرجواني غامق ويتبعه نصف دزينة من الناس الذين كانوا يبدون كالشحاذين وإن بانت السعادة على وجوههم. مضى موسعاً الخطى عبر المدينة متجهاً مباشرة صوب كنيسة اللبن الصغيرة العتيقة ذات الآجر السقفي الملتوي، والتي آلت إلى حالٍ مؤسف من الخراب عقب وفاة "دوم كاسيميرو" حتى أن الطيور بنت أعشاشها بين التماثيل. شاهد (الصغير المبارك)، مثل كثير من القرويين، ذلك الحاج يتمدد على الأرض منكفئ الوجه ليصلي فيقلّده أتباعه. وفي عصر ذلك اليوم سمعه يعظ حول خلاص الروح، ويذمّ الكفار ويتنبأ بالمستقبل.
لم ينم (الصغير المبارك) تلك الليلة في دكان الاسكافي، بل في ساحة (بومبال) العامة مع الحجاج الذين كانوا قد استلقوا على الأرض الجرداء متحلقين حول القديس. وفي الصباح التالي، وبعد الظهر، وفي كل يوم من أيام مكوث القديس في (مومبال) كان (الصغير المبارك) يعمل بجانبه وأتباعه، مصلّحاً قوائم المصاطب المتكسرة وظهورها في الكنيسة الصغيرة، مسوياً أرضيتها، ومقيماً جداراً حجرياً لإحاطة المقبرة التي كانت حتى ذلك الوقت لساناً من الأرض زاحفاً إلى الخارج داخل البلدة. كان يجلس القرفصاء على عقبيه قبالته في كل ليلة منصتاً في استغراق ذاهل إلى الحقائق الخارجة من بين شفتيه.
لكنْ حين استأذن "انتونيو"، (الصغير المبارك)، في الليلة قبل الأخيرة من مكوث (المرشد) في (بومبال) الأخير لمرافقته إلى أي مكان قد تقوده حجته إليه قالت أولاً عينا القديس الحادتان والثلجيتان في الوقت نفسه ثم فمه ثانياً: كلا. فأجهش (الصغير المبارك) بالبكاء بكاءً مراً، وهو راكع قبالة (المرشد). كان الوقت متأخراً جداً ليلاً، و(بومبال) مستغرقة في سبا عميق كما كان حال الحجاج المتلفعين بالخرق ومهلهل الثياب، والمتكدس بعضهم لصق بعض. لقد انطفأت المشاعل. لكن النجوم كانت تسطع متلألئة فوق الرؤوس وكان صوت حشرات الزيزان مسموعاً. أَذِنَ (المرشد) له بالبكاء وسمح له بتقبيل حاشية ردائه، ولم يتغير تعبيره حين تضّرع (الصغير المبارك) إليه ثانية أنْ يسمح له بأن يتبعه لأن فؤاده قد أنبأه أنه بذلك سيخدم المسيح المبارك على نحو أفضل. تشبث الصبي بكاحلي (المرشد) وقبّل قدميه المخشوشنتين مرات عدة. وحين رأى (المرشد) أن الصبي قد تعب وأنهك، تناول رأسه بين يديه وأرغمه على النظر إليه وسأله، موطئاً رأسه ومدنيه قرب رأسه، قائلاً بصوت رزين ما إذا كان يحب الله كثيراً إلى درجة الرضا. بمعاناة الألم، تقدمةً له وتضحية. أومأ (الصغير المبرك) مكرراً، أجل، أجل، أجل، مرات عدة. رفع (المرشد) رداءه، وتمكن الصبي من أن يرى في غبش الفجر الأول، أنه كان يسحب من حول خصره سلكاً مغروساً في لحمه. سمعه يقول: (إلبسه الآن). ساعد (المرشد) نفسه الصغير المبارك) في حلّ ملابسه وتوثيق السلك حول خصره بإحكام، وعقده.
وحين ظهر (المرشد) وأتباعه في (بومبال) ثانية، بعد سبعة أشهر تلفّهم سحابة الغبار – وكانت بعض الوجوه قد تبدّلت، وكثر عدد الأتباع وبينهم في هذه المرة شخص أسود ضخم عارٍ، لكن فقرهم والسعادة البادية في أعينهم كانا من سمات حجاج الماضي – كان السلك لا يزال يلف خصر (الصغير المبارك) وقد اسودّ لحمه وازرقّ ونُشِر نشراً نيئاً، ثم صار مغطى بقشور سود. لم يكن قد خلعه ولا يوماً واحداً. وبما إن السلك كان يتراخى أكثر فأكثر تدريجياً جراء حركة جسمه حسب، فقد تعوّد أن يحكم شدّه ثانية مرة بعد أخرى. كان الأب "مورايس" قد حاول أن يثنيه عن الاستمرار في ارتدائه، موضحاً أن قدراً محدداً من الألم الذي يتحمله الإنسان طواعية يسرّ الله منظراً، لكن تلك التضحية تحديداً قد تغدو، عند تجاوز حد محدود، لذة وبيلة يشجع عليها الشيطان، وأنه في خطر تجاوز ذلك الحدّ في أية لحظة الآن.
بيد أن "انتونيو" عصاه. ففي يوم عودة (المرشد) وأتباعه إلى (بومبال) كان (الصغير المبارك) في المتجر العام العائد لـ(كابوكلو) "اومبرتوسا لوستيانو)، فتوقف قلبه ميتاً في صدره، كما توقف نَفَسُهُ الداخل تواً إلى منخريه حين شاهد (المرشد) يجتازه على بعد أقل من ثلاثة أقدام منه يحيط به مريدوه وعشرات من سكان البلدة، رجالاً ونساءً دونما فرق، ويتجه إلى الكنيسة الصغيرة مباشرة، كما كان قد فعل من قبل. تبعه وشارك الجمع الصاخب الهائج وأخذ، وهو يتحسس قلبه إذ تتسارع نبضاته، ينصت من مسافة معقولة وهو مختف في مزدحم الناس. وفي تلك الليلة أنصت إليه يعظ في ضوء النار في الساحة العامة المزدحمة، وهو لما يزل يخشى التقرب أكثر. كانت (بومبال) كلها هناك هذه المرة الاستماع إليه.
كان الفجر قد أوشك أن ينبلج، وقد ذهب القرويون الذين كانوا قد صلّوا وأنشدوا وجلبوا أطفالهم المرضى إليه كي يطلب إلى الله أن يشفيهم وأنبأوه عن معاناتهم وأحزانهم وتساءلوا عما يخبئ لهم المستقبل، ذهبوا إلى بيوتهم جميعاً، آخر المطاف، وبعد أن تمدد الحواريون على الأرض ليناموا كما كانوا يفعلون على الدوام وهم يستخدمون بعضهم بعضاً وسائد وأغطية، إذ بـ(الصغير المبارك) يقدم وهو يخطو فوق الأجسام المرتدية خرقاً ومهلهل الثياب، في وضع الإجلال الكامل الذي كان يدنو فيه من مائدة العشاء الرباني. وصل إلى الصورة الظليّة للشخص الأسمر المرتدي الرداء الأرجواني الغامق وهو مستلق وقد أسند رأسه ذا الخصلات الطويلة إلى إحدى الذراعين، كانت الجمرات الأخيرة للنار قد أخذت تخبو. تفتحت عينا (المرشد)، وفيما كان (الصغير المبارك) يقترب دانياً – وكان يكرر ذلك دائماً لمستمعي قصته – إذا به يشاهد من فوره في تكلم العينين أن الرجل كان في انتظاره. ومن دون أن ينطق بكلمة واحدة – وما كان بوسعه أن يفعل ذلك – فتح قميصه الصوف الخشن وأراه السلك المشدود بإحكام حول خصره.
بعد النظر إليه بضع ثوان، أومأ (المرشد) من دون أن يطرف له جفن، فبانت على وجهه بسمة عابرة. كان ذلك – كما ظل (الصغير المبارك) يكرر القول مئات المرات في السنين التالية – بمنزلة رفعه إلى درجة الكهنوتية. أشار (المرشد) إلى فسحة صغيرة خالية على الأرض إلى جانبه بدت محجوزة له بين جميع الأبدان التي تزاحمت حوله. تكوّر الصبي هناك مدركاً، من دون حاجة إلى كلمات، أن (المرشد) قد عدّه حرّياً بأن يرحل معه ليقطع دروب هذه الأرض ويجاهد ضد الشيطان. أما الكلاب التي ظلت ساهرة في الخارج طوال الليل، وأوائل المستيقظين في (بومبال)، فقد سمعوا (الصغير المبارك) لا يزال يبكي طويلاً، من دون أن يرتابوا في أن ما سمعوه كان نشيج السعادة.
* * *
ما كان اسمه الحقيقي "غاليليوغال". كان في الحقيقة مناضلاً في سبيل الحرية أو، كما كان يصف نفسه، ثورياً ومختصاً بفراسة الجمجمة*. كان يتعقبه حُكْمان بالموت أينما ذهب، كما كان قد قضى خمساً من سنوات عمره الست والأربعين في السجن. كان قد ولد منتصف القرن، في بلدة في جنوب اسكتلنده حيث كان أبوه – يمارس الطب وقد حاول عبثاً تأسيس ناد للمخيَّرين الأحرار لينشروا أفكار "برودون" و"باكونين"**. وكما يترعرع الأطفال وهم يستمعون إلى قصص الجن والحوريات ترعرع وهو يسمع أن الملَكَية أصل الشرور الاجتماعية كلها وأن الفقراء لن يفلحوا في تحطيم قيود الاستغلال والظلامية كلها إلا باستخدام العنف.
كان أبوه حواريَّ رجلٍ كان يعدّه واحداً من أجلّ علماء زمانه: "فرانزجوزيف غال"، وهو عالم تشريح وفيزيائي ومؤسس علم فراسة الجماجم. فينما لم يكن هذا العلم بالنسبة إلى أتباع "غال" الآخرين سوى الاعتقاد بأن الفكر والغريزة والأحاسيس هي أعضاء متموضعة في القشرة الدماغية ويمكن تحسسها وقياسها، فإن هذا النظام كان بالنسبة لوالد "غاليليو" يعني موت الدين والتأسيسَ التجريبي لمذهب المادية والدليل على أن العقل لم يكن كما كان البعبعُ الفلسفي قد صوّره، شيئاً غير ملموس وغير قابل للوزن، بل بالعكس: إنه أحد أبعاد الجسم، مثل الحواس، ومن ثم فإنه قابل، مثلها للدراسة والمعالجة السريرية. ومنذ اللحظة التي بلغ فيها ولد الاسكتلندي سن الرشد، طبع هذا في ذهنه المبدأ البسيط الآتي: ستحرر الثورة المجتمع من محنه، في حين يحرر العلمُ الفردَ من معاناته. ولقد عقد "غاليليو" العزم على أن يكرس حياته للنضال في سبيل هاتين الغايتين.
ونظراً لأن أفكار والده المتطرفة قد جعلت الحياة صعبة بالنسبة إليه في اسكتلنده فأنه استقر في جنوب فرنسا، حيث أوقف منذ سنة 1868 لمساعدته عمال معامل الغزل في (بوردو) في أثناء أحد الإضرابات، وأرسل إلى (كايين) حيث توفي. وفي السنة التالية، سجن "غاليليو" بتهمة المساعدة في إضرام النار في إحدى الكنائس. كان القساوسة أكره الناس إليه، بعد الجنود والصيارفة. بيد أنه هرب بعد بضعة أشهر، وشرع يعمل مع طبيب كان صديقاً لأبيه. في ذلك الوقت تماماً غير اسمه إلى "غاليليوغال" بسبب معرفة الشرطة اسمَهُ جيداً وشرع ينشر خطرات سياسية صغيرة ومقالات في العلم الشعبي في صحيفة المدينة (ليون) اسمها (شرارة الثورة).
من الأمور التي كانت مبعث فخره حقيقة كونه قد ناضل من آذار إلى أيار من العام 1871 مع أعضاء (كوميونة) باريس من أجل حرية الإنسانية. وقد شاهد بأم عينه ذبح ثلاثين ألف رجل وامرأة وطفلة عل أيدي قوات "تيير". لقد حكم عليه بالموت هو الآخر، لكنه تمكن من الهرب من الثكنة العسكرية التي كان مسجوناً فيها قبل الإعدام، مرتدياً بزة عريفٍ سجان كان قد قتله. قصد (برشلونة) ومكث هناك سنوات عدة يدرس الطب ويمارس علم فراسة الجمجمة مع "ماريا نوكوبي"، العالم الذي كان يفاخر بمقدرته على كشف أكثر سمات الإنسان وميوله غموضاً بمجرد أن يجري أطراف أصابعه على رأسه مرة واحدة فقط. كان "غاليليوغال" قد اجتاز امتحاناته على ما بدا. وكان على وشك أن يتسلم شهادته الطبية حين دفعه من جديد عشقه للحرية والتقدم، أو خياره كمغامر، إلى النضال وحياة الحركة التي لا تسكن، فيهاجم وزمرةً من رفاقه الذين نذروا أنفسهم للفكرة مثله، ثكنة (مونتيويس) في إحدى الليالي ليثيروا العاصفة التي كان من شأنها أن تهزّ أركان أسبانيا كما كانوا يظنون. لكن شخصاً ما كان قد وشى بهم فاستقبلهم الجنود بوابل من الرصاص. رأى رفاقه يُصْرَعون واحداً إثر الآخر وهم يقاتلون. وحين أُسر أخيراً، كان مصاباً بجروح عدة. حكم عليه بالموت. ولكن، لما كان القانون الأسباني ينص على أن الجريح لا يجوز إعدامه بمخنقة الحديد، تقرر إشفاؤه قبل إعدامه. ثم ساعده أصدقاء ومتنفذون على الفرار من المستشفى وزودوه بأدوات مزيفة ووضعوه على متن إحدى سفن الشحن.
لقد سافر مجتازاً الكثير من الأقطار... قارات كاملة، وكان على الدوام مخلصاً لأفكار طفولته. كان قد تحسسّ جماجم صفراً وسوداً وحمراً وبيضاً، وتناوب في عكوفه على العمل السياسي والمساعي العلمية على وفق ظروف الآونة. وفي مراحل هذه الحياة كافة، حياة المغامرات والسجون وتبادل الكلمات، والجلسات السرية، والهروب، والنكسات كان يخربش دفاتر تؤيد وتغني بالأمثلة تعاليم أساتذته: والده، "برودون"، "غال" "باكونين"، "سبورتسهايم"، و"كوبي". لقد صفعوه في سجون تركيا ومصر والولايات المتحدة لهجومه على النظام الاجتماعي والدين. لكنه بفضل نجمه المحظوظ وهزئه بالمخاطر لم يمكث وراء القضبان طويلاً قطّ. في العام 1894 كان هو الضابط الطبيبَ في باخرة ألمانية تحطمت غير بعيد عن ساحل (باهيا). وما بقي منها ظل جانحاً على الساحل أبد الدهر قبالة (ساوبيدرو). كانت قد مضت ست سنوات فقط على إلغاء البرازيل نظام الرق، وخمس منذ انتهى عهد الإمبراطورية وغدت جمهورية. لقد فتنه خليط عروقها وثقافتها وفورانها الاجتماعي والسياسي وحقيقة كونها مجتمعاً تمازجت فيه على نحو حميم كل من أوربا وأفريقيا وشيء آخر لم يكن قد لقيه من قبل قط. قرر البقاء. لم يكن يستطيع مزاولة مهنة الطبيب لعدم حيازته على شهادة طبية، ولذلك كان يكسب رزقه، كما فعل في أماكن أخرى بإعطاء دروس في لغات مختلفة والقيام بأعمال متعددة إضافية. ومع أنه كان يجوب البلاد كلّها فانه كان دائم العودة إلى (سلفادور)، حيث كان يمكن العثور عليه في (لفرايا كاتلينا)، أو في أفياء نخيل (مرادور الحزين)، أو في حانات البحارة في أدنى المدينة، مبيناً لكل من يعقد محادثة معه أن جميع الفضائل متساوية لو كان العقلُ محورَ الحياة بدلاً من الإيمان، وأن الشيطان، الثائر الأول، وليس الربّ هو أمير الحرية الحق، وأنه ما إن يتم تدمير النظام القديم بالعمل الثوري، حتى يزدهر المجتمع الجديد، الحر والعادل، تلقائياً. ومع أنه كانت ثمة فئة تصغي إليه إلاّ أن الناس، عموماً، لم يكونوا على ما بدا ليأبهوا به كثيراً.
(2)
وقت الجفاف الكبير عام 1877، وفي اثناء أشهر المجاعة والأوبئة التي قضت على نصف رجال المنطقة ودوابها، لم يعد (المرشد) يسافر وحيداً، فقد كان يرافقه، أو بالأحرى يتبعه (كان نادراً ما يبدو شاعراً بالقافلة البشرية التي تتعقب اثره) – رجال ونساء تخلوا عن كل ما يملكون ليمضوا معه – بعضهم لأن وعظه كان قد هسَّ شغاف أرواحهم، وآخرون يدفعهم الفضول أو مجرد الاستمرارية. ظل بعضهم برفقته بعض الطريق، وبدا القليل جداً منهم مصمماً على ملازمته أبداً، مضى يتنقل على الرغم من الجفاف وعلى الرغم من أن الحقول قد انتثرت عليها رمم الماشية التي تنقر فيها النسور، وبالرغم من أن قرى شبه خالية كانت ترحب به.
إن حقيقة انحباس المطر كلياً طوال عام 1877، وجفاف الأنهر، وظهور مالا يقع تحت الحصر من قوافل المهاجرين في الأراضي الخفيضة الأشجار وهم يحملون سقط متاعهم المزري في عربات مغطاة بقماش القنّب أو على ظهورهم وهم يجوبون البراري بحثاً عن الماء والطعام، لم تكن أفظع شيء اتسم به ذلك العام الشنيع، على الأرجح. فان لم يكن الأمر كذلك فلعل الأفظع كان عصابات قطاع الطرق والأفاعي التي كانت تظهر فجأة في كل مكان من الأراضي الخلفية في الشمال. كان هناك على الدوام رجال يجيئون إلى المزارع ليسرقوا الماشية ويتبادلوا النيران مع الأزلام المأجورين لدى ملاك الأراضي، ولينهبوا القرى القصية. أولئك خارجون عن القانون كانت فرق من الشرطة السيّارة تتصيدهم عند قدومهم بين آن وآن إلى الأراضي الخلفية. بيد أن عصابات الخارجين عن القانون تكاثرت مع القحط تكاثر الأرغفة والأسماك في الإنجيل. كانوا يحطون، مفترسين: قتلةً، على البلدات التي سبق أن قضت النكبة على عشر سكانها، بغية السطو على آخر ما تبقى من طعام السكان وملابسهم ومتاع مساكنهم، ممطرين كل من يتجرأ على اعتراضهم بوابل الرصاص.
بيد انهم لم يمسّوا (المرشد) بسوء قط، سواء بالقول أو بالفعل. كانوا يلقونه في مسالك الصحراء أو وسط الصخور والصبّار أو تحت سماء ملبدة بالغيوم أو بين الشجار الخفيضة المتشابكة حيث ذبلت الشجيرات التحتية وبدأت جذوع الأشجار في التشقق. كان الخارجون عن القانون، سواء كانوا عشرة أم عشرين من رجال العصابات المسلحين بكل نوع من أنواع السلاح القادر على القطع والخرق والشق والتمزيق، يلمحون الرجل النحيل ذا الرداء الأرجواني الذي كانت عيناه الجليديتان الاستحواذيتان تكتسحهم بلا مبالاتهما المعتادة برهة واحدة، ثم يمضي مستمراً في أداء الأشياء نفسها كما هو الحال دوماً: الصلاة والتأمل، والمشي وإبداء المشورة. كان الحجاج تشحب وجوههم عند رؤيتهم عصابة العصاة ويتجمعون متزاحمين حول (المرشد) تزاحم الفراخ حول الدجاجة الأم. وإذ يلاحظ قطاع الطرق الفقر المدقع لهؤلاء يمضون في سبيلهم. لكنهم كانوا يتوقفّون أحياناً حين يشخصون القديس، الذي كانت تنبؤاته قد طرقت أسماعهم. لم يكونوا ليقاطعونه حين يصلّي، بل كانوا ينتظرونه حتى يتنازل فيحسّ بوجودهم. وأخيراً يشرع بالتحدث إليهم بذلك الصوت العميق الذي كان من دون ريب يصل إلى قلوبهم بأقصر الطرق. كان يقول لهم أشياء يستطيعون فهمها، حقائق يستطيعون الإيمان بها: إن هذه الكارثة هي بلا شك أول نذير بوصول (المسيح الدجَّال) والدمار الذي يسبق بعث الموتى ويوم الدينونة. فإذا كانوا يبغون خلاص أرواحهم عليهم أن يعدو أنفسهم للمعارك التي سيخوضونها حين تنتشر الشياطين المطيعة لـ(المسيح الدجّال) – الذي سيكون (الكلب الأكبر) نفسه وقد ظهر على الأرض ليستنفر المرتدين – في الأراضي الخلفية انتشار النار في الهشيم. كان رجال العصابات يتأملون في كلماته مثلما يفعل رعاة البقر وفقراء العمال والمعتوقون والعبيد، وندم بعضهم، مثل "ياجو" ذي الوجه المشروط و "بيدراو" الوحش الضخم وحتى "جواو الإبليس" الذي يفوق الجميع في تعطشه إلى الدم... ندموا على أفعالهم الشريرة وانقلبوا أخياراً، وتبعوه.
وكما كان الأمر بالنسبة إلى قطاع الطرق، فقد اكتسب احترام الأفاعي ذوات الأجراس التي ظهرت في الحقول بالآلاف بسبب الجفاف كأنما بمعجزة. تخلت هذه الزواحف الطويلة، الملتوية، الساعية، ذوات الرؤوس المثلثة عن جحورها وهاجرت كالبش، هي الأخرى. وفي أثناء هروبها كانت تقتل الأطفال والعجول والماعز ولا تخشى دخول المستوطنات في وضح النهار بحثاً عن الطعام. كانت من الكثرة بحيث لم يكن هناك عدد كاف من طيور (الأكوا) للقضاء عليها. وفي تلك الأيام المقلوبة لم يكن منظراً نادراً رؤية أفاع تلتهم ذلك الطير الجارح بدلاً من رؤية (الأكوا) يطير وفي منقاره فريسته الأفعى، كما في الأيام الخوالي. كان لابدّ لأهالي الأراضي الخلفية أن يجوبوا ليلاً ونهاراً متسلحين بالهروات ومناجل القصب. كان هناك مهاجرون تمكنوا من قتل مئة أفعى ذات أجراس في يوم واحد. بيد أن (المرشد) استمر بالرغم من ذلك، في النوم على الأرض كلما داهمه الليل. وفي إحدى الأمسيات أوضح لأصحابه عند سماعه إياهم يتحدثون عن الأفاعي إن مثل ذلك الشيء لم يكن قد حدث لأول مرة. فعند عودة بني إسرائيل إلى موطنهم من مصر وتذمرهم من مصاعب الصحراء، أصابهم الرب ببلاء من الأفاعي عقاباً، فتشفع موسى لبني إسرائيل، فأمره الرب بصنع أفعى من البرونز ما كان عليهم إلا أن يحدقوا فيها ليبرأوا من اللدغ. هل ينبغي عليهم أن يفعلوا الشيء نفسه؟. كلا، فالمعجزات لا تتكرر. لكن من المؤكد أن ينظر الرب إليهم متلطفاً لو حملوا معهم أينما ذهبوا صور ابنه كتعويذة. ومنذ ذلك الوقت أخذت امرأة من (مونته سانتو) اسمها "ماريا كوادرادو" تحمل في صندوق زجاجي قطعة قماش عليها صورة سيدنا يسوع رسمها صبي من (بومبال)، أكسبه تقواه اسم (الصغير المبارك). ولابد أن يكون هذا العمل قد أرضى الربّ لأن الأفاعي لم تلدغ أياً من الحجاج منذ ذلك الحين.
لقد نجا (المرشد)، كذلك، من الأوبئة التي اقتاتت نتيجة الجفاف والقحط في الاشهر والسنين التالية على لحم الذين تمكنوا من البقاء أحياءً. فقد أجهضت النساء بُعَيْدَ الحمل، وسقط شعر الأطفال وأسنانهم، وأخذ البالغون على حين غرة يبصقون ويتغوطون دماً، وينتفخون بالأورام، أو يعانون من طفح يجعلهم يتلون على الحصباء مثل الكلاب الجرباء. أما الرجل النحيف، النحيل كقضيب سكة حديد، فقد مضى في سبيل حجته وسط الأوبئة والموت الجماعي، معصوماً، هادئاً، مثل قبطان سفينة مخضرم يناور العواصف بمهارة في طريقه إلى ميناء آمن. أي ميناء كان (المرشد) يقصد بترحاله هذا الذي لا ينتهي؟ لم يسأله أحد ولم يقل هو، ولعله ما كان يعلم. كان يرافقه الآن عشرات من الأتباع الذين نبذوا كل شيء ليكرسوا أنفسهم للحياة الروحانية. كان (المرشد) وحواريوه يعملون من دون انقطاع خلال أشهر الجفاف الكثيرة: يدفنون موتى الجفاف أو المرض أو العذاب الذين التقوهم على حفافي الطرق، جثثاً متفسخة كانت طعاماً لوحوش البَرَّ، بل وللبشر. صنعوا التوابيت وحفروا القبور لأولئك الأخوات والأخوان. كانوا مجاميع متنافرة، خليطاً مشوشاً من الأعراق والخلفيات والحرف. فمنهم بيضٌ يرتدون الجلود كلياً ويكسبون رزقهم برعي قطعان "العقداء"، مالكي مراعي المواشي الشاسعة، ومنهم هنود حمر أصليون ذوو جلود محمرَّة كان أجداد أجدادهم يجولون أنصاف عراة ويأكلون من قلوب أعدائهم، ومنهم موّلدون كانوا يعملون ناظري مزارع أو سمكريين أو حدادين أو إسكافيين أو نجارين، ومنهم خلاسيّون وزنوج هربوا من مزارع القصب على الساحل، ومن المخلعة، والمقيدة*، والسوط المصنوع من قضيب الثور، والماء المالح المسكوب على آثار السياط المسلوخة، وعقوبات أخرى مبتكرة للعبيد في معامل السكر. وهناك النسوة، صغاراً وكباراً، اللواتي كن دائماً أول من تتأثر قلوبهن تعاطفاً عند الوقفة الليلية حين كان (المرشد) يتحدث إليهن عن الخطيئة أو عن سيئات (الكلب الأكبر) أو طيبة العذراء. كن يرتّقن الرداء الأرجواني الغامق باستخدام أشواك نبتة اللحلاح إبراً وألياف السعف خيوطاً، ويبتكرن وسيلة لصنع رداء جديد له حين يتمزق رداؤه في الأكمات، ويصنعن خفَّيْن جديدين له، ويكافحن لامتلاك الزوج القديم، وهو شيء قد لامس بدنه فعنَّ ذكرىً ثمينة. وبعد إيقاد الرجال النار كل مساء، كن أنفسهن يحضرن أكله (الانغو) من طحين الرز أو الذرة أو (المينهوت) الحلو المقلي في المرق وبضع لقيمات من الهريس التي كانت تقيم أود الحجاج. لم يكن الطعام مبعث قلق الحجاج قطّ إذ كانوا يقترون على أنفسهم ويتلقون العطايا أينما رحلوا: من المساكين الذين كانوا يسرعون إلى تقديم دجاجة أو كيس ذرة أو جبن طري إلى (المرشد)، وكذلك من أصحاب الأراضي الذين كانوا يبعثون بخدم ليأتوهم بالحليب الطازج والطعام وأحياناً بمعزى أو جدي، وخلل بعد أن تكون البطانة الرثة الثياب قد أمضت الليلة في المشتملات الخارجية وقامت في الصباح التالي، بمبادرة منها ومن دون فرض أي أجر، بكنس كنيسة المزرعة الصغيرة وتنظيفها.
كان قد جال في أرجاء الأراضي الخلفية كثيراً جداً، مقبلاً مدبراً، صاعداً، نازلاً الكثير من سفوح الجبال، حتى بات الجميع يعرفه. وكذلك قساوسة القرى. لم يكن ثمة الكثير منهم، والقليلون الموجودون بدوا ضائعين في الرحاب الشاسعة للأراضي الخلفية. وعلى كل حال لم يكن هناك عدد كاف منهم للإبقاء على إدارة الكنائس التي لا تعد ولا تحصى حتى أن رعاة الكنيسة كانوا لا يزورونها إلا في أيام أعياد ولي البلدة. أما قساوسة الأماكن، مثل (توكانو) و (كومبي) فقد سمحوا له بأن يخطب في المؤمنين من المنبر وكانوا على علاقة حسنة معه. أما الآخرون، مثل أولئك الذين في (إنتري – يوس) و(ايتابيكورو)، فلم يكونوا ليبيحوا له ذلك، وحاربوه. وفي بلدات أخرى، كان القساوسة يأذنون له على مضض بتلاوة الصلوات والوعظ في باحة الكنيسة بعد التناول، مكافأة له على ما فعله من أجل الكنائس والمقابر، أو نظراً لأن نفوذه الروحاني على أهالي الأراضي الخلفية كان واسعاً بحيث أنهم لم يريدوا أن يكونوا على علاقة سيئة مع دعيتهم.
متى علم (المرشد) وبطانته من النادمين أنه في العام 1888، في تلك المدن النائية التي كانت حتى أسماؤها غريبة على أسماعهم، مثل (ساو باولو) و(ديودي جانيرو)، وحتى(سلفادور)، عاصمة الولاية، أن الملَكِيّة قد ألغت الّرِق، وأن ذلك الأجراء قد جلب الخراب على مزارع السكر في (باهيا) التي تركت من دون قوة عاملة على حين غرة؟ لقد انقضت شهور قبل أن تصل أنباء المرسوم إلى الأراضي الخلفية، كما كان الوضع دوماً في ورود الأخبار إلى تلك الأصقاع القصية من الإمبراطورية: متأخرة، مشوهة، وأحياناً لم تعد صحيحة. وقد أمرت السلطات بإعلانها على الناس في ساحات المدن وتثبيتها على أبواب دور البلديات.
ومن المرجح أن (المرشد) وأتباعه علموا من جديد، في السنة التالية، وبعد مرور وقت طويل على الواقعة، أن الوطن الذي كانوا ينتمون إليه غافلين لم يعد إمبراطورية، بل أصبح الآن جمهورية. لم يخطر ببالهم قطّ أن هذه الواقعة لم تثر أدنى حماسة بين السلطات القديمة أو بين مالكي العبيد (الذين استمروا في ملكيتهم لمزارع قصب السكر وقطعان البقر والغنام)، أو بين طبقة الحرفيين وصغار موظفي الحكومة الذين عدّوا هذا التغيير رصاصة رحمة أطلقت على الزعامة المختصرة منذ أمد للعاصمة السابقة، مركز حياة البرازيل السياسية والاقتصادية مدة مئتي عام، والآن أمست مِثْلَ قريبِ العائلةِ الفقير التائق إلى الماضي. وفي غضون ذلك يظل هؤلاء يرون ما كانوا يملكونه كله يومئذ يمضي صوب الجنوب: الرغد، والسلطان، والمال، والقوة العاملة، والتأريخ. وحتى لو كانوا قد عملوا بذلك، كما كان لهم أن يفهموا ولا كانوا ليحلفوا. ذلك أن اهتمامات (المرشد) وأتباعه كانت غير هذا تماماً. ثم، ما الذي تغير بالنسبة إليهم عدا بضعة أسماء؟ أليس مظهر هذه الأرض المحروقة والسماء الدكناء هو نفسه على الدوام؟ ثم، ألم تستمر المنطقة بالرغم من معاناتها أعواماً عدة من الجفاف، في تضميد جراحها، والحزن حداداً على موتاها، ومحاولة إعادة الحياة إلى ما كان قد دُمَّر وأصبح خراباً؟ ما الذي تغير في الشمال المثقل بالنكبات بعد أن وُجِدَ رئيسٌ بدلاً من إمبراطور؟ أليس فلاح الأرض مستمراً في كفلحه ضد جدب الأرض وشحة الماء كي تنبت ذرته وفوله وبطاطته و (مينهوته)، وكي تبقن خنازيره وفراخه ومعزه قيد الحياة؟ ألم تزل القرى غاصة بالمتسكعين، والطرق خطرة بسبب كثرة رجال العصابات؟ أليست هناك جيوش من الشحاذين في كل مكان تذكيراً بكوارث العام 1877؟ أليس رواة الحكايات المتجولون كما كانوا من قبل؟ وبالرغم من جهود (المرشد)، أليست بيوت يسوع المبارك مستمرة في التداعي؟
بيد أن شيئاً ما قد تغير فعلاً. بمجيء الجمهورية. فقد فصلت الكنيسة عن الدولة، وتوطدت حرية العبادة، وجعلت المقابر علمانية بحيث لم تعد الأبرشيات مسؤولة عنها، بل البلديات. وكان ذلك من سوء حظ الناس ومثاراً لارتباكهم. ففي الوقت الذي كان القساوسة لا يعرفون، في حيرتهم، ماذا يتعين عليهم قوله أمام هذهِ التطورات التي استسلمت الزعامة الكنائسية إزاءها فقبلتها، عرف (المرشد) من فوره ما ينبغي عليه قوله: كانت تلك أعمال زندقة غير مقبولة بالنسبة إلى المؤمن. وحين علم أن الزواج المدني قد أُقَّر – وكأن القربان المقدس الذي أوجده الله غير كاف – أعلن جهاراً ومباشرة، في ساعة الوعظ، ما كان أهل الأبرشية يتهامسون به: إن هذه الفضيحة من عمل البروتستانت والماسونيين. ومِثْلُ ذلك، لا ريب، الأحكامُ الجديدة الغريبة المشبوهة الأخرى التي نمت إلى علم بلدات الأراضي الخلفية شيئاً فشيئاً: الخارطة الإحصائية، تعداد النفوس، النظام المتري. ولسكان المناطق القصية المتشوشين الذين سارعوا إلى سؤاله ما الذي كان يعني ذلك كله، أوضح (المرشد) ببطء: أرادوا أن يعرفوا لون الناس لإعادة إقرار الرق وإرجاع السود إلى سادتهم ودينهم ليتمكنوا من تشخيص الكاثوليك عند بدء الاضطهاد ومن دون أن يرفع صوته، حضَّهم على ألا يأبهوا لمثل هذه القضايا وألا يتيحوا للمتر والسنتمتر أن يحلا محل اليارده والقدم.
في صباح أحد الأيام من العام 1893، سمع (المرشد) والحجاج عند دخولهم (ناتوبا) صوتاً يشبه طنين زنابير غاضبة. كان آتياً من الساحة الرئيسية حيث اجتمع رجال البلدة ونساؤها ليقرأوا أو يسمعوا منادي البلدة يقرأ المراسيم التي كانت قد أُلصقت تواً. أنهم سيجمعون ضرائب منهم، تريد الجمهورية إن تجمع ضرائب منهم. فتساءل كثير من سكان المدن: وما هي الضرائب؟ أوضح آخرون لهم: إنها مثل العُشور*. ومثلما كان الوضع من فبل، تماماً، يتوجب على الساكن أن يعطي خمس دجاجات إلى الإرسالية إنْ صار لدجاجة خمسون فرخاً ومكيالاً واحداً من الحبوب من كل عشرة يحصدها. ولقد نصّت المراسيم على أن يعطي الشخص إلى الجمهورية جزءاً من كل شيء ورثه أو أنتجه. كان على الناس أن يذهبوا إلى دار بلدية منطقتهم – فقد غدت البلديات كلها ذاتية الإرادة – ويصرحوا بما يملكون وما يكسبون لاحتساب مقدار ما يتوجب عليهم دفعه. كان لجامعي الضرائب أن يحجزوا ويسلموا إلى الجمهورية جميع ما كان قد أخفي أو صُرَّح بأقل من قيمته الحقيقية. لقد جعلت الغريزة الحيوانية والفطرة السليمة وقرونٌ من الخبرة سكان المدن يدركون من فورهم بأن هذا قد يكون أسوأ من الجفاف وأن جامعي الضرائب قد يكونون أكثر جشعاً من النسور وقطاع الطرق. ومن حيرتهم وخوفهم وغضبهم، أخذ يكز بعضُهم الآخر بالمرافق ويبلغ بعضهم الآخر أحاسيسهم بالتوجس والغضب الشديد، بأصوات اختلطت وتمازجت صوتاً واحداً، مؤلَّفة تلك الموسيقى القتالية التي أخذت تتصاعد إلى عنان السماء من (ناتوبا) بينما كان (المرشد) وأتباعه ذوو الأسمال البالية يدخلون المدينة من الطريق الموصل إلى (سيبو). أحاط الناس بالرجل ذي الرداء الأرجواني الغامق معترضين طريقه إلى كنيسة زنوسا سينيوار داكونسيكاو) – التي عُمَّرتْ وصبغت على يده مرات عدة في العقود القليلة الأخيرة – والتي كان متوجهاً إليها بخطواته الطويلة الواسعة المعتادة، كي ينبئه بالأخبار. بدا كأنه لا يكاد يسمعهم، وهو ينظر صوبهم وعلى وجهه تعبير جاد رزين.
ومع هذا، وبعد ثوان معدودات تكفي لضرب من الانفجار الداخلي أن يضرم ناراً في عينيه، شرع يسير، مجتازاً الجمع الذي تنحى جانباً ليفسح له المجال، متجهاً إلى لوحة الإعلانات التي أُلصقت عليها المراسيم. وصل إليها، ومن دون أن يكلف نفسه حتى عناء قراءتها، مزّقها تمزيقاً، وقد تلّوى وجهه بغضب بدا مخلصاً غضب الجميع. ثم طلب، بصوت مهتز، أن تُحْرَق تلك المظالم المكتوبة. وحين فعل الناس ذلك، أمام أعين مستشاري البلدية المشدوهين، وشرعوا فضلاً على ذلك يحتفلون مطلقين ألعاباً نارية كما في يوم العيد، وحين أحالت النار المراسيم والمخاوف التي أثارتها إلى دخان، أعلن (المرشد) قبل ذهابه إلى الصلاة في كنيسة (نوسا سينيورادا كونسايكاو) لأهالي ذلك الركن القصي من العالم النبأ الخطر: إن (المسيح الدّجال) موجود على ظهر المعمورة، وإن سمه هو الجمهورية.
*
- (أجل، صفارات، أيّها السيد المفوض)... يكرر الملازم "بيرس فريرا" وهو متعجب ثانية مما قد لقي، وتذكر ولأعاد روايته مرات كثيرة. (كان صوتها عالياً جداً في الليل – أو بالأحرى في بواكير الفجر).
مستشفى الميدان كوخ خشبي ذو سقف من جذوع النخل جمعت على عجل لإيواء الجنود الجرحى، يقع في ضواحي (بوازيرو) الموازية شوارعها لنهر (ساو فرانشسكو) العريض الذي تقع على ضفتيه دورها إما مبيّضة أو مصبوغة بألوان مختلفة ويمكن رؤيتها من بين القواطع، من تحت رؤوس الشجر المغبرة التي أعطت اسمها للمدينة. يقول الملازم "بيرس فريرا": (لقد استغرق الانتقال من هنا إلى "اواوا" التي تقع عند اعتاب "كانودوس" اثنى عشر يوماً فقط. إنها لمأثرة باهرة. كان رجالي جدّ منهوكين، ولهذا قررت أن أعسكر هناك. وما هي إلاّ سويعات قلائل حتى أيقظتنا الصفارات).
هناك ستة عشر جريحاً، مستلقين على أرجوحات شبكية صُفَّت صفين متقابلين: ضمادات بدائية، رؤوس وأذرع وسيقان ملطخة بالدم، أجسام عارية ونصف عارية، بناطيل وسترات عالية الأزرار ممزقة، مهلهلة. طبيب بجلباب أبيض وصل أخيراً يتفقد الجرحى، يتبعه مضَّمد يحمل صندوقاً طبياً. ثمة مفارقة حادة بين مظهر الطبيب المعافى المصقول ووجوه الجنود البائسة وشعرهم الكابي جرّاء التعرّق. في طرف الكوخ الأقصى ينَّد صوتٌ معذبْ يسأل عن الاعتراف. – (ألم تضع حراساً؟ ألم يخطر ببالك أنهم يفاجئونك، يا ملازم؟) يجيب "بيرس فريرا" رافعاً أربع أصابع مؤكدة: (كان هناك أربعة حراس أيها السيد المفوض. لم يفاجئونا. فحينما سمعنا الصفارات نهض كل رجل من رجال السرية كافةً، واقفاً مستعداً للقتال). ثم يخفض صوته: (لكنّ ما شاهدناه مقبلاً نحونا لم يكن العدو، بل موكباً).
من إحدى زوايا كوخ المستشفى يمكن رؤية المعسكر الصغير على شاطئ النهر حيث تروح وتجيء الزوارق المحملة بالبطيخ: بقية أفراد السرية مستلقون في ظلال بعض الأشجار، بنادق مرصوفة بمجموعات رباعية، خيام ميدان. ثمة سرب من الببغاوات الزاعقة يمرق طائراً.
يتساءل صوت متقحَّم، عال، أخن، في عجب: (موكب ديني، يا ملازم؟) يلقي الضابط نظرة عجلى على الشخص الذي سأل، ويومئ. ثم يوّضح، وهو لا يزال يوجه خطابه إلى المفوض: (لقد قدموا من جهة "كانودوس": كان عددهم خمسمئة ستمئة، ربما ألف رجل).
يرفع المفوض يديه عالياً، ويهز مساعده رأسه غير مصدق هو الآخر. من الواضح تماماً أنهم أناس من المدينة. لقد وصلوا إلى (جوازيرو) بالقطار صباح ذلك اليوم قادمين من (سلفادور)، ولا يزالون دائخين مسحوقين من الهّز والخض، غير مرتاحين من ستراتهم العريضة الأردان وبناطيلهم الفضفاضة وجزمهم المتسخة، مختنقين من الحرارة ومن حتمية الانزعاج من وجودهم هناك، يحيط بهم لحم جريح، ومرض، ومن لزوم إجراء التحقيق في اسباب الهزيمة. وفي أثناء حديثهم مع الملازم "بير فريرا" ينتقلون من أرجوحة شبكية إلى أخرى، وينحني المفوض ذو الوجه المتجهم بين آونة وأخرى ليربت على ظهر أحد الجرحى. إنه الشخص الوحيد الذي ينصت إلى ما يقوله الملازم. لكن مساعده يقوم بتدوين ملاحظات، كما يفعل الرجل الآخر الذي وصل تواً، الشخص الأخن الذي يبدو مزكوماً، والذي لا يكف عن العطس.
يقول المفوض ساخراً: (خمسمئة، ألف؟ وصلتني إفادة "البارون دي كانا برافا" الخطية إلى مكتبي، وأنا ملم بها، يا ملازم. إن الذين غزوا "كانودوس" كانوا مئتين عدّاً، بمن فيهم النساء والأطفال. لابدّ أن يعرف البارون ذلك. إنه مالك المقاطعة).
يتمتم الجريح في الأرجوحة الشبكية الأقرب، وهو خلاسي ذو جلد فاتح اللون وشعر مفتَّل وكتف مضمَّد: (كانوا ألفاً، آلافاً، أُقسم على ذلك، يا سيدي). يُسكِت الملازمُ "بيرس فريرا" الرجل بإيماءة مفاجئة إلى درجة أن ذراعه تمس ساق الجريح خلفه، فيجأر هذا من الألم. الملازم شاب أقرب إلى القِصَر، وله شارب صغير مقصوص على هيئة شوارب الشبان المتأنقين الذين يتجمعون في محال المعجنات في شارع (شيلي) في (سلفادور) وقت تناول الشاي. لكن بسبب التعب والإحباط والأعصاب، أضحى هذا الشارب الصغير الفرنسي نشازاً إزاء الدوائر الداكنة تحت العينين والسحنة شديدة الشحوب والعبوس الدائم. لم يحلق الملازم ذقنه. أما شعره فأشعث على نحو سيء، وبزته ممزقة، وذراعه اليسرى بحمالة. وفي الطرف القصي للكوخ، يواصل الصوت غير المفهوم هذيانه حول الاعتراف والزيوت المقدسة.
يستدير "بيرس فريرا" نحو المفوض ويتمتم: (كنت أعيش في طفولتي في مزرعة لرعي الماشية، وتعلمت لأن اقدّر عدد رؤوس القطيع بنظرة. لست مبالغاً. كان عددهم أكثر من خمسمئة، ربما ألفاً).
يضيف أحدهم من بين الأرجوحات الشبكية: (كانوا يحملون صليباً من خشب، صليباً ضخماً، وبيرق الروح القدس الرباني).
لكنْ قبل أن يستطيع الملازم أن يسكتهم بمقاطعة كلامهم، يبادر آخرون إلى المشاركة، مخبرينه عن اليفية: كانت معهم كذلك تماثيلُ لقديس، ومسبحات. كانوا جميعاً ينفخون في الفارات، أو يرتلون (كيري ايليسون) ويهتفون باسم القديس يوحنا المعمدان ومريم العذراء و (المسيح المبارك) و (المرشد). ينهض هؤلاء ويقتعدون أرجوحاتهم الشبكية ويتبارون في الصياح حتى يأمرهم الملازم بأن يخرسوا. ثم يواصل الكلام وسط السكوت: (وفجأة صاروا فوق رؤوسنا. كان منظرهم مسالماً جداً، مثل موكب "الأسبوع المقدس". كيف كان في وسعي أن أصدر الأمر بالهجوم عليهم؟ وعلى حين غرة بدأوا يصرخون: ليسقط هذا وليسقط ذاك وفتحوا النار علينا مسددين من مدى قريب. كنا واحداً ضد ثمانية، واحداً ضد عشرة).
يقاطعه الصوت الوقح، عالي الطبقة: (تقول يصرخون ليسقط هذا وليسقط ذاك؟).
يقول الملازم "برس فريرا": (لتسقط الجمهورية. ليسقط المسيح الدجال) يستدير ناحية المفوض ثانية: (ليس لدي ما أُلام عليه. لقد قاتل رجالي بشجاعة، وقاتلنا مدة تنوف على أربع ساعات، يا سيدي. ولم آمر بالانسحاب إلاّ بعد أن نفذت ذخيرتنا. أنت على علم بالمشكلات التي واجهتنا مع بنادق "مانليتشر". هذا، وبفضل تصرف القطعان المنضبط، استطعنا الرجوع إلى هنا في مدة لا تزيد على عشرة أيام).
يزمجر المفوض قائلاً: (استغرقت مسيرة الرجوع وقتاً أقل من مسيرة الانطلاق)
ينادي الطبيب ذو الجلباب الأبيض عليهم من أحد الأركان: (تعالوا هنا وألقوا نظرة على هذا!) يتوجه إليه جمع المدنيين والملازم مجتازين صف الأرجوحات الشبكية. الطبيب مرتد بزة عسكرية نيلية تحت جلبابه. لقد أزال الضماد من على جندي ذي ملامح هندية كان يتلوى من الألم، وجعل يتفحص له بطنه باهتمام شديد. يشير إليه كما لو كان شيئاً ثميناً: عند حقو الرجل يوجد ثقب متقيّح بحجم قبضة اليد ودم متخثّر عند الحواشي، ولحم نابض في الوسط.
يهتف الطبيب بحماسة وهو يذر مسحوقاً ناعماً أبيض على الجرح المتورم: (رصاصة متفجرة!... أنها تنفجر عند اختراقها الجسم مثل القذيفة المنشار، فتدّمر الأنسجة وتحدث جرحاً غائراً مثل هذا. المرة الوحيدة التي صادفتني فيها شيء كهذا هي في كُتَيَّب تعليمات الجيش البريطاني. كيف تمكن هؤلاء الأبالسة الأراذل من امتلاك مثل هذه الأسلحة الحديثة؟ حتى الجيش البرازيلي غير مجهز بها). يقول الملازم "بيرس فريرا" منتصراً: (أرأيت؟ أيها السيد المفوض؟ لقد كانوا مدججين بالسلاح. كانت عندهم بنادق، وقربينات، وأخرى طويلة الماسورات، ومِدى ضخمة، وخناجر، وهروات. أما نحن، من الناحية الثانية، فقد تعطلت بنادقنا "المانليتشر"و....).
بيد أن الرجل الذي كان لا يزال يهذي حول الاعتراف والزيوت المقدسة أخذ الآن يجأر بأعلى صوته حول الصور المقدسة والبيرق الرباني، والصفارات. لا يبدو جريحاً. انه مربوط بعمود ويرتدي بزة اقل تهرؤاً من بزة الملازم. وإذ يرى الطبيبَ والمدنيين قادمين صوبه، يتوسل إليه وقد اغرورقت عيناه بالدموع قائلاً: (الاعتراف، يا سادة، أرجوكم! أرجوكم!).
يتساءل الطبيب ذو الجلباب الأبيض: (هل هو طبيب سريتكم، الدكتور "انتونيو الفس دوس سانتوس"؟ لم ربطتموه هكذا؟). يتعلثم "بيرس فريرا": (لقد حاول الانتحار، يا سيدي. حاول أن يطلق رصاصة على رأسه، فأخطأ بما يشبه الأعجوبة. لقد غدا على هذه الحال منذ المواجهة في "اواوا"، وقد احترت في كيفية التصرف إزاءه. فبدلاً من أن يكون عوناً لنا صار مشكلة إضافية، خصوصاً خلال الانسحاب).
يقول الطبيب بالجلباب الأبيض: (أيها السادة، تفضلوا بالابتعاد، لو سمحتم. اتركوني معه وحدي، وسأهدئ من روعه).
وبينما يلبّي الملازم والمدنيّون طلبه، يُسْمع ثانية الصوت عالي الطبقة، المستطلع، الجازم، للرجل الذي قاطع الإيضاحات مرات عدة: (كم كان مجموع القتلى والجرحى يا ملازم؟ في سريتك، وضمن الخارجين على القانون؟). يجيب "بيرس فريرا" مومئاً ايماءة نافذة الصبر: (عشرة قتلى وستة عشر جريحاً ضمن رجالي. أما في صفوف العدو فمئة إصابة في الأقل. وهذا مدوّن في التقرير الذي سلمتك إياه سيدي). يقول الرجل: (لست عضواً في اللجنة. أنا مراسل من صحيفة "جورنال دي نوتيسياس.. التي تصدر في "باهيا"). إنه لا يشبه موظفي الحكومة ولا الطبيب ذا الجلباب الأبيض الذي قدم معه إلى هنا. شاب، قصير البصر، ذو نظارة سميكة. إنه لا يدوّن الملاحظات بقلم رصاص، بل بيراعةٍ من قوادم الوز، ويرتدي بنطلوناً قُدَّ عند الدرز وسترة شبه بيضاء وقلنسوة ذات حافة أمامية ملبسه كله يبدو فروَّاً، مغلوطاً، لا يناسب بدنه المتناسق. يمسك بلوحة مشبك عليها عدد من الأوراق ويطمس يراعه الريشي في محبرة غطاؤها فلينةُ زجاجةِ خمرٍ مربوطةٌ بردن سترته. إنه يشبه فزّاعة الطيور إلى حدًّ ما.
يقول: (قطعتُ ستمئة كيلو متر لمجرد أن أسألك هذهِ الأسئلة، يا ملازم "بيرس فريرا"). ثم يعطس.
*
ولد "جواو الكبير" قرب البحر، في إحدى مزارع قصب السكر في (ركون كافو) التي كان يملكها السير "ادا لبرتودي غوموتشيو" شديد الولع بالجياد. كان يفاخر بامتلاكه أنشط الأفراس السمر المحمّرة، وتلك التي لها أجمل الكواحل تحدباً في أصقاع (باهيا) كلها وبأنه أنتج هذهِ النماذج من الخيل الممتازة من دون حاجة إلى أي حصان استيلاد إنكليزي، إنما بفضل التزاوج الحاذق الذي كان يشرف عليه شخصياً. لقد كان أقل تفاخراً (في العلن) بتوصله إلى النتيجة المفرحة نفسها مع السود من بين عبيده كي لا تتفاقم المشاحنات التي أثارها هذا الأمر مع البارون "دي كانا برافا" ومع الكنيسة، لكنه في واقع الأمر كان يتعامل مع عبيده تماماً تعامله مع خيله. كانت عينه وسليقته هما اللتين تحكمان أسلوبه. ولقد انطوى ذلك الأسلوب على انتقاء أكثر الشابات السوداوات حيوية وأجملهن قواماً وتقديمهن مخطيات إلى أولئك الذكور الذين يعدّهم الأكثر نقاءً بسبب ملامحهم المتساوقة وبشراتهم موحدة اللون. كان أفضل الأزواج يُمْنَحون طعاماً خاصاً وامتيازات في العمل كي ينجبوا أكبر عدد من الذرية. لقد لامه راعي الكنيسة ورهبان الإرساليات وزعامة (سلفادور) مراراً وتكراراً على دفعة السود معاً على هذا النحو "جامعاً إياهم للعيش معاً كالحيوانات". لكن بدلاً من أن يؤدي هذا اللوم إلى إنهاء مثل هذه الممارسات فإنه أفضى إلى الانهماك بها على نحو أكثر سرية. كان "جواو الكبير" إحدى التوليفات التي رتبها هذا الملاك الكبير الذي كان يستهدف الكمال. وفي حالة "جواو" كان الخلف الذي ولد من هذا التزاوج رائعاً على وجه التأكيد. كان الصبي ذا عينين وأسنان لماعة براقة جداً. بحيث أن وجهه المدور الأزرق – الأسود كان يشرقَ إشراقاً حين يضحك. كان ممتلئاً، ذا حيوية، لعوباً. أما أمه – المرأة الجميلة التي كانت تلد كلّ تسعة أشهر فقد خمنت أنه سيكون ذا مستقبل باهر على وجهه الاستثناء. لم تخطئ في ظنها. فقد أولع به السير "أدالبرتودي غوموتشيو"، حين كان لا يزال طفلاً يزحف على الربعة، فأخذه من هي العبيد إلى قصر العزبة – وهي بناية مستطيلة ذات سقف مسنَّم وأعمدة (توسكانية) وشرفات ذوات أسيجة خشبية تشرف على حقول القصب وكنيسة صغيرة من الطراز الكلاسيكي الجديد وطاحونة السكر ومعمل التقطير وشارع عريض فيه نخلات ملكية. كان يحسب أن الصبي يستطيع أن يكون خادماً صغيراً لبناته ثم ساقياً أو حوذياً. لم يرد له أن يتحطم وهو في سن مبكرة، كما كان يحدث في الغالب للأطفال الذين كانوا يرسلون خارجاً إلى الحقول لينظفوا الأرض ويحصدوا قصب السكر.
لكن التي طالبت "جواو الكبير" لنفسها كانت الآنسة "دالينيا ايسابيل دي غوموتشيو"، شقيقة السيد "ادالبرتو" العزباء التي كانت تسكن معهم كانت نحيلة، ضئيلة العظام، ذات أنف صغير مرفوع يبدو كأنه كان يتشمم روائح العالم الكريهة على الدوام. كانت تمضي أوقاتها في حياكة الشالات وأغطية الرأس وتطريز أغطية الموائد والأسِرّة والبلوزات أو إعداد الفطائر والحلويات... وهذه مهمات كانت تبدع فيها. لكنها في أغلب الأحيان لم تكن حتى لتتذوق فطائر القشدة المنتفخة أو (تورتات) اللوز أو كعك (المدينغ) المحشو بالشكولاته أو كعك اللوز المنفوش مما كان يلذ لأبناء الأخ وبناته وزوجته والأخ نفسه. أحبّت الآنسة "اديلينيا" "جواو الكبير، كثيراً منذ اليوم الذي شاهدته فيه يرتقي خزان الماء. وإذ روعها منظر ولد صغير لم يكن يبلغ سن المشي وهو على ارتفاع نحو سبعة أقدام عن الأرض، أمرته أن ينزل لكن "جواو" واصل ارتقاء السلم الصغير، وحين نادت الآنسة "أديلينيا" أحد الخدم كان الولد الصغير قد بلغ حافة الخزان وسقط في الماء. انتشلوه من الماء وهو يتقيأ، وقد اتسعت عيناه من الخوف. خلعت الآنسة "اديلينيا" ملابسه ولفّته واحتوته بذراعيها حتى نام.
وبعد مدة قصيرة وضعت أخت السيد "أدالبرتو" "جواو" في غرفة نومها، في أحد المهاد التي تنام فيها بنات أخيها. وُضِع المهد بجانب سريرها تماماً، ونام بجانبها طوال الليل، على طريقة السيدات الأخريات في إرقاد خادماتهن الصغيرات الأثيرات وصغار كلابهن المدللة حذوهن.
ومن تلك اللحظة فصاعداً، نعم "جواو" بامتيازات خاصة. فقد أخذت الآنسة "اديلينيا" تلبسه على الدوام بدلات أطفال فضفاضة بقطعة واحدة، زرقاً أو حمراً لماعة أو صفراً ذهبية، كانت تصنعها له بنفسها. كان يرافقها يومياً إلى اللسان البرّي الممتد في البحر حيث المنظر العام للجزر وحيث شمس العصر تضفي علّيه لون الحريق. كما كان يرافقها عند قيامها بزيارات وسفرات إلى القرى المجاورة حاملاً مركعها. كما علمته الآنسة "اديلينيا" كيف يمسك شلة الصوف كي تمشطها ويبدل بكرات الغزل ويمزج ألوان الصبغ ويلظم الأبر، وكذلك يخدمها كصبي مطبخ. وبغية احتساب الوقت الذي يستغرقه الطبخ، كانا يرتلان معاً صلاة الإيمان (وأبانا الذي...) على وفق ما تتطلبه نوعية الطبخة. كما هيأته شخصياً للتناول الأول، متناولةً معه، وصانعةً شوكولاتة مدهشة له، احتفالاً بالمناسبة. ولكن بخلاف ما كان يجب أن يحصل في حالة طفل يترعرع وسط جدران مغطاة. بورق التغليف وأثاث (الجاكاراندا) المنجدَّ بالدمقس والحرير والخوانات المليئة بقطع البلور، ممضياً يومه وهو منهمك في مشاغل نسائية في كنف امرأة رقيقة الطبع، لم يتحول "جواو الكبير إلى مخلوق رقيق مطيع، كما كان يحدث دائماً تقريباً لعبيد البيوت، فإنه منذ الطفولة الباكرة كان قوياً على نحو غير معتاد بحيث أنه بالرغم من حقيقة كونه في عمر "جواو" الصغير، ابن الطباخ نفسه فقد كان يبدو أكبر منه سناً بسنوات عدة. كان شرساً في اللعب. وقد اعتادت الآنسة "أديلينيا" أن تقول بأسى: (إنه غير مفطور على الحياة المدنية. إنه يتوق إلى الخروج إلى العراء). ذلك الصبي كان على الدوام يترقب أوهن الفرص ليخرج جائلاً في الريف. وفي إحدى المرات، وبينما كانا يتمشيان في حقول القصب، رأته السنيوريتا ينظر تواقاً إلى السود العراة حتى الخصر وهم يهوون المناجل الكبيرة على الأوراق الخضر، فقالت معلقة: (تبدو كأنك تحسدهم). أجاب: (أجل يا سيدتي، إنني أحسدهم). بعد ذلك بمدة وجيزة أمر السيد "ادالبرتو" بوضع شريط اسود على ذراعه وإرساله إلى حي العبيد في المزرعة لحضور مأتم والدته. لم يشعر "جواو" بأية عاطفة قوية، ذلك أنه لم يكن قد رآها إلاّ قليلاً جداً. كان غير مرتاح، على نحو غامض، طيلة الطقس، وهو جالس تحت تعريشة من قش، أو هو محاطٌ في الموكب المتوجه إلى المقبرة بسودٍ كانوا يحملقون فيه من دون أن يحاولوا إخفاء جسدهم أو ازدرائهم لبنطاله القصير وبلوزه المخطط وحذائه، مما كان يشكل مفارقة حادة بالمقارنة مع قمصانهم القطنية الخشنة وأقدامهم العارية. لم يكن عطوفاً حيال سيرته قط، مما جعل آل "غوموتشيو" يحسبون أنه قد يكون واحداً من أولئك الفلاحين عديمي الإحساس الذين يمكن أن يبصقوا على اليد التي أطعمتهم. لكن حتى نذير الشؤم هذا ما كان ليفضي بهم إلى قط إلى الشك بأن "جواو الكبير" من شأنه أن يكون قادراً على أن يفعل ما يفعل. حدث ذلك في أثناء رحلة الآنسة "أديلينيا" إلى (دير التجسيد) حيث كانت تختلي كل عام. قاد "جواو" الصغير العربة التي يجرها حصانان وقعد "جواو الكبير" بجانبه على صندوق العربة. استغرقت الرحلة نحو ثماني ساعات. كانوا قد غادروا المزرعة عند الفجر بغية الوصول إلى الدير عند منتصف العصر. لكن بعد مضي يومين بعثت الراهبات رسولاً للاستفسار عن سبب عدم وصول السنيوريتا "أديلينيا" في الموعد المحدد. وجه السيد "أدالبرتو" حملات التفتيش التي نفذتها الشرطة من (باهيا)، وكذلك خدم المزرعة الذين مشطوا المنطقة مدة شهر بكامل وهم يستجوبون الجميع. كما تم فحص كل شبر من الطريق الممتدة بين الدير والمزرعة بمشط دقيق الأسنان. ومع ذلك لم يُعْثَر على أي أثر مهما ضؤل للعربة أو راكبيها أو حصانيها. وكما في القصص الخيالية التي يعيد روايتها المغنون الجوالون فقد بدا أنهم قد تبخروا في الهواء.
بدأت الحقيقة تظهر إلى النور بعد أشهر، حين اكتشف قاضٍ في محكمة الأيتام في (سلفادور) شعار عائلة "غوموتشيو" وقد غطاه الصبغ، وذلك في العربة المستعملة التي كان قد اشتراها من تاجر في أعلى المدينة. اعترف التاجر بأنه كان قد حصل على العربة في قرية يسكنها خلاسيون من الهنود – الزنوج، مع علمه بأنها كانت مسروقة، ولكن من دون أن يخطر على باله أبداً أن السراق قد يكونون قتلة كذلك. وعرض البارون "كانا برافا" مكافأة كبيرة جداً لمن يأتي برأسي "جواو الكبير" "وجواو" الصغير، في حين توسل "غوموتشيو" لكي يقبض عليهما حيَّيْن. بعد ذلك تسلمت عصابة من الشقاة تعمل في الأراضي الخلفية "جواو" الصغير إلى رجال الشرطة من أجل المكافأة. كان ابن الطباخ قذراً وأشعث جداً إلى درجة أنهم لم يستطيعوا التعرف إليه حين أخضعوه للتعذيب بغية حمله على الكلام. أقسم هذا أنه لم يكن قد خطط القضية بكاملها، بل الشيطان الذي كان قد تملك رفيقه منذ الطفولة. كان يقود العربة وهو يصفر من خلل أسنانه. ويفكر في الحلوى التي كانت تنتظره في (دير التجسيد)، حين أمره "جواو الكبير فجأة أن يكبح جماح الحصانين. وحين استفسرت الآنسة "اديلينيا" عن سبب توقفها، رأى "جواو" الصغير رفيقه يضربها على الوجه ضربة أغمي عليها من شدتها، ويخطف اللجام منه وينخس الحصانين بالمهماز لينطلقا إلى اللسان الممتد في البحر الذي كان من عادة سيدتهما أن ترقاه بغية تملّي منظر الجزر. وهناك، وبتصميمٍ بلغ مبلغاً جعل "جواو" الصغير المرغوب فيه لا يجرؤ على إغاظته، عرّض "جواو الكبير" الآنسة "اديلينيا" إلى ألف سيئة. فقد نضا عنها ثيابها حتى تعّرب، وضحك منها بينما كانت تغطي نهديها بيد مرتجفة، وعورتها بالأخرى، وجعلها تجري هنا وهناك، محاولة اتقاء الحجر الذي كان يقذفها به بينما كان يمطرها بأقبح الإهانات التي لم يكن الصبي الأصغر قد سمعها قط. وعلى حين غرة، غرز خنجراً داخل بطنها، وما إن ماتت حتى أفرغ جام غضبه فيها بقطع نهديها ورأسها ثم رقد بجانب الجثة المدماة، لاهثاً، مبللاً بالعرق، ونام. أما "جواو" الصغير فقد ارتعد هلعاً حتى تلوّت ساقاه من تحته حين حاول الهرب.
عندما استيقظ "جواو الكبير" بعد مدة كان هادئاً. حدق إلى الأشلاء التي كانت حوله من دون مبالاة. بعد ذاك أمر الصبيَّ أن يعينه في حفر قبر، ثم دفنا أشلاء الآنسة "اديلينيا" فيه. انتظر حلول الظلام كي يهربا، وشيئاً فشيئاً ابتعدا عن مكان الجريمة. كانا يخفيان العربة نهاراً في كهف أو أجمة أو وهدة، ويمضيان عدواً في الليل. كانت الفكرة الوحيدة في دماغيهما وجوب الابتعاد عن البحر. وحين تمكنا من بيع العربة والحصانين، اشتريا مؤونة يأخذانها معهما عند بلوغهما مقصدهما، بأمل أن ينضما إلى إحدى عصابات العبيد الفاّرين الذين كانوا منبّثين في كل مكان في أراضي الداخل ذوات الأشجار الخفيضة، كما تقول قصص عدة. كانت حياتهم هرباً متواصلاً، يتجنبون المدن، ويحصلون على أودهم بالتسول أو السرقة الطفيفة. مرة واحدة فقط حاول "جواو" الصبي أن يحمل "جواو الكبير" على التحدث عما حصل. كانا مستلقيين تحت شجرة يدخنان السيكار، وفي نوبة جرأة مباغتة سأله مباشرة: (لِمَ قتلتَ السيدة؟). أجاب "جواو الكبير" من فوره (لان الكلب الكبير موجود في داخلي). وأضاف: (لا تحدثني عن ذلك بعد الآن). اعتقد الصبي أن رفيقه قد قال الصدق.
أصبح الصبي يخشى رفيق الطفولة هذا أكثر فأكثر، فقد غدا "جواو الكبير" يقل شبهاً عما كان عليه يوماً بعد يوم. كان من النادر أن يقول له كلمة واحدة، في حين كان يفاجؤه وهو يكلم نفسه بصوت خفيض وقد احتقنت عيناه دماً. وفي احدى الليالي سمعه يسمي الشيطان "أبانا" ويطلب منه أن يعينه. فقد قال متأتئاً، وجسمه يتلّوى: (ألم أفعل ما فيه الكفاية، بعدُ، يا أبانا؟ ما الذي تريد مني أن أفعله أكثر من ذلك؟). صار الصبي مقتنعاً أن "جواو الكبير" قد عقد ميثاقاً مع الشيطان، وخشي أن يضّحي به مثلما فعل بالسيدة، كي يمضي في زيادة استحقاقه، فقرر أن ينقضّ عليه. خطط لكل شيء لكن في الليلة التي زحف فيها نحوه، وقد عقد العزم على أن يغرز مديته فيه، كان يرتجف ارتجافاً شديداً جعل "جواو الكبير" يفتح عينيه قبل أن يستطيع هذا أن يفعل فعلته. لقد رآه "جواو الكبير" وهو ينحني فوقه ماسكاً النصل بيد مرتجفة. كانت نيته مبيتةً لا ريب فيها. بيد أن "جواو الكبير" لم يتأثر البتة، فقد سمعه يقول: (اقتلني أيها الصبي). أطلق هذا لساقيه العنان بأسرع يمكنها حمله شاعراً أن الشياطين كانت تتعقبه.
شُنِقَ الصبي في السجن في (سلفادور). أما جثمان السنيوريتا "أديلينيا" فقد نقل إلى الكنيسة الصغيرة الكلاسيكية الحديثة العائدة للمزرعة. بيد أن قاتلها لم يعثر عليه على الرغم من أن عائلة "غوموتشيو" كانت تزيد مكافأة القبض عليه بين مدة ومدة ومع ذلك، لم يحاول "جواو الكبير" أن يختفي بعد هروب الصبي. كان جباراً مديدَ القامة، نصفَ عارٍ، بائساً، يأكل ما كان يقع في فخاخ الحيوانات التي كان ينصبها، أو الفواكه التي كان يقطفها من الأشجار. هكذا كان يطوف في الأزقة كأنه شبح. كان يجتاز البلدات في وضح النهار، طالباً طعاماً. وكان الأسى في وجهه يثير مشاعر الناس حتى انهم تعودوا قذف بعض الفتات إليه. وفي أحد الأيام، عند مفترق طرق في ضواحي (بومبال) التقى جماعة من الناس يعَّدون على أصابع اليد الواحدة وهم يستمعون إلى كلمات رجل نحيل متسربل برداء ارجواني غامق، وقد انسدل شعره على كتفيه وبدت عيناه جمرتي فحم متقدتين. صادف أن كان يتحدث في تلك اللحظة تحديداً عن الشيطان الذي سّماه (إبليس) و(الكلب) و(قان) و(بَعْلَزَبْول)*، وعن الجرائم والكوارث التي سببها في الدنيا، وما ينبغي أن يفعله الناس الذين يبغون الخلاص. كان صوته مقنعاً يصل إلى روح الإنسان من دون المرور عبر رأسه. وحتى بالنسبة إلى كائن في مثل غباء "جواو الكبير"، بدا مثل بلسم يشفي الجراح القديمة الفظيعة. وقف "جواو" هناك منصتاً إليه، متسمراً في مكانه، حتى من دون أن تطرق عيناه، وقد تأثر حتى العظام بما كان يسمع وبجرس الصوت الذي كان ينطق تلك الكلمات. لقد تشوشت هيئة القديس في بعض الأوقات بالدموع التي اغرورقت عينا "جواو" بها. وحين مضى الرجل في سبيله، أخذا هذا يتبعه عن بعد، مثل حيوان هيّاب.
*
كان خير من صادف أن عرف "غاليليو" في مدينة (ساو ياولودي باهيا دي تودوس أوس سانتوس) – والمسماة ببساطة (باهيا) أو (سلفادور) شخصين: مهرّباً وطبيباً. كان كذلك أول من أوضح شؤون البلاد له، وإن لم تكن آراء أي منهما عن البرازيل شبيهة بتِلك التي كان يعبر عنها الثوري في رسائله الكثيرة آنذاك إلى صحيفة (شرارة الثورة). تحدثت أولى تلك الرسائل، التي كتبت في بحر أسبوع بعد تحطم سفينته أو عن (باهيا) بالقول: "انها مِْشكال* يشاهد به أي رجل ذي فكرة ما عن التاريخ الفضائَح الاجتماعية المتعددة التي حطّت من قَدْرِ مختلف حقي الإنسانية". كانت الرسالة تشير إلى الرق الذي كان موجوداً فعلاً وإن كان قد أُلغي. فكثير من الزنوج المحررين رجعوا إلى أسيادهم السابقين وتضرعوا إليهم أن يعيدوهم إلى خدمتهم كي لا يموتوا جوعاً. فاستأجر السادة بأجور بخسة القادرين بدنياً من دون غيرهم، حتى أن شوارع (باهيا) كما قال "غال" (ازدحمت بالمسنين والمرضى والبائسين الذين يتسولون أو يسرقون، وبالعاهرات اللواتي يذكرّن المرء بمومسات الاسكندرية والجزائر العاصمة، أفسد الموانئ على هذا الكوكب)
تناولت الرسالة الثانية، المحررة بعد شهرين، "التحالف الشائن بين الظلامية والاستغلال"، واصفة مسيرة، الأسر الموسرة، كلَّ يوم أحد، المتجهة إلى قدّاس كنيسة (نوسا سنيورادا كونشيساودا برايا) مع خدم يحملون كراسي الصلاة والشموع وكتب القداس، والمظلات التي تقي بشرة السيدات من الأذى – هؤلاء اللواتي كتب عنهن "غال" أنهن قد جَعَلْنَ، مثل الموظفين المدنيين الإنكليز في المستعمرات، من البياض أنموذجاٍ وجوهراً للجمال. بيد أن هذا المختص بفراسة الجمجمة أوضح لرفاقه في مدينة (ليون)، في مقالة تالية أنه بالرغم من تحاملهم المسبق فقد تخالط أحفاد البرتغاليين والهنود والأفارقة بكل حرية، في هذه الأرض، وأنجبوا خليطاً متعدد الألوان من الموَّلدين: خُلاسيين من مختلف الأشكال والأنواع. وأصناف: "وبعبارة أخرى، تحديات أخرى للعلم". تلك النماذج البشرية، وكذلك الأوربيون الذين هبطوا على سواحل البلاد لسبب أو لآخر أضفوا على (باهيا) سمة التنوع والتعددية القومية. كان من بين أولئك الأغراب على وجه الدقة أن تعرّف "غاليليوغال"- الذي كان يتكلم أركَّ البرتغالية في ذلك الوقت – على معارفه الأوائل. في البداية أقام في (فندق الغرباء) في (كامبوغرانده). لكن ما إن تصادق مع العجوز "يان فان رشتد" حتى أعطاه هذا علّيةً فوق مكتبة (كاتلينا) ليقيم فيها، وجمع له طلبة دروس خصوصية في الفرنسية والانكليزية كي يحصل على مال يقيم أوده. كان "فان رشتد" من أصل هولندي ومن مواليد (أولندا). وقد تعاطى تجارة حبوب الكاكاو والحرائر والتوابل والتبغ والكحول والأسلحة بين أوربا وأفريقيا وأمريكا منذ أن كان عمره أربع عشرة سنة، من دون أن يحكم عليه بالسجن أبداً. وبسبب من شركائه – من التجار أصحاب السفن وربابنة البحر – لم يكن رجلاً غنياً. فقد كان هؤلاء يسرقون نسبة لا بأس بها من السلع التي كان يتعامل بها. كان "غال" مقتنعاً باشتراك عصاة، سواء كانوا مجرمين كباراً أم سراقاً صغاراً، كذلك في العركة ضد العدو – الدولة – وتقويض أسس الملكية، ولو عن غير قصد. وهذا ما عزز صداقته بالنزل السابق: السابق لأنه قد اعتزل اقتراف السيئات كان أعزب، لكنه كان يعيش مع فتاة ذات عينين عربيتين، أصغر منه عمراً بثلاثين سنة، دمها مصري أو مراكشي، كان قد وقع في غرامها في (مارسيليا). لقد جاء بها إلى (باهيا) وأقام لها (فيلا) في أعالي المدينة، منفقاً مبلغاً طائلاً من المال على تزيينه بغية إسعادها. وعند عودته من إحدى رحلاته وجد أن الجميلة قد فرت من الحظيرة بعد أن باعت آخر شيء في (الفيلا) ونهبت الخزانة الثمينة الصغيرة التي كان "فان رشتد" قد أخفى فيها قليلاً من الذهب وبضعة أحجار كريمة. روى هذه التفاصيل لـ"غال" بينما كانا يتمشيان على الأرصفة، يتمليان البحر والسفن الشراعية وهما يتنقلان بين الإنكليزية والفرنسية والبرتغالية. كان يرويها بنبرة عفوية كانت موضع إعجاب الثوري. لقد غدا "يان" الآن يعيش على دخل سنوي كان، كما قال، يتيح له ألكل والشرب حتى وفاته شرط ألا تطول مدة مقدمها أكثر مما يلزم.
أصغى الهولندي، الرجل غير المثقف لكنْ المستطلع، بإجلال إلى نظريات "غاليليو" حول الحرية وأشكال الجمجمة بصفتها من أعراض السلوك، وإن سمح لنفسه الاستثناء عندما أكد له الاسكتلندي بأن الحب الذي يتبادل الأزواج الشعور به إنما هو عيب ومصدر شقاء. كانت الرسالة الخامسة التي وجهها "غال" إلى صحيفة (شرارة الثورة) حول الخرافة، أي، حول كنيسة (أدسنيور دي بونفيم) التي كان الحجاج قد ملأوها بالنذور، بسيقان وأيادٍ وأذرع ورؤوس ونهود وعيون من خشب أو بلور، يطلبون المعجزات أو يقدّمون الشكر عليها. أما الرسالة السادسة فكانت تتناول (الجمهورية) التي كانت لا تعني في (باهبا) الأرستقراطية سوى تغيير بضعة أسماء. وفي الرسالة التالية كرّم ذكرى اربعة خلاسيين، وهم الخياطون "لوكاس وانتاس" و"لويز غونزا غاداس فرجنس" و "جواو دي ديوس" و"مانيويل فاوستينو" الذين كانوا، قبل قرن مضى، قد دبروا، مستلهمين الثورة الفرنسية، مؤامرة لتقويض الملكية وإقامة مجتمع مساواتي من السود والموَّلدين والبيض. أخذ "يان فان رشتد" "غاليليون" إلى الساحة العامة الصغيرة، حيث كان الحرفيون الأربعة قد شُنِقوا وقُطَّعوا إرباً، وشاهده، وهو متعجب، يضع بعض الزهور هناك. بين رفوف الكتب في مكتبة (كاتلينا)، تعرف "غاليليو غال" في أحد الأيام على الدكتور "خوزيه باتيستادي ساأوليفيرا" وهو طبيب مُسِنٌ ومؤلف كتاب كان قد أثار اهتمامه: (تقييس الجمجمة المقارن للنماذج الإنسانية في "باهيا" من وجهة نظر التطور والطب الشرعي). سعد الرجل العجوز، الذي كان قد زار ايطاليا ولقي "سيزار لومبروزو" الذي فتنته آراؤه، حين عرف أن ثمة قارئاً واحداً في الأقل، لهذا الكتاب الذي كان قد نشره على حسابه، والذي عّده زملاؤه كتاباً في غاية الغرابة.
لقد وجد الدكتور "أوليفيرا" في الاسكتلندي "غال" الذي كانت معرفته في الطب مثار عجبه، وإن كانت آراؤه محيرة دائماً صادقةً غالباً)، مجالساً ممتازاً في الحديث. كان يقضي معه أحياناً في مناقشة حادة للآلية الفيزيائية لشخصية المجرم، والوراثة البيولوجية، أو الجامعة، تلك المؤسسة التي كان "غال" يقف ضدها، محملاً إياها مسؤولية التفريق بين العمل البدني والذهني ولأنها تفرز لا مساواة اجتماعية أسوأ من الأرستقراطية والبلوتوقراطية الثرية. استخدم الدكتور "أوليفيرا" "غال" مساعداً له في عيادته الطبية وكان يعهد إليه أمر معالجة نزيف أو تنظيف جرح.
لم يكن الانطباع لدى "فان رشتد" أو الدكتور "أوليفيرا" أنهما يعرفان حقاً هذا الرجل ذا الشعر الأحمر واللحية الحمراء، المرتدي رثّ الثياب السود – ولو أنها كانا يسعيان للظفر بصحبته ولعلهما كانا يجلاّنه – ذلك الرجل الذي كان يبدو بالرغم من آرائه عائشاً حياة هادئة: ينام متأخراً، يعطي دروساً لغوية في بيوت تلاميذه، يتمشى هنا وهناك في المدينة من دون كلل، أو يقضي أياماً برمتها في عليته في القراءة والكتابة. كان يختفي أحياناً عن الأنظار، أسابيع عدة من دون إخبارهما مسبقاً. وحين يعاود الظهور، كانا يكتشفان أنه قد خرج في إحدى رحلاته الطويلة التي كانت تشعل البرازيل كلها وذلك أخطر الظروف. لم يكن ليتحدث إليهما قط عن ماضيه أو خططه. ونظراً لأنه كان يعطيهما أكثر الأجوبة غموضاً حين كانا يستفسران منه حول الموضوع، سلّما وقبلاه كما كان أو كما كان يبدو: رجلاً وحيداً، دخيلاً، غامضاً، غريب الأطوار، كلماته وآراؤه نارية لكنّ سلوكه سليم.
بعد عامين، أضحت برتغاليةُ "غاليليوم غال" سَلِسةً وقد بعث برسائل إضافية عدة إلى صحيفة (شرارة الثورة)، كانت الثامنة منها حول العقوبات الجسدية التي كان قد شاهد إيقاعها على الخدم الأرقاء في شوارع المدينة وساحاتها العامة. أما التاسعة فكانت حول أدوات التعذيب المستخدمة أيام الرق: المخلعة، مقيدة الساقين، سلسلة العنق، والكرات المعدنية التي تربط بالكواحل وحلقات سحق الإبهام. أما العاشرة فتناولت عمود الضرب بالسياط الخاص بالبلدية، حيث كان لا يزال مخالفو القانون ("الأخوة" كما سماهم "غال") يجلدون بسياط جلدية كانت تعرض للبيع في المخازن بالاسم البحري (أوبكال هاو)، أي سمك القد.
لقد كان يمضي ساعات عديدة، آناء الليل وأطراف النهار، هائماً في متاهات شوارع (سلفادور)، حتى أنه كان يمكن أن يُعَدَّ عاشقاً للمدينة. بيد أن موضع اهتمام "غاليليو غال" لم يكن أوجه جمال (باهيا)، بل المشهد الذي لم يكن ليكف قط عن استفزازه للثورة: الظلم. لقد أوضح في خطاباته إلى (ليون): "هنا، وليس كما في أوربا، لم تكن ثمة مناطق سكنية منفصلة عن بعضها". وفي إحدى رسائله كتب يقول: "تقع أكواخ المساكين الحقيرة إلى جنب القصور المكسوة بالقرميد، العائدة إلى مالكي مزارع ومطاحن قصب السكر. ومنذ جفاف ما قبل خمس عشرة سنة الذي دفع بآلاف من اللاجئين إلى هنا من المرتفعات، وحتى الآن، تزدحم الشوارع بالأطفال الذين يشبهون الكهول، والكهول الذين يشبهون الأطفال، ونساء مثل عصي المكانس. وبين هذه الجمهرة، يستطيع العالم بسهولة أن يشخص جميع ضروب العلل البدنية، من سليمة العواقب نسبياً إلى تلك الشديدة على نحو مروع: حمّى الصفراء، (البري بري)، الاستسقاء، الزحار، والجدري". كما كتب في إحدى رسائله: (على أي ثوري مهزوز العقيدة بلزوم القيام بثورة عظمن إن يلقي نظرة على ما انا مشاهِدُهُ في (سلفادور): ذلك قمين بإزالة شكوكه كلّها).
(3)
بعد أسابيع من ذلك، علم في (سلفادور) أن في بلدة نائية تسمى (ناتوبا) تم إحراق مراسيم الضرائب الجمهورية الجديدة كل الجّدة. فقررت الحكومة إرسال مفرزة من شرطة ولاية (باهيا) للقبض على المشاغبين. انبرى ثلاثون شرطياً، في بزوات زرق وخضر وقبعات لا تزال تحمل شارة الملكية التي لم يتسن للجمهورية أن تغيرها بعد، مسافرين بالقطار أولاً ثم راجلين، في الرحلة المرهقة إلى ذلك المكان الذي لم يكن بالنسبة إلى الجميع سوى اسم على خارطة. لم يكن (المرشد) في (ناتوبا). حقق أفراد الشرطة المبتلّون بالعرق مع مشاوري البلدية وسكان البلدة قبل أن يرحلوا بحثاً عن هذا الثائر الذي سيعودون باسمه الذائع وأسطورته إلى الساحل وينشرون اسمه في شوارع (باهيا). وبقيادة أحد أدِلاء الأثر المحليين، اختفوا ببزاتهم الزرق والخضر البارزة في ضوء الصباح المشرق، داخل الفيافي في طريقهم إلى (كومبي).
لبثوا أسبوعاً آخر يقتفون أثر (المرشد) صعوداً ونزولاً في أرض رملية تكسوها نباتات الـ(ماندركاس) الشوكية وقطعان غنم متضورة جوعاً تنبش هنا وهناك بين الأوراق الذابلة. لقد رآه الجميع ماراً بهم، ففي يوم الأحد الماضي كان قد صلّى في هذه الكنيسة، ووعظ في تلك الساحة العامة، ونام حذو تلك الصخور. وأخيراً وجدوه على مبعدة سبعة فراسخ من (توكانو) في مستوطنة تدعى (ماسيته) هي عبارة عن مجموعة من أكواخ من اللبن مكسوة بقرميد مستديرة قرب (سيرادي اوفو). كان الغسق قد حلّ. لمحوا نسوة يحملن أباريق على رؤوسهن، فتنهدوا مرتاحين لقرب انتهاء مهمتهم التفتيشية. كان (المرشد) ممضياً الليلة مع "شفر ينوفيانا" وهو فلاح يملك حقل ذرة على بعد كيلو متر خارج المستوطنة. خرج رجال الشرطة إلى هناك خبياً بين أشجار (الجوازيرو) ذوات الأغصان الحادة الأطرف وأجمات الـ(فيلامي) التي تهيج جلودهم. وحين وصولهم، في الغبش، رأوا مسكناً لا يتكون إلا من سياج خشبي، ورهطاً من خلائق غير محددة الشكل تجمعت حول شخص ما لابد أن يكون الرجل الذي كانوا يبحثون عنه. لم يهرب أحد. لم يشرع أحد بالصياح والصراخ عند رؤية بزاتهم وبنادقهم.
هل كانوا مئة هناك، مئة وخمسين؟ كان عدد الرجال قدر عدد النساء، وبدا أن أكثرهم كما ظهر من الملابس التي كانوا يرتدون، قد جاءوا من صلب أفقر الفقراء. كانت في عيون الجميع نظرة تصميم لا يقهر – كما أخبر أفراد الشرطة، الذين عادوا إلى (باهيا) بعدئذ، زوجاتهم أو عشيقاتهم، والمومسات اللواتي كانوا يضاجعونهن، وأصدقاءهم. لكن في الحقيقة، لم يكن لديهم متسع من الوقت لملاحظتهم أو تشخيص زعيم الزمرة. لقد أمرهم العريف المسؤول آنذاك أن يسلموا الرجل المعروف (بالمرشد)، فهاجمهم الحشد. عمل طائش تماماً نظراً لحقيقة أن افراد الشرطة كانت لديهم بنادق في حين لم يتسلح أولئك بغير العصي والمناجل والحجارة والمدي وبندقيتي رش. غيران كل شيء حصل بدرجة من السرعة بحيث وجد رجال الشرطة أنفسهم، قبل أن يدركوا ما جرى، مطوقين، مشتتين، مطاردين، مضروبين ومصابين وهم يسمعون كلمة "جمهوريين!" تطلق عليهم، كما لو كانت الكلمة شتيمة. وأخيراً تمكنوا من تثبيت بنادقهم على أكتافهم وإطلاق النار. لكن حتى عندما تساقط الرجال والنساء بأسمالهم البالية أرضاً، وصدورهم ممزقة بالرصاص، أو رؤوسهم متطايرة، لم يغش الحشد أي شيء، وسرعان ما وجد أفراد شرطة (باهيا) أنفسهم لائذين بالفرار، دائخين مذهولين جراء هذا الاندحار الذي لا يمكن فهمه. قالوا فيما بعد إنه لم يكن من بين مهاجميهم أولئك المتعصبون والمجانين الذين كانوا يتوقعونهم حسب، بل مجرمون مخضرمون كذلك مثل "باجو" ذي الوجه المشروط وقاطع الطريق الذي أكسبته الفظائعُ التي ارتكبها لقب "جواو" الإبليس. لقد قتل ثلاثة من عناصر الشرطة، تُرِكوا من غير دفن زاداً لطيور الرمّة في (سيرا دي اوفو)، كما اختفت ثمان بنادق، وغرق شرطي في (ماستيه). لم يتعقبهم الحجاج، واهتموا بدل ذلك بدفن موتاهم الخمسة والعناية بالجرحى، في حين قدّم آخرون شكرهم للربّ، وهم راكعون عند قدمي (المرشد). كان يمكن سماع أصوات النحيب والصلاة على أرواح الموتى حتى ساعة متأخرة من الليل، وسط اللحود التي حفرت في حقل ذرة (سفرينوفيانا).
حين ترجلتْ من القطار في (سيرنيا) قوة ثانية من شرطة (باهيا) يبلغ عددها ستين فرداً، مسلحة على نحو أفضل من الأولى، اكتشفت تغيراً ماكراً في موقف القرويين حيال الرجال المرتدين بزات رسمية. فمع أن العداوة، التي كانت الشرطة تُسْتَقْبَل بها في المدن حين كانت تصعد إلى التلال تصيّداً لقطاع الطرق، لم تكن جديدة عليهم، فإنهم لم يكونوا متيقّنين قط مثل تيقنهم هذه المرة من العراقيل التي وضعت في طريقهم عن قصد. فمؤن المتاجر العامة قد نفذت تواً، وعلى الدوام، حتى لو عرضوا على القرويين أسعاراً جيدة لقاءها. وبالرغم من الأجر العالي المعروض، لم يقم أي دليل من أدلاء الأثر في (سيرنييا) بإرشادهم. كما لم يستطع أحد هذه المرة أن يدلّهم أبسط دلالة على مكان العصبة. وفي حين كان أفراد الشرطة يترنحون من (الهوس داغوا) إلى (بدرا ألتا)، من (تراكويا) إلى (تريركا)، ومن هناك إلى (توكانو) ومن ثم إلى (كارائيبا) و(بونتال)، وأخيراً رجوعاً إلى (سيرينيا)، ولا يلقون سوى نظرات اللامبالاة وسلبيات الأسف وهزة أكتاف اللامعرفة من جانب رعاة البقر والفلاحين والحرفيين والنساء ممن كانوا يتلقونهم في الطريق، شعروا كأنهم يحاولون أن يضعوا أيديهم على سراب: العصبة ما مرّتْ من هنا، ما من أحد شاهد الرجل ذا الشعر الأسود والجلد الداكن والمرتدي رداء أرجوانياً غامقاً، ولم يعد أحد يتذكر أن المراسيم قد أُحرقت في (ناتوبا)، كما لم يسمعوا بحصول مقابلة مسلحة في (ماسيته). وعند عودة أفراد الشرطة إلى عاصمة البلاد سالمين آمنين، لكنْ محبطين، قرروا أن قطيع المهووسين – المتحلقين برهة عابرة، مثل آخرين كثيرين، حول امرأة أو واعظ شديد الورع – قد تشتت من دون ريب، وفي هذه المرحلة لابد أن أفراده المرتاعين من سيئاتهم قد تفرقوا شذر مذر بعد أن يكونوا قد قتلوا زعيمَ عصابتهم على الأرجح. ألم يكن مثل ذلك قد حدث مرات كثيرة في المنطقة؟
بيد أنهم كانوا على خطأ. فمع أن الوقائع كانت على ما بدا تكراراً لأنماط قديمة من التاريخ، إلا أن كل شيء قد اختلف هذه المرة. فقد أصبح التائبون أكثر اتحاداً منهم في أي وقت مضى. فبدلاً من أن يقتلوا القديس بعد النصر في (ماسيته)، زادوا إجلالاً له. وفي صباح اليوم التالي للاشتباك قام (المرشد)، الذي كان قد صلى كثيراً طوال الليل على قبور الثوار الموتى، بإيقاظهم. وجدوه مكتئباً أشد الاكتئاب. أخبرهم أن ما حدث في مساء اليوم السابق كان من دون شك، مقدمة لعنف أشد، وطلب إليهم أن يعودوا إلى بيوتهم ذلك إنهم إذا ما واصلوا السير معه فقد يكون مصيرُهم السجنَ أو الموت مثل إخوانهم الخمسة الذين غدوا في محضر (الأب). لم يتحرك أحد. جالت عيناه في المئة، المئة والخمسين، المئتين من الأتباع ذوي الاسمال البالية الموجودين قبالته، وهم لا يزالون جد متأثرين بفيض عواطف الليلة السابقة، بينما كانوا يستمعون إليه. لم يحدق اليهم حسب، بل بدا أنه كان يراهم أيضاً، قال لهم برفق: "اشكروا المسيح المبارك، فالظاهر أنه اختاركم لتكونوا قدوة).
تبعوه بأرواح تجيش عاطفة – ليس بسبب ما قاله لهم حسب، بل، كذلك، بسبب الرقة في صوته الذي كان صارماً وغير شخصي على الدوام. كان اللحاق به عملاً شاقاً بالنسبة إلى بعضهم وهو يغّذ السير بالخطوات الواسعة لطيرٍ خوّاصٍ طويل الساقين، في المسلك الذي لا يصدق، المسلك الذي اختاره لهم هذه المرة. كان مسلكاً لا يصلح لدواب الحمل ولا لرجال العصابات. لقد رّجح أن يقودهم مباشرة عبر صحراء بِكْرٍ فيها صّبار وشجيرات خفيفة متشابكة وصخور خشنة. بيد أنه لم يتردد قط بشأن مقصده. وخلال وقفة الليلة الأولى، بعد أداء صلاة الشكر المعتادة وقيادتهم في تلاوة (سلسلة الصلوات)، تحدث إليهم عن الحرب وعن بلدان يقتل بعضها بعضاً من أجل الغنائم، مثل الضباع إذ تتقاتل من أجل الجيف، معلناً في حزن شديد بأنه مادامت البرازيل قد أصبحت جمهورية فلسوف تتصرف، هي الأخرى، مثل بقية الشعوب الضالة. كما سمعوه يقول لابد أن "قان" يحتفل فرحاً، وأن الوقت حان لوضع الأسس وإقامة معبد يكون، حين يأتي نهاية العالم، ما كانته (سفينة نوح)في البداية.
وأين سيضعون الأسس ويقيمون هذا المعبد؟ عرفوا الجواب بعد أن اجتازوا وهاداً وأنهراً ضحلة وسلاسل ذرى مثلَّمة وغابات خفيضة – سفرات أيام تولد وتموت مع الشمس – مرتقين سلسلة كاملة من الجبال وعابرين نهراً فيه قليل القليل من الماء يُسمّى فازا - يارس).
قال المرشد مؤشراً إلى مجموعة أكواخ، غير بعيدة كانت من قبل مأوي للعمال الفقراء، وإلى القصر المتهدم الذي كان يوماً قصر العزبة حين كان المكان مزرعة شاسعة: (سنستقر هنا). تذكر بعضهم أنه كان، منذ سنين خلت، ولا يزال يتنبأ في أحاديثه الليلية أن الذي اختاره المسيح المبارك سوف يجد، قبل الأيام الأخيرة، ملاذاً في أرض عالية متميزة لا يدخلها إلاّ المطهرون ولسوف يتمكن أولئك الذين قاموا بهذا الصعود الطويل إلى هذه المرتفعات من التيقن من الراحة الأبدية. هل بلغوا، إذن، أرض الخلاص؟ تابعوا المضي إلى (كانودوس) وراء دليلهم فرحين، متعبين، وهناك كانت عائلتا الأخوين "فيلا نوفا"، وهما تاجران يملكان متجراً فيها، وسائر سكان المكان قد خرجوا لمشاهدة مقدمهم.
**
الشمس تحرق الأراضي الخلفية فتحيلها حجراً، وتتلألأ على أمواه (إتابيكورو) السود المخضرة، وتنعكس من على دور (كيماداس) التي تفّ بالطرف الأيمن من النهر، عند قعر أخاديد الطين المحمّر. أشجار قليلة تلقي ظلا لها على الأرض الصخرية المتحدّرة الممتدة شرقاً باتجاه "ياكودا اونسا". يتوجه الراكب – ذو الجزمة العالية والقبعة العريضة الحاشية والجلباب الأسود – يرافقه ظله وظل بغله، غير متعجل، صوب أجمة من شجيرات رمادية اللون. وإلى الخلف منه، وعلى مسافة نَأَتْ فعلاً، لا تزال سقوف (كيماداس) تتلألأ كأنها نار. وإلى يساره، وعلى بعد مئات عدة من الأمتار، يمكن رؤية كوخ على قمة مرتفع. ظفائره السميكة المنسدلة من تحت قبعته، ولحيته الصغيرة الحمراء، وملابسه، معفّرة بالتراب. يتصبب عرقاً غزيراً، ويمسح جبهته بيده، ويُجري لسانه على شفتيه المتيبستين مرة تلو مرة. وعند أول مجموعة من صغير الشجيرات، في الأجمة، يكبح جماح البغل وتتفحص عيناه الزرقاوان المكان هنا وهناك بكل توق، وأخيراً يتبين رجلاً ذا صندال وقبعة جلدية وسروال قطني وبلوز قطني خشن، ومدية ضخمة مثبتة في نطاق خصره، راكعاً على بعد بضع أقدام منه وهو يتفحص فخاً.
يسأل: ("روفينو"؟ "روفينو" الدليل من "كيماداس"؟). يستدير الرجل ببطء نصف استدارة، كما لو كان شاعراً بوجوده بعض الوقت، ويضع إصبعاً على شفتيه مشيراً له أن يصمت: (إش...إش) . وفي الوقت نفسه، يلقي نظرة عليه، وللحظة بان العجبُ في عينيه السوداوين، ربما بسبب لَكْنَةِ القادم الجديد الغريبة بالبرتغالية، أو ربما بسبب ملبسه الجنائزي. يسحب "روفينو" – الشاب ذو البدن النحيف اللدن والوجه البارز العظام، غير الملتحي، الملفوح، مديته من نطاقه ويستدير ثانية نحو فخه المخبوء تحت الأوراق، وينحني عليه من جديد ويشدُّ شبكةً: يجرّ من الفتحة خليطاً مشوشاً من ريش اسود ينقّ، إنه فرخ نسر لا يستطيع أن يغادر الأرض لأن إحدى قدميه قد وقعت في شباك الفخ. يبدو على وجه الدليل تعبير الخيبة، فيطلق سراح الطير القبيح من الشبكة بطرف المدية ويرقبه يختفي في الهواء الأزرق، مصفقاً جناحيه على نحو بائس.
يتمتم مشيراً إلى الفخ: (في إحدى المرات، قفز نمر مرقط عليّ هاجماً. كان قد أمسى أعشى بعد بقائه في تلك الحفرة ساعات ما أكثر عددها). يومئ "غاليليوغال" إيجاباً، ينتصب "روفينو" ويخطو خطوتين نحوه. أما وقد تحرر الغريب ليتكلم فإنه يبدو متردداً. يقول، بعد لأي : (ذهبتُ إلى بيتك باحثاً عنك فأرسلتني زوجتك إلى هنا).
ينبش البغل الأوساخ بحافريه الخلفيين، ويمسك "روفينو" رأسه ويفتح فمه. وفيما يتفحص أسنانه بنظرة العارف، يبدو متفكراً بصوت عالٍ: (يعرف مدير محطة "جاكوبنيا" حالتي. إني رجل عند كلمته، ولسوف يخبرك أي رجل في "كيماداس" بذلك إن ذاك لعملٌ شاق. وحيث أن "غاليليوغال" لا يجيب، يستدير "روفينو" ليلقي نظرة عليه، ثم يسأله، متكلماً بتأن بعد إدراكه بأن الغريب يلاقي صعوبة في فهمه: (ألست من شركة السكك الحديد؟). يدفع "غاليليوغال" قبعته دفعاً خفيفاً إلى الوراء ويشير بذقنه صوب التلال الصحراوية المحيطة بهما من كل صوب: (أريد الذهاب إلى "كانودوس"). يتوقف ثم يطرف بعينيه كأنه يخفي تحمسهما، ويضيف قائلاً: (أعرف أنك قد صعدت إلى هناك مرات كثيرة). تبين على وجه "روفينو" نظرةٌ جادة جداً. تشرع عيناه تتفحصانه الآن بعدم ثقةٍ لم يكلف نفسه عناء إخفائها. يقول بحرص: (تعودتُ الذهاب إلى "كانودوس" حيث كانت مرعى للأبقار، ولم أعد إليها منذ تخلي البارون "دي كانا برافا" عنها). يجيب "غاليليوغال": (لا يزال الطريق إلى هناك هو نفسه).
إنهما واقفان مُتدانيين جداً، يتفحص كل منهما الآخر. ويبدو أن التوتر الصامت تعداهما إلى البغل الذي يرفع رأسه بحركة مفاجئة ويبدأ بالانكفاء. يسأل "روفينو" وهو يهدّئ الدّابة بضرب رقبتها خفيفاً: (هل أرسلك البارون "دي كانا برافا" نفسه؟). يهز "غاليليوغال" رأسه، ويكفّ الدليل عن متابعة الأمر، ثم يُجري يده على إحدى قائمتي البغل الخلفيتين ويحمل الدابة على رفعها ثم يقعد القرفصاء ليتفحص الحافر. يتمتم قائلاً: (ثمة أمور تجري في "كانودوس". فقد هجم الناس الذين احتلوا مزرعة البارون على جنود الحرس القومي في "اواوا". وقيل إنهم قتلوا عدداً منهم). يقول "غاليلو غال" بصوت قابع* تصاحبه بسمة:(أتخشى أن يقتلوك؟.. هل أنت جندي؟). أخيراً وجد "روفينو" ما كان يبحث عنه في الحافر – ربما شوكة أو حصاة صغيرة، ضاعت في يديه الضخمتين الخشنتين. يقذفها بعيداً، ويطلق الحيوان.
يجيب هادئاً، مع مجرد أثر ابتسامة: (أخاف؟ كلا، البتة. إن "كانودوس" تبعد مسافة طويلة عن هنا). – (سأدفع لك أجراً معقولاً). وإذ تخنقه الحرارة، يأخذ "غاليليوغال" نفساً عميقاً ويخلع قبعته وينفض شعر رأسه المنسدل الأحمر المجعد (سوف نرحل في غضون أسبوع أو عشرة أيام في الأكثر. ثمة شيء واحد مؤكد: لابد أن نكون حريصين جداً). ينظر الدليل "روفينو" إليه من دون أن يُطْرِف عيناً، من دون أن يلقي عليه أي سؤال. يضيف "غاليليوغال" وهو يلعق شفتيه: (وبسبب ما حدث في "اواوا"، يجب أن لا يعرف أحداً أننا قاصدان "كانودوس"). يشير "روفينو" إلى الكوخ الوحيد المصنوع من طين وسياج خشبي، وشبه الذائب في الضوء على قمة المرتفع، ويقول: (تعال إلى بيتي وسوف نبحث الأمر ونقّلبه). يشرعان بالسير، يتبعهم البغل الذي يقوده "غاليليو" بالعنان إنهما بالطول نفسه تقريباً. بيد أن الدخيل أكثر امتلاءً، وخطوة أقوى على نحو يكاد يكون مفرطاً، في حين إن الدليل يبدو طائفاً فوق الأرض. إنها الظهيرة، وقد ظهر بضع غيمات بيض ضاربة إلى الصفرة في السماء.
يتلاشى صوت الدليل في الهواء وهما سائران: (من أخبرك عني؟ وإذا لم اكن متطفلاً، ما الذي يدعوك إلى قطع مثل هذا الطريق الطويل؟ ما الذي أضعته هناك في "كانودوس"؟)
* *
في صباح يوم غير ممطر، ظهرت هي عند طلوع النهار فوق قمة تل في الطريق من "كيجنغ" حاملة صليباً من خشب على ظهرها. كان عمرها عشرين تماماً لكنها كانت قد عانت كثيراً حتى بدت كهلة. كانت امرأة عريضة الوجه، مكدومة القدمين، جسمها لا شكل له وجلدها بلون جلد الفأر. كان اسمها "ماريا كوادرادو". وكانت في طريقها من (سلفادور) إلى (مونته سانو) مشياً على القدمين. كانت لا تزال مستمرة في جرَّ الصليب على ظهرها منذ ثلاثة أشهر ويوم. وعلى الدرب الذي كان يخترق مضايق صخرية وغابات خفيضة تزخر بالصبّار وصحارى تثير الرياح فيها أبالسة ترابية تعوي، ومستوطنات تتألف الواحدة منها من شارع موحل وحيد وثلاث نخلات، ومستنقعات موبوءة حيث تغطس الأبقار أجسامها هرباً من الخفافيش. كانت "ماريا كوادرادو" تنام في العراء، باستثناء المرات القليلة جداً التي كان يعرض فيها حطّابٌ أو راعٍ كان ينظر إليها نظرته إلى قديسة أن تشاركه مأواه. كانت تقيم أودها في العيش على قطع من سكر أسمر كان ذوو النفوس الخيرة ينفحونها إياها، وفاكهة برية تقطفها من الأشجار والشجيرات حين تزأر معدتها بعد جمع طويل الأمد. وإذ غادرت "ماريا كوادرادو" (باهيا)، وهي مصممة على الحج إلى الجمجمة* الأعجوبية في (سيرا دي بيكاراجا) حيث كان درب بطول كيلو مترين – محفور في سفوح الجبل وتنتشر عليه كنائس صغيرة مقامة واستذكاراً لصلب المسيح – يؤدي إلى كنيسة الصليب المقدس لـ(مونته سانتو)، التي كانت هي قد نذرت أن تبلغها مشياً على القدمين استغفاراً لذنوبها، كان شعرها مضفوراً جدائل معقودة بشريط، وكانت ترتدي تنورتين وبلوزة زرقاء وزوجاً من الأحذية الحبلية النعل، بيد أنها وهبت ملابسها إلى الشحاذات في طريقها: وسُرِق حذاؤها منها في (بالميرا دوس انديوس)، حتى أنها حين لاحت لهما (مونته سانتو) في ذلك الفجر كانت حافية القدمين وكان ملبسها الوحيد كيساً من قماش (الاسيارتو) ذا ثقبين للذراعين. كان رأسها ذو خصلات الشعر المقرطعة على نحو فظ والجمجمة العارية يذكّر الرائي برؤوس مجانين المصح في (سلفادور). لقد سبق أن قصَّت كل شعرها بعد أن اغتُصِبَتْ للمرة الرابعة. أجل لقد اغتصبت أربع مرات منذ بدء رحلتها: اغتصبها رجلُ أمنٍ وراعي بقر. واثنان من صيادي الغزلان معاً، ثم راعٍ للمعز كان قد آواها في كهفه. لقد شعرت، في المرات الثلاث الأولى، في أثناء تدنيسهم إياها، بالاشمئزاز فقط من أولئك الوحوش الذين كانوا يختضون فوقها كمن استبدت به رقصة القديس "فيتوس" وتحملت محنتها متضرعة إلى الله ألا يتركوها حاملاً. لكن في المرة الرابعة شعرت بدفق من التأسي تجاه الشاب الراقد فوقها والذي شرع، بعد أن ضربها التذعن له، يُسْمِعَها رقيق الكلام متلعثماً. وعقاباً على هذا التعاطف، قرطمت شعرها وأحالت نفسها إلى غول مضحك مثل أولئك الذين يعرضهم سيرك الغجر في بلدات (السيرتاو).
عند بلوغ قمة التل، حيث شاهدت أخيراً مكافأة جميع مساعيها – سلسلة الدرجات الصخرية الرمادية والبيض (للطريق المقدس)، متلوية بين السقوف المخروطية للكنائس الصغيرة، صعوداً حتى تمثال (المصلوب) في القمة، حيث تزدحم جموع غفيرة من الناس من جميع أصقاع ولاية (باهيا) في كل (أسبوع مقدس). ونزولاً، عند سفح الجبل شاهدت المنازل الصغيرة في (مونته سانتو) تتزاحم حول ميدان عام فيه شجرتا تمر هندي كثيفتا القمتين وتتحرك فيه الظلال – هناك ارتمت "ماريا كوادرادو" أرضاً على وجهها ولثمت التراب. هوذا – يحفّ به سهل تكسوه خضرة نمت جيداً حيث تكلأ قطعان المعز - هوذا المكان الذي طال الاشتياق إليه والذي حفّزها اسمه على القيام بالرحلة والذي أعانها تحمل التعب والجوع والبرد والحر والاغتصاب مرة بعد أخرى. وإذ قبَّلت المرأة ألواح الخشب التي سمّرتها معاً بنفسها لصليبها، شكرت ربها في دفق مختلط من الكلمات لتمكينها من تحقيق نذرها. ثم سارت خَبَباً ومعها الصليب مرة أخرى قاصدة (مونته سانتو) وكأنها حيوان تدلّه حاسةُ شَّمه على أن يجعل فريسته أو زريبته في متناول اليد. دخلت البلدة عند استيقاظ الناس تماماً، فأثارت الفضول وراءها، من باب إلى باب، ومن نافذة إلى نافذة وجوهٌ مستمتعة، وجوهٌ متأسية، برزت لتشاهدها- عليلة قذرة، قبيحة، طال أمد معاناتها. وحين بدأت ترتقي (روادوس سانتوس باسوس) – المنشأ فوق الوهدة التي كانت قمامةُ البلدة تُحرَق وخنازير البلدة تَنْبُش فيها، عند بدء (الطريق المقدس) – تبعها موكب ضخم، شرعت ترتقي الجبل على ركبتيها، يحف بها سائو البغال الذين تركوا أعمالهم، واسكافيون وخبازون، وجمعٌ من صغار الصبيان، ونسوة ورعات انتزعن أنفسهن من (تاسوعية) الصباح. شاهدها أهل البلدة الذين نظروا إليها ببساطة نظرتهم إلى شخص غريب الأطوار – شاهدوها عند بدء صعودها تجرّ نفسها إلى الأعلى في ألم، حاملةً الصليب الذي لابدّ أنه كان يزن مثل وزنها، رافضةً السماح لأيّ امرئ أن يساعدها. كما شاهدوها تتوقف للصلاة عند كل من الكنائس الصغيرة الأربع والعشرين وتلثم، وعيناها مترعتان بالحب، أقدام التماثيل في جميع المحاريب المقنطرة في واجهة الصخر، كما شاهدوها تصمد ساعة إثر ساعة من دون أن تأكل لقمة واحدة أو تشرب قطرة ماء واحدة، فإذا ما حلّ الليل بجَّلوها مثلما يبَّجلون قديسة حقيقية. وصلت "ماريا كوادرادو" إلى ذروة الجبل – وهو عالم قائم بحد ذاته حيث الطقس بارد على الدوام وأزهار (الأوركيد) نامية بين الصخور الضاربة إلى الزرقة. ومع ذلك بقيت لديها قوة كافية لتشكر الله على حظها المبارك، قبل أن تسقط مغشياً عليها.
كثيرون من أهالي (مونته سانتو)، الذين لم ينحسر كرم ضيافتهم الذي يضرب فيه المثل جراء غزو الحجيج بين مدة ومدة، عرضوا السكن على "ماريا كوادرادو" بيد أنها أقامت في كهف يقع في منتصف الطريق إلى (الطريق المقدس)، حيث كان من قبل مناماً للطيور والقوارض فقط. كان تجويفاً صغيراً ذا سقف واطئ جداً بحيث أنها لم تكن لتستطيع أن تقف منتصبة فيه، وذا جدران رطبة جداً بسبب الماء النازل قطرةً قطرة حتى صارت مكسوة بالطحلب، وذا أرضية من الحجر الرملي كان يجعلها تعطس. ظل أهل البلدة أن ذلك المكان سرعان سيشهد نهايتها. لكن قوة الإرادة التي مكنت "ماريا كوادرادو" من السير ثلاثة أشهر حاملة صليباً ثقيلاً على كاهلها مكنتها كذلك من العيش في ذلك الحجر غير المضياف طيلة السنوات التي مكثت فيها في (مونته سانتو).
صار كهف "ماريا كوادرادو" مزاراً، وأكثر المقامات حظوة بزيارة الحجاج، هو وتمثال (المصلوب). وبمرور الشهر شرعت تزّينه شيئاً فشيئاً. صنعت أصباغاً متعددة الألوان من عصارة النباتات ومساحيق المعادن ودم حشرات القرمز الذي يستخدمه الخياطون في صبغ الملابس. وإزاء خلفية زرقاء قُصِدَ بها أن تعني قبة الفلك، رسمت أشياء لها صلة بآلام المسيح: المسامير التي دُقَّت في كفيه وقدميه، والصليب الذي حمله على ظهره وعليه قضى نحبه، تاج الشوك الذي أنغرز في صدغيه، رداء استشهاده، رمح قائد المئة الذي اخترق لحمه، المطرقة التي دقت بها المسامير، السوط الذي جلده، الاسفنجة التي شرب منها النبيذ الحامض، النّرد الذي كان الجنود الكفرة يلعبون به عند قدميه، والكيس الحاوي قطع الفضة الذي أُعطي لـ"يهودا" مكافأة على خيانته. كما رسمت الكوكب الذي دلّ (الملوك الثلاثة) والرعاة إلى (بيت لحم)، وكذلك (قلباً مقدساً) يخترقه سيف. كما صنعت مذبحاً وخزاناً لخزن براقع تستعملها التائبات، وخصصت مكاناً لتعليق النذور. أما هي فكانت ترقد عند قاعدة المذبح على فراش من قش.
لقد جعلتها طيبتها وإخلاصها محبوبة أهالي بلدة (مونته سانتو) الذين تبنّوها كما لو كانت عاشت هناك طيلة حياتها. وسرعان ما طفق الأطفال يسمونها العّرابة. وشرعت الكلاب بالسماح لها بدخول البيوت والساحات من دون أن تنبح عليها. كانت حياتها مكرسة للّه وخدمة الآخرين. كانت تقضي ساعات عند أسَِّرة المرضى، تغسل جباههم بالماء وتصلي من أجلهم. كما كانت تساعد القابلات في رعاية النساء عند الولادة، وترعى صغار نسوة الجيران اللواتي يضطرون إلى التغيب عن بيوتهن. كانت على استعداد للقيام بأكثر المهمات إيثاراً، مثل مساعدة الطاعنين في السن العاجزين عن تولي حاجاتهم الطبيعية بأنفسهم. كانت الصبايا اللواتي في سن الزواج يسألنها النصيحة حول من يتقدم للزواج منهن، وكان الصبيان المغازلون الصبايا يتوسلون إليها أن تتوسط لهم لدى أولياء أمور حبيباتهم في حالة امتناع أولئك عن تزويجهن إياهم. كانت تصالح الأزواج المتخاصمين، وكانت النسوة اللواتي يحاول بعولهن ضربهن لكسلهن، أو قتلهن لارتكابهن الزنا يبادرن إلى اتخاذ كهفها ملاذاً، لمعرفتهن أنه ما من رجل في (مونته سانتو) يتجرأ على أن يمسهن بأي أذى ما دامت هي خامتيهن. كانت تأكل أي شيء يعطى إليها صَدَقَةً، وبكميةٍ تبلغ من القلة بحيث أن الطعام الذي يتركه المؤمنون في كهفها كان يجاوز كفايتها دوماً. وفي كل عصر كانت تُشاهَدُ وهي تشارك الفقراء ما تبقى لديها من طعام. كما كانت توزع عليهم الملابس التي كانت تعطى إليها. ولم يكن أحد قد شاهدها قط، سواء في الجو الحسن أم الرديء مرتدية أي شيء سوى الكيس، المصنوع من قماش (الاسيارتو) المليء بالثقوب، الذي كانت ترتديه يوم قدومها.
لم تكن علاقتها بأفراد إرسالية (ماسكارا) الذين قدموا إلى (مونته سانتو) للاحتفال بالقداس في كنيسة (قلب المسيح المقدس) علاقة حميمة. كانوا لا ينفكون يحذرون الناس من الضرب الخاطئ من التدّين، الضرب الذي فلت من سيطرة الكنيسة، مشيرين في سبيل المثال إلى "بدراس أيتكانتا داس" في منطقة (أس فلورس) في (برنامبوكو) حيث كان الضال "جواو فريرا" ورهط من الأنصار قد نثروا دَمَ عشرات الأشخاص (بضمنه دمها) على الصخرة آنفة الذكر معتقدين بأنهم بتلك الطريقة سيبطلون السحر الذي كان قد قيَّد الملك "دوم سباستياو" أحد حكام البرتغال الذي كان قد اختفى على نحو غامض في أثناء جهاده ضد المغاربة، ويعيدون الحياة إلى الذين لقوا حتفهم في المعركة الأخيرة، ويقودون الطريق إلى الفردوس. كانت "ماريا كوادرادو" تمثل، بالنسبة إلى إرساليات (ماسكارا) حالةً وسطية تتاخم الضَّلال. أما هي فكانت تركع عند مرور أفراد الإرساليات وتقبل أيديهم وترجو مباركتهن. بيد أنه لم يعرف عنها بأنها عقدت يوماً مع أولئك (الآباء) ذوي الأردية الشبيهة بالأجراس، واللحن الطويلة، وأسلوب الكلام الذي غالباً ما يعب فهمه، صلات حميمة وصميمية مثل تلك التي ربطتها بأهالي (مونته سانتو). كان أفراد الإرساليات يخدرون المؤمنين في مواعظهم، كذلك، من الذئاب التي تتسلل إلى الزريبة بمظهر الحملان لتلتهم القطيع كله: أي من أولئك الأنبياء المزيفين الذين كانت (مونته سانتو) تجتذبهم كما تجتذب العسل الذباب. كانوا يظهرون في أزقتها الضيقة مرتدين جلود الخراف مثلما فعل "يوحنا المعمدان" أو سترات تشبه الأردية الكهنوتية ويصعدون صوب تمثال (المصلوب) ويباشرون من فورهم بإلقاء مواعظ نارية غير مفهومة. كانوا مصدراً عظيماً لتسلية البلدة بكاملها، تماماً مثل رواة الحكايات الجّوالين، أو "بدرم" الجبار، أو (السيدة الملتحية) أو(الرجل الذي لا عظام له) في سيرك الغجر. لكن "ماريا كوادرادو" لم تقرب قط رهط الحواريين الذين كانوا يتحلقون حول هؤلاء الوعاظ الهمج. ولذلك تعجب أهالي البلدة حين شاهدو "ماريا كوادرادو" تتجه في أحد الأيام صوب المقبرة، حيث شرع ورهط من المتطوعين ببناء جدار حولها بعد أن حضّهم على ذلك رجل طويل الشعر، ذو بشرة غامقة اللون، يلبس رداءً أرجوانيا غامقاً، والذي ما إن وصل إلى البلدة صباح ذلك اليوم مع جمع من الحواريين (بينهم مخلوق نصف إنسان نصف حيوان، كان يجري على الأربع) حتى أنّبهم لأنهم لم يكلّفوا أنفسهم حتى إقامة حائط حول الأرض التي دُفِنَ فيها موتاهم. ألم يكن مناسباً ولائقاً أن يُوقَّر الموت، وهو الذي يتيح للإنسان أن يرى وجه الله؟ وبصمت انضّمت "ماريا كوادرادو" إلى الناس الذين كانوا يجمعون الحجارة ويكوّمونها في صف ملتوٍ يحيط بالصلبان الصغار التي أحرقتها الشمس، وشرعن في المساعدة. اشتغلت معهم كتفاً لكتف حتى الأصيل وبعده لبثت في الساحة الرئيسية تحت شجرتي التمر هندي بصحبة رهط تجمعّ ليستمع إلى الرجل ذي البشرة الغامقة. ومع أنه ذكر الله وقال إن من المهم لخلاص روح إنسان ما أن يدَّمر هذا الشخصُ إرادته أو إرادتها – فهذهِ سمٌّ أَوْهَمَ كلَّ فرد بأنه إله صغير أعلى شأناً من الآلهة الذين حوله – أن يُحَّل محلَّها إرادةَ (الشخص الثالث)، الشخص الذي بنى، الشخص الذي كدَّ واجتهد، (النملة الدؤوب)، وما شاكل ذلك، فإنه كان يتحدث عن هذهِ الأمور بلغة واضحة كانوا يفهمون كل كلمة منها. كان حديثه يبدو بالرغم من كونه دينياً وعميقاً، مثل أحد أحاديث ما بعد العشاء المسلية التي كانت الأسر تتبادلها خارجاً، في الشوارع، بينما كانت تنعم بنسائم المساء. كانت "ماريا كوادرادو" تمكث في الساحة، مكوَّرةً نفسها تماماً، وهي تنصت إلى (المرشد) من دون أن تسأله أي شيء، من دون أن ترفع نظرها عنه. وحين يتأخر الوقت ويعرض الباقون من سكان البلدة في الساحة على الغريب سقفاً يأويه ليرتاح ليلاً، كانت هي الأخرى ترفع عقيرتها – فيستدير الجميع نحوها – وتعرض عليه كهفها، في خجل. وكان الرجل النحيل يتبعها من دون تردد مرتقباً جانب الجبل. ظل (المرشد) طيلة مكوثه في (مونته سانتو) يرشد ويعمل، وينام في كهف "ماريا كوادرادو". لقد نظف وعمّر الكنائس الصغيرة المقامة على الجبل كلها، وبنى سوراً من الحجارة على جهتي (الطريق المقدس). وبعد حين أخذ الناس يقولون إنه ما كان ينام ولا هي، بل كانا يقضيان الليل يتحدثان عن أمور الروح عند قاعدة المذبح الصغير متعدد الألوان، في حين زعم آخرون أنه كان ينام على فراش القش بينما كانت هي تراقب نومه. وعلى كل حال لم تكن "ماريا كوادرادو" في الحقيقة لتتوقف عن ملازمته لحظة، تشاركه نقل الأحجار نهاراً، وتصغي إليه بعينين جد مفتوحتين ليلاً. ومع ذلك، استغربت البلدة كلها صباح اليوم الذي اكتشفت فيه أن (المرشد) قد غادر (مونته سانتو)، وان "ماريا كوادرادو" قد انضمت إلى أتباعه ورحلت معه.
* *
في ساحة في أعلي مدينة (باهيا)، يوجد مبنى صخري قديم تزينه أصداف بحرية سود وبيض وتحيط به، مثل السجون، جدران سميكة صفر. وكما قد خمّن بعض قرائي أنه حصن للظلامية: (دير سيدة الرحمة)، أحد أديرة (الكابوتشينيين)، وهم أفراد إحدى الطوائف المشهورة بممارسة عملية إخضاع الروح والحماسة التبشيرية. لِمَ أحدثكم عن مكان هو في عيون أي تحرري رمز لما هو مكروه؟ كي أنبئكم بما عرفته حين أمضيتُ عصر كل يوم كامل داخله قبل يومين.
لم أذهب إلى هناك لأتفحص طبيعة الأرض، لغرض نقل إحدى تلك الرسائل العنيفة تربوياً والتي يجب، كما يرى الكثير من الرفاق، أن يقَّدم إلى الثكنات العسكرية والأديرة وجميع قلاع الاستغلال والخرافة عموماً، ولذلك لغرض تحطيم سياج المحَّرمات الذي يؤطر هذهِ المؤسسات عادة في أذهان العمال، لتبين لهم أن تلك المؤسسات عرضة للهجوم عليها. (هل تذكرون الجماعة في برشلونة التي كانت تدعو إلى مهاجمة الأديرة وتحبيل الراهبات لكي يسترجعن وضعهن النسوي الذي حَرَمَهُنَّ العزل منه؟). ذهبت إلى هذا الدير لأتحدث إلى أخ* على وجه التحديد اسمه "جواو ايفانجليستا دي مونت مارشيانو" إذ صادف أن حالفني الحظ بقراءة حكاية غريبة كان هو مؤلفها.
إنه أحد مرضى الدكتور "خوزيه باتيستادي سا اوليفيرا"، الذي سبق أن حدثتكم عن كتابه في تقييس الجمجمة، والذي أتعاون معه في بعض المناسبات، وهو أحد أقرباء أقوى رجل في هذه الأصقاع، ألا وهو البارون "دي كانا برافا". وبينما كان الدكتور "اوليفيرا" يناوله المسهل لطرد دودة شريطية، روى الرجل الذي أشرت إليه، المدعو "ليليس بيداديس" المحامي كيف أن مزرعة تعود إلى البارون مضت على احتلالها مدة سنتين تقريباً حتى ذلك اليوم، وذلك من طرف مجانين أحالوها أرضاً حراماً. وقد ينطق بـ(ليليس بيداديس" مسؤولية الترافع أمام المحكمة من أجل إعادة المزرعة إلى البارون باسم حق الملكية الذي يشعر البارون آنف الذكر أن من واجبه الدفاع عنه بحماسة. إن حقيقة استيلاء رهط من المسُتَغَلّين على مُلْكِ أحد الاستقراطيين هي خير يسرّ مسامع الثوري على الدوام، حتى ولو كان الفقراء ذوو العلاقة متعصبين في الدين – كما زعم المحامي بينما كان معتقداً الحوض وهو يعصر بقوة لطرد الدودة الشريطية التي سبق أن نالت منها الكيمياء نيلاً. لكن الذي جعلني أتلع أذني هو سماعي، فجأة، أنهم يرفضون الزواج المدني ويمارسون شيئاً يسميه "ليليس بيداديس" "مجوناً". لكن أي امرئ عارف ببواطن الأساليب الاجتماعية سيتعرف عليه أنه مسلك الحب الحر. "وبدليلٍ على قيام مثل هذا الفساد سوف تضطر السلطات بحكم الضرورة إلى طرد المغتصبين من الأرض". كان دليل المحامي الناشئ عبارة عن هذه الحكاية آنفة الذكر التي كان قد حصل عليها بالتواطؤ مع الكنيسة، التي يسدي إليها خدماته هي أيضاً. لقد أُرسل الأخ "جواو ايفا نجليستادي مونت مارشيانو" إلى المزرعة من لدن رئيس أساقفة (باهيا) الذي كان قد تسلَّم إقرارات تدين الممارسات الضالة لشاغلي تلك الأرض. ذهب الراهب ليرى ما يجري في "كانودوس" وعاد بعد وقت قصير مرتاعاً ومستفَّزاً بما قد رأى.
إن روايته لَدَليلٌ على الكثير، ولا ريب أن التجربة كانت مُرَّرة بالنسبة إلى (الكابوتشيني) وبالنسبة إلى العقل المتحرر. فأن ما توصي به روايته بين سطورها المفرطة في الروحانية لشيء مثير فغريزة التحرر التي يخنقها المجتمع الطبقي بوساطة تلك الأدوات المستخدمة لتقويض ما هو فطري – الأُسَر، المدارس، الدين، والدولة – هذه الغريزة تقود خطى هؤلاء الرجال الذين تدل مظاهرهم كلها على أنهم ثاروا – ضمن ما ثاروا ضده – بوجه تلك المؤسسة التي تستهدف كبح المشاعر والرغبات. ولأن السبب المعلن هو رفض الانصياع للقانون الذي يبيح الزيجات المدنية والصادر في البرازيل بعد سقوط الإمبراطورية، فقد عمد أهالي (كانودوس) إلى عقد الإتحادات بحرّية، وحلّها بحرية إذ ما اتفق كل من الرجل والمرأة على ذلك، وكذلك عدم الاهتمام بأبوة الخلف المنجب في أرحام الأمهات منذ أن علّمهم زعيمهم أو موجههم – الذي يطلقون عليه اسم (المرشد) – أن جميع الأطفال شرعيون لمجرد حقيقة كونهم قد ولدوا. أليس في هذا كله شيء ما يبدو مألوفاً بالنسبة إليكم؟ كأن أفكاراً أساساً محدودة من ثورتنا جارٍ تطبيقها عملياً في (كانودوس).. أليس كذلك؟ حب متحرر، أبوّة متحررة، اختفاء الخط المشين الفاصل بين الذرية الشرعية وغير الشرعية، والاعتقاد بأن الإنسان لا يرث الكرامة ولا العار. وإذا تغلبنا على الشعور بالنفور الطبيعي فلنتساءل: هل كنتُ أنا مصيباً أم لا في زيارة هذا الأخ (الكابوتشيني)؟ كان المحامي الناشئ للبارون "دي كانا برافا" هو الذي أجرى ترتيب المقابلة اعتقاداً منه بأنني قد شغفت منذ سنوات بموضوع الخرافة الدينية (وهذا صحيح في واقع الأمر). تمت المقابلة في مطعم الدير، وهو غرفة امتلأت جدرانها بصور القديسين والشهداء مجاورة لرواق صغير مكسو بالقرميد، وحوض كان غالباً ما يأتي إليه رهبانٌ يرتدون القلنسوات والأردية بنية اللون ويتمنطقون بحبال بيض ليسحبوا منه دلاءً من الماء. غفر الراهب لي أسئلتي كلها وصار كثير الكلام حين اكتشف أننا نستطيع التحادث بالإيطالية، لغته الأصلية. إنه من أهالي الجنوب، لا يزال شاباً يافعاً، قصي القامة، بديناً، كثيف اللحية، ذا جبين جد عريض يشي بكونه مولعاً بأحلام اليقظة. أما تجويفا صدغية وسمك رقبته فدليل على طبيعة لئيمة، حقيرة وعصبية. وفي حقيقة الأمر، لاحظت من خلال الحديث أنه لا يزال ممتلئاً حقداً ضد (كانودوس) لفشل إرسالية التبشير التي جاءت به إلى هناك، وبسبب الخوف الذي لابد أنه قد عانى منه هناك حين كان بين الهراطقة الضاّلين.
ما علمته من بين شفتيه يكوّن مادة لأَعداد عدة من صحيفة (شرارة الثورة) وجوهر الموضوع أن المقابلة أكدت شكوكي بأن في _ (كانودوس) أناساً بسطاء عديمي الخبرة يقومون فعلاً، بقوة الفطرة والخيال حسب، بالكثير من الأشياء التي نعرف، نحن الثوريين الاوربيين إنها لازمة لإقامة حكم العدالة على الأرض. احكموا أنتم. لقد أمضى الأخ "جواو ايفانجليستا" أسبوعاً لا غير في (كانودوس) يصحبه اثنان من صنفه: (كابوتشيني) آخر من (باهيا) وراعي أبرشية إحدى البلدات المجاورة لـ(كانودوس) اسمه "دوم يواكيم" الذي –دعني أقولها عابراً – يكرهه الأخ "جواو" (إذ تيهمه بأنه سكير، غير طاهر، يشير تعاطف الناس مع الخارجين عن القانون). وقبل بلوغ (كانودوس)- بعد رحلة مضنية استغرقت ثمانية عشر يوماً – لاحظوا علامات التمرد والفوضى، وذلك لعدم موافقة أي دليل من الأدلاء على أخذهم إلى هناك: وحين صاروا على مسافة ثلاثة فراسخٍ من المزرعة التقوا دورية رجال يحملون بنادق طويلة المواسير ومدىً ضخمة قابلوهم بمزاج عدائي ولم يسمحوا لهم بالمرور إلا بفضل توسط "دوم يواكيم" الذي كانوا يعرفونه. وفي (كانودوس) التقوا جماعة من مخلوقات نحيلة شاحبة كالأموات، يزدحم بعضهم فوق بعض في أكواخ من طين وقش، مدججين بالسلاح "لحماية (المرشد) الذي سبق أن حاولت السلطات قتله". إن الكلمات المرتاعة لـ (كابوتشيني)، إذا استنكر انطباعه عند رؤيته تلك الكمية الضخمة من الأسلحة، لاتزال ترنّ في أذني. "لم يكونوا لينزعوها، لا عند الأكل ولا عند الصلاة، إذ كانوا فخورين بتسلحّهم بالبنادق القصيرة والقربينات والمسدسات والمدى وأحزمة الخراطيش، كما كانوا على وشك شنّ حرب. (لم أستطع أن أرُيه الحقيقة، وإن كنت قد أوضحت له أنهم وجدوا أن من اللازم شن هذه الحرب منذ احتلالهم أرض البارون بالقوة). لقد أكد لي أن من بين هؤلاء الرجال مجرمين مشهورين بسبب اعتداءاتهم الصارخة، وذكر أحدهم على وجه التحديد، "جواو الإبليس" "المعروف بقسوته في عرض المنطقة وطولها" والذي كان قد جاء للعيش في (كانودوس) مع عصابة من الخارجين عن القانون، وكان أحد ملازمي (المرشد). يروي الأخ "جواو ايفانجليستا" كيف لام (المرشد) بهذهِ الكلمات: (لماذا يُسمَح للمجرمين بالبقاء في "كانودوس" إن كان صحيحاً أنكم مسيحيون كما تّدعون؟). كان الجواب: (لنجعل منهم اناساً طيبين. فإن كانوا قد سرقوا أو قتلوا، فذلك بسبب الفقر الذي كانوا يعيشون فيه. إنهم يشعرون بأنهم جزء من العائلة الإنسانية هنا، وهم من أجل هذا شاكرون. إنهم مستعدون للقيام بأي عمل لتخليص أنفسهم. وإذا ما رفضنا قبولهم فسيرتكبون المزيد من الجرائم. إن مفهومنا للخير هو ذلك الذي كان المسيح يمارسه). هذه الكلمات، يا رفاق، تتفق الاتفاق كله مع فلسفة الحرية. تعلمون جيداً أن السارق هو ثائر في الحالة الطبيعية، ثوري من دون قصد كما تذكرون جيداً أنه في أيام (الكوميونة) الدرامية، كان رفاق كثيرون، من الذين كان ينظر إليهم كمجرمين والذين أمضوا مراحل في سجون البرجوازية، في طليعة الكفاح، كتفاً لكتف مع العمال، مقيمين الدليل على بطولتهم وكرم نفوسهم. حقيقة مهمة: إن الناس في (كانودوس) يسمون أنفسهم (ياغونتوس)، وهي كلمة تعني المتمردين* لم يعترف الراهب بالرغم من رحلاته مبشراً في الأراضي الخلفية، بأولئك النسوة عاريات الأقدام أولئك الرجال الذين كانوا يوماً حذرين ومتواضعين جداً، أُناساً ذوي مهمة من عند الله والكنيسة. "إنهم أعداء للمجتمع، لا ينصلحون إنهم مهتاجون، منفعلون تماماً، يتصايحون، ويقاطع بعضهم بعضاً ليتفوهوا بأفظع هراء يطرق مسامع المسيحي... مبادئ تقّوض القانون والنظام والأخلاق الحميدة والإيمان. إنهم يزعمون، مثلاً أن كل من ينبغي خلاص روحه عليه أن يذهب إلى (كانودوس) "لأن بقية العالم قد وقعت في قبضة (المسيح الدجال)" هل تعرفون ما يعني هؤلاء بالمسيح الدجال؟ إنه الجمهورية! أجل يا رفاق، الجمهورية. إنهم يعّدونها مسؤولة عن كل شرَّ موجود، بعض هذه الشرور تجر يدي من دون ريب، وغيره حقيقي ومادي مثل الجوع وضرائب الدخل. لم يستطع الأخ "جواو ايفا بخلستادي مونت مارتشيانو" أن يصدق الأشياء التي سمعها. وأنا أشك أن يكون هو أو طائفة أو الكنيسة عموماً متحمسين كثيراً للنظام الجديد في البرازيل، ذلك لأن الجمهورية، كما كتبتُ إليكم في رسالة سابقة، التي تغصّ بالماسونيين، تعني إضعافاً للكنيسة. لكن ذلك بعيد جداً عن النظر إليها كمسيح دجال! وإذ حسب (الكابوتشيني) أنه مخيفُني أو مثيرٌ غضبي، ومضى يقول أشياء كان وقعها على اذنيّ كالموسيقى. قال: (إنهم طائفة سياسية) – دينية مدججة بالسلاح مقاومة لحكومة البلد الدستورية. وقد نصبوا أنفسهم دولة داخل دولة بصفتهم أفراداً لا يقبلون بقوانين الجمهورية أو يعترفون بسلطانها أو يسمعون لعملتها بالتداول هناك). لقد أعاقه عماه الذهني عن إدراك أن هؤلاء الأخوة، ذوي الفطرة التي لا تخطئ، وقد اختاروا الثورة ضد عدو الحرية منذ قيامها: السلطة. ومن هي السلطة التي تجور عليهم وتنكر عليهم الحق في الأرض والتعلّم والمساواة؟ أليست هي الجمهورية؟ إن حقيقة كونهم مسلحين لمحاربتها لدليل على أنهم قد أحسوا اختيار السبيل كذلك... السبيل الوحيد الذي يملكه المضطهدون لكسر قيودهم: العنف.
ليس هذا كل ما في الأمر. استعدوا لشيء أكثر إثارة للاستغراب: يؤكد الأخ "جواو إيفانجليستا" لي إن (كاندوس) قد أقرَّت فعلاً على الجنس المشاع، نظام الملكية المشاعة: إن كل شيء يخص كل فرد.. ويقال إن (المرشد) قد اقنع الجماعة إنها لخطيئة – انتبهوا إلى كلماتي جيداً – أن يُعَدَّ أيّْ مُلْكٍ منقولٍ أو شبه منقول ملكاً لأي فرد واحد. فالمساكن وأراضي الغلّة والحيوانات الأليفة تعود ملكيتها إلى الجماعة: هي للجميع وليست لفرد.. لقد أقنعهم (المرشد) أنه كلما كثرت مقتنيات الشخص تقلّص احتمال أن يكون ضمن أولئك المرضيّ عنهم يوم القيامة.. فكأنه يطبق آراءنا، مخفياً إياها وراء واجهة دينية لأغراض تكتيكية: أي الحاجة إلى أن يأخذ في الحسبان المستوى الثقافي المتواضع لأتباعه أليس رائعاً أن تشكل جماعة من المنشقين، في أصقاع نائية من البرازيل، مجتمعاً تخلى عن الزواج والمال، وحلت فيه الملكية الجماعية محل الملكية الخاصة؟
هذهِ الفكرة كانت تدور وتدور في عقلي بينما كان الأخ "جواو ايفا نجليستادي مونت مارتشيانو" يخبرني أنه بعد وعظ دام سبعة أيام في (دكانودوس) في جو من العداء الصامت، وجد نفسه يُسمّى (ماسونياً) و (بروتستانتياً) لحثَّه الناس على الرجوع إلى قرارهم. وأنه بعد أن ناشدهم طاعة الجمهورية اضطرمت عواطفهم إلى درجة اضطرته إلى الهروب من (كانودوس) والنجاة بروحه. قال: (لقد فقدت الكنيسة سلطتها هناك بسبب رجل مجنون يقضي وقته في حمل الزمرة كلها على العمل طيلة النهار لإنشاء معبد). لم أستطع أن أشاركه استياءه، بل شعرت بدل ذلك بالسعادة والتعاطف فقط تجاه أولئك الرجال الذين بدا أنه بفضلهم أخذت تنبعث ثانية من رمادها، في أراضي البرازيل الخلفية، "الفكرة" التي تعتقد القوى الرجعية بأنها قد أغرقتها في بحر الثورات المدحورة في أوربا. هذا وإلى رسالتي التالية، أو لا رسالة قط.
(4)
أبلغ "ليليس بيدادس"، محامي البارون "دي كانبرافا"، محكمة (سلفادور) رسمياً أن مزرعة (كانودوس) قد غزاها الرعاع، علماً بأن المستشار القانوني كان هناك طيلة ثلاثة شهور. وسرعان ما انتشر البر في جميع أنحاء المنطقة: إن القديس الذي كان يجول في عرض البلاد وطولها مدة ربع قرن قد استقر في ذلك الموضع المحاط بتلال صخرية والُمسَّمى (كانودوس) على غرار تسمية القصبات المصنوعة من (الكانودوس)، وهي قطع من سيقان قصب السكر اعتاد القاطنون هناك على تدخينها. كان المكان معروفاً لرعاة البقر لأنهم كثيراً ما توقفوا مع أبقارهم ليلاً على شواطئ (فازا – بارس). وفي الأسابيع والأشهر التالية رؤيت جماعات من الفضوليين والخطاة والمرضى والمتشردين والهاربين من العدالة القادمين من الشمال والجنوب والشرق والغرب، متوجهين نحو (كانودوس)، يخالجهم هاجس أو أمل بأن يجدوا هناك المغفرة، الملاذ، العافية، السعادة.
في صباح اليوم التالي لوصول (المرشد) وأتباعه شرع يبني معبداً قال إنه سيكون كلّه من الصخر وله برجان طويلان جداً، وسيكرس للمسيح المبارك. كما قرر أن يقام هذا المعبد مقابل كنيسة (سانتو أنتبونيو) القديمة، التي هي مصّلى المزرعة. قال وهو يغط في ضوء نار مفتوحة في أعالي المدينة: (ليرفع الأغنياء أيديهم. انّي رافعٌ يديّ.. ولأني أحد أبناء الله الذي وهبني روحاً خالدة تستطيع أن تظفر بالفردوس، الكنز الحقيقي الوحيد القائم بذاته، إني أرفع يديّ لأن الربّ قد جعلني فقيراً في هذه الحياة كي اغتني في الآخرة ليرفع الأغنياء أيديهم). عند ذاك برزت في ظلال ملؤها الشرارات غابةٌ من الأذرع المرفوعة، من بين الأسمال البالية والجلود والبلوزات القطنية المتهرئة. صلّى هؤلاء قبل موعظته وبعدها، وأقاموا مواكب بين المساكن نصف المكملة والمأوي المصنوعة من قطع صغيرة من الخرق والألواح، حيث كانوا ينامون. كان يمكن سماعهم في ليل الأصقاع الخلفية وهم يصيحون: (تحيا العذراء) ويحيا (المسيح) و (الموت لقان) و(الموت للمسيح الدجال). كان رجل من (مارانديلا) يصنع اللعاب النارية ويشعلها في المهرجانات – "انتوتيو" اختصاصي الناريّات – واحداً من أوائل الحجاج القادمين ومنذ ذلك الوقت، وكلما قامت مواكب في (كانودوس) كانت تُشْعَل قطعّ مصفوفة فتتفجر الصواريخ النارية فوق الرؤوس.
كان (المرشد) يوجّه العمل في المعبد، بمشورة بنّاء ماهر ومساعدته، كان قد ساعده في إعمار كنائس صغيرة كثيرة وإقامة كنيسة المسيح المبارك في (كريويولس) من مستوى الأرض فصاعداً، كما عيّن التائبين لقلع الأحجار وغربلة الرمل وجلب الأخشاب. وفي أول المساء، بعد تناول وجبة ضئيلة – إن لم يكن صائماً – مؤلفة من كسرة خبز وقطعة من فاكهة ولقمة من (المينهوت) المغلي وبضع قطرات من الماء، كان (المرشد) يرحب بالقادمين الجدد ويحضّ الآخرين على كرم الضيافة. وعقب (صلاة الإيمان) و(أبانا)، و(السلام عليك يا مريم)، كان صوته اللبق يعظهم حول التقشف وقمع الشهوات والزهد ويشاركهم الرؤى التي تشبه القصص التقليدية التي كان يرويها القصاصون المتجولون في الأرياف: النهاية قريبة – كان يمكن رؤيتها بالوضوح كله مثلما تُرى (كانودوس) من أعلي (آفافيلا). وستواصل الجمهورية إرسال جحافل من ذوي البزات الرسمية والبنادق لتحاول أسره ومنعه من التحدث إلى المحتاجين. لكن مهما سالت الدماء التي قد يسفحها (الكلب الكبير)، فلن يستطيع أن يعضّ المسيح. سيكون هناك طوفان، ثم زلزال. وسيُغْرق كسوقٌ الدنيا بظلام كلّي جدّ دامس حتى أن كل شيء لابد أن يؤدّى باللمس، كما يفعل العميان، في حين تتردد أصداء المعركة غير بعيد. وسيموت ألوف الهلع لكن حين ينقشع الضباب، ذات فجر صاف مشرق، سيرى الرجال والنساء جيش "دوم سباستياو" محيطاً بهم على تلال (كانودوس) وسفوحها. عند ذاك سيكون الملك العظيم قد دحر عصابات (قان)، وطهّر العالم من أجل البرّ. سيشاهدون "دوم سباستيار" بدرعه اللماع وسيفه. سيشاهدون وجهه العطوف الغرّ. وسيبتسم لهم وهو منفرج الساقين على ظهر دابته ذات الجُلَّ* المذهَّب المرصع بالماس. وسيرونه راحلاً على مطيته بعد إنجاز مهمته في تخليص بني آدم مع جيشه إلى أعماق البحر.
شعر الدباغون والمحاصصون والمعالجون والمبرئون والبائعون الجّوالون والغسالات والقابلات والمتسولات اللواتي وصلن إلى (كانودوس) بعد أيام وليالٍ عدة من السفر، مستصحبات متاعهن الدنيوي في عربة مغطاة بقماش القنب أو على ظهر حمار، واللواتي كن هناك الآن جالسات القرفصاء في الظلام، والجميع يستمع ويريد التصديق... شعروا بأن عيونهم قد اغرورقت. لقد صلّوا وأنشدوا بأيمانِ أتباع (المرشد) الأوائل نفسه. الذين ما كانوا يعرفون، سرعان ما تعلموا الصلوات والتراتيل والحقائق. كان "أنتونيو فيلا نوفا" صاحب المتجر في (كاندوس) من أكثر الحريصين على التعلم. فقد كان يتمشى كثيراً بمحاذاة شواطئ النهر، أو مروراً بالحقول المزروعة حديثاً، وذلك برفقة (الصغير المبارك)، الذي كان صبوراً في إيضاح وصايا الدين ونواهيه، والتي علمها "انتونيو" عند ذاك أخاه "هونوريو"، وزوجته "أنتونيا"، وعديلته "اسوناو" وأطفال الزوجين.
لم يكن ثمة نقص في الطعام، إذ كانت لديهم حبوب وخضار ولحم. ونظراً لوجود الماء في (فازا بارس) فقد كان في وسعهم زراعة المحاصيل. وقد جلب الوافدون المؤونة معهم، وكانت المدن الأخرى غالباً ما ترسل إليهم الدجاج والأرانب والخنازير والعلف والمعز وقد طلب (المرشد) من "أنتونيو فيلانوفا" خزن الطعام وضمان توزيعه بصورة عادلة على المعوزين. وبدون أية توجيهات معينة، ولكن على وفق تعاليم (المرشد)، غدت الحياة في (كانودوس) منظمة شيئاً فشيئاً، وإن لم تخل من التعقيدات. تولّى (الصغير المبارك) مهمة توجيه الحجاج القادمين. وتسلّم إعاناتهم، على أن لا تكون نقدية، فإذا أرادوا التبرع بعملة الجمهورية ترتب عليهم الذهاب إلى (كومبي) و (جوازير)، بصحبة "أبوت جواو" أو "باجو" الذين كانا يعرفان القتال ويستطيعان حمايتهم، وذلك لإنفاقها على شراء أشياء للمعبد: مجارف، قاطعات صخور، مطارق، فوادن*، أخشاب ممتازة، تماثيل قديسين، وصلبان المصلوب. أما الخواتم والقراريط ومشابك البروشان والقلادات والأمشاط والمسكوكات القديمة ومعدات الزينة البسيطة المصنوعة من الطين أو العظم، التي يقدمها الحجاج فقد وضعتها الأم "ماريا كوادرادو" في صندوق زجاجي. وكان هذا الكنز يعرض في كنيسة (سانتو انتونيو) كلما قدم الأب "يواكيم" من (كومبي) أو راعي أبرشية آخر من المنطقة، ليؤدي مراسم القداس أو الآعتراف أو التعميد أو تزويج الناس في (كانودوس). وعلى الدوام كانت ثمة مناسبات احتفالية. وقد ترأس هاربان من وجه العدالة، "جواو الكبير" و"بدراو"، وهما أقوى رجلين في (كانودوس)، المجاميع التي كانت تجلب الحجر للمعبد من مقالع قريبة، وكانت "كاتارينا" زوجة "أبوت جواو" وكذلك "الكساندرينيا كوريا" وهي امرأة من (كومبي) قيل إنها كانت تصنع المعجزات، تعدّان الطعام لعمال البناء. كانت الحياة أبعد ما تكون عن الكمال، من دون تعقيدات، ومع أن (المرشد) كان يعظ القمار والتدخين والخمر، كان هناك مت يقامر، ويدخن، ويشرب (براندي) القصب، وحين شرعت (كانودوس) بالنمو كانت هناك معارك من أجل النساء، وسرقات، ونزوات سكر، وحتى طعون بالسكاكين، لكن ذلك كان أقل إشكالاً مما في أماكن أخرى، وكانت تحدث على هامش المركز الزاخر بالنشاط الأخوي، المتحمّس والمتقشف الذي أقامه (المرشد) وحواريّوه.
لم يحظر (المرشد) على النسوة أن يتزينَّ لكنه قال مرات لا تحصى إن أيّة امرأة تهتم بجسمها كثيراً قد تكون حَرِيِةً بأن تهمل العناية بروحها، وإن المظهر الخارجي الحسن قد يكون، شأنه شأن إبليس حَريّاً بأن يخفي روحاً قذرة وكريهة وشيئاً فشيئاً غدت ألوان ملابس الشابات والعجائز على السواء كئيبة أكثر فأكثر، وشيئاً فشيئاً بلغت حواشي الملابس حدّ الركبة وارتفعت فتحات أعناقها أعلى فأعلى، وصارت فضفاضة أكثر فأكثر، بل بدت في النهاية تشبه بأردية الراهبات. واختفت الزينة، بل حتى الأشرطة التي يعقد الشعر بها إلى الوراء، هي وفتحات العنق الواطئة. وباتت النسوة يرخين شعورهن، أو تخفينه تحت مناديل كبيرة. ومن حين إلى حين كانت تحدث مشكلات بشأن "المجدليات"، أولئك النسوة الضائعات اللواتي على الرغم من قدومهن إلى (كانودوس) على حساب الكثير من التضحيات، وتقبيلهن قدمي (المرشد) نشداناً للغفران، كن موضع المضايقة من جانب نساء غير متسامحات يطلبن منهن أن يرتدين أمشاطاً من الشوك دليلاً على توبتهن.
بيد أن الحياة كانت هادئة عموماً، وسادت روع من التعاون بين السكان. أحد مصادر المشكلات كان الخطر على تداول عملة الجمهورية: فأي فردُ يكْتَشَف وهو يستعملها في أي صفقة، يأخذ منه رجالُ (المرشد) جميعَ ما يملك يرغمونه عند ذاك على مغادرة (كانودوس). كانت التجارة تتم بالمكوكات التي تحمل صورة الإمبراطور "دوم بيدرو" أو ابنته الأميرة "ايسابيل". لكن بسبب ندرتها أضحت القاعدة العامة مقايضة المنتوجات والخدمات. فكان يجري تبادل السكر الأسمر الخام بالصنادل الحبلية، والدجاج بأدوية الأعشاب الطبية، وطحين (المينهوت) بحدوات الحصان وقراميد السقوف بأطوال من القماش، والإرجوحات الشبكية بالمدى الطويلة. أما العمل في الحقول والمساكن وحظائر الحيوانات فكان يكافأ بالعمل وما كان أحد ليطلب أجراً عن الوقت المقضي أو العمل المؤدي من أجل المسيح المبارك. وبالإضافة إلى المعبد، أنشئت مساكن عرفت بعد ذلك باسم (دور الصحة) حيث بدئ بتقديم السكن والغذاء والعناية للمرضى والمسنين والأطفال واليتامى. كانت "ماريا كوادرادو" مسؤولة عن هذه المهمة أول الأمر. لكن ما إن بني الملجأ – المؤلف من كوخ طيني صغير ذي غرفتين وسقف من القش – كي يستطع (المرشد) أن يستريح فيه بضع ساعات فقط من الحجاج الذين كانوا يترصدونه ليل نهار، وكرست أم الرجال وقتها كله، جُعِلَت إدارة (دور الصحة) بيد الأختين "ساردلنيا" وهما "انتونيا" و"أسنساو" زوجتي الأخوين "فيلا نوفا". كانت هناك نزاعات حول قطع الأراضي القابلة للزرع على امتداد شاطئ (فازا - بارس) والتي احتلها الحجاج تدريجياً بعد أن استقروا في (كانودوس) ونازعهم آخرون في حقهم فيها وقد حسم مثل تلك القضايا كله "انتونيو فيلانوفا"، صاحب المتجر، إذ كان هو الذي وزع قطعاً من الأرض للقادمين الجدد، بأمر من (المرشد)، كي يبنوا مساكنهم هناك، وخصص أراضي بحظائر الحيوانات التي أرسلها المؤمنون أو جلبوها هدايا، وهو الذي عمل قاضياً حين كان المخاصمات تثار بشأن المتاع والمُلْك. لم تحدث مشاحنات كثيرة جداً من هذا الضرب في واقع الأمر. ذلك أن الناس الذين كانوا قد قدموا إلى (كانودوس) لم يجتذبهم الطمع أو فكرة التملك المادية. فقد كانت حياة الجماعة مكرسة للنشاطات الروحية: الصلوات والجنائز، والمواكب، وإقامة معبد المسيح المبارك، وعلى الخصوص المواعظ المسائية التي كثيراً ما امتدت حتى ساعة متأخرة من الليل. وفي أثناء تلك الأمسيات كان كل شيء يتوقف في (كانودوس).
***
لغرض الإعلان عن المهرجان الذي نظمه (الحزب التقدمي الجمهوري) فقد ألصقوا على جدران (كيماداس) ملصقات تقول (البرازيل المتحدة وطن قومي) باسم "ايبامنونداس غونكالفس" لكن "غاليليو غال" لا يفكر وهو في غرفته في نزل (سيدة الألطاف) في الاحتفال السياسي الجاري في الخارج بأبهة كبيرة وشعائر رسميات، في حر الظهيرة الخانق، بل في القابليات المتناقضة التي اكتشفها في "روفينو"، معتقداً بأنه "تركيبة غاية في الغرابة". طبيعي أن يتآلف كثيراً التوجَّه والتركيز. ومن المعتاد جداً وجودهما في شخص يقضي حياته متجولاً في أرجاء هذهِ المنطقة الشاسعة دليلاً للمسافرين والصيادين والقوافل أو منشغلاً ساعياً أو مقتفياً أثر الماشية الضالّة. لكن ماذا عن قوة الخيال؟ كيف يعلل الميل إلى الخيال، والهذيان، واللاحقيقة، وذلك ديون أهل الفن والناس غير العملين في شخص يشير كل شيء فيه إلى المادية، إلى الرجل الذي قدماه في الأرض، إلى الذرائعي العملي؟ ومع هذا فذلك ما تدل عليه عظامه: قابلية التوَّجه والتركيز والتصور. لقد اكتشف "غاليليو غال" ذلك في اللحظة الأولى تقريباً التي استطاع فيها أن يتحسس الدليل. إنه يقول لنفسه: "إنها تركيبة لا معقولة، لا اتساق فيها. كيف يمكن لشخص ما أن يكون في الوقت نفسه نموذجاً للتواضع وللاستعراضية، بخيلاً ومسرفاً!؟".
إنه مائل على دلو، يغسل وجهه، بين جدران فاصلة تكسوها كتابات وقصاصات صحف فيها صورُ عروضٍ (اوبرالية) ومرآة مكسورة. ثمة صراصر بنية اللون تظهر وتختفي في شقوق الأرضية، وهناك على السقف سحلية صغيرة خائفة. قطعة الأثاث الوحيدة هي سرير مكسور، بلا شراشف. يلج الجوُّ الاحتفالي الغرفةَ عبر نافذة مشبكة: أصوات تضخمها مكبرة الصوت، صليل صنجات، دقات طبول، وثرثرة صبيان يطيّرن طائرات ورقية. أحدهم يناوب الهجماتِ على حزب (باهيا للحكم الذاتي) والحاكم "لويز فيانا" والبارون "دي كانا برافا" وكيل المديحِ لـ"ايبامنونداس غونكالفس" و(الحزب التقدمي الجمهوري).
يستمر "غاليليوغال" في الاغتسال، غير مبال باللغط في الخارج. وما إن ينتهي حتى ينشف وجهه بقميصه. ثم ينهار على فراشه ووجهه إلى الأعلى، واضعاً إحدى ذراعيه تحت رأسه وسادةً. يلقي نظرة على الصراصر والسحلية، ثم يفكر: (الصمت ضد نفاذ الصبر). لقد مضت عليه ثمانية أيام الآن وهو في (كيماداس). ومع أنه رجل يعرف كيف ينتظر، فقد شرع يشعر ببعض القلق، وهذا ما قاده إلى أن يطلب إلى "روفينو" السماح له أن يتحسس رأسه. لم يكن سهلاً أن يقنعه بالكلام، إذ أن الدليل كان من النوع المرتاب، ويتذكر "غال" أنه أستطاع أن يشعر، وهو يتحسسه، كم كان الرجل متوتراً وعلى استعداد لأن ينقضّ عليه. لقد كانا يتقابلان كل يوم، وأصبحا يتفاهمان من دون صعوبة. وبغية قضاء الوقت بينما هو ينتظر، درس "غاليليو" سلوكه، مدوناً ملاحظات حوله: (إنه يستقرئ السماء والأشجار والأرض كما لو كانت كتاباً. إنه رجل ذو أفكار بسيطة وصلبة وقانون صارم للشرف ومناقبية يشتقها من تعامله مع الطبيعة والإنسان وليس من التعلم من الكتب، إذ أنه لم يكن يعرف القراءة ولا الدين، فهو لا يبدو راسخ الإيمان جداً). هذا كله ينسجم مع ما تحسسته أنامله، إلا بالنسبة إلى قوة الخيال. على أي نحو تُظْهِر نفسها، لماذا عجز عن ملاحظة أيًّ من علائمها في "روفينو" في هذه الأيام الثمانية، سواء عندما كان يرّتب صفقة معه ليكون دليله إلى كانودوس) أن أم في كوخ "روفينو" في ضواحي البلدة، أم في محطة القطار حين كانا يشربان، شراباً بارداً سوية، أم في أثناء سيرهما من مدبغة إلى مدبغة على شواطئ (اتيابيكورو)؟ من ناحية أخرى فإن هذا الميل المؤذي المعادي للعلم واضح لدى "جوربما" زوجة الدليل – هذا إذا ما تركنا حقل التجربة لنغطس في مجمع الأوهام، في أحلام اليقظة. فعلى الرغم من حقيقة كونها جد متحفظة في محضر "غاليليو" فقد سمعها هذا تروي قصة التمثال الخشبي لـ"سانت أنتوني" الموجود على المذبح الرئيس في كنيسة (كيماداس). (كان موجوداً في كهف، قبل سنين عدة، وأُخذ إلى الكنيسة. وفي اليوم التالي اختفى التمثال وظهر ثانية في المغارة. فرُبِطَ بالمذبح كي لا يفلت، لكنه تمكن مع ذلك من الرجوع إلى الكهف. واستمر الحال هكذا، والتمثال يتنّقل ذهاباً وإياباً، حتى وصلت إرسالية مقدسة مؤلفة من أربعة آباء "كابوتشينيين" ورئيس الأساقفة إلى "كيماداس"، فكّرَّسَت الكنيسة إلى "سانت انتوني" وأعادت تسمية البلدة إلى (سانتو انتونيو داس كيماداس) على شرف القديس. ومنذ ذلك الوقت فقط ظل التمثال ساكناً على المذبح، حيث يشعل الناس له الشموع هذه الأيام). يتذكر "غاليليو غال" أنه حين سأل "روفينو" إن كان يصدق القصة التي روتها زوجته، هزَّ مقتفي الآثار كتفيه استخفافاً وابتسم منكراً. إلا أن "جوريما" كانت تؤمن بذلك. كان بود "غاليليو" أن يتحسس رأسها، هي الأخرى، ولو أنه لم يحاول أن يفعل ذلك. ذلك أنه موقن أن مجرد التفكير بلمس غريبٍ رأسَ زوجةِ "روفينو" كان شيئاً لا يمكن تصوره بالنسبة إلى الزوج. أجل إن "روفينو" رجل شكوك، ما في ذلك ريب. لقد كان عملاً عسيراً حملُهُ على الموافقة على إيصاله إلى (كانودوس)، إذ ساوم كثيراً حول ألأجر، وأثار الاعتراضات، وتردد. ومع أنه قبل في آخر المطاف، فقط لاحظ "غاليليو" انه كان غير مرتاح حين كان يتحدث إليه عن (المرشد) وصحبه.
ومن دون أن يدري، تحوّل انتباهه من "روفينو" إلى الصوت الآتي من الخارج: (إن الحكم الذاتي المحلي وإلغاء المركزية هما حجتان يستخدمهما الحاكم "فيانا"، والبارون "دي كانا برافا" وأتباعهما بغية الحفاظ على امتيازاتهم والحيلولة دون صيرورة (باهيا) ولاية عصرية مثل سائر ولايات البرازيل. ومن هم مُرَوَّجو الحكم الذاتي؟ إنهم ملكيون متربصون، يودون بعث الإمبراطورية الفاسدة ووأد الجمهورية، لولانا! لكنّ (الحزب التقدمي الجمهوري) الذي ينتمي إليه "ايبا منونداس غونكالفس" سيحول دون فعلتهم تلك...) ليس الرجل الذي يتحدث الآن نفسه الذي كان من قبل. فهذا أوضح، و"غاليليو" يفهم كل شيء يقوله، بل أنه يبدو مالكاً فكرةً ما في عقله، في حين كان سَلَفُهُ يقتصر على الزعيق والنعيق. أينبغي عليه أن يلقي نظرة على الخارج من النافذة؟ كلا، لن يتحرك من سريره فهو متيقن أن المشهد هو نفسه: حشود من مشاهدين فضوليين يطوفون من كشك طعام وشراب إلى آخر، يستمعون إلى رواة القصص، أو يتجمعون حول الرجل الواقف على طوّالتين* يقرأ الحظوظ، أو يتنازلون من وقت إلى آخر للتوقف لحظة كي يحدقوا بِبلَهٍ من دون أن ينصتوا أمام المنصة الصغيرة التي يزيد منها الحزب التقدمي الجمهوري) دعايته، تحت حماية سفاحين يحملون بنادق رش. يفكر "غاليليو غال": (من الحكمة لهؤلاء أن يكونوا على هذه الدرجة من اللامبالاة). ما الفائدة بالنسبة لأهالي (كيماداس) أن يعرفوا أن (حزب الحكم الذاتي) الذي ينتمي إليه البارون "دي كانا برافا" هو ضد النظام المركزي للحزب (الجمهوري)، وأن يعرفوا أن الأخير يناهض إلغاء المركزية الفدرالية اللتين ينادي بهما غريمه؟ وهل للمنازعات الخطابية بين الأحزاب السياسية البرجوازية أية علاقة بمصالح المساكين والمسحوقين؟ إنهم محقون في التمتع بالاحتفالات وعدم الاهتمام، بما يقوله السياسيون من على المنصة. لقد لاحظ "غاليليو" مساء اليوم السابق بعض الاهتياج في (كيماداس) مردّه ليس الاحتفال الذي نظمه (الحزب التقدمي الجمهوري)، بل لأن الناس كانوا يتساءلون عما إذا كان (حزب الحكم الذاتي) – حزب البارون "دي كانا برافا" – سيرسل شقاة سفاحين لتقويض استعراض أعدائهم وما إذا ستطلق عيارات نارية كما كان يحدث في أوقات أخرى سابقة. الوقت الآن الضحى، ولاشيء من هذا القبيل قد حدث، ولسوف لا يحدث من دون ريب.لِمَ يكلفون أنفسهم مشقة، فض اجتماع يعوزه التأييد الشعبي على هذا النحو المحزن؟ خطر ببال "غال" أن الاحتفالات التي ينظمها مؤيدو (حزب الحكم الذاتي) لابد أنها تشابه تماماً ما يجري خارج نافذته. كلا، ليس هذا هو المكان الذي تقرر فيه السياسة الحقيقية لـ(باهيا) البرازيل. ويفكر: (إنها تتقرر هناك في المستوى الأعلى، لدى أولئك الذين لا يعملون حتى حقيقة أنهم السياسيون الحقيقيون في هذا البلد). هل ينبغي عليه أن ينتظر مدة أطول بكثير؟ يجلس "غاليليو غال" على الفراش ويتمتم: (العلم ضد نفاد الصبر). يفتح الحقيبة الصغيرة الملقاة على الأرض، وينحيّ الملابس ومسدساً، ويرفع الدفتر الذي كان قد دّون فيه ملاحظات حول مدابغ (كيماداس) حيث كان قد تجول بضع ساعات في تلك الأيام الثمانية، ويتصفح ما كتب: (مبانٍ مشيدة بالطابوق، وسقوف من قرميد مدور، أعمدة خشنة الصقل. رزم من لحاء "الانجيكو" المحزوز بمطرقة وسكين، منتثرة هنا وهناك في كل مكان. يوضع "الانجيكو" في أحواض مليئة بماء النهر. أما الجلود فبعد إزالة الشعر منها يغطسونها في الأحواض ويتركونها لتنقّع ثمانية أيام تقريباً، وهي المدة اللازمة لدبغها. يفرز لحاء الشجرة المسماة "أنجيكو" مادة "التانين" التي تدبغ. ثم يعلقون الجلود في الظل حتى تجف، ويكشطونها بسكين لإزالة أية بقايا تخلفت عليها، وبهذه الطريقة يعالجون جلود البقر والغنم والمعز والأرانب والغزلان والثعالب والنمور المرقطة. إن "الانجيلكو" في مثل حمرة الدم وذو رائحة قوية، والمدابغ مؤسسات عائلية بدائية يشتغل فيها الأب والأم والأبناء وأقرب الأقارب. إن الجلود المدبوغة هي ثروة "كيماداس" الرئيسية).
يعيد الدفتر الصغير إلى الحقيبة. كان الدباغون ودودين، وقد أوضحوا له كيف كانوا يقومون بأعمالهم. لماذا يكرهون التحدث عن (كانودوس) إلى هذا الحد؟ هلاّ يثقون في شخص ما يصعب عليهم فهم كلامه بالبرتغالية؟ إنه يعرف أن (كانودوس) و(المرشد) هما موضوع الحديث الرئيس في (كيماداس) وعلى الرغم من جهوده كلها لم يستطع تناول هذا الموضوع مع أي شخص، حتى مع "روفينو" و"جوريما". ففي اللحظة التي كان يثير فيها الموضوع، في المدابغ، في محطة القطار، في نزل (سيدة الألطاف)، في ساحة (كيماداس) العامة، كان يرى النظرة الحذرة نفسها في أعين الجميع، الصمت السائد نفسه، أو الأجوبة التملصية المقدمة نفسها، فيفكر: (إنهم حذرون. إنهم مرتابون. إنهم يعرفون ما هم فاعلون. إنهم محترسون).
يعاود نبش ملابسه والمسدس ويستخرج الكتاب الوحيد من حقيبته الصغيرة. إنها نسخة قديمة بالية، قد استحال رِقُّ تجليدها إلى اللون الأسود، حتى أن أسم "بيير جوزيف برودون" يكاد لا يقرأ الآن، لكن عنوانه (نظام المتناقضات)* لا يزال واضحاً، مثل اسم المدينة التي طبع فيها: (ليون). إنه لا يتمكن من تركيز عقله على القراءة فقرة طويلة جراء لغط الاحتفال، وكذلك، بل على الخصوص، بسبب نفاذ صبره الخؤون. وإذ يطبق أسنانه، يروح يجبر نفسه على التأمل في اشياء موضوعية: إن من لا تعنيه المشكلات أو الأفكار العامة يعيش متقوقعاً في الخصوصية. وهذه يمكن تشخيصها بتلمس انحناء عظمين صغرين ناتئين، مدببين تقريباً، يقعان خلف الأذنين. هل تلمّسهما على رأس "روفينو"؟ هل يجوز أن تظهر قوة الخيال عينها في الشعور الغريب بالشرف، في ما يمكن تسميته الخيال الأخلاقي، للرجل الذي يهم بإيصاله إلى (كانودوس)؟
***
لم تكن ذكرياته الأولى، التي ستغدو خير النكريات وأيسرها استرجاعاً كذلك، عن أمه التي تخلت عنه جرياً وراء عريف في (الحرس القومي) الذي مرّ بـ(كستوديا) على رأس فرقة منطلقة كانت تتعقب العصابات، ولا عن أبيه الذي لم يعرفه قط، ولا عن عمته وعمه اللذين أخذاه وربياه، - "زه فاستينو" و"دونا انجيلو" – ولا عن الأكواخ الثلاثين ونيف والشوارع المحترقة بالشمس في بلدة (كستوديا)، بل عن المنشدين المتجولين. كانوا يفدون إلى البلدة في كثير الأحيان ليبعثوا الحياة في حفلات الزواج، أو يتوجهون صوب حفل الطراد لجمع الماشية في إحدى المزارع، أو العيد الذي تحتفل فيه بلدةٌ ما بيوم قد يسها الشفيع، أومن أجل بضع جرعات من (براندي) قصب السكر وطبق من اللحم المقدّد و "الفاروفا" التي هي بمنزلة طحين (المينهوت) المحمص بزيت الزيتون. كانوا يروون الحكايات عن "أوليفييه"، وعن الأميرة "ماغلون"، وعن "شارلمان" واللوردات الأثني عشر في فرنسا. كان "جواو" ينصت إليهم مندهشاً، وشفتاه تتحركان مع المنشدين. بعد ذلك كان يرى في منامه أحلاماً رائعة تضج بقعقعة الرماح المتلاطمة للفرسان الخائضين غمار المعارك لإنقاذ المسيحية من قطعان الكفرة.
لكن القصة التي صارت لبَّ كينونته كانت تلك التي تتعلق بـ"روبرت الشيطان"، ابن دوق (نورماندي) الذي اقترف كل أنواع السيئات كلها ثم تاب وصار يتنقل على الأربعة، مطلقاً عواءً بدل الكلام، ونائماً مع الحيوانات، حتى استطاع إنقاذ الإمبراطور من هجوم الأعداء وتزوج ملكة البرازيل، وذلك بعد أن منحه (المسيح المبارك الرحمة) والغفران. الحّ الصغير على أن يروي القصاصون المنشدون الحكاية كلها من دون أن يحذفوا أي تفصيل: كيف غرز "روبرت الشيطان"، في أيام شروره مديته النصل المعقوف في ما لا يحصى من رقاب الآنسات والزّهاد لمجرد التلذذ برؤيتهم يتعذبون، وكيف أنه في أيام خدمته للرّب، كان يجول بعيداً هنا وهناك بحثاً عن أقارب ضحاياه ليقبّل أقدامهم عند لقياهم ويتوسل إليهم أن يعذبوه: لقد اعتقد أهالي (كستوديا) أن "جواو" سيكون في أحد الأيام شاعراً متجولاً قادماً من الأراضي الخلفية، يتنقل من بلدة إلى أخرى حاملاً قيثارته على كتفه، وجالباً الرسائل ومسعداً الناس بأغانيه وقصصه.
ساعد "جواو" "زه فاوستينو" في مخزنه الذي كان يجهز الريف المتاخم برمته بالملبس والحبوب والمشروبات وأدوات الحقل والحلويات والحلي. كان "زه فاوستينو" يسافر كثيراً هنا وهناك، آخذاً بضائع إلى المزارع، أو ذاهباً إلى المدينة لشرائها. وفي غيابه كانت "دونا انجيلا" ترعى المخزن الذي كان بمنزلة كوخ من الطين المجبول، له فناء للدجاج. لقد جعلت هذه المرأة من ابن أخيها موضع المحبة التي لم تتمكن من محضها الأطفال الذين لم تنجبهم. لقد جعلت "جواو" يعد بأخذها إلى (سلفادور) يوماً ما كي ترمي بنفسها عند قدمي التمثال العجيب لـ"اوسنيور دي بونفيم" الذي كانت تمتلك مجموعة الذي كانت تمتلك مجموعة صور ملونة له، مشبوكةً بالدبابيس فوق مقدمة سريرها.
وبقدر خشيتهم من الجفاف والأوبئة، كان سكان (كوستوديا) يخافون نكبتين أخريين تفقران البلدة: العصابات والألوية السيّارة (للحرس القومي). كانت الأولى، في أول الأمر زُمَراً جّمّعها العقداء" مالكو المزارع من بين عمالهم وأقربائهم ليسوا بالقوة المنازعات الناشبة بينهم حول تخوم الأملاك وحقوق المياه وأراضي الرعي، أو حول طموحات سياسية متناقضة. لكن، بمرور الوقت، تحرر الكثير من هذه الزمر المسلحة بالبنادق القصيرة والمدى الكبير من سطوة "العقداء" الذين كانوا قد نظموهم، وشرعوا يجرون هما وهناك طلقاء، يعيشون على القتل والسرقة والنهب أما الألوية السيّارة فقد شُكَّلَتْ لمكافحة هؤلاء. وكانت العصابات والأولوية السيّارة على السواء تقضي على مؤونة أهالي بلدة (كستوديا)، وتسكر ب (برانديهم) المصنوع من قصب السكر وتحاول اغتصاب نسائهم. وقد تعلم "جواو"، حتى قبل بلوغه سن الرشد أنه في لحظة انبعاث صوت الإنذار، كان عليه خزن جميع القناني والطعام والبضائع من فوره في مواضع الإخفاء التي كان قد أعدّها "زه فاستينو". دارت الشائعة بأن صاحب المخزن كان (كوتيرو) – أي رجلاً يتعامل مع العصابات ويزودهم بالمعلومات وأماكن الاختفاء. فغضب هذا. ألم يرَ الناس كيف سرقوا مخزنه؟ ألم ينطلقوا ومعهم الملابس والتبغ من دون أن يدفعوا سنتاً واحداً؟ لقد سمع "جواو" عمه مرات عدة يتشكى من هذه الروايات السخيفة التي اختلقها أهالي (كستوديا) عنه حسداً. كان يتمتم: (إذا استمروا على هذا النحو فسيوقعونني في مشكلة). وهذا ما جرى على وجه الدقة في صباح أحد الأيام عندما وصلت إلى (كستوديا) مفرزة سيّارة مؤلفة من ثلاثين حارساً بأمرة الملازم الثاني "جيرالدو ماسيدو" وهو خلاسي هندي شاب اشتهر في جميع الأمصار بتعطشه إلى الدم، كانوا يطاردون عصابة "انتونيو سلفينو" من الخارجين على القانون. لم تكن العصابة قد مرّت عبر (كستوديا) لكن الملازم أصّر بعناد على القول بأنها قد دمرت. كان هذا طويلاً متين القوام، أحول العين قليلاً، يلحس دائماً سنّاً ذهبية له. ويقال أنه كان يطارد العصابات هكذا، من دون رأفة، لأنها كانت قد اغتصبت حبيبة له. وبينما كان رجاله يفتشون الأكواخ كان الملازم يستجوب شخصياً كل فرد في البلدة. وعند هبوط الليل، دخل إلى المخزن بخطىً واسعة مشرقاً بالنصر وأمر "زه فاستينو" أن يأخذه إلى حيث اختفى "سلفينو". وقبل أن يتمكن صاحب المخزن من الإجابة لطمه لطمة شديدة فانبطح هذا. (إنني عالم بكل شيء، أيها الكلب المسيحي. فقد وشى الناس بك). لم تُجْدِ اعتراضات "زه فاستينو" بالبراءة ولا توسلات "دونا انجيلو نفعاً". قال الملازم "ماسيدو" إنه سيطلق النار على "زه فاوستينو" عند الفجر إنذاراً لرجال العصابات إذ لم يكشف مكان "سلفينو" وأخيراً بدا صاحب المخزن موافقاً على أن يفعل ذلك. وفي فجر اليوم التالي غادروا (كستوديا) يقودهم "زه فاستينو" يتبعه رجال "ماسيدو" الثلاثون الذين كانوا متيقنين من أنهم سيباغتون العصابات. بيد أن "زه فاستينو" تمكن من التخلص منهم بعد مسيرة بضع ساعات وعاد مسرعاً إلى (كوستوديا) ليظفر ب "دونا انجيلا" و "جواو" ويأخذهما معه، خشية أن يُجْعَلا هدفاً للثأر. بيد أن الملازم فاجأه وهو لما يزل يحزم بعض المتاع. ربّما كان ينوي قتله وحده لكنه أطلق النار على "دونا انجيلا" كذلك فأرادها قتيلة حين حاولت التوسط. ثم أمسك "جواو" من ساقيه وألقاه أرضاً بضربة واحدة على رأسه بماسورة مسدسه. وحين أفاق "جواو" شاهد أهالي (كستوديا) ساهرين بجوار تابوتين، وقد بانت على وجوههم سيماء وخز الضمير. لم يعر اذناً صاغية لكلمات التعاطف منهم، وبينما كان يدعك وجهه الدامي بيده أخبرهم بصوت فجأة صوتَ راشدٍ – كان عمره اثني عشر عاماً فقط آنذاك – إنه عائدٌ يوماً لينتقم لخالته وعمه، إذ أن الذين كانوا يندبونهما هم قَتَلَتُهما في واقع الأمر.
لقد ساعدته فكرة الانتقام على البقاء حياً خلال الأسابيع التي قضاها هائماً على وجهه في أرض بور صحراوية تعج "بالماندا كاروس". فقد كان يستطيع أن يشاهد نسوراً سوداً تحوم فوق الرؤوس، منتظرة انهياره لتنقضّ عليه وتمزقه إرباً إرباً . كان ذلك في كانون الثاني، ولا قطرة مطر سقطت. كان "جواو" يجمع أثماراًَ جافة ويمتص نسخ النخيل بل أنه أكل مدرعاً* ميتاً وجده أخيراً أقبلت النجدة من أحد رعاة المعز الذي لقيه ممدداً بمحاذاة قاع نهر جف ماؤه وهو في حالة هذيان يهذر عن الرماح والجياد و "اونسيوردي بونفيم"، فأنعشه بملء قدح كبيرة من الحليب وبضع حفنات من قطع السكر الخام الأسمر مصّها الصبي. واصلا السفر معاً أياماً عدة، متوجهين إلى نجد (اتكستورا) المرتفع، حيث كان راعي المعز يقصد أخذ قطيعه. لكن قبل بلوغه فوجئا في ساعة متأخرة من عصر أحد الأيام بعصبة رجال لا يمكن تخطئة كونهم عصاة لا غير، بقبعاتهم الجلدية وأنطقة الرصاص المصنوعة من جلد النمور المرقطة والجعبات المطرزة بالخرز والبنادق القصيرة المعلقة على الأكتاف والمدى الطويلة المدلاة حتى الركب. كانوا ستة، بزعامة خلاسي ذي شعر مفتَّل ومنديل كبير مزّين بالرسوم حول عنقه. سأل "جواو" ضاحكاً – وكان هذا قد جثا على ركبتيه ومضى يتوسل إليه أن يسمح بانضمامه إليهم – لماذا أراد أن يكون من رجال العصابات؟ فأجاب الصبي: (كي أقتل أفراداً من الحرس القومي). لقد بدأت بالنسبة إلى "جواو" حياةٌ صنعت منه رجلاً في وقت جد قصير – "رجلاً شريراً" حسبما يصفه سكان الأقاليم التي كان يجول ويصول فيها في السنوات العشرين التالية. عمل أول الأمر خادماً لزمر من الرجال كان يغسل ثيابهم ويعد وجبات طعامهم ويعيد خياطة أزرارهم أو يلتقط قملهم، وبعد ذلك صار شريكاً في نذالتهم، ثم غدا أحسن هّدافٍ ومقتفي آثار ومقاتل بالسكاكين وجوّالٍ في الأصقاع ومخططٍ لاستراتيجية العصابة، وأخيراً أمسى نائباً للزعيم ثم زعيماً للزمرة. وقبل أن يبلغ الخامسة والعشرين، وُضِعَتْ مقابل رأسه أكبر المكافآت طراً في ثكنات (باهيا) و(برنامبوكو) و(اوربياوي) و(سيرا). كان خطه العجيب، الذي أنقذه من كمائن قتل قيها رفقاؤه أو أُسروا، والذي بدا أنه كان يحصَّنه ضد الرصاص بالرغم من جسارته، وهو منشأ حكاية تعاقده مع الشيطان. ومهما يكن من أمر، فمن الصحيح جداً، وبخلاف رجال آخرين من العصابة كانوا يتجولون مثقلين بالأوسمة المقدسة ويرسمون إشارة الصليب كلما صادفوا صليباً أو تمثالاً للمصلوب على قارعة الطريق ويتسللون مرة كل عام في الأقل إلى إحدى البلدان كي يتمكن القسُّ من تنقية ضمائرهم أمام الله، كان "جواو"- الذي كان يسمى في البداية "جواو الصبي" ثم "جواو الأسرع من البرق" ثم "جواو الهادئ" والآن "جواو الشيطان" – يزدري الدين على ما يبدو ويذعن لفكرة ذهابه إلى الجحيم جراء سيئاته الكريهة التي لا تحصى.
وقد يقول ابن أخ "زه فاوستينو" و"دونا انجيلو" إن حياة الخارج على القانون هي مشي وقتال وسرقة. لكنها المشي قبل كل شيء. كم مئات ومئات من الفراسخ قطعتها في تلك الأعوام الساقان القويتان، العضليتان، اللتان لا تعرفان الهدوء، لهذا الرجل الذي يستطيع السير عشرين ساعة متواصلة من دون أن يناله التعب. لقد قطعتا الـ(سيرتاو) شمالاً وجنوباً في جميع الاتجاهات، وما من أحد كان عارفاً خيراً منهما بثنيان التلال وتشابك الشجيرات الخفيضة والتواءات الأنهر وكهوف الجبال. إن تلك الجولات الهائمة من دون هدف عبر الأرياف على غرار الهنود، في محاولة للإبقاء على مسافة فاصلة بين العصابة ومتعقبين حقيقيين أو خياليين من (الحرس القومي) أو لإرباكهم، كانت في ذاكرة "جواو" تطوافاً واحداً لا ينتهي عبر مشاهد طبيعية متماثلة، يعكره بين آن وآن أزيز الرصاص أو صراخ الجرحى، وهم متجهون نحو مكان غامض أو صوت حدث مبهم بدا انه كان في انتظارهم.
ظل وقتاً طويلاً يفكر أنه مكتوب عليه أن يعود إلى (كوستوديا) ليأخذ بثأره. فبعد سنين من موت خالته وعمه، تسلل إلى قرية طفولته في إحدى الليالي المقمرة يتبعه إثنا عشر رجلاً. هل كانت هذه الغاية التي كانوا يقصدونها خلال تلك الرحلة الطويلة الشاقة كلها؟ كان الجفاف قد أبعد كثيراً من الأسر عن (كستوديا). بيد أنه كانت لا تزال هناك بضعة أكواخ يسكنها أناس. وعلى الرغم من حقيقة جهل "جواو" لبعض وجوه الأهالي، المثقلة عيونهم بالنعاس، والذين أخرجهم رجالُهُ إلى عرض الشارع، فأنه لم يعف أحداً من العقاب. فقد أُكرِهَت النساء بمن فيهن الصبايا الصغار والعجائز المسنّات جداً، على الرقص مع رجال العصابة الذين كانوا قد أتوا فعلاً على الكحول كله الموجود في (كستوديا) بينما كان الأهالي يغنون ويعزفون على القيثارات. ومرة تلو مرة كانت النساء والفتيات يُسْحَبْنَ إلى أقرب كوخ ويُغْتَصَبْنَ. وأخيراً شرع أحد الرجال بالصراخ من عجز أو هلع. عند ذاك غرز "جواو الشيطان" مديته فيه وبَقَرَهُ يَقْراً كما ينحر الجزار عجلاً. كان سفح الدم ذاك بمنزلة إيعاز، شرع رجال العصابة على أثره وقد جُنّوا اهتياجاً بإطلاق النار من بنادقهم القصيرة. ولم يكفوا حتى أحالوا الشارع الوحيد في (كستوديا) إلى مقبرة. إن ما أسهم في صياغة أسطورة "جواو الشيطان" ليس عملية القتل بالجملة التي نفذها، بل، وذلك أقوى، حقيقة إذلاله كل فردٍ من الذكور شخصياً بعد موتهم بقطع خصيته وحشرهما في حلقة (وكان هذا أسلوبه مع مخبري الشرطة). وبينما كانوا يغادرون (كستوديا) أمر أحد رجال عصابته أن يكتب على أحد الجدران هذهِ الكلمات: (لقد استوفى عمي وخالتي الدين الذي يستحقانه).
ما مقدار الحقيقة في قصص الفظائع التي تعزى إلى "جواو الشيطان"؟ ذلك لأن تلك الكثرة من الحرائق وجرائم الخطف والنهب والتعذيب لو تَمَّتْ حقيقة لاحتاجت إلى أعمار أكثر من السنوات الثلاثين التي عاشها "جواو" في هذه الدنيا و إلى أتباع أكثر من العصابات التي كانت بأمرته والتي لم يبلغ أفرادها يوماً العشرين عداً. وعى خلاف زعماء العصابات الآخرين، مثل "باجو" الذين كانوا يعوضون عن الدم الذي يسفحونه بدفقات فجائية من الكرم، مثل تقاسم الغنائم المستولى عليها تواً مع فقراء المنطقة، وإرغام مالك أرض على فتح حجرات مخازنه للمحاصصين، وتسليم الفدية كلها التي ابتّزوها من أحد الضحايا إلى راعي أبرشية ليبني معبداً، أو دفع نفقات عيد يُحتفل فيه بالقديس الشفيع لإحدى البلدان، فان ما أسهم في ذيوع شهرة "جواو" كان حقيقة عدم سماع أحدٍ "جواو" يوماً يقول إنه كان يقوم بمثل تلك المبادرات بقصد كسب الناس أو مباركة السماء، إذ لم يكن يهمه أي من هذين الأمرين.
كان رجلاً قوياً، أطول من المعدل في ذلك الصقيع، ذا بشرة مصقولة وعظمين ناتئين في الخدين، وعينين مائلتين، وجبهة عريضة، موجزاً في الكلام، قدرياً، وكان له رفقاء ومعاونون، لكن من دون أصدقاء. إنما كانت لديه امرأة، فتاة من (كسراموبيم) كان قد التقاها لكونها غسالة ملابس في دار أحد مالكي المزارع كان يقدم معلومات للعصابة. كان اسمها "ليوبولدنيا"، مدوّرة الوجه، معَّبرة العينين، وذات جسم متين، ممتلئ. وقد عاشت مع "جواو" في المدة التي لبث فيها مختفياً في المزرعة. وحين عاد وارتحل، رحلت معه. لكنها لم ترافقه طويلاً، لأن "جواو" ما كان ليسمح بوجود النساء ضمن العصابة، ولذلك استقعدها في (آراكاتي) حيث كان يزورها كثيراً. لم يتزوجها، ولذلك حين علم الناس أن "ليوبولدينا" قد فرت من (آراكاتي) إلى (جيروموامبو) بصحبة أحد القضاة ظنوا أن الإساءة بالنسبة إلى "جواو" ما كانت بقدر خطورة الحال فيما لو كانت زوجته. ثأر "جواو" كما لو كانت كذلك، فمضى إلى (كسراموبيم) وقطع أذنُيها، ووسم أخويها كيّاً، وأخذ أختها "ماركينيا" البالغة ثلاثة عشر عاماً معه. وفي ساعة مبكرة من أحد الأيام ظهرت الفتاة في شوارع (جيروموامبو) وقد وسم وجهها بالحرفين "ش. ج) كانت تحمل على جيدها إشارة تبين أن جميع رجال العصابة كانوا والد الجنين جماعياً.
كان شقاة آخرون يحلمون بجمع ما يكفي من المال ليشتروا لأنفسهم أرضاً في بلدة نائية حيث يستطيعون أن يعيشوا بقية عمرهم بأسماء أخرى. أما "جواو" فلم يكن قط إمرءاً يدخر مالاً أو يخطط للمستقبل. فحين كانت العصابة تهاجم مخزناً عاماً أو ضيعة، أو تظفر بفدية جيدة عن شخص كانت قد اختطفته، كان "جواو" يقتطع حصة الغنائم التي سيسلمها إلى الأجراء الذي كلفهم أن يبتاعوا أسلحة وذخائر وأدوية أولاً، ثم يقسم الباقي إلى حصص متساوية له ولكلِ من رفقائه. هذا السخاء، وكذلك مهارته في نصب الكمائن للألوية السّيارة، أو الخلاص من الكمائن المنصوبة له، وشجاعته وقدرته على فرض النظام، جعلت رجاله مخلصين له إخلاص كلاب الصيد. كانوا يشعرون بالأمان معه وبأنهم يعاملون معاملة حسنة. ومع أنه لم يكن يجبرهم قط على مواجهة أية مخاطرة لم يكن هو ليجابهها، فلم يدللهم البتة. فإذا ماناموا وهم بواجب الخفارة، أو تلبثوا متخلفين في مسيرة، أو سرقوا زميلاً، فانه كان يجلدهم بالسوط، وإذا ما تراجع أحدهم حين كان قد أُمر بالصمود والقتال، وسمه ببادئتي اسمه أو ببتر أحد أذنيه. كان نفسه يمارس العقوبات كلها، وببرود، كما كان هو الذي يخصي الخونة.
ومع أن رجاله كانوا يخشونه، فقد كانوا يحبونه كذلك على ما بدا. ربّما لأن "جواو" لم يخلف رفيقاً وراءه قط عقب مواجهة مسلحة. فقد كان الجرحى ينقلون إلى مخبأ ما في نقالة شبكية معلقة على جذع شجرة، حتى ولو عَّرضت مثلُ هذهِ العملية العصابة إلى الخطر. كان "جواو" يرعاهم بنفسه. وإذا لزم الأمر استجلب ممرضاً إلى المخبأ بالقوة ليهتم بالمصاب. حتى الأموات كانوا ينقلون من ساحة القتال ليواروا التراب في موضعٍ لا يدنس جثثهم حراس حكوميون أو طيور جارحة. وثمة كذلك السليقة التي لا تخطئ والتي كان يقود بها رجاله في المعارك حيث يقسمهم إلى زمر منفصلة تجري هنا وهناك لأرباك الخصم بينما كان آخرون يتحلقّون وينقضّون على المؤخرة، والحيل التي كان يبتدعها للاختراق حين تجد العصابة نفسها مطوّقة، كلها قَوَّتْ من سلطته. وفي الوقت نفسه لم يكن يجد قط صعوبة في استنفار أفراد جدد لعصابته.
كان مرؤوسوه مفتونين بهذا الزعيم الكتوم، المنعزل، المختلف عنهم. كان يرتدي قبعة (السومبريرو) نفسها، والصندل نفسه – مثلهم، لكنه لم يشاركهم ولعهم بملمَّع الشعر وبالعطور وهي أول شيء كانوا ينقضّون عليه في المخازن – كما لم يكن يلبس خواتم في كل إصبع، أو يغطي صدره بالأوسمة. كانت جعبته تحتوي من النياشين ما يقل عما لدى أبسط نفر. أما نقطة ضعفه فكانت المنشدين الجوالين الذين لم يكن ليسمح لرجاله بإساءة معاملتهم. كان يرعى حاجاتهم بكل إجلال، ويسألهم أن يرووا شيئاً ما وينصت إليهم بكل جد من دون أن يقاطعهم البتة في منتصف القصة. وكان كلما صادف (سيركاً) من الغجر يطلب إليهم تقديم حفل له ثم يصرفهم محَّملين بالهدايا.
سمع احدهم "جواو الشيطان" يقول ذات مرة إنه رأى أناساً يموتون من الكحول، الذي يخرب مستقبل الرجال ويجعلهم يتقاتلون بالمدى لأسباب سخيفة، أكثر من الذين يميتهم المرض أو الجفاف. وكما لو كان الغرض إثبات صواب رأيه، كانت العصابة كلها مخمورة يوم فاجأه النقيب "جيرالدو ماسيدو" ولواؤه السّيار. كان النقيب الملقب بمطارد العصابات، قد جاء إلى داخل الأراضي الخلفية ليتصيد "جواو" بعد أن كان هذا قد هاجم لجنة من حزب (باهيا للحكم الذاتي) كانت قد عقدت اجتماعاً تواً مع البارون "دي كانا برافا" في مزرعته في (كالومبي). كان "جواو" قد نصب كميناً للّجنة وجعل حرسها الشخصي يجرون في جميع الاتجاهات، وأراح السياسيّين من الحقائب والجياد والملابس والنقود. فأرسل البارون نفسه رسالة إلى النقيب "ماسيدو" عارضاً عليه مكافأة خاصة عن رأس زعيم العصابة.
حدث ذلك في (روزاريو)، وهي بلدة ذات خمسين مسكناً، حين ظهر رجال "جواو الشيطان" في بواكير أحد صباحات شهر شباط. كانت قد حصلت مقابلة دموية قبل وقت قصير بينهم وبين عصابة منافسة، عصابة "باجو"، ولم يكونوا يبغون غير الاستراحة. وقد وافق أهالي البلدة أن يعطوهم طعاماً، ودفع "جواو" ثمن ما استهلكوه، وكذلك ثمن جميع البنادق القصيرة وبنادق الرشّ والبارود والرصاص مما استطاع أن يضع يديه عليه. دعا أهالي (روزاريو) العصابة أن تمكث لحضور الاحتفال الذي سيقيمونه بعد يومين تكريماً لزواج راعي بقر بابنة أحد أهالي البلدة. كانت الكنيسة الصغيرة قد زينت بالورود، وكان أهل البلدة من رجال ونساء يرتدون خير ملابسهم في منتصف النهار ذاك حين وصل الأب "يواكيم" من (كومبي)ليتولى طقوس عقد القران. لقد بلغ من هلع القسيس الصغير من وجود العصابة أن انفجر الجميع ضاحكين بينما كان هو يتلعثم ويتأتئ ويتعثر في نطقه. وقبل القُدّاس، تلقّى اعتراف نصف السكان، بمن في ذلك بعض رجال العصابة. بعدها حضر عرض الألعاب النارية والغداء في الخلاء تحت عريش من الأشجار، ويشرب أنخاب العروس والعريس بصحبة أهالي البلدة. بيد أنه أخذ بعد ذلك يلح على العودة إلى (كومبي) إلحاحاً أثار استغراب "جواو" على حين غرة. فأمر هذا الاّ يتحرك أحد إلى خارج (روزاريو) وراح نفسه يستكشف الأصقاع المتاخمة كلها، من جهة جنبات جبل البلدة إلى الجهة المقابلة التي لم تكن سوى نجد أجرد، فلم يجد أثراً لخطر، فعاد إلى احتفال الزواج عابساً. أما رجاله، الذين غدوا مخمورين الآن، فكانوا يرقصون ويغنون وسط أهالي البلدة.
أما وقد عجز ألأب "يواكيم" بعد نصف ساعة عن تحمل الشد العصبي فقد اعترف لـ"جواو" وهو يرتجف ويتمخط أن النقيب "ماسيدو" ولواءه السّيار موجودون على قمة الجبل، بانتظار تعزيزات لشن هجوم. كان "مطارد العصابات" قد أمر القسّ أن يؤخر "جواو" باستخدام أية حيلة يمكنه أن يفكر فيها. وفي تلك اللحظة دون الاطلاقات الأولى من جهة النجدة. لقد حوصروا، وسط الارتباك الشديد، صاح "جواو" برجال عصابته أن يصمدوا على أحسن وجه يستطيعونه حتى هبوط الليل. لكن الشقاة كانوا قد أفرطوا في الشرب بحيث عجزوا حتى عن التعرف على مصدر الطلقات، وغدوا أهدافاً سهلة لبنادق رجال الحرس وسقطوا أرضاً وسط وابل من النيران المتصلة بصرخات النساء وهن يتراكضن هنا وهناك في محاولة للهرب من النيران المتبادلة. وحين حل الليل لم يكن بين رجال العصابة سوى أربعة لا يزالون واقفين على أقدامهم. أما "جواو"، الذي كان يقاتل وقد اخترقت رصاصة كتفه فقد أغمي عليه، فلفّّه رجاله بنقالة شبكية وراحوا يتسلقون الجبل. وبفضل مطرٍ غزيرٍ مفاجئ اخترقوا حصار العدو، وآووا إلى أحد الكهوف، وبعد أربعة أيام دخلوا (تبيدو) حيث خفّض مُبَّرئُ حمى "جواو" وأوقف نزف جرحه. لبثوا هناك مدة أسبوعين حتى تمكن "جواو الشيطان" من المشي ثانية. وفي ليلة مغادرتهم (تبيدو)، علموا أن النقيب "ماسيدو" قد قطع الرؤوس عن أبدان زملائهم الذين كانوا قد قتلوا في (روزاريو)، ووضع الرؤوس في برميل، مملحةً مثل اللحم المقدد.
ثم عادوا فانغمروا في جولات العنف اليومية، من دون أن يفكروا كثيراً بحظهم الحسن أو بحظ الآخرين العاثر. ومرة ثانية، ساروا وسرقوا وحاربوا وتخفّوا، وأرواحهم على أكفهم على الدوام. ظل "جواو الشيطان" يشعر بإحساس غامض في صدره، متيقناً بأن شيئاً ما على وشك أن يحدث في أية لحظة الآن، ذلك الشيء الذي كان ينتظره دائماً منذ استطاع التذكر.
صادفوا صومعة نصف خربة بمحاذاة منحرف عن الدرب المؤدي إلى (كانسانكاو). كان هناك رجل يتكلم وهو واقف قبالة خمسين شخصاً مرتدين خرقاً وأسمالاً بالية، رجل طويل، نحيف على نحو ملحوظ، متلفع برداء ارجواني غامق. لم يقطع حديثه، بل لم يلق نظرة على القادمين الجدد. شعر "جواو" بإحساس مدّوخ أن ثمة شيئاً ما كان يفور في دماغه، بينما كان يصغي إلى ما كان القديس يقول. كان يروي قصة خاطئ تاب، بعد كان قد اقترف ذنوب الدنيا كلها، وعاش عيشة قلقة، وفاز بغفران الله ورحل إلى الفردوس حين انهى الرجل قصته نظر إلى الغرباء. ومن دون تردد، خاطب "جواو" الذي كان واقفاً هناك خفيضَ العينين.
سأله: (ما أسمك؟). تمتم الشقي: ("جواو الشيطان"). قال الصوت المبحوح (أولى بك أن تسمي نفسك "أبوت جواو"، أي حواري المسيح المبارك).
***
بعد ثلاثة أيام من إرسال "غاليليو غال" الخطاب الذي يصف زيارته للأخ "جواو ايفا نجليستادي مونت مارتشيانو" إلى صحيفة (شرارة الثورة)، سمع نقراً على باب العليّة الواقعة فوق مكتبة (كاتلينا). وفي اللحظة التي القى فيها نظرة على القادمين عرف أنهم من مرؤوسي الشرطة. طلبوا رؤية أوراقه، وفتشوا متاعه، واستجوبوه حول نشاطاته في (سلفادور). وفي اليوم التالي وصل الأمر القاضي بطرده من البلاد بصفته أجنبياً غير مرغوب فيه. توسط "يان فان رشتد" الكهل. وكتب الدكتور "خوزيه باتستادي سا أوليفيرا" إلى الحاكم "لويز فيانا" عارضاً أن يكون مسؤولاً عنه. بيد أن السلطات أصرت فابلغت "غال" بأن عليه أن يغادر البرازيل في الباخرة (مارسييز) حين تقلع بعد أسبوع قاصدة أوربا، وسيمنح مجاناً بطاقة ذهاب بالدرجة الثالثة. قال "غال" لأصدقائه إن الطرد من بلد _ أو السجن أو القتل _ هو أحد التقلبات التي يتحملها كل ثوري، وأنه كان وما زال يعيش حياة الثوري من يوم ولادته تقريباً. كان متيقناً من أن القنصل البريطاني أو الفرنسي أو الأسباني كان وراء أمر الطرد. بيد أنه أكد لهم بأن لا أحد من شرطة هذه الأقطار الثلاثة، بمستطيع القبض عليه. ذلك أنه سينزوي إذا ما توقفت (المارسييز) في موانئ أفريقية أو في لشبونة لم يبد أنه كان هلوعاً.
بيد أن كل من "يان فان رشتد" والدكتور "اوليفيرا" كان قد سمعه يتحدث بحماسة عن زيارته لدير (سيدة الرحمة). لكنهما صعقا حين أعلن لهما أنه ما دام مطروداً من البرازيل فأنه عازم على اتخاذ "مبادرة نيابة عن الأخوان في (كانودوس)" قبل المغادرة، وذلك بدعوة الناس إلى حضور تظاهرة عامة تضامناً معهم وسيطالب جميع محبي الحرية في (باهيا) أن يتجمعوا ليوضح لهم فعل ذلك. وقال: "إن في (كانودوس) ثورة تولد تلقائياً. ومن واجب ذوي العقول التقدمية أن يعضدوها". لقد بذل "يان فان رشتد" و الدكتور "أوليفيرا" أقصى الجهود ليثنياه، وأخبراه المرة تلو المرة أن مثل هذه الخطوة حماقة قصوى. ومع ذلك حاول "غال" نشر إعلان الاجتماع في إحدى صحف المعارضة. ولم يكن فشله في مكتب (جورنال دي نوتسياس) ليغيّب أمله. كان يفكر في إمكان طبع منشورات يوزعها بنفسه في الشوارع حين حدث شيء جعله يكتب: (أخيراً..! لقد كنت أعيش حياة مفرطة الهدوء وقد بدأتُ أمسي بليد الروح).
حدث ذلك قبل يومين من موعد إقلاعه، وذلك عند حلول الغسق. جاء "يان فان رشتد" إلى العليّة، وبيده غليونه لما بعد العصر، لإخباره بأن شخصين في الطابق الأرضي يسألان عنه، وحذره بأنهما من (الأزلام) كان "غاليليو" يعرف أن ذلك ما كان يسمى به الرجال الذين كان يستخدمهم ذوو السطوة والسلطات في أعمال سرية. والواقع أن الاثنين كانا ذوي مظهر شرير. بيد أنهما لم يكونا مسلحين وكان سلوكهما معه يتسم بالاحترام: هناك من يرغب في مقابلتك. هل له أن يسأل مَنْ؟ كلا.
ثار فضوله ومضى معهما. أخذاه إلى كاتدرائية (براسادي باسيليكا) أولاً عبر الجزء الأقصى من المدينة ثم الأدنى، ثم من بين الضواحي. وبينما هم يتركون الشوارع المعبدة وراءهم في الظلام، - شارع (كونسليرو وانتاس) وشارع (البرتغال) وشارع (الأميرات) وأسواق (سانتابريارا) و(ساوجواو) مستديرين نحو الطريق السريع الممتد على طول جبهة البحر إلى (بارا) تساءل "غاليليو غال" ماذا إذا كانت السلطات قد قررت قتله بدلاً من طرده من البلاد. بيد أن ذلك لم يكن فخّاً. ففي نزل يضيؤه مصباح نفضي صغير كان مالك صحيفة (جورنال دي نوتسياس) ورئيس تحريرها في انتظاره. مدّ "ايبامينونداس كونكالفس" يده وطلب إليه أن يقعد ثم تناول صلب الموضوع رأساً: (هل تريد أن تبقى في البرازيل بالرغم من أمر الطرد؟).
اكتفى "غاليليو" بالنظر إليه من دون جواب.
سأله "ايبامينونداس كونكالفس": (هل أنت متحمس حقاً بشأن ما هو جارٍ هناك، في "كانودوس"؟) كانا وحدهما في الغرفة. ومن الخارج كان يمكن سماع الرجلين يتحدثان، والأمواج تتدفق متقلّبة على نحو لا ينقطع. كان رئيس (الحزب التقدمي الجمهوري) يراقبه متمعّناً، وعلى وجهه تعبير كامل الجد، مطبطباً بكعبيه على نحو عصبي. كان يرتدي البدلة الرمادية التي كان "غاليلو" قد رآه مرتدياً إياها في مكتبه في صحيفة (جورنال دي نوتسياس). بيد أن وجهه لم يعبر عن نظرة اللامبالاة نفسها والاستهجان الماكر نفسه، كما كان في ذلك اليوم. كان متوتراً، ذا جبهة مغضنة جعلت وجهه الشاب يبدو أكبر سناً.
قال "غال": (أنا لا أحب الغموض. خير لك أن توضح لي الأمر).
- (إني أحاول إن أتقصّى ما إذا كنت تريد الذهاب إلى "كانودوس" لتأخذ أسلحة إلى الثوار).
انتظر "غاليليو" لحظة، من دون أن ينبس ببنت شغة، وهو يحدق إلى عيني الرجل الآخر مباشرة.
علق ببطء، قائلاً: (قبل يومين، لم تكن تتعاطف مع الثوار. كان احتلال أراضي الغير والعيش الماجن يعنيان تصرفاً بهيمياً بالنسبة إليك).
وافق "ايبامينونداس كونكالفس" قائلاً: (ذلك هو رأي "الحزب التقدمي الجمهوري" ورأيي أنا، طبعاً).
قال "غال" وهو يسايره، مميلاً رأسه إلى الأمام قليلاً: (لكن..).
أبان "ايبامينونداس كونكالفس": (لكن أعداء أعدائنا أصدقاؤنا) وتوقف عن قرع كعبيه.. (إن "باهيا" حصن لمالكي الأراضي المتخلفين، الذين لاتزال قلوبهم تهفو إلى الملكية، على الرغم من كوننا جمهورية منذ ثمانية أعوام، وإذا كان من اللازم مساعدة العصاة و "السباستيانيين" في الداخل لإنهاء حكم البارون "دي كانا برافا" الدكتاتوري على "باهيا" فسأفعل ذلك. إننا نتخلف أكثر فأكثر وصائرون أفقر فأفقر. لابد من إبعاد هؤلاء الناس عن السلطة مهما كلف الأمر قبل أن يفوت الأوان. وإذ ما استمر ذلك الوضع في "كانودوس" فستغرق حكومة "لويز فيانا" في خضم أزمة وستدخل القوات الاتحادية إن آجلاً أو عاجلاً. وفي اللحظة التي تتدخل فيها "ريودي حانيرو" ستكف "باهيا" عن كونها إقطاعة "الحكمذاتيين"*).
همهم "غال": (وسيبدأ حكم "التقدميين الجمهوريين").
صححه "ايبامينونداس كونكالفس" قائلاً: (نحن لا نؤمن بالملوك. نحن جمهوريون حتى نخاع العظم تماماً.. حسن، حسن، أرى أنك تفهمني).
قال "غاليليو": (أفهم هذا الجزء على نحو لابأس به. لكن ليس البقية منه. إذا كان "الحزب التقدمي الجمهوري" يبغي تسليح الجماعات، فلماذا يكون ذلك بوساطتي؟).
قال "ايبامينونداس كونكالفس" متلفظاً كل مقطع بتأنٍ ووضوح:
- (لا يرغب "الحزب التقدمي الجمهوري" أن يساعد أو أن تكون له أدنى صلة مع أناس يثورون ضد القانون).
وأضاف مالك صحيفة (جورنال دي نوتسياس) ورئيس تحريرها، متلبثاً ثانية عند كل مقطع: (ليس بقدور النائب المحترم "ايبامينونداس كونكالفس" أن يساعد ثواراً. ولا بمقدور أي شخص له علاقة معه سواء من قريب أم من بعيد. إن النلئب المحترم ماضٍ في شن معركة عسيرة من أجل مثل عليا. جمهورية ودمقراطية في هذه المنطقة المقطوعة الأوتوقراطية التي يحاصرها أعداء أقوياء، ولا يمكنها أن تخاطر مثل هذه المخاطرة). ابتسم، ولاحظ "غال" أن لديه طقماً من الأسنان البراقة، البيض، النهمة. (ثم دخلتَ أنت في الصورة. لم تكن الخطة التي أنا مقترحها لتخطر ببالي لولا زيارتك الغريبة أول أمس. كانت تلك هي التي أوحت إليّ بالفكرة التي جعلتني أفكر: لو جُنَّ بما فيه الكفاية للدعوة إلى اجتماع عام تأييداً للثوار، فسيكون مجنوناً بما فيه الكفاية لإيصال البنادق إليهم). كفّ عن الابتسام، وتكلم متجهماً: (في مثل هذه الحالات، تكون الصراحة خير سياسة. إنك الشخص الوحيد الذي لا يستطيع، لو انكشف أو أُسر، المساس بي وبأصدقائي السياسيين، بأي حال من الأحوال).
-(هل تحذرني بأنني لن أستطيع الاعتماد عليك للمساعدة فيما لو قبضوا عليَّ؟).
قال "ايبامينونداس كونكالفس" على مهل وبنحو واضح: (قد أدركتَ قصدي تماماً هذه المرة. فأن كان جوابك بالنفي فأرجو لك ليلة سعيدة، وانسىَ أنك لقيتني. وإذا كان بالإيجاب فلنبحث الأجر).
نقَّل الاسكتلندي موضعه على مقعده، وهو مصطبة خشبية صاّرة وتمتم متسائلاً وهو يطرف: (الأجر؟). قال "ايبامينونداس كونكالفس": (نظرتي للأمر، إنك مُسْدٍ خدمة. سأجزل لك العطاء عنها وفي الموعد المحدود – وهذا وعدٌ مني – في اللحظة التي تهم فيها بمغادرة القطر. لكن إذا ما فضلت إسداء هذه الخدمة فخرياً، من باب المثالية، فذلك شأنك).
قال "غاليليو غال" وقد انتصب على قدميه: (إني ذاهب لأتمشى في الخارج. إذ أني أفكر على نحو أفضل حين أكون وحيداً. لن أتأخر كثيراً). حين خطا خارج النزل، ظن أول الأمر أن ثمة مطراً، لكن ذلك لم يكن سوى رذاذٍ مصدره الأمواج.
تنحى ارجلان جانباً كي يمر، فشم رائحة غليونيهما القوية الحرنفِة كان هناك ممر. وكان البحر، الذي بدا هائجاً، ذا رائحة طيبة مالحة تغلغلت حتى أعضائه الحيوية. سار "غاليليو غال" وسط الرمال وكتل الجلمود الوحيدة نحو حصن صغير فيه مدفع مصوب نحو الافق. فكر في نفسه: (تملك المجمهورية قوة في "باهيا" هي من الضآلة مثل قوة ملك انكلترا، في ما وراء ممر "أبرفويل" في عهد "روب روي ماكر يفور"). حاول ينظر إلى الوضع نظرة موضوعية، أميناً على عادته، بالرغم من ضربات قلبه المضطربة فهل من الأخلاق الحميدة أن يتأمر ثوري مع سياسي من البرجوازية الصغيرة؟ أجل، إن كانت المؤامرة تساعد (الأنصار) هل يتمكن من مديد العون إلى (كانودوس)؟. ومن دون تواضع زائف، يستطيع الشخص الذي كان من قدامى المكافحين السياسيين المخضرمين، والذي كرس حياته للثورة، مساعدتهم حين يجب اتخاذ بعض القرارات، وحين يأزف الوقت ويتوجب عليهم القتال وأخيراً، فأن شأن التجربة أن تكون ذات قيمة، إذا ما نقلها إلى ثوريي العالم. يجوز أنه قد يترك عظامه تتنحر هناك في (كانودوس). لكن أليست مثل هذه الخاتمة أفضل من الموت جراء المرض أو الشيخوخة؟
قفل راجعاً إلى المنزل، وقال لـ"ايبامينونداس لونكالفس"، وهو واقف على عتبة الباب: (إنني مجنون بما فيه الكفاية كي أفعل ذلك.).
- (مدهش!) – كان جواب السياسي لـ"غاليليو غال" بالإنكليزية، وقد تملكته الحماسة ولمعت عيناه.
(5)
لطالما تنبأ (المرشد) في مواعظه كيف ستجيء قوى (الكلب) للقبض عليه والقضاء على المدينة بالسيف، بحيث لم يفاجأ أحد في (كانودوس) حين تبين من أخبار الحجاج الوافدين من (جوازيرو) على ظهور الخيل إن كتيبة من فوج المشاة التاسع، المقبل من (باهيا)، قد بلغت الجوار وقد نيطت بها مهمة القبض على القديس.
ها أن النبوءات بدأت تتحقق، والكلمات أضحت وقائع. كان للأخبار وقعٌ مقوٍّ، مستنفرةً الكهول والشباب والرجال والنساء. وعلى حين غرة حُمِلَت بنادق الرش والقربينات والزناد المصوّتة التي تحشى من المواسير وزودت الأنطقة بالذخيرة المناسبة، في حين ظهرت في الوقت نفسه المدى والخناجر مدسوسة في الأحزمة، كما لو كان ذلك بفعل السحر وفي أيدي الناس مناجل وسكاكين طويلة ومناخس ومخارز ومقالع وأقواس صيد وعصي وأحجار.
في تلك الليلة، ليلة بدء نهاية العالم، تجمع أهالي (كانودوس) كلهم حول (معبد المسيح المبارك) – وهو هيكل ذو طبقتين وأبراج تستطيل وترتفع، وجدران جار إتمامها، وذلك بغية الاستماع إلى أحاديث (المرشد). ملأت حماسةُ المختارين الجو. أما (المرشد) فبدا منقطعاً أكثر من ذي قبل. وعندما أبلغه الحجاج القادمون من (جوازيرو) بالخبر لم يعلق بأي شيء البتة، وواصل مراقبة عملية جمع أحجار البناء ورصّ الأرضية وخلط الرمل والحصى للمعبد، بتركيز بلغ من الشدة بحيث لم يجرؤ أحد أن يوجه إليه أي سؤال. ومع ذلك شعر الجميع وهم يستعدون للمعركة بأن ملمح الزاهد كان يقرّ ما هم فاعلون، وعرف الجميع بأن الربّ سيعلمهم في تلك الليلة، من فم (المرشد)، ما يتوجب عليهم عمله، بينما كانوا يزّيتون أقواسهم وينظفون فوهات قربيناتهم وبنادقهم القصار ويجفّفون بارودهم.
تردد صوت القديس تحت النجوم في فضاء لا نسمة فيه فبدت كلماته متلبثة، في جوّ بلغ من الجلال حداً طرد كل المخاوف. وقبل التحدث عن الحرب تكلم عن السلام، عن الحياة الآتية، حيث يختفي الألم والخطيئة. وحالما يُطاح بالشيطان، تتوطد أركان (مملكة الروح القدس)، في الحقبة الأخيرة قبل يوم الدينونة. ترى، هل تكون (كانودوس) عاصمة هذه المملكة؟ أجل، إن شاء المسيح المبارك. عندئذ ستُلْغى قوانين (الجمهورية) الشريرة ويعود القساوسة، كما في أوائل الأيام الخوالي، رعاة يؤثرون رعيتهم. كما ستخَضوْضرُ الأراضي الخلفية جّراء المطر، وستكون هناك وفرة من الذرة والماشية، وستكون للجميع كفايتهم من الغذاء، وستتمكن كل أسرة من دفن موتاها في توابيت مبطنة بالمخمل. لكن لابدّ من إسقاط (المسيح الدجال) قبل. ذلك كان من اللازم صنع صليب وبيرق عليه صورة الإله كي يعلم العدو في أية جهة يكون الإيمان. كما يلزم دخول المعركة، كما فعل الأوائل، بالإنشاد والصلاة والتهليل للعذراء والرب. وكما قهر الأوائل أعداءهم، سيقهر المدافعون عن (المسيح المبارك) الجمهورية أيضاً.
لم ينم أحد في (كانودوس) في تلك الليلة. لقد سهر الجميع، بعضهم يصلي وآخرون يستعدون للقتال، فيما سمّرت أيدٍ مثابرة الصليب لربط اجزائه، وخاطت البيرق. وقبيل الفجر اكتملا. كان الصليب بطول ثلاث ياردات وعرض ياردتين، وكان البيرق أربعة شراشف أسرّة خيطت معاً ورَسَمَ عليها (الصغير المبارك) حمامةً بيضاء منشورة الجناحين، وكتب (أسد ناتوبا) بخط يده دعاءً هتافياً. وباستثناء حفنة من الناس سمّاهم "أنتونيو فيلا نوفا" للمكوث في (كانودوس) لئلا يتوقف بناء المعبد (حيث استمر العمل فيه ليل ونهار عدا أيام الأحد)، غادر الباقون كلّهم المستعمرة عند بزوغ أول ضوء، متجهين نحو (بندنغو) و(جوازيرو) ليبرهنوا لزعماء الشر أنه لا يزال هناك حماة للخير في هذه الدنيا. لم يشاهدهم (المرشد) يغادرون، إذ أنه كان آنذاك في كنيسة (سانتوانتونيو) الصغيرة يصلي من أجلهم.
لقد أضطروا إلى السير عشرة فراسخ ليلتقوا الجنود. أمضوا المسيرة إنشاداً وصلاةً وهتافاً للرب وللمرشد. لم يتوقفوا للراحة إلا مرة واحدة وذلك بعد اجتياز (مونته كامبايو). أما أولئك الذين أحسوا بنداء الطبيعة فقد تركوا خطوط السائرين المتعرجة وتسللو وراء صخرة جلمود، ثم لحقوا بالآخرين. واستغرق عبور فسحة الأرض المسطحة اليابسة نهاراً وليلة، من دون أن يطلب أحد وقفة أخرى للراحة. لم تكن لديهم خطة للقتال. وقد دهش النزر اليسير من المسافرين الذين التقوهم في الطريق عند علمهم بأنهم ذاهبون إلى الحرب كان مظهرهم يشبه رهطاً من الناس متجهين إلى مهرجان. فمنهم من كان مرتدياً أغرب الملابس التنكرية. كانوا يحملون أسلحة ويهتفون: (الموت للشيطان وللجمهورية). لكن حتى في تلك اللحظات كان تعبير الفرح على وجوههم يرقّق من أثر الكره في أصواتهم. كان الصليب والبيرق على رأس المركب يحملها بالتناوب الشقي السابق "بدراو" والرقيق السابق "جواو الكبير" تليهما "ماريا كودرادو" و"ألكساندر ينياكوريا" حاملتين الصندوق الزجاجي لصورة السيد المسيح كان قد رسمها على قماشٍ (الصغير المبارك)، وخلفهما يأتي المختارون، وهم رؤىً شبحية تلفّها سحابة من غبار. كان الكثير منهم يرافق صلوات الابتهال بالنفخ في قصبات سكر متعددة الأطوال كانت تستخدم في الأيام الخوالي غلايين لتدخين التبغ. وبالتثقيب كان يمكن جعلها مزامير للرعاة، كذلك. في أثناء المسيرة أعاد الرتل تجميع صفوفه تدريجياً وعلى نحو غير ملحوظ، مستجيبين لنداء القربى، بحيث أن من انتمى إلى عصابة شقاة معينة أو أهالي أحدى القصبات أو أحد أحياء العبيد أو إحدى المناطق المدينية، وأفراد الأسرة نفسها، صاروا يتكتلون معاً باقتراب الساعة الحرجة كما لو فعل أن كل فرد كان يشعر بالحاجة إلى أن يكون أقرب ما يمكن لمن كان صادقاً ومجرباً في ساعات حاسمة أخرى. أما الذين كانوا قد اقترفوا القتل، فقد جهدوا وتقدموا تدريجياً إلى مقدمة الصفوف. وبينما كانوا يقتربون من بلدة (أواوا)، والتي سميت هكذا بسبب الكثير من حشرات الحباحب التي تنيرها ليلاً، أحاط "أبوت جواو" و"باجو" و"تارا ميلا" و "خوزيه فينا نتشيو" وآل "ماكامبيرا" وغيرهم من العصاة والخارجين على القانون بالصليب والبيرق في رأس الموكب أو الجيش، وهم يعلمون من دون أن يخبرهم أحد، أنهم بسبب خبرتهم وخطاياهم مطلوبون أن يكونوا قدوة حين تأزف ساعة الهجوم.
بعد منتصف الليل، أتاهم محاصِصٌ لينذرهم بأن مئة وأربعة جنود عسكروا في (أواوا) بعد قدومهم من (جوازيرو) مساء الليلة الفائتة. فأثارت صرخةُ حرب غريبة قلوب المختارين: (عاش "المرشد".. عاش المسيح المبارك). ثم أسرعوا الخطى جذلين منفعلين. وحين انبلج الفجر لمحو (أواوا) _ وهي بضعة أكواخ صغيرة كانت نقطة التوقف الإلزامية لمبيت رعاة الماشية الذاهبين من (مونته سانتو) إلى (كواراتشا). شرع السائرون بتلاوة صلاة الابتهال للقديس يوحنا المعمدان، راعي البلدة. وسرعان ما اكتشف الرتلَ الجنودُ النَّعْسانون المكلفون بالحراسة على ضفاف غدير في الضواحي. وبعد أن حملق الجنود بضع ثوان، غير مصدقين أعينهم، هرعوا صوب البلدة جرياً. ثم دخل المختارون (أواوا) وهم يصلّون وينشدون وينفخون في مزاميرهم القصب، موقظين المئة جندي ونيفاً من سباتهم ومغرقينهم في واقع كابوسي، وهم الذين استغرق وصولهم إلى هناك اثني عشر يوماً والذين لم تكن لديهم أدنى فكرة عن مصدر الصلوات التي أيقظتهم فجأة. كانوا الأحياء الوحيدين في (أواوا) إذ كان جميع السكان قد هرب خلال الليل. لكن هاهم الآن هناك جميعاً، مع المجاهدين الدائرين حول أشجار التمر الهندي في الساحة العامة، والمراقبين وجوه الجنود عند تطلعهم إلى خارج النوافذ والدور، والراصدين اندهاشهم وترددهم في إطلاق النار أو الفرار أو الارتماء في أراجيحهم الشبكية ثانية أو على أسّرتهم الكسيحة ليخلدوا إلى النوم.
انطلق أمرٌ هادرٌ ليشعل فتيل إطلاق النار، فاقرع ديكاً في غمرة مجونه. أطلق الجنود النار، ساندين قربيناتهم على الفواصل الواطئة ما بين الأكواخ، وأخذ المختارون يخّرون صرعى على الأرض، غارقين في دمائهم. وشيئاً فشيئاً، انفصمت عرى الرتل. شنت مجاميعُ البواسل، على غرار "أبوت جواو" و"خوزيه فينا نتشيو" و"باجو" هجوماً على المساكن، وجرى آخرون للاحتماء بأركان مسدودة أو التكوّر بين أشجار التمر الهندي في حين تقدم الباقون. كما أطلق المختارون بعض النار، أي أولئك الذين كانت لديهم القربينات والبنادق القصيرة، وأولئك الذين تمكنوا من حشو بنادقهم طويلة الماسورة وشخّصوا هدفاً في غمرة سحب البارود الأسود. لم يرتج الصليب قط، ولم يكف البيرق عن الرفرفة ابداً طيلة ساعات الصراع والبلبلة وذلك وسط جزيرة من مجاهدين ظلت بالرغم من تثقّبها بالرصاص، قائمة، صلدة، مؤمنة، متحلقة جميعاً حول ذينك الشعارين اللذين سيستشرف الجميع فيهما سرّ انتصارهم بعد حين. فلا "بدراو" ولا "جواو الكبير"، ولا (أم الرجال) التي كانت تحمل الصندوق الزجاجي الذي يضم وجه (الابن) لفظوا أنفاسهم في المعركة. لم يُكَسب الفوز في وقت قصير. كان هناك ضحايا كثيرون في تلك الساعات المليئة بالضجة التي تصمّ الأسماع. فصوت الأقدام الراكضة والطلقات النارية، كانت تليه أوقات من الهمود والسكوت التي سرعان ما يمزّقها الضجيج من جديد. بيد أن رجال (المرشد) عرفوا قبل الضحى أنهم قد انتصروا حين شاهدوا أبداناً نصف عارية تجري شذر مذر بأمر من قادتها أو لأن الخوف قد داهمها قبل أن يفعل الخصم ذلك، عبر الريف إلى (كانودوس) لتوارى التراب وتجمعت النسوة المعالجات والطبيبات المداويات بالأعشاب والقابلات ومجبَّروا العظام وكل نَفْسٍ مساعدة حول الجرحى لمسح الدم أو التضميد أو لمجرد تلاوة الصلوات والتراتيل دفعاً للآلام.
سار المختارون مسافة العودة البالغة عشرة فراسخ حاملين موتاهم وجرحاهم، ومتعقبين مجرى (فازا _ بارس) بخطوٍ أبطأ هذه المرة. دخلوا (كانودوس) بعد يوم ونصف، هاتفين للمرشد. فاستقبلهم بالتصفيق والعناق والابتسامات أولئك الذين كانوا قد خُلَّفوا للعمل في المعبد. وقام (المرشد) الذي لم يكن قد أكل أو شرب شيئاً منذ رحيلهم للوعظ في تلك الأمسية من على سقالة عند أحد أبراج المعبد. صلّى على أرواح الموتى وشكر المسيح المبارك ويوحنا المعمدان على النصر الذي فازوا به وتحدث عن كيفية ترسّخ الشر هنا في هذه الأرض: قبل أن يبدأ الزمن كان الرب يملأ كل شيء ولم يكن هناك فضاء وبغية خلق العالم كان لابدّ للرب أن ينكمش على نفسه ليخلق فراغاً وغياب الربّ هذا أنشأ الفضاء حيث برزت فيه في سبعة أيام النجوم والضوء والمياه والنباتات والحيوانات والإنسان. لكن ما إن خلقت الأرض جّراء انكماش الجوهر الإلهي، حتى نشأت كذلك الظروف المواتية لما كان على الضدّ من الرب تماماً، أي الخطيئة، حيث أقامت مملكتها. وهكذا ولدت الدنيا تسودها لعنة إلهية، كمملكة الشيطان. بيد أن الرب أشفق على الإنسان وأرسل (الابن) ليستعيد السيطرة على هذا الفضاء الأرضي الذي يحكمه الشيطان.
قال (المرشد) إن أحد شوارع (كانودوس) سيسعى "ساو جواو باتستا" باسم القديس الراعي لـ(أواوا).
***
يقول "ايبامينونداس كونكالفس": (إنّ الحاكم "فيانا" مُرْسِلٌ حملةً أخرى إلى "كانودوس" بإمرة ضابط أعرفه شخصياً هو الرائد "فبرونيو دي بريتو". وفي هذه المرة ليست القضية قضية حفنة من الجنود كالزمرة الصغيرة التي هوجمت في "أواوا" بل سيُرسَل فوج كامل. وسيغادرون "باهيا" في أية لحظة الآن، وربما قد فعلوا ذلك. لم يبق وقت طويل) يجيب "غاليليو غال": (أستطيع أن أغادر صباح الغد. إن الدليل في الانتظار. هل جلبتم الأسلحة؟).
يقدم "ايبامينونداس" سيكاراً إلى "غال" فيرفض هذا هازاً رأسه. إنهما جالسان على كرسيين من الأماليد المجدولة في مستشرق متداعٍ لقصر ضيعة في مكان ما بين (كيماداس) و_جاكوبينا) دلهّ عليه فارس ملبسه كله من الجلد وله اسم توراتي هو "كايفاس". وقد أخذه هذا في دوامة حول الأراضي الخلفية كما لو كان يبغي تدويخه. الوقت غسق. هناك وراء دار بزين الخشب صف من النخيل الملكية وبروج للحمام وزرائب عدة للحيوانات. والشمس، مثل كرة ضاربة إلى الحمرة، تُلهِب الأفقَ ناراً. ينفث "ايبامينونداس كونكالفش" دخان سيكارة ببطء ويتمتم، ناظراً إلى "غال" عبر دخان السيكار: (دزينتان من البنادق الفرنسية الجيدة. وعشرة آلاف خرطوشة. سيأخذك "كايفاس" إلى ضواحي (كيماداس) في العربة. فأنْ لم تكن منهكاً أكثر من اللازم، فالأفضل أن تقفل راجعاً إلى هنا هذه الليلة، مع الأسلحة، ثم ترحل إلى "كانودوس" مباشرة في الغد). يومئ "غاليليو" موافقاً. إنه متعب، لكن كل ما يحتاج إليه هو بضع ساعات من النوم ليستجمع قواه. هناك في المستشرق ذباب بلغ من الكثرة بحيث عليه أن يبقى إحدى يديه أمام وجهه ليطرده. إنه مسرور جداً على الرغم من تعبه. بدأ الانتظار يتعب أعصابه وخشي أن يكون "كونكالفش" قد غيرّ خططه. وحين قدم الفارس المرتدي الجلد كلياً هذا الصباح من دون سابق إنذار ليأخذه من نزل (سيدة الألطاف) بعد التفوه بكلمة السر، بلغ من انفعاله أن ينسي حتى تناول الفطور. لقد قام بالسفرة إلى هنا من دون أن يتناول مأكلاً أو مشرباً، وفي شمس محرقة تضرب الرؤوس طيلة النهار
يقول "ايبامينونداس كونكالفس": (آسف لجعلك تنتظر طوال هذه الأيام. لكن جمع الأسلحة وجلبها حتى هذا المكان انقلب إلى مسألة معقدة إلى حدٍ ما. هل شاهدت الحملة الجارية والانتخابات البلدية في أي من البلدان التي مررت بها؟). يقول "غال" وهو يتثاءب: (لاحظت أن "حزب الحكم الذاتي" في "باهيا" ينفق مالاً على الدعاية أكثر مما تنفقون أنتم).
- (لديه كل ما يحتاج. ليس أموال "فيانا" حسب، بل أموال الحكومة وبرلمان "باهيا" كذلك وفوق كل ذلك كله هناك أموال البارون). يقول "غال" مرهفاً أذنيه على حين غرة: (إن البارون في مثل ثراء "كرويسوس"، أليس كذلك؟ شخصية عتيقة، تحفة أثرية.. لا ريب في ذلك. لقد اطلعت على جملة أمور حوله في "كيماداس" من "روفينو" الدليل الذي زكّيته لي وكانت زوجته تخصّ البارون. أجل تلك هي الكلمة الصحيحة. وكانت تخصّه، مثل معزة أو عجل. لقد أعطاها إلى "روفينو" كزوجة. إن "روفينو" يذكر البارون دائماً كما لو كان، هو الآخر، ملكاً له على الدوام، من دون امتعاض، ممتناً ككلبٍ وفي. شيء طريف يا سينور "كونكالفس". هي ذو العصور الوسطى ها هنا). يجيب "ايبامينونداس" نافثاً رماد سيكاره: (ذلك ما نحارب. هو ذا سبب رغبتنا في تحديث هذا القطر.. هو ذا سبب سقوط الإمبراطورية وهذا هو سبب وجود الجمهورية). يصحح "غاليليو غال" محدَّثه ذهنياً، وهو يحس كما لو كان على وشك أن ينام بين لحظة وأخرى: (بل أنهم زمرة الأنصار" الذين يكافحون ضد الوضع). ينهض "ايبامينونداس كونكالفس" واقفاً ويتساءل وهو يتخطى المستشرف جيئةً وذهاباً: (ماذا قلت للدليل؟). شرعت الصراصير تطلق صريرها ولم تعد حرارة الجو خانقة. يقول "غال" الحقيقة فيتوقف صاحب صحيفة (جورنال دي نوتسياس) ورئيس تحريرها عن الحركة تماماً: (حرصتُ على ألا أذكر حتى اسمك فقد اقتصرتُ على التحدث عن نفسي. قلت له أريد أن أذهب إلى "كانودوس" التزاماً بمبدأ، من منطلق التضامن الأدبي والأيدلوجي). يحدق "ايبامينونداس كونكالفس" فيه صامتاً، فيعلم "غاليليو" أن الرجل يتساءل ما إذا كان يقول هذهِ الأشياء بكل جدٍ وما إذا كان مجنوناً أو غبياً حقاً بما فيه الكفاية لتصديقها. ثم يفكر: (أنا هو ذاك المجنون أو ذاك الغبي) وهو يهز ذراعيه من حوله ليطرد الذباب.
- (وهل أخبرنه كذلك بأنك ستجلب لهم السلاح؟).
- (طبعاً لا سيكتشف ذلك حالما نشرع في الرحيل إلى هناك).
يعود "ايبافيونداس" فيتخطى المستشرف جيئة وذهاباً، ويداه خلف ظهره، مخلفاً أثراً من الدخان وراءه. إنه مرتدٍ قميصاً فلاحياً مفتوحاً عند الرقبة، وصدره من دون أزرار، وسروالاً للفرسان وجزمة، ويبدو كمن لم يحلف. لم يكن مظهره البتة مثل ما كان عليه في مكتب الصحيفة، أو في النزل في (بارا). بيد أن "غال" يتعرف بالرغم من ذلك، على الطاقة المختزنة في حركاته، والفرم والطموح في تعبيره. ويفكر في نفسه أنه حتى لا حاجة لتحّس عظامه لمعرفة ما هي عليه.ز (رجل متعطش إلى السلطان) أهذه المزرعة له؟ هل قصر الضيعة هذا مُعارٌ إليه لطبخ المؤمرات؟ يقول "ايبامينونداس" له وهو متكئ على الدرابزين وظهره باتجاهه: (حالما تُسلَّم الأسلحة لا تسلك هذا الطريق في عودتك إلى "سلفادور". ليأخذك الدليل إلى "جوازيرو". إنه السبيل الحكيم. هناك قطار يمر بـ"جوازيرو" بين يوم ويوم. وسيعود بك إلى "باهيا" في اثنتي عشرة ساعة. وسأتكفل أنا بمغادرتك إلى أوربا خفيةً، مع أجر سخي عن خدماتك). يردد "غال" بعده، فاغراً فاه في تثاؤبة واسعة تلوي وجهه وكلماته على نحوٍ مضحكٍ (أجر سخي. كنتَ تعتقد دائماً بأنني فاعلٌ هذا من أجل المال).
ينفث "ايبامينونداس" ملء فمه من دخان ينسل في زخرفات عربية عبر الشرفة. وعلى مبعدة، كانت الشمس قد بدأت تخفي نفسها وراء الأفق وكانت هناك بقع من الظلال في الريف المحيط.
- (كلا. أعرف جيداً أنك تفعل ذلك من منطلق المبدأ. وعلى أية حال، أنا أدرك بأنك لا تفعل ذلك حبّاً في "الحزب التقدمي الجمهوري". بيد أننا نقدر أنك مسدٍ خدمة لنا، ومن عادتنا أن ندفع لقاء الخدمات المسداة، كما سبق أن أخبرتك).
يقاطعه "غال" وهو يتمطّى: (لا أستطيع أن أعدك بأنني سأعود إلى "باهيا"، فصفقتنا لا تشمل هذا البند).
يعاود مالك صحيفة (جورنال دي نوتبسياس) ورئيس تحريرها النظر إليه ويبتسم قائلاً: (لن نبحث ذلك ثانية في مقدورك أن تفعل ما تشاء. وبعبارة مختصرة، أنت تعرف آلاف ما هو أفضل طريق للعودة إلى "باهيا". كمن تعرف أن في إمكاني تسهيل خروجك من القطر من دون أن تتدخل السلطات وتضعك على متن سفينة. وعليه، إنْ فضّلْتَ البقاء مع الثوار، فليكن، مع أنني موقن بأنك ستغير رأيك حين تلقاهم). يتمتم غال بنبرة يشوبها شيء من السخرية: (سبق أن التقيت أحدهم. وبالمناسبة، هّلا أرسلت لي هذا الخطاب إلى فرنسا من "باهيا". إنه غير مختوم، وإذا كنت تقرأ الفرنسية ستلاحظ أنه يخلو من أي شيء قد يمّسك بضرر).
***
وُلِدَ مثل والديه وأجداده وأخيه "هونوريو"، في بلدة المسوقة إلى (جاغواريب) عن تلك الموجهة نحو (فالي دوكاريري). كان جميع سكان البلدة إما مزارعين أو رعاة بقر. لكن "انتونيو" برهن من سنٍ مبكرة جداً على امتهانه التجارة، فبدأ بعقد صفقات تجارية في صفوف أصول الدين التي كان يدرسها الأب "ماتياس" الذي علمه الحروف والأرقام كذلك). كان "أنتونيو" و"هونوريو" فيلانوفا" على علاقة حميمة جداً وينادي كل منهما الآخر "عمّاه" مثل البالغين الذين امتدت رفقتهم الحميمة طوال العمر.
في أحد الأيام استيقظت "أدلينيا النكار"، إبنة نجار (أساري) وهي تشعر بحمى شديدة. ولم تنفع الأعشاب الطبية التي أحرقتها "دونا كاينما" طرداً للشر. وبعد أيام قليلة تفجّر جسم "أدلينيا" بثوراً بلغ قيحها درجة أحالت أجمل فتاة في البلدة إلى أكره مخلوق. وبعد أسبوع أصبح نصف دزينة من سكان البلدة يهذون من الحمى وقد غطتهم البثور وتمكن الأب "نوبياس" من تلاوة قداس سائلاً الله أن يضع حداً لهذا الوباء المرعب، قبل أن يصيبه المرض هو أيضاً. بدأ المرضى يموتون من فورهم، بينما انتشر الوباء وخرج عن السيطرة. وفيما كان السكان المرعوبون يتهيأون للهرب من البلدة، اعترضهم العقيد "مغويل فرنادس فيرا"، زعيم البلدة السياسي ومالك الأراضي التي كانوا يزرعونها والماشية التي كانوا يسوقونها للكلأ، ومنعهم هذا من الرحيل كي لا ينشروا مرض الجدري في طول الريف وعرضه. كما عيّن خفراء عند مخارج البلدة لديهم أوامر بإطلاق النار على أي فرد يعصي أمره. من بين القلائل الذين تمكنوا من الفرار من البلدة، الخوان "فيلانوفا". أما والداهما وشقيقتهما "لوز ماريا" ونسيبٌ وثلاثة من أبناء الأخوة من العائلة فقد قضى الوباء عليهم. بعد دفن جميع أولئك الأقارب، عقد "أنتونيو" و"هونوريو"، اليافعان القويان ذوا الخمسة عشر عاماً والشعر المجّعد والعيون الزرق، العزم على الفرار من البلدة. وبدلاً من مجابهة أفراد الزمرة بالمدّى والرصاص، كما فعل آخرون، أقنعهم "أنتونيو" وهو الأمين على مهنته أن يغضوا النظر مقابل ثور صغير وكيس من السكر المكرر يزن خمسة وعشرين رطلاً، وآخر من السكر الخام الأسمر. غادرا ليلاً، مصطحبين اثنتين من بنات عمومتهما، هما "أنتونيا" "أسنساو ساردلينيا" ومتاع الأسرة الدنيوي: وكان عبارة عن بقرتين وبغل حملٍ وحقيبة ملأى بالملابس ومحفظة صغيرة احتوت عشرة (ميلريسان). كانت "أنتونيا" و "أسنساو" من بنات أبناء عمومة الأخوين "فيلانوفا" وقد صحبهما "انتونيو" وهو "هونوريو" من باب الشفقة نظراً لعجزهما بعد أن تركها وباء الجدري يتيمتين كانت الصبيتان مجرد طفلتين تقريباً، وقد جعل وجودهما الفرار صعباً عبر البلاد. لم تكونا تعرفان كيفية اختراق غابات الشجيرات الخفيضة ووجدتا صعوبة في تحمل العطش. ومع ذلك تمكنت الحملة الصغيرة من قطع (سيرادوأرابيه) وخلَّفت (سانتو أنتونيو) و(أوري كوري) و(بترولينا) وراءها واجتازت (ريو سافرانسيسكو). وحين دخلوا (جوازيرو) وقرر "أنتونيو" تجربة حظهم في تلك البلدة من ولاية (باهيا) كانت الأختان قد أمسيتا حبلاوين: "أنتونيا من "أنتونيو"، و"أسنساو" من هوتوريو". وفي اليوم التالي تماماً شرع "أنتونيو" يعمل من أجل المال في حين بنى "هونوريو" كوخاً بمساعدة الأختين "سارولينيا"، كانا قد باعا في الطريق البقرتين اللتين كانا قد اصطحباهما من (أساري). لكن بغل الحمل كان لايزال معها، فحّمله "أنتونيو" وعاءً مليئاً بالبراندي على ظهره وراح يطوف به في البلدة ويبيعه بالشربة. كان عليه أن يحمل على ظهر ذلك البغل، ثم على آخر، وبعد ذلك على بغالٍ إضافية أخرى البضاعة التي كان يطوف لبيعها في الأشهر والسنوات التالية، بدءاً من بيت إلى بيت، وبعد ذلك في المستوطنات المقامة في الضواحي، وأخيراً في أرجاء الأراضي الخلفية كلها والتي صار يعرفها مثلما يعرف راحة يده. لقد تعاطى بيع سمك القد والرز والبقول والسكر والفلفل والسكر الخام وأطوال القماش والكحول وأي شيء كان الناس يطلبون إليه أن يجهزهم به. وأصبح مجّهزَ المزارع الشاسعة والمحاصصين الفقراء، وغدا رتل بغاله منظراً مألوفاً مثل سيرك الغجر في القرى والإرساليات التبشيرية ومخيمات الأراضي الخلفية. أما المخزن العام في (جوازيرو)، في (براسا دايزكورديا)، فكان يديره "هونوريو" والشقيقتان "سارولينيا" وقبل قطعا شوطاً جيداً تجاه الإثراء. وفي تلك المرحلة أدركتهم الكارثة التي كُتِبَ على الأسرة أن تنكب بها مرة ثانية. كانت الأمطار تبدأ بالهطول في سنوات الخير في كانون الأول. أما في السنوات العجاف ففي شباط أو آذار، وفي تلك السنة لم تسقط ولا قطرة مطر واحدة حين حلّ أيار. لقد نقصت كمية مياه (ساوفرانسيسكو) بمقدار الثلثين ولم تكد تكفي لسد حاجات (جوازيرو) التي زاد سكانها أربعة أمثال جراء تدفق المهاجرين من داخل البلاد.
في تلك السنة لم يستوف "أنتنيو فيلانوفا" أي دَيْنٍ يستحقه كما ألغى جميعُ عملائه، سواء كانوا مالكي المزارع الشاسعة أم فقراء المنطقة، طلباتهم لبضائعه. حتى (كالومبي)، أفخر مقاطعات البارون "دي كانبرافا"، أبلغته أنها لن تبتاع حتى حفنة ملح منه. واحتساباً للكسب في الأوقات الرديئة، كان "أنتونيو" قد طمر حبوب البذر في صناديق خشب لُفَّت بقماش القِنّب بغية بيعها حين ترفع الشحةُ الأسعار إلى أعالي السماء. بيد أن الكارثة اتخذت أبعاداً تجاوزت حساباته. وفي الحال أدرك أنه إذا لم يبعِ البذور التي اختزنها فوراً، لن يكون هناك زبون واحد راغب فيها. ذلك أن الناس جعلوا ينفقون النزر اليسير مما تبقى لديهم من مال على القداس والمواكب والذبائح كي يرسل الله المطر، علماً بأن كل واحد منهم كان يتوق إلى الانضمام إلى الأخوان التائبين الذين كانوا يرتدون القلنسوات ويجلدون أنفسهم بالسياط عند ذاك نبش صناديقه. كانت البذور قد تعفَّنت بالرغم من التغليف بقماش القنب لكن" أنتونيو" لا يقر بالاندحار أبداً. فقام هو و"هونوريو" والشقيقتان "ساردلينيا" وحتى الأطفال – طفُلةُ وأطفال أخيه الثلاثة بتنظيف البذور على أحسن وجه ممكن. وفي صباح اليوم التالي أعلن منادي المدينة في الساحة الرئيسة أن متجر "فيلانوفا" العام سيبيع بذوره الموجودة لأسباب قاهرة، وذلك بأسعار مغرية. سلّح "أنتونيو" و"هونوريو" نفسيهما وعيّنا أربعة خدم يحملون الهراوات خارج المتجر، على نحوٍ بيّن، كي يحولوا دون انفلات المشترين. جرى كل شيء على ما يرام في الساعة الأولى. كانت الشقيقتان "ساردلينيا" تناولان البذور عند النُضد، في حين كان الرجال الستة يصدّون الناس عند الباب ولا يسمحون لأكثر من عشرة أشخاص بالدخول إلى المتجر في المرة الواحدة. لكن سرعان ما استحال ضبط الجماهير. ذلك أن الناس تسلقوا الحاجز في آخر المطاف وكسروا الأبواب والشبابيك ورموها أرضاً واجتاحوا المحل. وفي بضع دقائق نهبوا كل شيء في الداخل بما في ذلك النقود من صندوق النقد. أما ما لم يستطيعوا نهبه وأخذه معهم فقد أحالوه إلى تراب. لم يستغرق التدمير أكثر من نصف ساعة. ومع أن الخسائر كانت جسيرة لم يُصَب أي من أفراد الأسرة بأذىً. كان "هونوريو" و"أنتونيو" والشقيقتان "ساردلينيا" والأطفال جالسين في الشارع يرقبون الناهبين وهم ينسحبون من المتجر الذي كان أكثر المتاجر اكتظاظاً بالبضائع في البلدة كلها. لقد اغرورقت عيون المرأتين بالدموع، وتطلع الأطفال المنتشرين جلوساً هنا وهناك على الأرض خدرين إلى بقايا الأسِرّة التي كانوا ينامون عليها والملابس التي كانوا يرتدونها واللعب التي كانوا يلعبون بها. كان وجه "أنتونيو" قد شحب. أما "هونوريو" فتمتم قائلاً: (علينا أن نبدأ من جديد). فأجاب أخوه (ولكن ليس في هذه المدينة).
لم يبلغ "أنتونيو" الثرثين من عمره بعد، بيد أن آثار الاجهاد المفني وسفراته المنهكة والاسلوب المتهَّجس الذي كان يدير به تجارته جعلته يبدو أكبر سناً. فقد فقد الكثير من شعره، وكانت جبهته العريضة ولحيته الذقنية الصغيرة وشاربه تضفي عليه سيماء المثقفين. كان رجلاً قوياً، محني الكتفين قليلاً، وذا مشية متقوّسة الساقين مثل مشية راعي بقر. لم يظهر أي اهتمام بأي شيء قط عدا التجارة. وفي حين كان "هونوريو" يحضر الاحتفالات ولا يمانع في شرب كأس صغير من شراب الأنسيون وهو يسمع منشداً أو يثرثر مع خلان يمخرون عبر (ساو فرانيسكو) عند دفة أحد الزوارق حيث تماثيل صغيرة لرؤوس مصبوغة بأصباغ براقة تبدأ في الظهور، كان "أنتونيو" يعيش بلا حياة اجتماعية. وحين لم يكن غائباً في رحلة في مكان ما، كان يتحلّف عند نضد متجره، يدقق دفاتر حساباته أو يفكر في الدخول في ضروب جديدة في الأعمال التجارية. كان كثير الزبائن، قليل الأصدقاء. ومع أنه كان يؤم كنيسة (سيدة الغار) أيام الأحد ويحفر بين آن وآن المواكب التي كان المتسوّطون* من الاخوان يُميتون لحمهم بالسياط ليساعدوا أرواحهم في المَطهَر** لم يكن يُعَدُ واحداً من الذين يملكون حماسة دينية فائقة. كان رجلاً جاداً، هادئاً، عنيداً مُعّداً إعداداً حسناً لمواجهة المصائب.
كانت رحلة أسرة "فيلانوفا" هذه المرة عبر منطقة نُكبت بالجوع والعطش، أطول من تلك التي قامت بها قبل عقد من الزمن حين فرّت من وباء الجدري، فسرعان ما أضحوا من دون دواب. وعقب مجابهة مع عصبة من المهاجرين أبعدها الأخوان اضطراراً بالبنادق قرر "انتونيو" أن بغال الحمل الخمسة العائدة لهم كانت تشكل إغراءً شديداً تصعب مقاومته من جانب الحشود البشرية المتضورة جوعاً والجائلة في أصقاع الأراضي الخلفية. ولذلك باع أربعة منها في (باروفرميليو) مقابل حفنة أحجار كريمة. ثم نحروا البغل الأخير الباقي وأقاموا وليمة لأنفسهم. وملّحوا اللحم المتبقي فأقام أودهم بضعة أيام. هذا وقد توفي أحد أبناء "هونوريو" من الزحار فدفنوه في (بوارجا) حيث كانوا قد أقاموا ملجأً قدمت فيه الشقيقتان "ساردلينيا" حساءً مصنوعاً من أجاص أسباني ولحم الخنزير الهندي البري والترمس الأصفر بيد أنهم عجزوا عن الصمود هناك كذلك مدة طويلة جداً وطققوا يجولون ثانية باتجاه (باتاموته) و(ماتوفيردة)، حيث لسع عقرب "هونوريو". وحين تحسنت صحته واصلو السفر جنوباً. وكانت سفرة مزعجة استغرقت أسابيع وأسابيع ما صادفوا فيها سوى أشباح مدن ومزارع مهجورة وقوافل من جماجم تهيم من دون هدف، كما لو أصابتها هلوسة.
وفي (بدرا غراند) مات أبن آخر من أبناء "هونوريو" و"اسنساو" من الزكام ولا شيء أكثر خطورة منه. كانوا في غمرة عملية دفنه ملفوفاً ببطانية حين جاء قرابة عشرين رجلاً وامرأة إلى القرية، تلفهم سحابة من غبار أحمر اللون – بينهم مخلوق له وجه رجل ويزحف على الأربعة، وزنجي نصف عار. كان أكثُرهُم محضً جلدٍ وعظام فقط، يلبسون أردية متهرئة وصنادل بدت وكأنها قد داست دروب العالم برمته. كان زعيمهم رجلاً طويلاً أسمر ذا شعر متهدل على كتفيه وعينين زئبقيتين. مضى بخطىً واسعة نحو أسرة "فيلانوفا" مباشرة، وبإيماءة من يده أوقف الأخواني الذين كانا بصدد إنزال الجثة في اللحد. سأل "هونوريو" بصوت رزين: (أهو ابنك؟). أومأ هذا برأسه. قال الرجل الأسمر ذو الشعر الأسود بنبرة سلطوية: (لا يمكن دفنه هكذا. لابد أن يوارى التراب ويرسل في سبيله بصورة لائقة كي يستقبل في حفل الابتهاج الأبدي في السموات). وقبل أن يتمكن "هونوريو" من الإجابة، استدار الرجل صوب الذين كانوا معه قائلاً: (لنواره الترابَ على نحو لائق كي يتلقاه الرب مغتبطاً). عند ذاك شاهد آل "فيلانوفا" الحجيج تدبُّ فيهم الحياة، فهرعوا إلى الأشجار وقطّعوها وسمرّوها معاً فصنعوا نعشاً وصليباً بمهارةٍ دلّت على مرانٍ طويل. أخذ الرجلُ الأسمر الطفلَ بين ذراعيه ووضعه في التابوت. وبينما كان آل "فيلانوفا" يهيلون التراب في القبر ليمتلئ، صلّى الرجل بصوت عال وأنشد الآخرون تراتيل التبريك وتلوا صلوات الذكر راكضين متحلّقين حول الصليب. وبينما كان الحجاج يهّمون بالمغادرة بعد استراحة تحت الأشجار أخرج "أنتونيو فيلانوفا" قطعة نقد معدنية وعرضها على القديس. قال ملحاً حين لاحظ أن الرجل كان بصدد رفضها، وهو يتطلع إليه بنظرة ساخرة، من عينيه: هذه رمزٌ لامتناننا). أجاب الرجل أخيراً: (ليس لديك ما تشكرني عليه. لكنك لن تقدر على إيفاء الرب ما بذمتك حتى بألف مسكوكة مثل هذه). توقف ثم أضاف برقة: (إنك لم تتعلم العدّ، يا ولدي).
لبث آل "فيلانوفا" هناك وقتاً طويلاً بعد مغادرة الحجيج، جالسين مستغرقين في التفكير حول نار كشّافية أشعلوها درءاً للحشرات. تساءل "هونوريو": (أكان هذا مجنوناً يا عّماه؟) فأجاب "أنتونيو": (لقد شاهدت الكثير من المجانين في رحلاتي، لكن هذا الرجل بدا كأنه شيء أكثر من ذلك). حين أمطرت السماء ثانية، بعد عامي من الجفاف والكوارث، كانت أسرة "فيلانوفا" قد استقرت في (كاتنغارومورا)، وهي ضيعة تجاورها ملحمة صغيرة شرع "أنتونيو" بتشغيلها. لقد ظل سائر أفراد الأسرة على قيد الحياة – الشقيقتين "ساردلينيا" والطفلين – بيد أن ولد "أنتونيو" و"أنتونيا" الصغير فقد بصره شيئاً فشيئاً بعد معاناته من افرازات صمغية حول عينيه جعلته يفركهما طيلة أيام متواصلة. ومع أنه كان لا يزال قادراً على التمييز بين النور والظلام، فانه عجز عن تشخيص وجوه الناس أو تبيان ما كانت عليه الأشياء المحيطة به. أما المملحة فقد تمخضت عن تجارة طيبة. كان "هونوريو" و المرأتان والطفلان يقضون أيامهم بجففون الملح ويعدون الأكياس لهن فيخرج "أنتونيو" بها للبيع، وقد صنع لنفسه عربة وجعل يتجول هنا وهناك حاملاً بندقية رشّ ذات ماسورتين ليدافع بها عن نفسه في حالة هجوم عصابات عليه.
مكثوا في (كاتنغارومورا) ثلاث سنين تقريباً. وبعودة المطر، عاد القرويون إلى العمل في الأرض، ورجع رعاة البقر ليرعوا القطعان التي هلك عُشَرُها. كل ذلك كان يعني الرخاء بالنسبة إلى "أنتونيو". ففضلاً عن المملحة سرعان ما صار له متجر، وطفق يتعامل بدواب الركوب، فيشتريها ويبيعها بهامش ربحي جيد، وحين أحالت سيول أمطار شهر كانون الأول ذاك – وتلك لحظة حرجة في حياته – الجدول الصغير المار عبر المستوطنة إلى نهر طاغٍ جرف أكواخ القرية وأغرق الدجاج والمعز والمملحة ودفنها تحت بحر من الطمى في ليلة واحدة، كان "أنتونيو" في سوق "نور دستينا) الموسمية حيث كان قد ذهب ومعه حمولة من الملح ولديه نية لشراء بعض البغال. عاد بعد أسبوع وكانت مياه الفيضان قد بدأت بالانحسار. كان "هونوريو" والشقيقتان "ساردلينيا" والعمال الستة الذين كانوا يشتغلون في خدمتهم مبتئسين، لكن "أنتونيو" تلقى هذه النكبة الأخيرة بهدوء، فَجَرَدَ ما قدتم إنقاذه. وأجرى حسابات في دفتر صغير، ورفع معنوياتهم بالقول بأنه لاتزال ثمة ديون عدة مستحقة الوفاء له وإن له، مثل القط، أرواحاً أكثر من أن يقدر فيضان واحد على إشعاره بالاندحار.
بيد أنه لم يغمض له جفن في تلك الليلة. كان قد أواهم قروي من أصدقائه على التل الذي كان قد لاذ به جميع الأهالي الذين كانوا يسكنون في الأرض المنخفضة. كان باستطاعة زوجته أن تحس به يتقلب في الأرجوحة الشبكية وتشاهد في ضوء القمر الواقع على وجه زوجها أن القلق قد أذاواه. وفي صباح اليوم التالي أخبرهم "أنتونيو" إن لابدّ لهم أن يستعدوا للرحيل، إذ انهم مغادرون (كاتنغادومورا) نهائياً. كانت نبرة صوته حازمة بحيث لم يتجرأ أخوه أو الامرأتان على الاستفسار منه عن السبب. وبعد بيع كل ما عجزوا عن أخذه معهم، توجهوا إلى الطريق ثانية في العربة المثقلة بالرزم، وغرقوا ثانية في المجهول. وفي أحد الأيام سمعوا انتونيو" يقول شيئاً حيرهم. غذ تمتم قائلاً، وقد تظلّلت أعماق عينيه الزرقاوين: (ذلكم التحذير الثالث. لقد جاءنا هذا الفيضان كي نعمل شيئاً ما لا أعرف ما هو). قال "هونوريو" له، كما لو كان في حرج من السؤال: (إنذار من الله يا عّماه). فأجاب "أنتونيو". (ربما كان من الشيطان). واصلوا التطواف هنا وهناك، ماكثين أسبوعاً هنا وشهراً هناك. وكلما ظنت الأسرة أنها على وشك الاستقرار انبرى "انتونيو" بقرار بالمغادرة. لقد أزعجهم البحث الغامض عن شيء ما أو شخص ما لكنْ ما اعترض أحد منهم على هذا الترحال الدائم. أخيراً وبعد ما يقرب من ثمانية شهور من الهيام في عرض الأراضي الخلفية وطولها انتهوا إلى الاستقرار في مزرعة تعود إلى البارون "دي كانا برافا" كانت قد هُجِرَتْ منذ حلّ الجفاف. كان البارون قد أخذ كل ماشيته معه، ولم يبق سوى بضع أسر لبثت تعيش هنا وهناك في الريف المتاخم تزرع قطعاً صغيرة من الأرض على ضفاف نهر (فازا- بارس) وتأخذ معزها لتكلأ في أعالي (سيرادي كانا برافا) دائمة الخضرة. ولقلة نفوس (كانودوس) ولكونها محاطة بالجبال، فقد بدت كأنها أسوأ مكان ممكن للتاجر أن يقيم فيه تجارته. ومع ذلك، وفي اللحظة التي استولوا فيها على ما كان يوماً ما بيت الوكيل، الذي غدا خراباً الآن، تصرف "انتونيو" كما لو كان قد انزاح عبء ثقيل عن كاهله. وفي الحال، شرع يستنبط خطوطاً جديدة في التجارة نفسها يستطيع مباشرتها، وانبرى ينّظم حياة الأسرة بالروح المعنوية العالية نفسها كما في الأيام الخوالي. وبعد عام، صار متجر (فيلا نوفا) العام، بفضل مثابرته وعزمه، يشتري ويبيع البضائع على مدار عشرة فراسخ. ومرة أخرى واصل "انتونيو" سفراته المستمرة. بيد أنه صادف أن كان في الدار يوم ظهر الحجاج على جنبات (أوكامبايو) ودخلوا (كانودوس) من شارعها الوحيد ينشدون تراتيل الحمد للمسيح المبارك بأعلى أصواتهم ومن مظهره مسكن الوكيل السابق، الذي تحول الآن إلى مشتركِ دارٍ ومتجر، صار يرقب منظراً أولئك الخلق المتحمس وهم يقتربون أكثر فأكثر. لاحظ أخوه وزوجته وعديلته شحوبه حين أقبل عليه الرجل ذو الرداء الارجواني الغامق الذي كان على رأس الموكب. تعرفوا على تينك العينين المحتدمتين والصوت العميق والجسم النحيل سأله القديس مبتسماً، وماداً يده للتاجر: (هل تعلمت العدّ فعلاً؟). ركع "أنتونيو فيلانوفا" على ركبتيه ليقبل أصابع القادم الجديد.
***
لقد انبأتكم يا رفاقي، في رسالتي الأخيرة، عن ثورة شعبية داخل البرازيل، أبلغني عنها شاهد متحامل من الأخوان (الكابوتشينيين). في وسعي الآن أن أنقل لكم شهادة أكثر موثوقية حول (كانودوس) من رجل هو نفسه من المتمردين، مُرْسَلٌ ليجوب جميع أصقاع الأراضي الخلفية، مهمته، من دون ريب، تحويل آخرين إلى مذهبهم. لكنني استطيع أن أخبركم كذلك عن شيء مثير: كانت ثمة مجابهة مسلحة دحر فيها (الأنصار) مئة جندي متوجهين إلى (كانودوس). هل هناك علامات أوضح على أن هؤلاء المتمردين رفاق ثوريون. إن في هذا بعض الصحة، لكن على وجه التعميم فقط، وذلك بموجب حكمتا على هذا الرجل الذي يعطي انطباعاً متناقضاً عن أخواننا هؤلاء: فهناك فطنة حادة وسلوك طبيعي يقومان جنباً إلى جنب مع خرافات لا تصدق.
اكتب إليكم من بلدة لا تعرفون اسمها من دون شك، منطقة فيها عبودية النساء المعنوية والبدتية، مفرطة للغاية، إذ يضطهدهن مالك الأرض والأب والأخوان، جميعاً. في تلك الأصقاع يختار مالك الأرض زوجات لأقربائه، وتتلقى النساء الضرب حتى في الشارع من جانب الآباء المغضوبين أو بعولهن المخمورين – وهذا شيء لا يحفل به البتة أولئك الذين يرون مثل تلك المشاهد. إن هذا زادٌ للفكر يا رفاق: علينا أن نؤمن أن الثورة لن تقضي على استغلال الإنسان للإنسان حسب، بل على استغلال الرجال للنساء كذلك، وان تقيم المساواة بين الجنسين فضلاً على المساواة بين الطبقات. علمت أن المبعوث الوافد من (كانودوس) قد جاء به إلى هنا دليل، هو صياد للنمور المرقطة كذلك (مهنة جيدة أن تستكشف العالم وتقتل الوحوش المفترسة للقطعان). وقد تمكنت من مقابلته بفضله. حدثت المقابلة في مدبغة وسط جلود منشورة لتجف تحت الشمس وأطفال يلعبون مع السحالي. شرع قلبي يخفق بشدة حين تطلعت إلى الرجل: قصير، متين الكيان، له بشرة بين الصفراء والرمادية، التي يرثها الخلاسيون عن أجدادهم الهنود، وندية في وجهه انبأتني من نظرة أنه كان من الشقاة أو المجرمين في السابق- ضحية، على كل حال، إذ أن المجتمع، كما أوضح "باكونين"* يضع أسس الجريمة ويكون المجرمون أدوات لتنفيذها. كانت ملابسه من الجلد. ولي أن أضيف إن ذلك هو الملبس المعتاد لرعاة البقر إذ يمكّنهم من اختراق ذوات الأدغال الشائكة على متون جيادهم. كان يضع قبعة (السومبريرو) على رأسه دائماً وبندقيته الرش. بجانبه طيلة مقابلتنا. كانت عيناه عميقتين، عابستين، وسلوكه مراوغاً ومتملصاً، كما هو الحال هنا عادةً. لم يشأ أن نتحادث نحن الاثنين بمفردنا. كان علينا أن نفعل ذلك بحضور مالك المدبغة وأسرته، الذين كانوا جالسين على الأرض يأكلون من دون أن ينظروا إلينا. قلت له إني ثوري ولي جمهرة من الرفاق في العالم الذين هللوا لما فعله أهالي (كانودوس)، أي احتلال أراضٍ تعود إلى إقطاعي، وإقامة علاقة الحب المتحرر، وقهرِ سرية من الجنود. لا أدري إن كان قد فهمني. إن سكان الداخل ليسوا مثل أهالي (باهيا) الذين يتسمون، بفضل التأثير الأفريقي، بكونهم ثرثارين ومنبسطين. أما هنا فوجوه الناس لا تعبير فيها أقنعة وظيفتها، كما بدا إخفاء أحاسيسهم وأفكارهم. سألته عما إذا كانوا مستعدين لهجمات أخرى، إذ إن رد فعل البرجوازية مثل ردة الحيوان المتوحش، حين ينتهك الحق المقدس لملكية العقار الخاصة، فأذهلني جوابه إذ دمدم قائلاً إن جميع الأرض تعود إلى الرب، وإن (المرشد) ماضٍ في إنشاء أكبر كنيسة في العالم في (كانودوس). حاولت أن أبين له أن بناءهم الكنائس لم يكن هو سبب إرسال السلطات الجنود لمحاربتهم. لكنه أجاب بأن خلالاً هو السبب على وجه الدقة لأن (الجمهورية) بصدد محاولة طمس الدين. بعد ذلك سمعت، يا رفاقي، نقداً غريباً لاذعاً للجمهورية قال بثقة ذاتية هادئة من دون أي أثر للانفعال. إن (الجمهورية) عاقدة العزم على اضطهاد الكنيسة والمؤمنين، ناسخة جميع المذاهب الدينية، كما سبق أن اضطهدت (جمعية المسيح). وإن اشنع دليل على مقاصدها اقرارُها الزواج المدني، وهو شيء فاضح من أعمال الكفر حين لايزال قداس الزواج الرباني قائماً.
أستطيع أن أتصور خيبة أمل الكثير من قرائي وشكوكهم عند قراءة ما جاء في أعلاه من أن (كانودوس) شأنها شأن انتفاضة (فاندية) في عهد الثورة الفرنسية، إنما هي حركة رجعية أوحى بها القساوسة. ليس الأمر يمثل هذه البساطة، يا رفاقي. فكما علمتم من رسالتي الأخيرة: إن الكنيسة تدين (المرشد) و (كانودوس)، وأن الثوار قد استولوا على أراض تعود إلى أحد البارونات. سألتُ الرجل ذا الندبة في الوجه عما اذا كان فقراء البرازيل أحسن حالاً في عهد الملكية. أجاب بالإيجاب فوراً، لأن الملكية هي التي ألغت الرق. كما أوضح أن الشيطان أطاح بالإمبراطور "دوم بيدرو" الثاني، مسخراً الماسونيين والبروتستانت أدوات له بغية إعادة الرق. تلك كانت كلماته بالحرف الواحد: لقد غرس في أذهان أتباعه الاعتقاد بأن الجمهوريين هم دعاة الرق. (طريقة ماكرة في تلقين الصدق، أليس كذلك؟ فبصدد استغلال الإنسان من جانب أصحاب الأموال، فإن إقامة النظام الجمهوري ليست رقاً أهون شراً من الصيغة الإقطاعية). كان المبعوث جازماً: (لقد عانى الفقراء الكثير، ولسوف نضع حداً لذلك. لن نجيب عن أسئلة التعداد السكاني لأن غرضهم تمكين الحكومة من تشخيص المعتوقين ليكبلوهم بالأغلال ثانية ويعيدهم إلى أسيادهم. في (كانودوس) لا أحد يدفع الجزية المفروضة من الجمهورية) لأننا لا نقرّ بها أو نعترف بحقها في أن تنتحل لنفسها سلطات ووظائف تعود إلى الربّ) وما هي تلك السلطات والوظائف في سبيل المثال؟ (تزويج الناس وفرض الأتاوات). سألتُ ما هي العملة المستعملة في (كانودوس) فأخبرني بأنه لا يسمح إلاّ بتداول المسكوكات التي تحمل صورة الأميرة. "ايسابيل"، أي عملة الإمبراطورية. ولكن بما أن هذه لم تعد موجودة إلا فيما ندر فان استخدام النقود آيل إلى الزوال في الواقع. (ليس ثمة حاجة لذلك. ففي "كانودوس" كلُّ مَنْ يملك يعطي مَنْ لا يملك، ومن يقدر على العمل يفعل ذلك من أجل من لا يستطيع العمل). قلت له إن التخلي عن الملكية الخاصة والمال وإقرار الملكية المشاعة للأشياء كلها، بأي اسم تكون، حتى لو كان ذلك بصيغة تجريدات ضبابية إنما هو عمل جريء وشجاع لصالح المحرومين في الأرض وخطوة أولى نحو خلاص الجميع. كما بينت أن مثل هذه التدابير سوف تجلب عليهم، عاجلاً أو آجلاً، اقسى ضروب القمع. إذ أن الطبقة الحاكمة لن تسمح أبداً بانتشار مثل هذهِ السابقة: هناك فقراء في هذا البلد يتجاوزون الحد الكافي للاستيلاء على جميع المزارع. أيعلم (المرشد) وأتباعه بالقوى التي هم لها مثيرون؟ حدّق الرجل في عينّي، من دون أن يطرق له جفن، ردد سلسلة من العبارات السخيفة على مسامعي، منها هذا النموذج أقدمه لكم: ليس الجنود قوة الحكومة، بل ضعفها. حين تدعو الحاجة سوف تتحول مياه (فازا – بارس) إلى حليب، وَمضَايقُه إلى طعام (كسكسي) الذرة، وسيبعث (الأنصار) الذين قتلوا في المعارك ليكونوا على قيد الحياة حين يظهر جيش "دوم سباستياو" (الذي كان ملكاً برتغالياً مات في افريقيا في القرن السادس عشر). هل هذهِ الشياطين والأباطرة والتمائم الدينية عناصر الاستراتيجية يستخدمها (المرشد) لدفع المساكين في درب الثورة، استراتيجية هي، في واقع الحال خلاف الكلام المجرد، ذات أثر في غاية الفاعلية، إذ أنها دفعتهم إلى النهوض حاملين السلاح في وجه الأسس الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية لمجتمع الطبقات؟ هل رموز الدين والخرافة والسلالة وحدها هي القادرة على أن تثير من حالة الهمود لدى الجماهير التي كانت قروناً عدة عرضة لطغيان الكنيسة الخرافي؟ وهل هذا السبب الذي يجعل (المرشد) يسخرهم؟ ام أن كل هذا محض مصادفة؟ نحن نعرف، يا رفاق، أن ليس في التاريخ شيء ينعت بالمصادفة وأنه، مهما كان المسار عَرَضياً في الظاهر، هناك على الدوام عقلانية كامنة وراء حتى أكثر المظاهر الخارجية مدعاة للحيرة. هل لدى (المرشد) أية فكرة عن الجَيَشان الذي يثيره؟ وهل هو من صنف الأذكياء أم هو ماهر بالحدس والتخمين؟ ينبغي عدم التخلي عن أية فرضية، وبخاصة فرضية وقوع حركة شعبية تلقائية، غير متعمدة. العقلانية منقوشة داخل دماغ كل إنسان مهما كان غير مثقف، وتستطيع في ظروف معينة أن تقوده، في غمرة غيوم العقيدة الجامدة التي تشوش رؤيته أو ضروب التحامل التي تحدد قاموس مفرداته، أن تعمل باتجاه مسيرة التاريخ. لقد كتب رجل ليس منا، هو "مونتسكيو"*، قائلاً إن الخط أو نكد الخط هو بكل بساطة ميل فطري محدد في جوارحنا. إن العمل الثوري، هو الآخر، يمكن أن يولد من صلب هذا النزوع في الجوارح التي تتحكم فينا حتى قبل أن يثقف العلمُ أدمغةَ الفقراء. هل هذا ما هو حادثٌ في الأراضي الخلفية لـ(باهيا)؟ الجواب مأتاه في (كانودوس) عينها من دون غيرها. حتى رسالتي التالية، إنْ وُجِدَتْ رسالة أخرى أصلاً.
(6)
احتُفِلَ بانتصار (أواوا) بيومين من الأفراح في (كانودوس) فكانت هناك عروض صواريخ وألعاب نارية أعدها "أنتونيو" الإختصاصي في النارّيات، كما نظم (الصغير المبارك) مواكب تدور هنا وهناك وسط متاهة الأكواخ التي كانت قد قامت في المزرعة. وكان (المرشد) يغط كل مساء من سقالة في المعبد: إن محناً أسوأ لاتزال تنتظرهم في (كانودوس). عليهم ألا يتيحوا للخوف فرصةَ أنْ يستبد بهم. وسيُعْيْن المسيحُ المبارك المؤمنين. وظلت نهاية العالم موضوعاً يتحدث عنه كثيراً. إن الأرض، التي غدت منهوكة بعد قرون عدة من إنتاج النباتات والحيوانات وإيواء الإنسان ستسأل الربّ ما إذا يمكنها أن تستريح. وسيمنح الله موافقته وستبدأ أعمال التدمير. ذلكم هو المقصود بكلمات الإنجيل: (لا أجيء بالسلام، بل بالسيف).
ولذلك، فينما قامت السلطات في (باهيا) – التي شهّرت بها تشهيراً قاسياً صحيفةُ (جورنال دي نوتيسياس) و(الحزب التقدمي الجمهوري) بسبب ما حدث في (أواوا)- بتنظيم حملة ثانية، تعداد جنودها سبعة أمثال الحملة السابقة، مجهزة بمدفعي (كروب) من عيار (7,5) ورشاشتين من طراز (نورد نفلت) وأرسلتها بالقطار بأمرة الرائد "فبرونيو دي بريتو" إلى (كيماداس)، مع أمر بالتوجه من فورهم على الاقدام من هناك لمعاقبة الثوار، كان هؤلاء يهيئون أنفسهم في (كانودوس) ليوم القيامة. خرج بعضهم ممن كانوا أقل اصطباراً، وهم متشوقون لتعجيل قدوم ذلك اليوم أو ليمنحوا الأرض الراحة التي تستحق، عاملين لزرع الخراب. وفي اندفاع عشقي جامح أشعلوا النيران في مبان قائمة على نجاد الجبل وفي غابات الشُجيرات الخفيضة التي كانت تعزل (كانودوس) عن العالم. ولكي ينقذ الكثير من أصحاب المزارع والفلاحين أراضيهم عرضوا عليهم الهدايا، ومع ذلك أحرق أولئك عدداً لا يستهان به من بيوت المزارع وحظائر الدواب والمساكن المهجورة وأكواخ الرعاة ومخابئ الخارجين على القانون. كان من اللازم على "هوزيه فيناشيو" و"باجو" و"ابوت جواو" و"جواو الكبير" وآل "ماكامبيرا" أن ينبروا ويوقفوا أولئك الحالمين المتحمسين التواقين إلى إراحة الطبيعة بإحالتها إلى رماد عند حدهم، وتعين على (الصغير المبارك) و (أم الدجال) و(أسد ناتوبا) أن يوضحوا لهم أنهم أساءوا فهم مواعظ القديس. لم تعان (كانودوس) من جوع حتى في تلك الأيام، بالرغم من وفود الكثير من الحجاج وقد انتقت "ماريا كوادرادو" جمعاً من النسوة – سماهن (الصغير المبارك) (جوقة الإنشاء المقدس) – ليعشن معها في المعبد المقدس كي يساعدنها في إعاشة (المرشد) حين يغدو من الضعف صوماً حداً لا تطاوعه معه ساقاه، وإطعامه الفتات القليل الذي كان يأكل، والعمل درعاً يحميه كي لا ينسحق بضغط الحجاج الراغبين في لمسه والذين كانوا يتعقبونه توسلاً لشفاعته لدى المسيح المبارك من أجل شفاء ابنة ضريرة أو ابن سقيم أو زوج مضى في سبيله. وفي أثناء ذلك اخذ (أنصار) آخرون على عواتقهم مسؤولية تزويد المدينة بالطعام والدفاع عنها. لقد كانوا يوماً عبيداً هاربين، مثل "جواو الكبير"، أو شقاة ذوي ماضٍ انطوى على كثيرٍ من جرائم القتل، كما في حالة "باجو" أو "أبوت جواو". أما الآن فقد أمسوا رجالاً مؤمنين بالله. بيد أنهم ظلوا، مع هذا، رجالاً عمليين، واعين هموم الدنيا، ومدركين خطر الجوع والحرب، ولهذا تولوا معالجة الوضع بأنفسهم مثلما حصل في (أواوا). وكما كبحوا جماح جموع الحارقين عمداً ساقوا إلى (كانودوس) رؤوس الماشية والجياد والبغال والحمير والمعز التي أذعنت المزارع المجاورة فوهبتها إلى المسيح المبارك. كما أرسلوا إلى متاجر الأخوين "فيلانوفا" طحيناً وبذور حبوب وملابس، والأهم من كل ذلك الأسلحة التي جمعوها في غاراتهم. وفي خلال بضعة أيام فقط امتلأت (كانودوس) حتى التخمة بالموارد وفي الوقت نفسه طاف مبعوثون منفردون في أرجاء الأراضي الخلفية، مثل رسل الإنجيل، وابتعدوا حتى بلغوا السواحل حاضّين الناس على القدوم إلى ( كانودوس) والانضمام إلى الصفوة لمقاتلة الجمهورية: بدعة الشيطان تلك. كانوا مبعوثين سماويين غريبي المظهر، لا يرتدون أردية الرهبنة، بل سراويل وقمصان جلد، تبصق أفواههم شناعات الأوباش الفظة، يعرفهم الجميع لأنهم كانوا في يوم من الأيام يشاركونهم بؤسهم وسقفاً فوق الرؤوس، إلى أن حدث ذات يوم أن مضوا إلى (كانودوس) تحملهم أجنحة الملائكة.
كانوا كما قد كانوا أبداً، مسلحين بالمُدى والقربينات والمناجل الضخمة نفسها. ومع ذلك غدو الآن غير ما كانوا عليه. إذ كان كل ما يتحدثون عنه بأيمان وفخر مؤثرين هو (المرشد)، أو الرب، أو الجالية التي قدموا منها كان الناس يعرضون عليهم حسن ضيافتهم وينصتون إليهم، وكثير منهم حملوا معهم مقتنياتهم كلها بعد أن جاش الأمل في صدورهم أول مرة ومضوا قاصدين (كانودوس). كانت قوات الرائد "فبرونيو دي بريتو" قد وصلت إلى (كيماداس)، مؤلفة من خمسمئة وثلاثة وأربعين جندياً وأربعة عشر ضابطاً وثلاثة أطباء اختيروا من أمواج المشاة الثلاثة في (باهيا)، التاسع والسادس والعشرين والثالث والثلاثين. وقد رحبت البلدة الصغيرة بهم بخطاب من العمدة وقداس في كنيسة (سانتو أنتونيو) واجتماع لمجلس البلدية ويومٍ أُعلن يومَ عطلة ليتمكن أهالي البلدة من الاشتراك في الاستعراض، كاملاً بدقَّ الطبول ونفخ الأبواق حول ساحة البلدة. وقبل أن يبدأ العرض كان رُسُلٌ متطوعون قد مضوا شمالاً ليعلموا (كانودوس) عن عدد الجنود والأسلحة في قوات الحملة وخط السير الذي كانت تخطط لتتبعه. لم تكن الأخبار مفاجئة. وما الداعي للمفاجأة إذ كان الواقع قد أيّد ما كان الله قد أبلغهم به على لسان (المرشد)؟ النبأ الحقيقي الوحيد كان مؤداه أن الجنود سيجيئون هذه المرة عن طريق (كارياكا) و(سيرادي أكاري) ووادي (إبوبراس). وعليه اقترح "أبوت جواو" على الآخرين أن يحفروا الخنادق ويجلبوا البارود والمقذوفات ويضعوا رجالاً عند منحدرات جبل (كامبايو) إذ أن البروتستانت سيضطرون إلى سلوك ذلك السبيل.
في تلك الآونة، كان ذهن (المرشد) منشغلاً على ما يبدو بمواصلة تشييد معبد المسيح المبارك بأسرع ما يمكن، أكثر من انشغاله بالحرب. إذ ظل يظهر فجر كل يوم ليراقب أعمال البناء، لكنها ظلت تتأخر بسبب أحجار البناء. فقد كان لابدّ من جَرَّها من مقالع زاد بعدُها بمرور الوقت. ثم أن رفعها إلى الأبراج كان ينطوي على خطر إذ كانت الحبال تنقطع أحياناً فتسقط الأحجار الضخمة على السقالات والعمال ليتهشموا معها. وفي بعض الأحيان كان القديس يأمر بهدم جدار سبق بناؤه وإعادة إنشائه في مكان آخر، أو يأمر بتغيير نوافذ لأن إلهاماً ما أنبأه بأنها لم تكن موجهة باتجاه المحبة. كان بالإمكان رؤيته يطوف بين الناس بصحبة (أسد ناتوبا) و(الصغير المبارك) و"ماريا كوادرادو" وجوقة الإنشاد المقدس اللواتي كن لا ينقطعن عن التصفيق طرداً للذباب كي لا ينزعج الرجل. وفي كل يوم كانت ثلاث أو خمس أو عشر عائلات أو مجموعات من الحجاج تصل إلى (كانودوس) مع عرباتهم وقطعانهم الصغيرة من المعز، فينبري "أنتونيو فيلانوفا" لتخصيص بقعة خالية في متاهة المساكن ليتمكنوا من بناء مسكن لهم. وفي كل مساء كان (المرشد) يستقبل الوافدين الجدد قبل إلقاء موعظته، وذلك داخل المعبد وهو لما يزل من دون سقف. كان (الصغير المبارك) هو الذي يقودهم عبر جمهرة المؤمنين ويدخلهم إلى حضرته، ومع أن (المرشد) كان يحاول منعهم من الركوع عند قدميه لتقبيلها، أو لمس ردائه الرهباني بقوله: (الله هو الآخر)، فإنهم كانوا يفعلون ذلك. عند ذاك كان يباركهم محدَّقاً إليهم بعينين كانتا تعطيان الإنطباع بأنهما كانتا مسَّمرتين في الفضاء على الدوام. وقد يقطع حفل الترحيب في لحظة معينة بأن ينتصب على قدميه، فيتنّحى الجميع وقوفاً بينما كان يمضي إلى السلم الصغير المؤدي إلى السقالة، ثم يغط بصوت أجش من دون حراك حول الموضوعات المعتادة: الطبيعة السامية للروح، مزايا أن يكون المرء فقيراً ومقتصداً، وكره الكفار، والحاجة إلى إنقاذ (كانودوس) لتكون ملاذاً للعادلين. كانت جمهرة الناس تنصت إليه بنَفَسٍ خفيض واقتناع. لقد ملأ الدين حياتهم الآن. وكلما استُحْدِث شارع ضيّق ملتوٍ سُمَّي باسم أحد القديسين وأقيم موكب لذلك. كانت ثمة في كل ركن محاريب وتماثيل للعذراء، والمسيح الطفل والمسيح المبارك والروح القدس. كما أقيمت لكل حيّ ولكل مهنة مذابح لقديسها الراعي. وقد تَسَمَّى كثير من القادمين الجدد بأسماء جديدة، الأمر الذي يرمز إلى أن حياة جديدة قد لاحت لهم. بيد أن بعض العادات المريبة اندرجت ضمن الممارسات الكاثوليكية وكأنها نباتات طفيلية. فقد شرع بعض الخلاسيين يرقصون في أثناء الصلاة. وقد قيل أنهم كانوا يعتقدون بأنهم بضرب الأرض بأقدامهم في سورة الحماسة كانوا يطهّرون أجسامهم من الخطايا مع العرق الناضح منهم. أما السود فقد تجمعوا معاً شيئاً فشيئاً في القطاع الشمالي من (كانودوس) وهو مجمع من أكواخ مبنية من طين وقش عرف بعدئذ بـ(موكامبو)، أي ملاذ العبيد. أما الهنود الوافدون من (ميراندلا)، الذي جاءوا للعيش في (كانودوس) على غير المتوقع فكانوا يُعَّدون على مرأى الجميع مركَّبات من ألأعشاب تفوح منها رائحة مدوَّخة تدير رؤوسهم في نشوة روحية وفضلاً عن الحجاج جاء طبعاً صانعوا العجائب وباعة متجولون وساعون وراء الغرائب. وفي الأكواخ التي قام بعضها على بعض كالخلايا كان من الممكن العثور على نساءٍ يقرأن الكف، وشقاة يفاخرون باستطاعتهم التحدث إلى الموتى، ومنشدين جوّالين، مثل أولئك العاملين في سيرك الغجر، يكسبون رزقهم اليومي بإنشاد أغانٍ شعبية أو غرز دبابيس في أبدانهم، وهناك بعض المعالجين كانوا يزعمون أن في مقدورهم الإشفاء من أي مرض بشراب من نباتات الأكاسيا وعنب الثعلب. كما كان عدد من المؤمنين الثقات يروون ذنوبهم بأعلى أصواتهم وقد استبدت بهم ندامة التوبة، ويسألون سامعيهم أن يفرضوا الكفّارة عليهم. وحين حلت جماعة من (جوازيرو) في (كانودوس) أخذت تمترس طقوسَ أخويّةِ التائبين في تلك البلدة: صَوُماً، وإمساكاً جنسياً، وجًلْداً ذاتياً علنياً. ومع أن (المرشد) كان يشجع التقشف وإماتة اللحم، قائلاً إن المعاناة تقوي الإيمان، فقد غدا مرتاعاً في آخر المطاف وطلب إلى (الصغير المبارك) أن يتفحص الحجاج عند وصولهم ليحول دون دخول الخرافة وتقديس التمائم أو أي ضرب من ضروب الكفر المقنع بقناع الإخلاص معهم.
عاشت هذه المجموعة المتنوعة من البشر في (كانودوس)جنباً إلى جنب، من دون عنف، بل وسط تضامن أخوي وجو من الإعلاء لم تكن النخبة لتعرفه من قبل. كانوا يشعرون بالغنى لكونهم أبناء الرب الفقراء، المتميزين، تماماً كما كان يقول لهم كل مساء الرجل ذو الدثار المليء بالثقوب ثم أنهم من حبهم له أنهوا الخلافات كلها التي ربما كانت تُفَّرقُهُمْ. وحين كان هناك أي أمر يتعلق (بالمرشد) كان أولئك الرجال والنساء الذين بلغ عددهم المئات وبدأ يصل إلى الآلاف يتحولون إلى كائن فرد مطيع مبجَّل، مستعد لعمل أي شيء وكل شيء من أجل الرجل الذي استطاع أن يجاوز صنعتهم وجوعهم وقملهم ليملأ أفئدتهم بالأمل ويجعلهم فخورين بمصيرهم. ومع أن السكان كانوا يتصارعون باستمرار لم تكن الحياة مشوبة بالفوضى. فكان الرجال ينطلقون من (كانوروس) في مهماتهم، والحجاج يجلبون الماشية والمؤن إلى البلدة، وكانت الحظائر ملأى، شأنها شأن المخازن، ومن حسن الحظ أن نهر (فازا- بارس) كان يحوي ما يكفي من الماء لسقي المزارع الصغيرة. وبينما كان "أبوت جواو" "باجو" و "هوزيه فينانشيو" و"جواو الكبير" و"براو" وآخرون يعدون العدّة للحرب، كان "هونوريو" و"أنتونيو فيلانوفا" قائمين على إدارة البلدة، يتسلّمان هبات الحجيج ويوزعان قطع الأرض والطعام والملابس ويشرفان على دور العناية الصحية بالمرضى والمسنين الميتَّمين. كما كانا هما اللذين يستمعان إلى الأطراف المتنازعة حين تقوم منازعات بين أفراد الجالية حول حقول الملكية.
كانت أخبار (المسيح الدجال) ترد كل يوم. لقد انطلقت حملة الرائد "فيرونيودي بريتو" من (كيماداس) إلى (مونته سانتو)، وهو موقع ونّستهُ الحملة مساء اليوم التاسع والعشرين من كانون الأول، ونقصتْ قوتُها عريفَ مشاةٍ واحداً لسعته حّية مجلجلة لسعةً مميتة. أوضح (المرشد) من دون سوء قصد ما كان يجري. أليس من الكفر والشناعة أن يعسكر رجال مسلحون قاصدون الدمار في مكان مقدس يقصده حجاج من أنحاء المعمورة كافة؟ إنما الواجب ألا يُسْمَح للملحدين أن يضعوا أقدامهم في (كانودوس) التي أطلق عليها من تلك الليلة اسم (بيلومونته) وبعد سورة اهتياج أثارها في جوانحه، حضّهم على ألا ينحنوا الأعداء الدين الذين كانوا يقصدون إرجاع العبيد إلى حيث تُقَيَّد أطرافهم ثانية وإفقار الناس بحملهم على دفع الضرائب والحيلولة دون قيام الكنيسة بتزويجهم ودفنهم، وبلبلة أفكارهم بألاعيب ماكرة من مثل النظام المتري والخريطة الإحصائية وتعداد النفوس، التي كان الغرض الحقيقي منها غشهم ودفعهم نحو الخطيئة. سهر الجميع طوال الليل، حاملين أية أسلحة كانت في متناول اليد. لم يأت الماسونيون، إذ كانوا في (مونته سانتو) يصلحون مدفعي (كروب) كانت قد تزعزعت استقامتها أثناء سحبهما على الأرض الوعرة، بانتظار وصول التعزيزات. وحين رحلوا في مسيرة أرتال بعد أسبوعين مرتقي وادي (كارياكا) باتجاه (كانوروس) كان كامل الدرب الذي كانوا سيسلكون مكتظاً بالعيون والأرصاد والمرتَّدين المختفين في مغارات المعز أو في المنخفض المتشابك لغابة الشجيرات الخفيضة، أو في الحفر المخفيّة تحت رِمَّة بقرة حيث استخدوا فجوتي عينيها لاستراق النظر. كان سعاة سريعون يجيئون بأخبار تقم العدو يوميا إلى (كانودوس) وكذلك العوائق التي كانت تعرقل تقدمه.
حين علم (المرشد) أن قوات الحملة قد بلغت (مولونفو) أخيراً بالرغم من مصاعبها الجمة في سحب المدفعين والمدافع الرشاشة، وأنها اضطرت وهي توشك أن تواجه المجاعة، إلى التضحية بآخر رأس بقر وببغلى جر العربات، علق قائلاً: لابدّ أن الرب لم يكن غير راض عن (كانودوس)، إذ أنه بصدد دحر جنود الجمهورية حتى قبل بدء المعركة.
***
يتحدثٍ غاليليو غال" بتأنٍ، مؤكداً كل مقطع، وصوته يتقطع من الغضب: (أتعرفي الكلمة التي تعني ما فعله زوجك؟... الخيانة. كلا، خيانتين. واحدة تجاهي، أنا الذي تعاقد معه. وأخرى حيال أخوته في (كانودوس).. خيانة حيال طبقته). تبتسم "جوريما" كما لو كانت لا تفهم، أو أنها لا تنصت. إنها منحية فوق النار، تغلي شيئاً ما. هي شابة، شعرها منسدل يؤطر وجهاً ناعماً، لامعاً، وترتدي رداءً من دون أكمام، وقدماها عاريتان. عيناها لا تزالان مثقلتين بالنوم الذي أوقظها منه بفظاظة وصولُ "غال" قبل بضع لحظات. ثمة نورٌ فجري خافت يتخلل الكوخ عبر ركائز السياج. وهناك فانوس نفطي. وفي أحد الأركان صفّ من الدجاج النائم بين براميل خشبية وقارورات وبقايا أثاث وأكوام من خشب الوقود وصورة ولائية لسيدة (لابا) وهناك كلب صوفي الشعر يبحث عن طعام عند قدمي "جوريما". ومع أنها ترفسه ليبتعد، إلا أنه سرعان ما يعود ثانية. كان "غاليليو" يرقبها ولما يزل غاضباً وهو جالس في الأرجوحة الشبكية يلهث من تعب السفر طوال الليل، مساوقاً سرعة الدليل ذي الأسماك الجلدية البالية الذي عاد به إلى (كيماداس) ثانية مع الأسلحة. تُقْبل "جوريما" عليه حاملة كاساً يتصاعد منه بخار وتناوله إياه. يتمتم "غاليليو" ضامّاً الطاس بيديه، وعيناه تنشدان عينيها: (لقد قال إنه غير مرتحل من "جاكوبينا" مع رجال السكك الحديد. لماذا غير رأيه؟) تجيب "جوريما" بهدوء وهي تنفخ في الطاس الذي يتصاعد منه البخار في يديها: (ما كان ليذهب. إذ انهم لم يبغوا إعطاءه مقدار المال الذي كان يطالبهم به. ثم غير رأيه لأنهم جاءوا ليخبروه بأنهم سيدفعون له ما كان يطالب به. وقد ذهب البارحة باحثاً عنك في نزل (سيدة الألطاف)، لكنك قد رحلت من دون أن تترك رسالة عن مقصدك أو أوبتك. لم يكن بمقدور "روفينو" إتيان ذلك العمل). يتنهد "غاليليو" مستاءً. يقرر إن يحتسي رشفة من طاسِهِ، فيحرق لهانه ويلوي وجهه. ينفخ في الطاس ثم يتناول رشفة أخرى. إن جبينه متعفن من تعب وسخط، وهناك حلقات غامقة تحت عينيه وبين هينهة وأخرى يعضّ شفته السفلى. ها هو يلهث ويعرق. يزمجر بعد قليل، وهو يرشف من كاسِهِ: (كم ستستغرق تلك الرحلة الملعونة منه؟). قعدت "جوريما" قبالته على حافة احدى الحقائب الكبيرة القديمة ذوات السيور الجلد: (مدة ثلاثة أو أربعة أيام. قال إنك تستطيع انتظاره، وإنه سوف يأخذك إلى "كانودوس" حين يعود). يزمجر "غال" متوهجاً نحو السماء بعينيه في غيظ: (ثلاثة أو أربعة أيام! تقصدين ثلاثة أو أربعة قرون). يسمع رنين أجراس الغنم من الخارج، ويعوي الكلب ذو الشعر الصوفي عالياً، ويثب على الباب يريد الخروج. ينتصب "غاليليو" على قدميه ويمضي إلى الركائز، ويلقي نظرة إلى الخارج. عربة الحمل المغطاة بقماش القنب موجودة حيث تركها، جوار السياج إلى جانب الكوخ الذي حبست فيه بعض الأغنام. أعين الدواب مفتوحة، لكنها لا تزال نعسانة وقد توقفت الأجراس عن الرنين. يقوم المسكن على قمة مرتفع. إن (كيماداس) يمكن أن تُرى في يوم مشمس، لكن ليس في هذا الفجر الكئيب الملبدة سماؤه بالغيوم حين لا شيء يُرى سوى امتداد الصحراء المتموج الصخري في الأسفل. يتمشى "غاليليو" عائداً إلى الأرجوحة الشبكية. تعود "جوريما" فتملأ طاسه. يعوي الكلب ذو الشعر الصوفي وينبش الأوساخ المطمورة وراء الباب مباشرة. يفكر "غال": (ثلاثة أو أربعة أيام. ثلاثة أو أربعة قرون من الجائز أن يحصل فيها ألف مكروه. هل ينبغي عليه أن يبحث عن دليل آخر؟ هل عليه أن يمضي هو إلى (مونته سانتو) ويستأجر شخصاً آخر على الطريق ليدله على الطريق إلى "كانودوس"؟ أي شيء خير من البقاء هنا، مع الأسلحة. إن نفاد صبره قد جعل الانتظار لا يطاق. ثم إن من الممكن جداً، كما كان "ابيامينونداس" يخشى، وصول قوات حملة الرائد "بريتو" إلى "كيماداس" قبل أن يستطيع الهرب). يدمدم "غال": (ألم تكوني المسؤولة عن ذهاب "روفينيو" مع رجال السكك الحديد من "جاكوبينا"؟). تطفئ "جوريما" النار بعصا. (أنتِ لم تقرّي قط فكرة قيام "روفينو" بإيصالي إلى "كانودوس"). تجيب موافقة بصراحة بلغت حداً جعل "غاليليو" يشعر لحظةً أن غضبه يتبخر ويكاد هو أن ينفجر ضحكاً: (كلا، ما أحببتُ الفكرة قط). بيد أنها فاهت بتلك الكلمات بكل جد وحملقت في عينيه من دون أن يطرف لها جفن. إن وجهها بيضوي طويل ذو عظام بارزة في الخدين والذقن تحت بشرة مشدودة. هل يمكن أن تكون العظام المخفية تحت شعرها في مثل هذا البروز والحدّة والطلاقة والبوح؟ تضيف "جوريما": (لقد قتلوا أولئك الجنود في "أواوا". يقول الجميع أن مزيداً من الجنود سيسيرون قاصدين "كانودوس". لا أريده أن يُقْتَل أو يؤسر. إنه يشعر بالحاجة إلى التحرك على الدوام. كانت أمه تقول له إن رقصة "سانت فيتوس" قد تملكتك). يتساءل "غال": (رقصة "سانت فيتوس"؟). توضح "جوريما": (الأشخاص الذين لا يستطيعون البقاء من دون حراك. الأشخاص الذين لا ينفكون يرقصون هنا وهناك.) يعاود الكلب النباح بعنف. تمضي "جوريما" إلى باب الكوخ وتفتحه وتركله إلى الخارج بقدمها. يسمعانه الآن ينبح في الخارج، ومرة ثانية ترن أجراس الأغنام. يتعقب "غاليليو" "جوريما" بعينيه، وعلى وجهه سيماء التجهم، بينما تعود هي إلى الشعلة وتنبش الجمر بعصا. ثم نفحة دخان تنساق بعيداً على هيئة حلزون.
تقول "جوريما": (ثم أن "كانودوس" تعود إلى البارون. وقد كان يساعدنا على الدوام. هذا البيت، هذه الأرض، هذه الأغنام ملكنا بفضله. إنك منحاز إلى جانب "الأنصار" وتروم مساعدتهم. إن إيصالك إلى "كانودوس" يعادل تقديم العون لهم. أتظن أن البارون سيرضى إن أعان "روفينو" اللصوص الذين سرقوا مزرعته منه؟). يدمدم "غال" ساخراً: (أنا متيقن من عدم رضاه). يصل صوت أجراس الأغنام إلى مسامعهما ثانية، إنما على نحو أعلى الآن. ينهض "غال" على قدميه ويبلغ ركائز سياج الكوخ بخطوتين. يلقي نظرة إلى الخارج: الأشجار، وأدغال ما تحت الأشجار وقطع الصخور شرعت تبرز في المنفسح المائل إلى البياض. العربة في الخارج، ملأى. برزم ملفوفة بقماش القنب الذي يماثل لونه لون الصحراء وبجانبها البغل، مربوطاً بركيزة. تقول "جوريما": (أوتعتقد بأن "المرشد" قد أُرسل من لدن المسيح المبارك؟ أتعتقد بالأشياء التي يتنبأ بها؟ أنّ البحر سيغدو أراضي خلفية وهذه تغدو بحراً؟ وإن مياه "فازابارس" ستتحول إلى حليب والوهاد إلى (كسكسي) الذرة لإطعام الفقراء؟). ليس ثمة أثر لسخرية في كلماتها أو في عينيها بينما كان "غاليليو" ينظر إليها محاولاً أن يستقرئ في تعبير وجهها ما تراه حول الكلام كلّه الذي سمعته معاداً. إنه لا يستطيع أن يعرف: يدور في ذهنه أن وجهها البيضوي، الطويل، الهادئ، المصقول، عصيّعلى الفم، شأنه شأن وجه هندستاني أو صيني، أو وجه المبعوث من (كانودوس) الذي تحدث معه في المدبغة، في (ايتابيكورو). هناك أيضاً كان من المستحيل من مجرد ملاحظة وجهه معرفة بِمَ كان الرجل الكتوم يشعر أو يفكر.
يتمتم بعد شرب آخر قطرة من السائل الموجود في الطاس، وهو يرصد ردود فعل "جوريما" باهتمام: (تكون الغرائز عادةً أقوى من المعتقدات لدى الناس المتضّورين جوعاً. قد يؤمنون حقاً بأشياء سخيفة ساذجة لا معنى لها. لكن ذلك لا يهم. إن ما يهم هو ما يفعلون. لقد تخلوا عن الملكية والزواج والهرم الاجتماعي ورفضوا سلطة الدولة والكنيسة، وأبادوا سرية من الجيش. لقد حاربوا ضد السلطة والمال والبزات الرسمية وأردية الكهنة). إن وجه "جوريما" خلوٌ من التعبير، إذ انها لا تحرك عضلة. تحدّق عيناها السوداوان المائلتان قليلاً نحوه من دون أي أثر لفضول أو تعاطف أو اندهاش. أما شفتاها فرطبتان تتفضّنان عند الزاويتين.
يستمر "غال" قائلاً وهو يتساءل ماذا يمكن لـ"جوريما" أن تظن في الكلمات التي تسمعها: (لقد استعدوا للقتال في النقطة التي تخلينا فيها عنه، ولو أنهم لا يدرون أنهم قد فعلوا ذلك إنهم يعيدون "الفكرة" إلى الحياة. هذا هو سبب مجيئي إلى هنا. هذا هو سبب رغبتي في مساعدتهم). يلهث طلباً للهواء، ليتنفسه، وكأنه كان يصرخ منذ مدة بأعلى صوته. لقد أخذ تعبُ اليومين الأخيرين وفوق ذلك الخيبة التي شعر بها عندما اكتشف أن "روفينو" غير موجود في (كيماداس) يقهرانه ثانية. وقد أضحت فكرة النوم والاستلقاء وغلق العينين مغرية إلى حدّ أنه يقرر الاضطجاع تحت العربة ساعات قليلة. أم لعله – يستطيع النوم هنا، في هذه الأرجوحة الشبكية، مثلاً. وهل ستظن "جوريما" الأمر فظيعاً إن سألها أن يفعل ذلك؟
يسمعها تقول: (ذلك الرجل الذي قدم من هناك، الشخص الذي أرسله القديس، والذي رأيته، أتعرف من هو؟ إنه "باجو". وإذ لا يبدي "غال" اهتماماً، تضيف بصوت مستغرب: (ألم تسمع بـ"باجو"؟ أسوأ شرير في هذه الأرجاء كلّها. إنه يعيش على السرقة والقتل وقطع أنوف الناس الذين كان من نكد حظهم إن التقوه في الطريق وآذانهم).
وفي الحال يستطيعان سماع جلجلة أجراس الغنم ثانية في الخارج، يصاحبها نباحً قلق عند باب الكوخ، وشحيج البغل. أخذ "غال" يتذكر المبعوث المرسل من (كانودوس) والندبة المحفورة على وجهه وهدوءه الغريب ولامبالاته. هل كان غلطةً عدمُ إخباره عن الأسلحة؟ كلا، لأنه لم يكن ليستطيع كشفها له آنئذ: ما كان ليصدق، بل كان سيرتاب أكثر. كان ذلك يعرّض كامل الخطة إلى الخطر. ينبح الكلب بجنون في الخارج، ويشاهد "غال" "جوريما" تمسك بالعصا التي أطفأت بها النار، وتسرع الخطى نحو الباب. فكره مشتت إذ هو لا يزال يفكر في المبعوث من (كانودوس) قائلاً لنفسه لو كان قد عرف بأن الرجل من سابق الشقاة لكان من الايسر التحدث معه، يلاحظ "جوريما" وهي تكافح مع قضيب الباب المستعرض الثقيل، وترفعه. وفي تلك اللحظة ينبؤه شيء دفين: صوت ما، حدس، حاسّة سادسة، مصادفة ما، عما يوشك أن يقع. إذ حين يُطاحُ بـ"جوريما" فجأة إلى الخلف عند فتح الباب عنوة – بدفعةٍ أو ركلةٍ من الخارج – وتظهر الصورة الظلية لرجل يحمل قربينة في فتحة الباب، يكون "غاليليو" قد أخرج مسدسه وصوبه نحو الدخيل. يوقظ زئير القربينة الدجاج النائم في الركن فتصطفق أجنحتها هلعاً وتخبطاً، بينما تندُّ عن "جوريما" صرخة وتسقط أرضاً وإن لم تصبها الاطلاقة. وحين يرة المهاجم المرأة عند قدميه، يتردد، ويستغرق بضعَ ثوانٍ عثورُه على "غال" بين اصطفاق الأجنحة الهَلِع. وحين يصوب القربينة عليه بعد لأي، يكون "غاليليو" قد أطلقت النار فعلاً، وهو ينظر إليه ووجهه ينّم عن تعبير غبي. يلقي الدخيل البندقية أرضاً، ويدور إلى الخلف شاخراً. تصرخ "جوريما" مرة أخرى. يبادر "غاليلو" أخيراً ويهرع صوب القربينة. ينحني وينتشها، ثم يلمح عبر المدخل الرجل الجريح يتلوّى ويئن على الأرض وآخر يجري قادماً، رافعاً قربينته، ومُعْلِماً الجريح بصوت عال عن شيء ما، وثالثاً على مبعدة يربط العربة المحملة بالسلاح بحصان. يطلق النار ولّما يصوب تماماً. يتعثر الرجل القادم جرياً، وينقلب على الأرض شاخراً، ويطلق "غاليليو" رصاصة أخرى عليه. يفكر: (بقيت رصاصتان). يشاهد "جوريما" إلى جانبه تدفع الباب، ثم يشاهدها وهي تغلق الباب وتنزل القضيب المستعرض، وتتسلل إلى الجزء الخلفي في الكوخ. ينهض على قدميه ويتساءل متى سقط على الأرض. إن الأوساخ تكسوه، والعرق يبلله، وأسنانه تصطك، وهو يقبض على المسدس بقوة شديدة تؤلم أصابعه. يسترق النظر إلى الخارج من خلال الركائز: عربة الأسلحة آخذة بالاختفاء بعيداً في سحابة من غبار وأمام الكوخ لايزال الكلب ينبح الجنون على الجريحين اللذين يزحفان صوب حظيرة الغنم. يصوب المسدس عليهما ويطلق الرصاصتين الأخيرتين الباقيتين، ويسمع ما يبدو له أنه حشرجة بشرية في غمرة النباح وجلجلة الأغنام. أجل لقد أصاب أحدهما. إن الأثنين متلقيان من دون حراك في منتصف المسافة بين الكوخ وحظيرة الغنم. لاتزال "جوريما" تصرخ، والدجاج يقوقئ مسعوراً في أثناء طيرانه هنا وهناك في الاتجاهات كلها، يقلب الأشياء ويرتطم بالركائز، ويصطدم ببدنه. يبعدهم صفقاً ثم ينظر إلى الخارج ثانية، يميناً ويساراً. لولا هذان الجسمان المرتميان فوق بعضها تقريباً لبدا كأن شيئاً لم يكن. يمضي متعثراً بين الدجاج، ثقيل الأنفاس، صوب الباب. ومن خلال الشقوق، يلمح منظر الريف المتوحد، والجسمين المتبعثرين. يفكر: (لقد نهبوا البنادق. كان الأمر سيسوء أكثر لو أنني مت). يلهث متسع العينين. أخيراً يرفع القضيب المستعرض ويدفع الباب فتنفتح. لا شيء، لا أحد. يجري، شبه محدودب، إلى الموقع الذي كانت العربة واقفة فيه، سامعاً جلجلة أجراس الأغنام وهي تركض دائرياً إلى الأمام وإلى الخلف داخل ركائز الزريبة. إنه يشعر بالقلق يتعنقد في معدته وفي مؤخرة عنقه: إن أثراً من البارود ينساق إلى داخل الأفق، حيث يختفي باتجاه (ياكودا أونا) يسحب نفساً عميقاً. ويُجري يده على لحيته الصغيرة المحمّرة – إن أسنانه لاتزال تصطك. أما البغل المربوط بجذع الشجرة، فمسترخ بارتياح. يسير عائداً إلى الكوخ ببطء. يتوقف أمام الجسدين على الأرض: إنهما جثتان الآن. يتفحص وجهيهما المسمّرين المجهولين، وقد جمدا في تجّهمٍ متيبس. وعلى حين غرة يتحول سيماؤه إلى غضبٍ مُرّ، لا يسيطر عليه. يشرع بركل الجثتين الجامدتين بلؤم، سابّاً شاتماً. إن حنقه مُعْدٍ: إذ يستأنف الكلب نباحه، ويثب هنا وهناك وينهش في صنادل الرجلين. ثم يهدأ "غاليليو". يعود إلى الكوخ مجرراً قدميه. يلاقيه مضطَرَبٌ من الدجاج يجعله يرفع يديه إزاء وجهه ليحميه. "جوريما" واقفة في وسط الغرفة: كيان يرتجف ارتجافاً، رداؤها متمزق، فمها نصف مفتوح، عيناها مغرورقتان بالدموع، شعرها أشعث. إنها تحدق بحيرةٍ في الفوضى السائدة حولها، كما لو أنها عاجزة عن سبر غور ما هو واقع في بيتها. وعند رؤية "غال"، تهرع إليه وترمي ذراعيها على صدره، مدمدمة بكلمات لا يفهمها. أما هو فيقف جامداً، مشدوهاً. يشعر بالمرأة متكئة على صدره. ينظر متجهاً خائفاً إلى هذا البدن اللاصق ببدنه، هذا الجيد النابض تحت بصره. يشم رائحتها. وتخطر بباله على نحو مبهم فكرةٌ: إنها رائحة امرأة. ينبض صدغاه، وبجهد جهيد يرفع ذراعاً ويضعها حول كتفي "جوريما" يترك المسدس الذي لايزال يحمله، وتمسد أنامله شعرها المنفوش. يهمس في أذن "جوريما": (كانوا يحاولون قتلي. لم يبق خط الآن، فقد أخذوا ما كانوا يريدون). تهدأ المرأة شيئاً فشيئاً، ويخفت تنهُّدها، ويكف بدنها عن الارتجاف، وتطلق يداها صدر "غال". لكنه يظل ماسكاً إياها لصقه، مرتباً على شعرها. وحين تحاول "جوريما" أن تنأى خطوة، لا يدعها تفلت. يقول لها بالانكليزية متمهلاً، وعيناه تطرفان سريعاً: (لا تخافي... لقد رحلوا.. رحلوا). لقد بدا على وجهه شيء ما جديد، غامض، عاجل، متوتر، شيء يكبر بالدقائق، شيء يكاد لا يدري به. شفتاه قريبتان من جيد "جوريما". تخطو هذه إلى الوراء بقوة، مفطية صدرها في أثناء ذلك. تشرع في المجاهدة الآن لتتحرر من قبضة "غال" لكنه لا يبغي فكها. وبينما كان متمسكاً بها بقوة كان يهمس ويعيد العبارة نفسها التي لم تكن تفهمها: (لا تخافي... لا تخافي). تهوي "جوريما" بقبضتيها بعنف صوبه، وتخدش وجهه، وتتمكن من الأفلات، وتولي الأدبار، لكن "غاليلو" يجري وراءها عبر الغرفة ويبلغها، ويمسكها. يتعثر فوق الحقيبة الكبيرة العتيقة، فيقعان على الأرض معاً. تركله "جوريما" وتجاهد لدفعه بعيداً بقوتها كلها، لكنها لا تصرخ. الأصوات الوحيدة التي تسمع هي لهاث الاثنين المرتج، وهمهماتهما في اثناء الصراع، وقوقأة الدجاج ونباح الكلب وجلجلة أجراس الغنم. الشمس تشرق وسط غيوم قاتمة.
***
ولد بساقين قصيرتين جداً ورأس ضخم، ولذلك حَسِبَ سُكانُ (ناتوبا) أن من الأفضل له ولوالديه لو أخذه المسيح المباركإلى جواره عاجلاً. فلو ظل عائشاً، سيكون مقعداً وقميئاً. إلا أنه صار مقعداً فقط إذ بالرغم من عجز أصغر أبناء "سلستينو بارديناس"، مروّض الجياد عن السير مثل سائر الناس أبداً، فانه كان ذا ذكاء متوقد وعقل يتوق إلى معرفة كل شيء، قادر عند دخول معرفة ما إلى ذلك الرأس الضخم، الذي يُضْحِك الناسَ على استبقائها أبداً. كان كل شيء فيه غير اعتيادي: حقيقة كونه قد ولد مشوّها في عائلة سويّة مثل آل "بارديناس". وأنه على الرغم من مونه طفلاً واهناً مضحك المظهر، لم يمت أو يمرض، وأنه بدلاً من التنقل على قدميه كالبشر، كان يتنقل على الأربعة، وأن رأسه بلغ حداً من الضخامة الفظيعة بحيث بدا كالمعجزة أن يستطيع جسمه الصغير الرقيق أن يحمله. بيد أن ما حمل أهالي (ناتوبا) على البدء بالتهامس بينهم بأن أباه الحقيقي لم يكن مروّض الجاد، بل الشيطان حقيقةُ أنه تعلم القراءة والكتابة من دون أن يعلمه أحد. لم يكلف "سلتينو" نفسه ولا "دونا غورنشيا" عناء أخذه إلى "دوم أسينيو" الذي كان يدرس البرتغالية وشيئاً من اللاتينية ونتفاً من الدين، حاسبين على الأرجح أن ذلك سيكون بلا طائل. لكن حدث أن موزع البريد الخيّال جاء يوماً وسمّر على لوحة الإعلان الرسمي في الساحة الرئيسية مرسوماً لم يكلف نفسه مشقة قراءته بصوت عالٍ، زاعماً أنه لا يزال لزاماً عليه أن يلصقه في عشرة مواضع أخرى قبل غروب الشمس. كان أهل البلدة بصدد محاولة فكّ رموزه الهيروغليفية حين سمعوا، من تحت، صوت (الأسد) الخافت المزماري: (يقول إن وباءً حيوانياً قد تفشّى وإن الأصطبلات يجب أن تعقّم بالكريوزوت، والأزبال أن تحرق، كما يلزم غليُ الماء والحليب قبل الشرب). ايد "دوم أسيينو" أن ذلك هو ما قاله المرسوم. وإزاء إلحاح القرويين ليخبرهم (الاسد) عمّى علّمه القراءة قدم إيضاحاً وجده الكثير منهم مريباً: أنه قد تعلم بملاحظة الذين يعرفون القراءة – رجال مثل "دوم أسينيو" والملاحظ "فليسيليو" والمعالج "دوم أبيلا ردو" والسمكري "زوزيمو". لم يكن بين أولئك أحد قد أعطاه دروساً. بيد أن أربعتهم يتذكرون أنهم كثيراً ما شاهدوا رأس (الأسد) الضخم، بشعر قفاه الكث، وعينيه الفضوليتين، يظهر حذو الكرسي عديم الظهر، حيث كانوا يقرأون بصوت عالٍ لشخص في البلدة رسالة كان قد تسلمها ذلك الشخص، أو يكتبون واحدة له بأملاء منه. الحقيقة هي أن (الأسد) قد تعلم، ومنذ ذلك الحين كان يمكن مشاهدته في أية ساعة من ساعات النهار منحنياً في أفياء أشجار الياسمين الزرق في (ناتوبا)، يقرأ ويعيد قراءة الصحف وكتب الصلوات وكتاب القداس والمراسيم وأي شيء مطبوع يمكن أن يضع يده عليه. لقد أصبح الشخص الذي بريشةِ وزٍ شحذها بنفسه وصبغةٍ صنعها من القرمز ونباتات شتى يكتب بحروف كبيرة انسيابية تهاني أعياد الميلاد، وإعلانات الولادة، والوفيات والزيجات، وأخبار المرضى، أو مجرد ثرثرة يريد أهالي بلدة (ناتوبا) إبلاغها أناساً من مدن أخرى والتي كان ساعي البريد يجيء على حصانه ليجمعها مرة في الأسبوع. كما كان (الأسد) يقرأ على مسامع أهل القرى الرسائل التي كانت ترسل إليهم. كان يعمل كاتباً وقارئاً للآخرين قضاءً للفراغ من دون أن يستوفي سنتاً. بيد أنه كان يتلقى الهدايا أحياناً لقاء إسدائه تلك الخدمات. كان اسمه الحقيقي "فليشيو"، لكن كما كان الحال في أغلب الأحيان في تلك الأصقاع، ما إن تثبت الكُنْية حتى تحل محل الاسم الأول. كانوا يسمونه (أسداً)، ربما على سبيل المزاح، وهو لقب خطر على البال يقيناً بسبب رأسه الهائل. لكن بمرور الوقت، وكما لو كان القصد إقامة البرهان على أن المازحين لم يبتعدوا عن الواقع، كان رأسه غدا فعلاً مكسواً بلبدة كثيفة أخفت أذنيه، وكانت تهتز كلما تحرك. أو لعل الاسم يُعْزى إلى طريقته في المشي التي كانت كمشية الحيوان من دون ريب لأنه كان يستخدم كُلاً من قدميه ويديه لفرض التنقل، صائناً إياها بكفوفٍ من الجلد يستخدمها كالأظلاف، إذا جاز التعبير أو حدوات الجياد، ولو أن مشيته، بساقيه الصغيرتين القصيرتين وذراعيه الطويلتياللتين غالباً ما كانتا تمسّان الأرض في تجواله، كانت أشبه بمشية القرود من مشية الأسود والنمور المفترسة. لم يكن ينثني هكذا طيلة الوقت، إذ كان بمقدوره أن ينتصب أوقاتاً قصاراً أو يخطو بضع خطوات بشرية على ساقيه المضحكتين، لكن ذينك العملين كانا يتعبانه. وبسبب أسلوب تنقله الغريب، لم يرتد سراويل قط، بل أردية طويلة حسب، مثل النساء وأفراد الإرساليات التبشيرية أو التائبين من المسيحين. على الرغم من حقيقة أن (الأسد) كان يتولى مراسلات أهل البلدة، فان هؤلاء لم يتقبلوه قط التقبّل كله. فإذا كان والده قد أخفقا، إلا نادراً، في إخفاء عارهما في إنجابه وحاولا يوماً أن يتخليا عنه، فكيف يمكن أن يتوقع من رجال (ناتوبا) ونسائها أن ينظروا إلى هذا المخلوق على أن ينتمي إلى نوعهم نفسه من الكائنات؟ كان العشرات من نسل آل "بارديناس" من أخوته وأخواته ينأون عن أي شيء له علاقة به. وكان معروفاً أنه لم يكن يأكل معهم من على المائدة عينها، بل من على قفص من خشب، وحده. ولهذا لم يعرف الحب الأبوي ولا الأخوي (ولو أنه قد أطلع في الظاهر على لمحات من حب من طراز آخر) ولا عرف الصداقة إذ أن الصبيان من أقرانه كانوا يخشونه أول الأمر ثم أخذوا ينفرون منه بعدئذ. كانوا يقذفونه بالحجارة ويبصقون عليه ويهينونه إذ تجرأ على الاقتراب منهم ليراقبهم وهم يلعبون. وبالنسبة إليه كان من النادر أن يحاول فعل ذلك. وفي سن مبكرة أنبأته سليقته، أو ذكاؤه الصدوق، أن الآخرين سيكونون على الدوام خلائق تتحاشاه أو تزعجه، بل تعذبه في أغلب ألأحيان، فيجدر به أن يظل منعزلاً عن الجميع. وذلك ما فعله، في الآقل حتى الحادثة التي وقعت عند خندق الري. كان الناس يشاهدونه دائماً حريصاً على النأي عنهم، حتى في الاحتفالات ومعارض السوق الموسمية. وحين قدمت (بعثة مقدسة) إلى (ناتوبا) كان (الأسد) يستمع إلى المواعظ من سطح كنيسة (نوسا سينيورا ده كونسيسياو) كأنه قط. لكن حتى خطة الانعزال هذه لم تبَّدد مخاوفه فيرتاح. كان سيرك الغجر سببَ واحدٍ من أسوأ مخاوفه. كان السيرك يمر عبر (ناتوبا) مرتين في السنة بقافلة غرائبه: بهلوانات وقّراء طالع ومنشدين جوالين ومهرّجين. وفي إحدى الزيارات طلب الغجري من مروّض الجياد ومن "دونا غودينشيا" أن يسمحا بأخذ (الأسد) معه للاشتغال عاملَ سيركٍ مساعداً قائلاً لهما: (إن سيركي هو المكان الوحيد الذي لن يجلب فيه المذكور انتباه أحد. وفي وسعه أن يجعل نفسه نافعاً). وافقا على ذلك. فاصطحبه الغجري في ترحاله. لكن (الأسد) هرب بعد أسبوع عائداً إلى (ناتوبا). ومنذ ذلك الحين لم يكن يعثر على أثر له كلما جاء السيرك) البلدة.
كان أخشى ما يخشاه السكارى، تلك الزمر من رعاة البقر العائدين إلى البلدة بعد يوم من العمل في الرعي أو الدمغ أو الخصاء أو الجّز، والنازلين عن ظهور جيادهم مسرعين إلى حانة "دونا ابيفانيا" ليرووا عطشهم. كانوا يخرجون متشابكي الأذرع وهم يغنون مترنَّحين، جذلين أحياناً، غاضبين أحياناً أخرى، ثم يمضون ليبحثوا عنه في الشوارع الخلفية الضيَّقة ليتسلّوا على حسابه أو ينفَّسوا عن مشاعرهم. لقد تطورت لديه حاسة السمع بشدة غير معتادة فصار بوسعه أن يعرف من مسافة بعيدة جداً، من ضحكهم الصاخب ومن سبابهم، أنهم قادمون. عند ذاك كان يثب نحو البيت بأسرع ما يمكن، محاذياً جدران واجهات المباني كي لا يلمحوه. أما إذا كان بعيداً عن البيت فانه كان يتخفّى في الآجمات أو على أحد السطوح حتى زوال الخطر. إنما لم يكن يفلح دائماً في التمّلص منهم. فباللجوء إلى الحيلة أحياناً، كإرسال شخص يخبره مثلاً، أن فلاناً يطلبه لحاجته إلى تسويد عريضة ترفع إلى قاضي البلدة، كانوا يفلحون في ايقاعه في الفخ. وعند ذاك يعّذبونه ساعات، مجرَّدينه من ملابسه حتى العري. ليروا ما إذا كانت له أعضاء وحشية أخرى مخفية تحت ردائه، فضلاً عن المرئية منها، أو إركابه حصاناً، أو محاولة مزاوجته بمعزى ليروا ما الذي سينتجه هذا التهجين من نسل.
وكمسألة شرف أكثر منها مسألة محبة، كان "سلتينو بارديناس" وآخرون من أفراد العائلة يتدخلون إذا ما سمعوا بما هو جارٍ، ويهددون المازحين. وفي أحد المرات اندفع أخوته الأكبر سناً، جالبين المدى والمجارف، لأنقاذ الكاتب من جمعٍ من أهالي البلدة الصاخبين من تأثير (براندي) القصب والذين كانوا قد صبّوا دبس السكر على المسكين وقلّبوه تقليباً في كومة أزبال وقادوه عبر الشوارع مربوطاً بحبل كأنه حيوان مجهول العنف. بيد أن الأقارب قد أصابهم أكثر مما فيه الكفاية من هذه الحوادث التي ودوا أنفسهم متورطين فيها بسبب عضو الأسرة هذا. لقد أدرك (الأسد) ذلك أكثر من أي شخص آخر ولهذا لم يسمعه أحد يوماً يدين أياً من معذَّبيه. انعطف مصير أصغر أبناء "سلتينو باراديناس" منعطفاً أسوأ على نحو أكيد يوم تمرضت "الموديا" إبنة السمكري "زوزيمو" الصغيرةُ الوحيدة التي بقيت من بين أطفاله الستة على قيد الحياة، بعد أن ولدا الباقون ميتين أو توفوا بعد بضعة أيام من ولادتهم. فقد أصيبت بحمى شديدة وبالتقيؤ وقد أثبتت علاجات "دوم أبيلاردو" ورقُاهُ، شأنها شأن صلوات الوالدين، عدم جدواها. وعليه أبدى المعالج رأياً جليلاً فعاده أن الفتاة ضحية عين شريرة، وأن أي دواء لن يجدي ما دام الشخص الذي أصابها بالعين الشريرة غير معروف. وإذ يئس "زوزيمو" وزوجته "أفراسيا" من المصير الذي يتهدد تلك الابنة التي كانت قرة أعينهما، راحا يجوبان أكواخ (ناتوبا) سعياً وراء الحصول على معلومات. وهكذا سمعا من أفواه ثلاثة أشخاص الشائعة القائلة بأن الصبية كانت قد شوهدت برفقة (الأسد) في لقاء غريب على شاطئ خندق الري المؤدي إلى مزرعة (ميراندولا). وعند استجواب الصبية العليلة اعترفت شبه هاذية، بأنها في صباح ذلك اليوم تحديداً، وبينما كانت مارة بخندق الري في طريقها إلى بيت عّرابها، "دوم نوتيلو"، سألها (الأسد) أن تسمح له أن ينشد أغنية كان قد ألفّها من أجلها. وقد فعل ذلك قبل أن تستطيع "ألموديا" أن تلوذ بالفرار. كانت تلك المرة الوحيدة التي تحدث فيها معها، ولو أنها كانت قد لاحظت قبل ذلك، وكأن ذلك مصادفة، أنها غالباً ما كانت تلتقيه عند تجوالها في البلدة، وأن شيئاً ما في الطريقة التي كان يتحدَّب بها عند مرورها كان يشي برغبته في التحدث إليها. أمسك "زوزيمو" بندقية الرش الخاصة به، ومضى برفقة أبناء أخوة وأصهارٍ ورفقاءٍ مسلحين أيضا، يتبعهم رهطٌ من الناس إلى بيت آل "يارديناس"، فوضع (الأسد) في زاوية وصوّب بندقية الرش ما بين عينيه تماماً، وطلب منه أن يعيد الأغنية كي يطرد "دوم أبيلاردو" الروح الشريرة. حملق (الأسد) فيع مصعوقاً، مشتت الفكر، متسع العينين. وبعد أن كرر السمكري مرات عدة أنه إذا لم يكشف التعويذة السحرية فسيطيح برأسه بالرصاص، وصوّب بندقيته. ولبرهة من الزمن إلتمعت عينا (الأسد) الواسعتان الدالتان على الذكاء في هلق مطبق. ثم دمدم صوته الضئيل المزماري، المرَّوع إلى حدَّ إمّحاء معالمه: (إذا قتلتني، لن تعرف التعويذة السحرية، وسوف تموت "ألموديا": تلا ذلك صمتٌ مطبق. كان "زوزيمو" يتصبب عرقاً. أما أقرباؤه فقد أبقوا ببنادقهم "سلستينو بارديناس" وأبناءه معطَّلين عن الحركة. سمعوا صوت الوحش المزماري يقول: (هل ستطلقون سراحي؟). أومأ "زوزيمو" بالقبول. عندئذٍ شرع (الأسد) يغني وهو يغصّ، وصوته يتكسر مثل صوت المراهقين. وكلما يتذكر سكان (ناتوبا) الحاضرون، وكذلك الذين لم يحضروا ولكنهم أقسموا على أن آخرين ذكروا ذلك لهم في رواية شاعت كثيراً، أنشد أغنية غرامية ورد فيها اسم "ألموديا". وحين فرغ من الغناء امتلأت عينا (الأسد) بالحرج. ثم زأر قائلاً: (إتركوني الآن). أجاب السمكري باكتئاب: (سأسمح لك بالذهاب حين تشفى ابنتي وإذا لم تشف سأحرقك حتى تموت جنب لحدها. أقسم بحياتي أنني فاعل هذا). نظر حوله إلى آل "بارديناس": الأب والأم والأخوة، وقد تجمدوا من دون حراك تحت تهديد البنادق، وأضاف بنبرة لم تترك أي شك حول تصميمه: (سأحرقك حياً حتى لو تمتّم على أسرتي وأسرتك أن يقتل بعضها بعضاً قروناً متتالية). توفي "ألموديا" في تلك الليلة عينها بعد أن تقيأت دماً. ظن أهالي البلدة أن "زوزيمو" سينتحب بكاءً وينتف شعره شداً ويكفر بالله، أو أن يعبّ براندي القصب حتى يسقط فاقد الوعي. لكنه لم يفعل أي شيء في هذا. فقد حلّ محلّ سلوكه الطائش الذي ظهر في الأيام الأخيرة عزمٌ هادئ، وهو يخطط في آن واحد جنازةَ ابنته وموتَ الساحر الذي ألقى تعويذته عليها. لم يكن قط رجلاً سافلاً أو قاسياً أو عنيفاً، بل جاراً شفيقاً، مُعِناً. ولهذا كان الجميع يرثون له، غافرين له مقدماً ما يوشك أن يفعله، بل كان هناك أشخاص يزكّون ما ينوي فعله. طلب "زوزيمو" أن يأتوا بخازوق يقام جنب القبر، وأن يؤتى بقش وأغصانٍ يابسة إلى الموقع. بقي آل "باراديناس" سجناء بيتهم: أما (الأسد) فكان في زريبة حيوانات السمكري، مربوط اليدين والقدمين، أمضى الليل هناك يسمع الصلوات والتعازي والتراتيل ونحيب السهر على جثة المتوفاة. وفي اليوم التالي رفعوه وأدخلوه في عربة تجرها حمير صغيرة، وكالمعتاد كان يتبع الموكب الجنائزي عن بعد. وحين بلغوا المقبرة، وبينما كان التابوت يوارى الثرى. ويتلى المزيد من الصلوات، أوثقه اثنان من أبناء أخوة السمكري، على وفق تعليمات الأخير، بالخازوق، مكوّمين حوله القش والأغصان التي كانوا على وشك أن يشعلوها ليحرقوه حتى الموت. كان جميع من في البلدة تقريباً حاضراً هناك ليشهد عملية التضحية به. في تلك اللحظة، وصل القديس. لابد أنه كان قد بلغ (ناتوبا) الليلة الفائقة أو فجر ذلك اليوم، ولابد أن أحداً ما قد أعلمه بما يوشك أن يقع. بيد أن هذا التفسير كان من فرط منطقيته لا يصدقه أهل البلدة الذين كانوا يصدقون الخارق للطبيعة أكثر من تصديقهم ما هو طبيعي. لقد قالوا بعدئذ أن قدرته على التنبؤ المستقبلي، أو أن المسيح المبارك قد جاء به وبأتباعه إلى هذه البقعة النائية من أراضي (باهيا) الخلفية في تلك اللحظة عينها لتصحيح خطأ، لمنع جريمة، أو لمجرد إقامة الدليل على سطوته. لم يَقْدِم وحده، كما فعل في أول مرة وعظ فيها في (ناتوبا) قبل سنوات، ولا جاء برفقة اثنين أو ثلاثة من الحجاج فقط، كما في زيارته التالية حين قام، بالإضافة إلى الوعظ، بأعادة إنشاء الكنيسة الصغيرة العائدة إلى دير اليسوعيين المهجور في ساحة البلدة. في هذه المرة كان معه قرابة ثلاثين شخصاً، في مثل نحافته وفقره، لكنهم كانوا ذوي عيون تزخر سعادةً. بينما كان هؤلاء يتبعونه، شقَّ طريقه عبر الحشود إلى القبر في اللحظة التي كانوا يهيلون فيها ملء المجارف الأخيرة من التراب يَردْمِهِ. التفت الرجل المرتدي رداءً أرجوانياً غامقاً نحو "زوزيمو" الذي كان واقفاً بعينين مسبلتين يحدق إلى التراب المقلوب تواً، وسأله بنبرة لطيفة وإن لم تكن ودوداً: (هل دفنتها بأفضل ملبسها، وفي تابوت صلد؟). أومأ "زوزيمو" إيجاباً، وهو لا يكاد يحرك رأسه. قال (المرشد): (سنصلي للرب كي يستقبلها بابتهاج في ملكوت السماء). عند ذاك تلاهو والتائبون التراتيل وأنشدوا الترانيم حّذْوَ القبر. في تلك اللحظة فقط أشار القديس إلى الخازوق الذي كان (الأسد) قد رُبِطَ به، وسأل: (ما الذي تهم أن تفعله بهذا الصبي، يا أخي؟) أجاب "زوزيمو": (أحرقه حتى الموت). ثم أوضح السبب في غمرة صمت بدا أنه يتصارى. أومأ القديس، من دون إن يطرف. ثم التفت إلى (الأسد) وأشار إلى الجمع أن يرتد قليلاً. ارتد الجميع بضع خطوات. مالَ القديس نحو (الأسد) وتكلم في أذن الصغير الوربوط بالخازوق، ثم أدنى أذنه من فم (الأسد) ليسمع ما يقول. وهكذا، بينما كان (المرشد) يحني رأسه صوب أذن الآخر وفمه، عقد الاثنان محاورة سرية. لم يتحرك أحد، بانتظار حدثٍ فوق العادة.
كان ما حدث في الواقع مبعث دهشة مثل مشاهدة رجل يتقلّى حتى الموت في محرقة جنائزية. إذ حين صمتا، قال القديس، بالوقار المعهود دوماً ومن دون أن يتحرك من موضعه: (هيا. فكَّ وثاقه). رفع السمكري بصره ونظر إليه مندهشاً. قال الرجل المرتدي الأرجواني الغامق بصوت خفيض جعل الناس ترتجف: (يجب أن ترخي رباطه بنفسك) مرة أخرى أرعد صوته، كأنه مندهش من هذا الغباء: (هل تريد أن تذهب ابنتك إلى الجحيم؟ أليست السِنة اللهب هناك أشد اضطراماً وأبقى إلى ألبد من تلك التي تسعى لأيقادها؟). ثم استمر قائلاً: (إنك تزخر بالخرافة، كافر، خاطئ. تُب عما تنتوي. تعال وارخِ وثاقه. إسعَ إلى نيل صفحة وصلّ للرب كي لا يرسل ابنتك إلى مملكة الشيطان جراء جبنك وسفالتك، بسبب قلة إيمانك بالله). ثم وقف هناك يلعنه، يستحثه، يروَّعه بفكرة أن ابنته "ألموديا"، بسبب غلطته الشنيعة، ستذهب إلى الجحيم، حتى شاهد أهالي البلدة "زوزيمو" في آخر المطاف ينصاع له، وبدلاً من أن يطلق النار عليه أو يغرز مديته فيه أو يحرقه حتى الموت هو والوحش، شاهدوه يركع على ركبتيه وينتحب متوسلاً إلى الأب، والمسيح المبارك، والواحد الأوحد، ومريم العذراء، لِيَقُوا روح "ألموديا" البريئة من السقوط في الجحيم. حين رحل (المرشد) باتجاه (موكامبو)، بعد أن لبث في البلدة أسبوعين، يصلي ويعظ ويواسي المرضى ويسدي النصح للمعافين، كان قد صار لـ(ناتوبا) مقبرة محاطة بجدار من الآجر وصلبان جديدة على المقابر كلّها. كما ازدادت صفوف التابعين (للمرشد) واحداً. كياناً ضئيلاً، نصف حيوان ونصف انسان، بدا حين كانت زمرة الحجيج تسير موغلة في الأرياف المغطاة بـ(المانداكاروس) يخبُّ حذو حفنة المؤمنين ذو الأسمال البالية، وكأنه حصان أو معزى أو بغل أحمال.
***
هل كان يفكر، هل كان يحلم؟ أنا في ضواحي (كيماداس) والوقت نهار، وهي ذي أرجوحة "روفينو" الشبكية. وفيما عدا ذلكن كان كل شيء مرتبكاً في ذهنه هذا اليوم. لقد تلبثت الدهشة التي ساورته حين رقد، بعد المضاجعة بينما كان مستلقياً هناك نصف نائم، نصف مستيقظ. أجل، بالنسبة إلى شخص يعتقد بأن القدر هو، في جزئه الأكبر، مجبول ومكتوب في القحف الحاوي الدمِاغ، حيث تستطيع الأيدي الماهرة أن تتحسسه، والعيون الحادة النظر أن تقرأه كانت تجربةً مزعجةً مواجهةُ وجود ذلك الهامش الذي لا يمكن التنبؤ به والذي تستطيع كائنات أخرى أن تناور به بغض النظر عن إرادة المرء نفسها وقابلياته الشخصية. منذ متى لبث مستريحاً؟ زال تعبه، على أية حال. هل اختفت الشابة كذلك؟ هل ذهبت تطلب النجدة؟ لتجلب أناساً يأسرونه؟ فكرة أو حلم! (ذهبت خططي هباءً في حين كانت على وشك أن تتحقق. إن المتاعب لا تأتي فرادى أبداً). أدرك أنه يكذب على نفسه. لم يكن صحيحاً أن هذا القلق وهذا الشعور بالعجب المذهل مردّهما أنه فاته لقاء "روفينو" وأنه نجا من الموت بأعجوبة، وانه قتل ذينك الرجلين، وأن الأسلحة التي كان بصدد أخذها إلى (كانودوس) قد سُرِقْ، بل كان ذلك الاندفاعُ المفاجئَ الذي لا يمكن فهمه أو إخماده الذي جعله يغصب "جوريما" بعد عشر سنوات من الامتناع عن لمس النساء، هو الذي قضَّ مضجعه وهو شبه نائم.
لقد أحب عدداً من النساء في شبابه، كما كانت له رفيقات يناضلن من أجل المثل العليا نفسها كما كان يفعل. شاركنه أوقاتاً قصيرة من رحلة حياته. وفي خلال الأيام التي كان فيها في (برشلونة)، عاش مع امرأة من الطبقة العاملة كانت حاملاً وقت الهجوم على الثكنات العسكرية ثم، كما علم بعد فراره من اسبانيا، تزوجت مصرفياً – لكنْ، بخلاف العلم أو الثورة، لم يكن الجنس يوماً ما ليشغل مكاناً بارزاً في حياته. مثل الطعام، كان الجنس بالنسبة إليه شيئاً يشبع حاجة أساساً سرعان ما يتركه متخماً. كان أكثر قرارات حياته سرية قد اتخذه قبل عشرة أعوام، أم لعلها أحد عشر؟ أم اثنا عشر؟ كانت التواريخ تتراقص في رأسه، أما المكان فلا: إنه روما. كان قد اختفى هناك بعد أن هرب من برشلونة في مسكن صيدلي: رفيق كان يكتب للصحافة الفوضوية السرية أو كان نزيل سجون أكثر من مرة. هناك كانت الصور الحية في ذاكرة "غال" كانت تساوره بعض الشكوك أول الأمر ثم قام الدليل: كان ذلك الرفيق يلتقط عاهرات يتسكَّعْنَ متحرشاتٍ حول مبنى (الكولوسيوم)* ويأتي بهن إلى البيت في غياب "غال" ثم يدفع لهن المال ليسمحن له بجلدهن بالسياط. آه من دموع ذلك الشيطان المسكين ليلة وبّخه "غاليليو" ثم اعترف بعدم استطاعته الالتذاذ مع النساء إلا إذا أوقع العقاب بهن، وعدم استطاعته ممارسة الجنس إلا إذا شاهد جسماً مكدوماً مضروباً ضرباً مبرحاً، ظن، أو حلم بأنه سمع صوت الصيدلي، ثانية، يطلب المساعدة منه. وفي نومه شبه اليقظ، كما في تلك الليلة، تحسس جمجمته، وتلمس البروز المستدير في منطقة العواطف الدنيا، والحرارة غير الاعتيادية لقمة الرأس حيث كان "شبورتس هايم" قد حدد موضع عضو الجنس، والنشوة في المنحنى القذالي السفلي، فوق قفا رقبته تماماً، في التجاويف التي تمثل الغرائز المدمرة.( في تلك اللحظة أحاط به ثانية وعلى حين غرة الجوُّ الدافئ لدراسة "ماريا نوكوبي" وسمع ثانية المثال الذي دأب على إيراده، مثال "جوبارد لجولي" الذي كان يعمد إلى ممارسة الحرق المتعمد في مدينة (جنيف) والذي فحص رأسه بعد أن قُطِع. (كانت منطقة القسوة هذه فيه قد تضخمت حتى بدت مثل ورمخٍ جد ضخم، أو جمجمة حامل). ثم سمع صوته هو، مخبراً الصيدلي الفوضوي عن العلاج، ثانية.(الشيء الذي يجب إن تخلَّص حياتك منه، يا رفيق، هو الجنس وليس الرذيلة) موضحاً له بأنه حين يفعل ذلك سيتم اعتراض سبيل الجنس، وستوجه القوة التدميرية في طبيعته صوب غايات أخلاقية واجتماعية وبذلك تتضاعف طاقته للكفاح من أجل الحرية واجتثاث صور الاضطهاد كلها من هذه الدنيا. ومن دون أن يرتجف صوته أو تطرف عيناه عرض عليه ثانية هذا الاقتراح الأخوي (لنفعل ذلك سوية سأتخذ القرار عينه وأمتثل له، لأبرهن لك على أنه ممكن. لنُقْسِم، كلانا، على إن لا نمس امرأة ثانية البتة، أيها الأخ) هل وفى الصيدلي بعهده؟ تذكر نظرة الوجوم في سيمائه، وصوته في تلك الليلة. ثم فكر، وحلم: (كان رجلاً ضعيفاً). اخترقت أشعة الشمس جفنيه المغمضتين، وأحرقت بؤبوءي عينيه. أما هو فلم يكن بالرجل الضعيف. فقد استطاع أن يفي بالعهد، حتى هذا الصباح. ذلك أن قوة الحجة والمعرفة كانتا بمنزلة سند ركين، مصدر قوة لما كان في البدء مجرد فكرة عابرة، أو بادرة رفاقية. ألم يكن في البحث عن اللذة الجنسية والخضوع للغريزة خطر على مَنْ انخرط في حرب من دون هوادة؟ أليس من الجائز أن تلهيه الدوافع الجنسية عن المثل العليا؟ إن الذي عذب "غال" في تلك السنين لم يكن إبعاد النساء عن حياته، بل فكرة أن أعداءه الرئيسين، الكهنة الكاثوليك، كانوا يفعلون ما كان فاعله تماماً، وإنْ لم تكن الأسباب في حالته، كما هو معروف، ظلامية، متأصلة في التحيز الخالص، كما هو الحال معهم، بل الرغبة في أن يجعل نفسه أقوى أو أكثر تحرراً من العوائق وأكثر استعداداً لهذه المعركة الرامية إلى التوحيد والتوفيق في ما بين ما كان هؤلاء أكثر من أية جهة أخرى قد ساعدوا على إحالته اعداءً دائمين: الأرض والسماء، المادة والروح، لم يكن قد أُغري قط على الإخلال بعهده – (حتى هذا اليوم). هكذا كان "غاليليو" يفكر أو يحلم. وعلى العكس من ذلك فقد آمن إيماناً جازماًَ بأن غياب النساء هذا من حياته قد تحول إلى رغبة ذهنية أكبر وقابلية متزايدة على الدوام، على الفعل والعمل. كلا: كان كاذباً على نفسه مرة ثانية. لقد كانت قوة الحجة قادرة على التغلب على الجنس حين كان مستيقظاً، لكن ليس عند النوم. ففي ليالي كثيرة العدد خلال تلك العوام، كانت أشكال أنثوية مغرية تتسلل إلى فراشه في اثناء نومه، وتلتصق ببدنه وتداعبه خفيةً. لقد حلم أو فكر أن تلك الرؤى كانت أعصى على المقاومة من النسوة اللواتي كنّ من لحم ودم. كما تذكر أنه طالما تبادل الغرام، مثل المراهقين أو الرفاق المحبوسين في السجون في أنحاء العالم كافة، مع تلك الصور الظلية غير الملموسة التي كانت شهوته تصوغها له صوغاً.
حلم أو فكر، وهو يتعذب: (كيف جاز لي أن أفعل ذلك؟). لِم قذف بنفسه على تلك الشابة؟ كانت تكافح لأبعاده، وقد ضربها. وإذا استبد به القلق، سأل نفسه إن كان قد ضربها حين كفّت عن المجاهدة لإبعاده وأخذت تتيح له أن يعريها عن ثيابها. ماذا حدث، يا رفيق؟ حلم أو فكر: (أنت لا تعرف نفسك، يا "غال"). كلا، لم ينبؤ دماغه بشيء ما. لكن آخرين قد تحسسوه ووجدوا فيه فضولاً وميولاً جامحة، بالغة التطور، وقلة براعة في الأمور التأملية والجمالية، وعلى العموم في كل شيء لا علاقة مباشرة له بالأشياء العملية والمهمات البدنية. كما لم يلحظ أحد قط أية غرابة مهما ضؤلت في الوعاء الذي يضم روحه. حلم أو فكر في شيء سبق أن فكر فيه: (لايزال العلم شمعة تومض ومضاً باهتاً في كهف واسع حالك الظلام).
بأية طريقة يمكن أن يغير هذا الذي حدث حياتَه؟ هل لايزال القرار الذي اتخذه في روما قائماً؟ أينبغي عليه أن يجدد أو يغير عهده بعد هذا الحادث؟ وهل كان حادثاً عارضاً؟ كيف يفسر علمياً ما حدث عند انبلاج فجر هذا الصباح؟ ومن دون أن يدري، كان يختزن في ردحه – كلا، في عقله، لأن كلمة (الروح) قد تلوثت بقذارات منسوبة إلى الدين – السنوات كلها التي ظن أنه قد اقتلعها من الجذور والطاقات كلها التي حسب انها قد وجهت نحو غايات أفضل من اللذة. وهذا التراكم الخفي قد تفجر هذا الصباح، أشعلته الظروف، أي ظروف العصبية والتوتر والخوف ومفاجأة الهجوم، والسرقة، وإطلاق النار،والقتول. هل كان ذلك هو التعليلَ الصحيح؟ آه لو استطاع أن يتفحص هذا كله، كما كان مشكلة تخص شخصاً آخر، وعلى نحو موضوعي، مع شخص معروف مثل "كوبي". ثم انه تذكر تلك المداولات التي كان عالم فراسة الدماغ يسميها (سقراطية)* وهما يتمشيان في منطقة الميناء في برشلونة وعبر متاهة (باريو غويتكو) فأحسّ بغصّات الحنين في فؤاده. كلا سيكون من غير المعقول ومن الغباء والسخف التمسكُ بالقرار المتخذ في روما. سيكون ذلك تمهيداً لسبيل تكرار ما حدث هذا الصباح في المستقبل، أو حتى تكرار شي أسوأ. فكر، أو حلم، بسخرية مُرّة: (لابد أن توطَّنَ نفسك على الزنا يا "غاليليو...) فكر في "جوريما". هل كائناً مفكراً؟ أم لعلها حيوان صغير مدجن إنها كدود، فانعة، قادرة على الاعتقاد بأن تماثيل (القديس أنتوني) تهرب من الكنائس وتعود إلى المغارات التي نحتت فيها. إنها مدرّبة مثل سائر خادمات البارون على العناية بالدجاج، والأغنام، واعداد الطعام بعلها، وغسل ملابسه وفتح ساقيها له فقط. فكر: (ربما ستستيقظ من سباتها الآن وتكتشف الظلم): فكر: (أنا من ظلمكِ) فكر: (لعلكَ قد صنعتَ لها معروفاً).
فكر في الرجال الذين هاجموه وسلبوا العربة والاثنين الذين قتلهما. هل كانا من رجال (المرشد)؟ وهل كان زعيمهم الرجل الذي كان قد لقيه في المدبغة في (كيماداس)، الشخص المسمى "باجو"؟ ألم يكن من الأكثر جوازاً أنه كان "باجو" وان هذا قد حسبه أحد جداسيس الجيش، أو تاجراً يتوق إلى غش جماعته وأنه أوصي بمراقبته، ,انه حين اكتشف أن لديه أسلحة أستلبها كي يجهز (كانودوس) بها؟ تمنى لو كان ذلك ما قد حدث، وان العربة المحملة بالأسلحة كانت في تلك اللحظة تماماً متوجهة إلى (كانودوس) تخبّ سريعاً لإمداد (الأنصار) وهم يتهيأون لمواجهة ما هو واقع لهم في القريب العاجل. لِمَ كان لزاماً على "باجو" الوثوق به؟ فكر: (لقد قتلت اثنين من الرفاق، يا غال"). كان مستيقظاً. تلك الحرارة مأتاها شمس الضحى، وتلك الأصوات جلجلة أجراس الغنم. وماذا لو وقعت البنادق في أيدي لا أكثر من خارجين على القانون حسب؟ كان يمكن أن يتعقبوه والدليل المرتدي الجلد، في الليلة السابقة في اثناء نقلهما الأسلحة من المزرعة سلمها "ايبامنيونداس" إليه: ألم يقل الجميع إن المنطقة تزخر بـ(الأنصار)؟ هل كان قد تصرف بعجلة، وكان طائشاً؟ فكر: (كان عليّ أن أفرغ حمولة الأسلحة وأجلبها إلى الداخل هنا. عندئذ ستكون قد مُتَّ وسيكونون قد استلبوها ومضوا بأية حال). استبدّت به الظنون. هل يعود إلى (باهيا)؟ أيواصل الذهاب إلى (كانودوس)؟ أيفتح عينيه؟ هل سينهض من أرجوحته الشبكية؟ وهل سيواجه الحقيقة آخر المطاف؟ كان لايزال يستطيع سماع أجراس الغنم وهي تجلجل النباح. والآن أضحى يسمع كذلك وقع خطوات وصوتاً بشرياً.
* * *
عندما تلاقت أرتال قوات حملة الرائد "فبرونيودي بريتو" وحفنة النسوة من التابعات للمعسكر اللواتي كن يرابطن وراءها، عند مستوطنة (مولنغو) على بعد فرسخين من (كانودوس)، لم يكن قد بقي لديها حّمالون أو أدلاء. كان الأدلاء الذين استخدموا في (كيماداس) و(مونته سانتو) لتوجيه دوريات الاستطلاع قد ارتّدوا وأحجموا عن التعاون لحظة بلوغهم أكواخاً أُحرقت ولايزال الدخان يتصاعد منها، ثم اختفوا جميعاً فجأة في هابط الظلام، بينما كان الجنود الذين تهاووا على الأرض والمستلقون مستندين إلى أكتاف بعضهم يطيلون التفكير في الجراح وربما الموت الذي كان يتربّص بهم خلف قمم الجبال التي كانوا يستطيعون رؤيتها ممدة الحواف مقابل سماء زرقاء غامقة آخذة بالاسوداد.
بعد نحو ست ساعات، وصل الأدلاء الهاربون إلى (كانودوس) وهم يلهثون، ليستجدوا غفران (المرشد) بسبب خدمتهم الشيطان. أُخذوا إلى متجر آل "فيلانوفا" حيث استجوبهم "أبوت جواو" بأدق تفصيل عن الجنود القادمين ثم تركهم بيدي (الصغير المبارك) الذي كان يتولى مسؤولية تسلم الوافدين الجدد على الدوام. كان على الأدلاء أن يقسموا له بأنهم لم يكونوا (جمهوريين)، وأنهم لا يرضون بفصل الكنيسة عن الدولة أو الإطاحة بالإمبراطور "دوم بدرو" الثاني أو الزواج المدني أو المقابر البلدية أو النظام المتري، وأنهم سيرفضون الإجابة عن أسئلة تعداد وأنهم لن يعاودوا السرقة أو السكر أو المراهنة بالمال. بعد ذلك قاموا، هم بجرح لحمهم، بأمرٍ منه، جرحاً طفيفاً بسكاكينهم، ليقيموا الدليل على رغبتهم في سفح دمهم في محاربة (المسيح الدجال). عند ذاك تماماً اقتادهم إلى المعبد رجال مسلحون من خلال جمع من الناس أيقظهم من نومهم قبل قليل وصولُ الأدلاء فحيّوهم وصافحوهم اظهر (المرشد) عند الباب، فركعوا على ركبهم ورسموا إشارة الصليب، وحاولوا لمس ردائه وتقبيل قدميه. ومن فرط الانفعال، انفجر بعضهم ينتحب. وبدلاً من مجرد مباركتهم، انحنى (المرشد) وعيناه تحدّقان خلالهم إلى بعيد، كما فعل حين استقبل النخبة الجديدة، وأقامهم على أقدامهم وطفق ينظر إليهم واحداً واحداً بعينيه السوداوين المحتدمتين على نحوٍ ما كانوا لينسوه قط بعد ذلك طلب إلى "ماريا كوادرادو" والمؤمنات الثماني اللواتي يؤلفن جوقة الإنشاد المقدس - المرتديات أردية زرقاً وأحزمةً من الكتان أن يوقدن فوانيس معبد المسيح المبارك كما كن يفعلن كل مساء حين كان هو يرقى إلى البرج يسدي إشاراته. وبعد دقائق ظهر على السقالة بصحبة (الصغير المبارك) و (أسد ناتوبا) و(أم الرجال) ونساء (جوقة الإنشاد المقدس)، مجتمعين حوله، وإلى الأسفل كان رجال (كانودوس) ونساؤها مكتظين في ازدحام كثيف ومنبهرين انبهار التوقع، في الفجر الذي كان ينبلج، وهم يدركون أن تلك كانت مناسبة خاصة جداً. وكما كان الحال دوماً، تناول الأمر مباشرة فتحدث عن (الاستحالة)* وعن الأب والابن اللذين كانا اثنين وواحداً، وثلاثة وواحداً في (الروح القدس الإلهية). وبغية إيضاح ما غمض بيّن أن (بيلو مونته) يمكن أن تكون (القدس) كذلك. وبسبابته أشار في اتجاه سفح جبل (آفافيلا): (بستان الزيتون)**، حيث أمضى الابن) ليلة خيانة (يهودا) المؤلمة. وعلى مسافة أبعد قليلاً (سيرادي كانا برافا): (جبل الجماجم) حيث صلبه الأشرار بين سارقَيْن. ثم أضاف إن (الضريح المقدس) قائم على مبعدة ربع فرسخ في (كراجاو) بين صخور رمادية اللون حيث أقام مؤمنون مجهولون صليباً. ثم قدّم وصفاً تفصيلياً ودقيقاً للجمع الصامت والمتعجب جداً وقال إن أياً من شوارع (كانودوس) الضيقة كان بمنزلة (درب الصليب) حيث سقط المسيح أول مرة وأين لقي أمه، والموضع الذي قامت المرأة المخلَّصة، الخاطئة من قبل، بمسح العرق عن وجهه، والمرحلة التي ساعده (شمعون القوريني) فيها على حمل الصليب. وبينما كان يوضح أن وادي (ايبويراس) كان وادي (يهوشافات) سُمِعَ صوت إطلاقات نارية من الناحية الأخرى لقمم الجبل التي كانت تفصل (كانودوس) عن بقية العالم. ومن دون تسرع طلب (المرشد) من الجماهير – الممزَّقة بين سحر صوته وإطلاق النار – أن ينشدوا ترتيلاً كان قد وضعه (الصغير المبارك): اسمُهُ (في مدح الملاك). عندئذ فقط غادرت مجموعات رجال مع "أبوت جواو" و"باجو" المكان لتعزيز قوة (الأنصار) الذين سبق أن بدأوا مجابهة طليعة الرائد "فيرونيودي برتيو" في التلال السفحية لـ(مونته كامبايو).
وحين وصلوا جرياً ليرابطوا في الشقوق والأخاديد، وعلى الألواح الصخرية الناتئة من الجبل الذي كان جنودٌ ببزات حمر- زرق- وخضر يحاولون ارتقاءه كان هناك فعلاً رجال قد قضوا نحبهم في القتال. كان (الأنصار) الذين وضعهم "أبوت جواو" في الممر الذي كان على القوات الرئيسية أن تخترقه أرتالاً قد شاهدوهم يقتربون حين كانت السماء لاتزال مظلمة، وحين كان أغلبهم قد لبث في (انتشو داس بدراس) – التي كانت ثمانية أكواخ تقريباً محقها مشعلو النار عمداً – رأوا سرية مشاة بأمرة ملازم ممتط جواداً أرقط في مسيرة صوب (أوكامبايو). تركوهم يتقدمون حتى صاروا في موضع الانقضاض تقريباً، ثم بإشارة من "هوزيه فينانشيو" أمطروهم بوابل من رصاص القربينات والبنادق القصيرة وبنادق (المسكيتات) القديمة وكذلك بالحجارة والسهام المطلقة من أقواس النشاب، وبالشتائم – "كلاب"، "ماسونيين"، "بروتستانت". عند ذاك فقط أحس الجنود بوجودهم، فاستداروا على أعقابهم وولوا الأدبار، باستثناء ثلاثة جرحى أدركهم صغار (الأنصار) وقضوا عليهم وهم يتحاشون الرصاص، أما الحصان فأقعى وأوقع راكبه، ثم تدحرج الحيوان حَدْرَ منحدر الجبل وسط الصخور الوعرة فانكسرت أطرافه. تمكن الملازم من أن يلوذ ببعض الصخور الكبيرة وشرع يرد على النار بينما كان الحيوان رابضاً هناك، يصهل متألماً ساعات عدة في وقت استمر إطلاق النار.
تطاير الكثير من (الأنصار) إرباً إرباً. بقذائف (الكروي) التي شرعت تقصف الجبل بُعيد المناوشات الأولى، مسببة انهيارات أرضية ونثارات صخرية. وإذ أدرك "جواو الكبير" الذي كان مرابطاً جنب "هوزيه فينا نسيو" أن من الانتحار البقاء مجتمعين يصرخ فيهم أن تفرقوا كي لا تكونوا هدفاً متكتلاً. أطاعوه، وجعلوا يثبون من صخرة إلى صخرة، أو يزحفون على بطونهم بينما كان المشاة إلى الأسفل منهم يرتقون (أوكامبايو) في غمرة سحابة من الغبار وضجة صاخبة لأصوات الأبواق المنادية، وقد قُسَّموا إلى مجاميع قتالية بأمرة ملازمين وعرفاء ونواب عرفاء. وفي الوقت الذي وصل فيه "أبوت جواو" و"باجو" مع التعزيزات، كان هؤلاء قد بلغوا نصف مرقى الجبل. وعلى الرغم من خسائرهم الفادحة لم يسلم (الأنصار) الذين كانوا يحاولون إزاحتهم شبراً من الأرض. شرعت التعزيزات المزودة بالأسلحة النارية بإطلاق النار فوراً، مصاحبين العمليات بصيحات عالية. كان الذين لا يحملون سوى المناجل الطويلة والسكاكين، أو نوع القوس والنشاب الذي كان رجال الأراضي الخلفية يدخرونه لصيد البط والغزلان والذي كان "أنتونيو فيلانوفا" قد طلب من نّجاري (كانودوس) أن يصنعوا عشرات منه، يقتصرون على التجمع حول ذوي الأسلحة النارية ومناولتهم البارود أو تعبئة القربينات آملين من المسيح المبارك أن يستصوب السماح لهم أن يرثوا بندقية أو يقتربوا من العدو بما فيه الكفاية ليتمكنوا من الهجوم عزلاً بالايدي.
استمرت مدافع (كروب) تقصف أعالي الجبل، وقد تسببت الانهيارات الصخرية في إصابات بقدر ما سبب الرصاص. وفيما كان الغسق قد بدأ يحل تواً وشرعت الهامات المرتدية البزات – الحمر- الزرق والخضر- الزرق في اختراق خطوط الصفوة، أقنع "أبوت جواو" الآخرين أن عليهم أن ينسحبوا وإلا وجدوا أنفسهم محاصرين، كان عشرات من (الأنصار) قد ماتوا وأكثر من ذلك قد جرحوا. بدأ الذين استطاعوا سماع الأمر وإطاعته بالتقهقر، متسللين عن طريق السهل المعروف بـ(أوتابو لرنيو) متجهين صوب (بيلو مونته). كان عددهم أكثر بقليل من نصف الرجال الذين كانوا سلكوا هذا الطريق بالاتجاه المعاكس في الليلة السابقة وصباح هذا اليوم. أما "هوزيه فينانشيو" الذي كان واحداً من آخر المنسحبين، متكئاً على عصا وقد التوت ساقه المدّماة، فقد أصابته رصاصة في ظهره قتلته قبل أن يتمكن من رسم إشارة الصليب.
ومنذ فجر ذلك الصباح، لزم (المرشد) المعبد مستمراً في الصلاة تحيط به نسوة جوقة الإنشاد المقدس، و "ماريا كوادرا" و (الصغير المبارك) و (أسد ناتوبا) وجمع غفير من المؤمنين والذين كانوا يصلّون كذلك ويرهفون الأسماع، في الوقت نفسه، إلى الضجيج الواضح جداً أحياناً محمولاً إلى (كانودوس) على ريح الشمال. أما "بدراو" والأخوان "فيلانوفا" و "يواكيم ماكامبيرا" والآخرون الذين تخلفوا لأعداد المدينة للهجوم، فقد انتشروا في موازاة (فازا بارس) وجلبوا إلى شواطئه الأسلحة النارية والبارود والقذائف كلّها التي استطاعوا الحصول عليها، وحين لمح "ماكامبيرا" العجوز (الأنصار) يعودون من (مونته كامبايو) تمتم أن المسيح المبارك شاء إن يدخل الكلاب إلى مدينة القدس. لم يلاحظ احد من أبنائه أنه قد اختلط عليه إسما المدينتين.
لكنهم لم يدخلوا. فقد تقرر سير المعركة في ذلك اليوم عينه، قبل حلول الليل في سهل (أوتابو لرينو) حيث كانت قوات الأرتال الثلاثة للرائد "فبرونيودي بريتو" قد أخذت في تلك الآونة بالانتشار مع الأرض، وهي مدوّخة من التعب والفرح بعد أن شاهدت (الأنصار) يهربون من آخر مرتفعات الجبل، واستطاعت تقريباً التعرّف على الجغرافية المتباينة لسقوف القش والبرجين الحجريين العاليين لما عدّوه فعلاً المكافأة التي اكسبهم انتصارهم إياها – وهي على بعد أقل من نصف فرسخ. وبينما كان (الأنصار) الباقون على قيد الحياة لا يزالون يدخلون (كانودوس)- حيث اثار وصولهم القلق والأحاديث المنفعلة والنحيب والعويل والصراخ والصلاة المتلوّة بأعلى الأصوات – كان الجنود يتهاوون على الأرض فاتحين ستراتهم الحمر – الزرق والخضر- الزرق ورافعين طماق السيقان وقد بلغوا من فرط الإنهاك أنهم عجزوا عن أن يخبر بعضهم بعضاً كم كانت فرحتهم غامرة بدحرهم العدو. وفي اجتماع لمجلس الحرب قرر الرائد "فبردينو" وضباطه الأربعة عشرة أن يعسكروا في ذلك النجد الجبلي الأجرد، بمحاذاة غدير وهمي كانت خرائطهم تشير إليه باسم (سيبو ليانا) والذي سيسمونه في ذلك اليوم فصاعداً (لاغوا دو سانغ) – أي (غدير الدم)، كما تقرر شن الهجوم على عرين المتعصيين مع الضياء الأول من صباح اليوم التالي. لكن، بعد أقل من ساعة، وبينما كان الملازمون والعرفاء ونواب العرفاء ماضين في تفقد السرايا المتخدَّرة تعباً وإعداد قوائم بالقتلى والجرحى والمفقودين، وبينما كان جنود المؤخرة لا يزالون يصلون تباعاً، مختارين طريقهم بين الصخور إذ بهم يهاجمون. فقد انقضّ عليهم المرضى والمتعافون، الرجال والنساء، الشيب والشباب، أفراد الصفوة القادرون على القتال كلهم، وكأنهم انهيار ثلجي. كان "أبوت جواو" قد أقنعهم بوجوب الهجوم في الحال، الجميع سوية، إذ لن يكون هناك شيء اسمه "فيما بعد" إن لم يفعلوا ذلك. تبعته الجموع الهادرة، عابرين النجد كقطيع ماشية جافل. جاءوا مسلحين بصور المسيح المبارك والعذراء والجلالة كلها الموجودة في المدينة، ماسكين الهراوات والعصي والمناجل والمذاري والسكاكين والمدى الضخمة كلها الموجودة في (كانودوس)، وكذلك القربينات وبنادق الرش والبنادق القصار، وبنادق (المسكيت) القديمة و (المانليتشرات) التي غنموها في (أواوا). وبينما كانوا يطلقون الرصاص والقطع المعدنية والأسنّة والسهام والحجارة كانوا يطلقون صيحات الحرب، وقد تملكتهم تلك الشجاعة الطائشة التي كانت الهواءَ نفسه الذي تنشقه أهالي (السيرتاو) منذ يوم ولادتهم، وقد تضاعف الآن في نفوسهم جراء حبهم للرب وكرههم لأمير الظلام، ذلك الكره الذي أفلح القديس في تلقينهم إياه. لم يتيحوا للجنود وقتاً يستفيقون فيه من ذهولهم بمشاهدة ذلك الحشد الصائح الصارخ من الرجال والنساء، على حين غرة، وهم يجرون عبر السهل صوبهم كأنهم لم يكونوا قد اندحروا تواً. وحين أفاقهم الخوف وخضّهم فتيقظوا، ودفعهم إلى الانتصاب على أقدامهم والإمساك ببنادقهم آخر الأمر، كان الأوان قد فات. فقد جاءهم (الأنصار) من فوق، ومن أمام، ومن خلف وفيما بينهم، يطلقون النار عليهم، ويضربونهم بالسكاكين ويرجمونهم بالحجارة ويحرقونهم بالأسنّة، ويعضونهم بالأسنان وينتزعون بنادقهم عنوة وكذلك أنطقة الرصاص، وينتفون شعرهم ويقلعون عيونهم، وفوق ذلك كلّه يسبونهم بأغرب شتائم سمعوها في حياتهم. أفلح قلة منهم أولاً ثم آخرون أن يلوذوا بالفرار، مبهوتين منذهلين، وقد جُنّوا بهذا الهجوم الجنوني المفاجئ الذي بدا خارج نطاق ما هو بشري. وفي الظلال التي كانت تهبط في أثر كرة النار التي غطست تواً وراء قمم الجبال، تفرقوا فرادى أو جماعات بين تلال (أوكامبايو) السفحية التي سبق أن ارتقوها بجهد جهيد طوال اليوم الطويل – راكضين في الاتجاهات كلها، متعثرين، ساقطين، معاودين النهوض، ممزقين بزاتهم الرسمية أملاً في التخفي ومبتهلين أن يحل الليل أخيراً وأن يكون حالك السواد.
كان جائزاً أن يموت الجميع وكان من الممكن ألا يبقى ضابط أو جندي مشاة واحد ليخبر العالم بقصة هذه المعركة التي سبق كسبها ثم خُسِرَت على حين غرة. كان كل ناجٍ من هؤلاء الرجال الخمسمئة المدحورين والجائلين هنا وهناك على غير هدى، والمساقين هنا وهناك من خوف وحيرة معرضاً للتعقّب والرصد والتطويق، لو كان المنتصرون يعرفون أن منطق الحرب يتطلب تدمير العدو تدميراً تاماً. بيد أن منطق صفوة المسيح المبارك لم يكن منطق هذه الدنيا. كانت الحرب التي كانوا يشنونها في ما يبدو، حرب العالم الخارجي، حرب ذوي البزات ضد ذوي الأسمال، وحرب ساحل البحر ضد الداخل، حرب البرازيل الجديدة ضد البرازيل التقليدية. كان جميع (الأنصار) مدركين أنهم مجرد ألعوبة في حرب لا زمان ولا قرار لها، حرب سرمدية، حرب الخير والشر، التي لّما تزل مستعرة منذ بدء الزمان. ومن أجل ذلك أتاحوا لخصومهم أن يهربوا، بينما كانوا ينتشلون أخوانهم الجرحى والموتى في ضوء المصابيح النفطية، أولئك الذين كانوا ممددين في النجد أو على منحدرات (أوكامبايو) متجهمين من ألمٍ أو من حبٍ للرب، في تجهم حُفِرَ على وجوههم (هذا إنْ كانت مدافع العدو الرشاشة قد أبقت على وجوههم لقد أمضوا الليل بكامله ينقلون الجرحى إلى دور الصحة في (بيلومونته) وجثث الموتى، بعد إلباسها خير الملابس ووضعها في التوابيت المسمّرة على عجل إلى حيث طقوس السهر على الموتى المقامة من أجلهم في معبد المسيح المبارك وكنيسة (سانتو أنتونيو). قرر (المرشد) ألاّ يُدْفَنوا حتى يجيء راعي الكنيسة من (كومبي) ليقيم قداساً على أرواحهم، فذهبت "الكساندرينيا" إحدى منشدات جوقة الإنشاد المقدس لاستقدامه.
وفي اثناء الانتظار، أعدّ "أنتونيو" اختصاصي الناريّات، عرضاً للألعاب النارية، ثم أقيم موكب. وفي اليوم التالي، عاد الكثير من (الأنصار) إلى موقع المعركة وجردوا الجنود من ملابسهم وتجهيزاتهم وتركوا جثثهم العارية كي تتعفن. وما إن عادوا إلى (كانودوس) حتى احرقوا سترات الجنود وسراويلهم وما احتوته جيوبهم كلها من عملة ورقية صادرة عن (الجمهورية) والسيكار وورق القمار المصور وخصلات شعر الزوجات والخليلات والبنات، وهي تذكارات عبسوا حيالها. لكنهم وضعوا البنادق والحربات والرصاص جانباً لأن "أبوت جواو" و"باجو" وآل "فيلانوفا" قد طلبوا منهم ذلك، ولأنهم أدركوا لزومها لو هجموا ثانية. وبما أن بعض (الأنصار) ظلوا يلّحون على وجوب تدميرها، اضطر (المرشد) إلى أن يطلب إليهم أن يضعوا بنادق الـ(مانليتشر) والـ(ونشستر) والمسدسات وصناديق البارود وأحزمة الرصاص وعلب الشحم كلها في عهدة "انتونيو فيلانوفا" أما مدفعا (كروب) فكانا لا يزالان عند سفح (أوكامبايو) في الموضع الذي كان يقصفان الجبل منه فأحرقوا جميع اجزائهما التي يمكن حرقها كالدواليب وعربتي المدفعين، ثم سحبت الماسورتان الفولاذيتان إلى (كانودوس) بواسطة جمع من البغال كي يتمكن الحدادون من إذابتهما. عثر رجال "بدراو" في (رانتشو داس يدراس)، التي كانت آخر موقع عسكر فيه الرائد "فيرونيودي بريتو" على ست نساء جائعات شعثاوات كنّ يسرن خلف الجنود ليطبخن لهم ويغسلن ثيابهم ويرقدن معهم، فأخذوهن إلى (كانودوس)، فأقصاهن (الصغير المبارك) قائلاً لهن إن أي شخص اختار بملء حريته أن يخدم (المسيح الدجال) لا يمكن أن يمكث في (بيلو مونته)، بيد أن خلاسيين اثنين من أفراد وعصابة "هوزيه فينانشيو"، حزينين لمقتله، أمسكا بأحداهن عند ضواحي (كانودوس) وكانت حاملاً، فبقرا بطنها بمنجل القصب واقتلعا الجنين ووضعا ديكاً حيّاً في موضعه، وهما مقتنعان بأنهما يسديان معروفاً لزعيمهما في الدنيا الآخرة.
* * *
ها هو يسمع اسم "كايفاس" يتردد مرتين أو ثلاثاً، منبثاً بين كلمات لا يفهمها، فيكافح لفتح عينيه. ها هي ذي زوجة "روفينو" منتصبة إزاء الأرجوحة الشبكية، مهتاجة تماماً، تحرك فمها، وتحدث ضجيجاً. كان الوقت وضح النهار الآن وكانت الشمس تصبّ أشعتها صباً في الكوخ عبر الباب والمنافذ الموجودة بين الركائز. إن الضوء يؤذي عينيه إلى حد يجعله يطرف ويفرك جفنيه وهو يقوم منتصباً على قدميه. صورٌ مشوشة فترى من خلال ماء لبني. وبينما يصفو دماغ "غاليليو" وتثبت صورة الدنيا أمامه يكتشف عقلهُ وعيناه أن تغييراً شاملاً قد حدث في الغرفة لقد أعيد النظام إليها باعتناء، فبدت الأرضية والجدران والأشياء متألقة ملتمعة، كأن شيء قد نظف فركاً وصقلاً. يدرك الآن ما تقوله "جوريما": ("كايفاس" آتٍ)، ("كايفاس" آتٍ). يلاحظ أن زوجة مقتفي الآثار قد أبدلت رداءها الذي كان قد قدّه لينفتح، وأنها ترتدي الآن بلوزة وتنورة غامقتي اللون وأنها عارية القدمين وخائفة وبينما يحاول أن يتذكر أين سقط مسدسه في ذلك الصباح، يحدّث نفسه ألاّ داعي للارتياع، وأن الرجل القادم هو الدليل المرتدي الجلد الذي أخذه إلى "ايبا منونداس غونكالفس" وأعاده إلى هنا مع الأسلحة، وهو الشخص الذي يحتاج إليه حصراً في هذه اللحظة. ها هو المسدس، إزاء حقيبته الصغيرة، تحت صورة عذراء (لابا) المعلقة بمسمار. يلتقطه، وبينما يخطر بباله أن لا رصاصات أخرى باقية فيه، يشاهد "كايفاس" عند مدخل الكوخ.
يتعجل قائلاً بالإنكليزية، ثم ينتقل إلى البرتغالية، بعد أن أدرك غلطته: (لقد حاولوا قتلي. لقد سرقوا الأسلحة. لابد لي من الذهاب لرؤية "ايبا منونداس غونكالفس" من فوري). يقول "كايفاس": (صباح الخير) رافعاً إصبعين يمسّ بهما قبعته المكسيكية عريضة الحافة ذات سيور الزينة المحيطة بها، من دون أن يرفعها وهو يحيي "جوريما" على نحو كان له في نفس "غال" وقع الرزانة السخيفة. ثم يلتفت "كايفاس" نحوه ويومئ كما فعل ويكرر القول: (صباح الخير). يجيب "غال": (صباح الخير) شاعراً بالسخف وهو مُبْق المسدس في يده. يحشره عند خصره، بين السروال والبطن، ويخطو خطوتين باتجاه "كايفاس" ملاحظاً الارتباك والخجل والحرج اللذين استبدا بـ"جوريما" عند وصول الدليل. إنها واقفة في مكانها من دون حراك، تحملق في الأرضية، غير عارفةٍ ما عليها أن تفعله بيديها.
يؤشر "غاليليو" إلى الخارج ويسال: (هل شاهدت ذينك الرجلين الميتين هناك في الخارج؟ كان هناك آخر معهما، الرجل الذي فرّ بالأسلحة. لابدّ أن أتحدث مع "ايبامينونداس"، لابد أن أخطره. خذني إليه). يقول "كايفاس" من دون الاستفاضة بكلمات زائدة: (رأيتُهما). ثم يلتفت إلى "جوريما" الواقفة حيث هي كما كانت، مطأطئة الرأس، مشدوهةً، تثني أناملها كما لو كان فيها تشنج. (لقد جاء الجنود إلى "كيماداس". أكثر من خمسمئة. إنهم يبحثون عن أدلاّء ليوصلوهم إلى "كانودوس". وكل من يأبى استئجارهم إياه يأخذونه عنوة. لقد جئت لأُحضر "روفينو). تجيب "جوريما" متعلثمة، من دون أن ترفع رأسها: (إنه ليس هنا، فقد ذهب إلى "جاكو بيتيا"). يخطو "غال" خطوة أخرى تدنيه من الوافد الجديد حتى أنه مسّه فعلاً: (جنود؟ أهي قوات حملة الرائد "بريتو" قد وصلت؟). يومئ "كايفاس، قائلاً: "إنهم بصدد إقامة عرض. إنهم مصطفّون بتشكيلات في الساحة الرئيسة. لقد وصلوا بقطار الصباح). يتساءل "غال" لِمَ لَمْ يُفاجَأ الرجل، على ما يبدو، بمنظر الجثتين خارج الكوخ حين قدم، لِمَ لا يسأل أية أسئلة بشأن ما حدث، كيف حدث؟ ولماذا لا يزال هنا، جدَّ هادئ، جدّ جامد، لا يعبّر عن أي شيء، ينتظر – ينتظر ماذا؟ ثم يحدّث نفسه ثانية: إن القوم في هذه الأصقاع غريبون، غامضون، لا يُسْبُرُ غورهم، يذكرونه بالصينيين والهندوستانيين. إن "كايفاس" رجل نحيف جداً، كله عظام، جلده برونزي، وعظما خديه ناتئان، وعيناه دكناوان، كالخمرة، تثيران البلبلة لأنهما لا تطرفان أبداً، وصوته غريب عليه تماماً لأنه نادراً ما كان يفتح فاه طيلة الرحلة التي سافر بها معه ذهاباً وإياباً وهو جالس بجانبه. كما أن سترته وسرواله الجلد، المقوّيين بالسيور كذلك عند المقعد والساقين، وحتى الصندل الجبلي، تبدو كلها جزءاً من جسمه، جلداً متيناً إضافياً، أو قشرة، لماذا بلبل قدومُه "جوريما" إلى هذا الحد؟ هل بسبب ما حدث بينهما قبل بضع ساعات؟ يظهر الكلب ذو الشعر الصوفي من مكان ما ويثب، ويطفر مرحاً ولعباً عند قدمي "جوريما". وفي تلك اللحظة، يلاحظ "غاليليو غال" أن جميع الفراخ قد اختفت من الغرفة. يقول، وهو يمسّد شعره الأشعث: (شاهدتُ ثلاثة منهم فقط. لقد أخذ الذي هرب السلاحَ معه. لابدّ من إخبار "ايبامينونداس" بذلك بأسرع ما يمكن فلربما كان في ذلك خطر عليه. هل يمكنك أن تأخذني إلى مزرعته؟). يقول "كايناس": (لم يعد موجوداً هناك، فقد سمعته البارحة يقول إنه على وشك أن يغادرها قاصداً "باهيا"). يقول "غال": (ذلك صحيح). لا مهرب من ذلك، فلسوف يضطر هو الآخر إلى العودة إلى (باهيا). يفكر: )هاهم الجنود. إنهم قادمون بحثاً عن "روفينو" ولسوف يجدون القتيلين، ولسوف يعثرون عليّ). عليه بكل بساطة أن يترك المكان وينفض عن نفسه هذا الكسل، هذا النعاس الذي استبدّ به. لكنه لا يتحرك. يتمتم كما لو كان يتحدث إلى "كايفاس" مع أنه يكلم نفسه في الواقع: (ربما كانوا من أعداء "ايبامنونداس" – رجال الحاكم "لويز فيانا" ورجال البارون. لماذا لم يجيء "الحرس القومي"، إذن؟ هؤلاء الرجال الثلاثة ما كانوا من الدرك. ربما كانوا قطاع طرق أرادوا السلاح للنهب والسلب، أو للبيع). لا تزال "جوريما" واقفة من دون حراك مطأطئة الرأس. أما "كايفاس" فلا يبعد عنه إلا بمسافة أقل من ثلاثة أقدام، دائم الهدوء والسكينة والجمود. وأما الكلب الصغير فيثب هنا وهناك، لاهثاً. يقول "غال" وهو يفكر عالياً: (ثم أن هناك شيئاً غريباً حول هذه القضية برمتها). ثم يحدث نفسه: (يجب علي أن أختبئ بعيداً حتى يرحل الجنود، ثم أعود إلى "سلفادور") – معتقداً في الوقت نفسه أن قوات حملة الرائد "بريتو" باتت هناك فعلاً على بعد أقل من كيلو مترين، وأنها ستتوجه إلى (كانودوس) وتقضي، من دون شك، على حركة التمرد والعصيان التي حسب أنه رأى فيها أو ودّ أن يرى فيها بذور ثورة. (إنهم لم يكونوا يبتغون السلاح فقط. لقد قصدوا قتلي كذلك، ما في ذلك ريب. وهذا ما لا افهمه البتة. من عساه يبغي قتلي هنا في "كيماداس"؟).
-(أنا، سيدي)، هكذا يسمع "كايفاس" "يقول بالصوت نفسه الذي لا نبرة له وهو يحسّ فجأة بنصل المدية على حنجرته. بيد أن أفعاله الانعكاسية كانت لا تزال سريعة جداً، وهكذا أفلح في إمالة رأسه خلفاً والخطو بضع مليمترات بعيداً، تماماً في لحظة انقضاض الرجل المرتدي الجلد عليه، فتخطئ مديته مرماها بدل الأنغراز في حنجرته، وتجرحه إلى الأسفل، من جهة اليمين، حيث ملتقى رقبته وكتفه، مما أثار في جسمه شعوراً بالبرودة والاندهاش أكثر من الإحساس بالألم. يسقط أرضاً. ها هو يتحّسس الجرح، ويلاحظ أن الدم يتدفق من بين أصابعه. يفتح عينيه على سعتهما، ويحملق مبهوراً في الرجل المرتدي الجلد، ذي الاسم التوراتي، الذي لم تتغير تعابير وجهه حتى تلك الآونة، ماعدا بؤبؤي عينيه المعتمين سابقاً والملتمعين جداً الآن. إنه ماسكٌ المدية المدّماة بيده اليمنى ومسدساً صغيراً ذا مقبض لؤلؤي باليسرى يميل فوقه ويصوّبه نحو رأس "غاليليو" وإذ يفعل ذلك، يقدم له ما يشبه الإيضاح: (إنني فاعلٌ هذا بموجب أوامر من العقيد "ايبامنونداس غونكالفس" يا سيدي. كنت أنا الفارس الذي انطلق بالأسلحة صباح هذا اليوم. أنا قائد الرجلين اللذين قتلتهما). يجأر "غاليليو غال" وقد غدا الألم في حنجرته مبَّرحاً: ("إيبامنونداس غونكالفس"). يقول "كايفاس" بما يحاكي نبرة اعتذارية نوعاً ما: (إن به حاجة إلى جثة انكليزية). وفي اثناء ذلك يضغط على الزناد، ويحس "غال" الذي كان قد أمال رأسه تلقائياً إلى جانب، بشعور حارق في فكّه وشعره، وآخر موحٍ بأن أذنه تقطع. يفلح في التمتمة: (إني اسكوتلندي وأنا أكره الإنكليز)، حاسباً أن الطلقة الثانية ستصبه في الجبهة أو الفم أو القلب وأنه سيفقد الوعي ويموت ذلك أن الرجل المرتدي الجلد يشرع برفع يده ذات المسدس ثانية. لكنّ ما يراه الآن هو برقٌ، أو مُضْطَرَبٌ، حين تنقضّ "جوريما" على "كايفاس" وتمسك به وتوقعه أرضاً. يتوقف عن التفكير بعد ذاك. وإذ يكتشف في ذاته قوة لا عهد له بها ينهض على قدميه ويقذف بنفسه هو الآخر على "كايفاس" وهو يحسّ إحساساً مبهماً بأنه ينزف دماً ويتّقد ألماً وقبل أن يستطيع التفكير ثانية، أو يحاول إدراك ما قد حصل، ما الذي أنقذه، يهوي بأخمص مسدسه، بآخر ما تبقى من قوته، على الرجل المرتدي الجلد، الذي لا تزال "جوريما" ممسكة به. وقبل أن يشاهده يهوي فاقد الشعور يدرك أن "كايفاس" لا ينظر إليه في أثناء دفاعه عن نفسه من ضربات المسدس بل إلى "جوريما" وأنه ليس ثمة كرهٌ أو غضب، بل تبلّد لا يُسْيَر غوره في بؤبؤيه الغامقين بلون الخمرة، كما لو أنه غير مستطيع أن يفهم ما فعلته "جوريما" وكما لو أن حقيقة كونها هي التي قذفت بنفسها عليه وثنت ذراعه، متيحةً لضحيته بذلك النهوض على قدميه، كان شيئاً لم يستطع تصوره، ولا يمكن أن يحلم به أبداً. لكنْ حين يُسْقط "كايفاس"، الذي وهن جسمه وتورم وجهه جراء الضربات وتغطى بدمه أو دم "غال"، المديةَ أرضاً وكذلك مسدسه الصغير، فيلتقطه "غال" ويوشك أن يطلق النار، تعود "جوريما" فتوقفه عند حدّه، وتمسك بيده، تماماً مثلما أمسكت بيد "كايفاس" من قبل، وتصرخ على نحو هستيري.
يقول "غال" بالإنكليزية بعد أن لم تبق لديه أية قوة للمنازلة: (لا تخافي. لابد لي أن أرحل من هنا، إذ أن الجنود قادمون. ساعديني يا امرأة، على امتطاء البغل). يفتح فاه ويغلقه مرات عدة، موقناً بأنه على وشك الانهيار إلى جنب "كايفاس" الذي يبدو أنه آخذٌ بالتململ. وإذ يتلوّى وجهه من جهدٍ وإذ يلاحظ بأن الشعور بالاكتواء في رقبته قد ساء وان عظامه وأظافر أنامله وشعره تؤذيه الآن كذلك، يسير مجتازاً الكوخ، متعثراً بالحقائب والأثاث، متجهاً صوب وهج النور الأبيض الذي هو الباب، وهو يفكر: (ايبامينونداس غوفكالفس"). ثم يفكر: (إني جثة إنكليزية).
* * *
وصل راعي الكنيسة الجديد في (كومبي) "دوم يواكيم" إلى البلد عصر يومٍ غائمٍ منذرٍ بهبوب عاصفة، من دون أن تطلق ألعاب نارية أو تدق أجراس. ظهر في عربة يجرها ثور، ومعه حقيبة كبيرة متحطمة ومظلة صغيرة تدرأ عنه المطر والشمس. كانت رحلته طويلة، من (بانفالاس)، في (برنامبوكو)، حيث كان راعي الكنيسة مدة سنتين. وفي الشهور التالية لاكت الألسن قصةً مفادها أن مطرانَهُ قد أبعده لأنه كان قد تمادى في جرأته مع حبيبة قاصر. أوصله أهالي البلدة الذين التقاهم عند مدخل (كومبي) إلى ساحة الكنيسة وأروه دار الأبرشية الآيل إلى السقوط حيث كان الراعي قد عاش في الزمن الذي كانت (كومبي) لايزال لديها راعي كنيسة. لقد أمسى المبنى الآن هيكلاً فارغاً ذا جدران بلا سقف، استُخْدِمَ مجمعاً للقمامة وملاذاً للحيوانات السائبة. ذهب "دوم يواكيم" إلى داخل الكنيسة الصغيرة لـ (نوسا سينيورا كوسنكاو) وصنع لنفسه مناماً بجمع المقاعد الصالحة للاستعمال وتمدد هناك لينام كما هو. كان شاباً يافعاً، قصيراً، محنيَّ الكتفين قليلاً ذا كرش صغير وسيماءٍ من المرح حبيبته إلى الناس منذ بدء البداية. ولولا رداؤه وحلق شعره لما عدّه أحدٌ رجلاً ذا تعامل نشيط مع عالم الروح. إذ تكفي مرافقته مرة واحدة فقط في مناسبة اجتماعية لأدراك ولعه بأمور هذه الدنيا (خاصةً النساء) بما يعدل أو يزيد عن اهتمامه الآخر ففي أول يوم وصل جعل (كومبي) ترى أنه قدر على الاختلاط مع أهالي البلدة كأنه واحد منهم، وأن محضره لا يتضارب) بأية صورة رئيسية مع أعراف السكان وعاداتهم. لقد تجمعت جميع الأسر في (كومبي) تقريباً في ساحة الكنيسة للترحيب به عندما فتح عينيه بعد أن نام بضع ساعات مريحة. كان الليل قد حل والسماء قد أمطرت ثم صحت، وكانت الصراصر تصوّت في غمرة الرطوبة الدافئة، وكان ثمة عدد لا يحصى من النجوم في السماء. بدأ التعارف، واصطفت النسوة في رتل طويل يقبلّن يده، وتقدم الرجال رافعين قبعاتهم المكسيكية تحيةً له، مدمدمين بأسمائهم وبعد وقت قصير حسب ، أوقف الأب "يواكيم" عملية تقبيل اليد، موضحاً بأنه يتضور جوعاً وعطشاً وعندها أقيم احتفال يذّكر، على نحو ما، بوقفات الصليب خلال (أسبوع الآلام)، وأخذ القس يزور البيت بعد البيت ويُعطى أفضل اللحوم التي يمكن لرب البيت أن يقدمها. وحين انبلج الفجر، كان صاحبنا لا يزال ساهراً في إحدى الحانتين الموجودتين في (كومبي) يعبّ (البراندي) مع الكرز الحامض ويعقد مباراة في الأغاني الشعبية مع المنشد" ماتياس" دي تافارس". بدأ القس بأداء وظائفه من فوره، مرتلاً القداس، ومعمداً الأطفال المولودين حديثاً، ومنصتاً لاعتراف البالغين، ومؤدياً آخر طقوس المحتضرين، ومزوّجاً المخطوبين منذ أمد قريبٍ، أو أولئك الذين كانوا متعايشين بلا عقد وأرادوا الظهور بمظهر الاستقامة أمام الله. ونظراً لسعة الأصقاع التي كان عليه أن يرعاها، كان كثير الترحال. كان نشيطاً، بل حتى منكراً لذاته حين تأزف ساعة أداء واجباته راعياً للكنيسة أنا الأجور التي كان يتقاضاها عن خدماته الكثيرة فكانت متواضعة. ولم يكن ليهتم إن أجّلَ الناسُ الدفع أو لم يدفعوا شيئاً البتة. ذلك لأنه من بين السيئات الرئيسية، كانت السيئة التي لا مكان لها لديه هي الجشع. أما عن السيئات الأخرى، فلا أقل من أنه كان ينهمك فيها جميعاً من دون تمييز. كان يتقبل شواء الجدي الريّان الذي يتقدم به إليه صاحب مزرعة ما بالامتنان والابتهاج الدافئين نفسيهما اللذين يتقبل بهما لقمة السكر الخام التي يدعوه فلاح فقير لمشاركته إياها. كما أن حلقه لم يكن ليميز بين (البراندي) المعتق وشراب (الرُّم) الخام الحارق للحلق والمخفَّف بالماء الذي كان الشرابَ المعتادَ في أوقات الشحة. أما بالنسبة إلى النساء فلم يكن ثمة صنف يعافه: الشمطاوات ذوات العيون الدبقة، والصبايا الخرقاوات اللواتي لم يبلغن سن الرشد، والنساء اللواتي ابتلتهن الطبيعة بالثآليل* أو الشفاه المشقوقة أو البّلَة. لم يكن ليتعب من إطرائهن ومغازلتهن والإلحاح عليهن للمجيء لتزيين مذبح الكنيسة: فيمرح ويصحب معهن، ويحتقن وجهه، ويمسّهن متودداً كما لو كان ذلك من أكثر الأمور طبيعية في العالم. إن حقيقة كونه رجلاً يرتدي ثوب الكهنوت جعلت الآباء والأزواج والأخوة يعدونه غيرَ مُنْتَمٍ إلى أي من الجنسين، فتسامحوا مستسلمين حيال وقاحات راعي الكنيسة هذه. ولو كان أي من الذكور قد تجرأ إلى هذا الحد لامتشقوا سكاكينهم في الحال. ومع هذا تنفسوا الصعداء حين عقد الأب "يواكيم" علاقة دائمة مع "الكساندرينيا كوريا" الفتاة التي بقيت عزباء لأنها كانت تستنبئ مكامن الماء.
روي عن الأساطير أن قابلية "الكساندرينيا" العجيبة بانت حين كانت لا تزال صبية يافعة، في عام الجفاف الأعظم، حين كان سكان بلدة (كومبي) يتلّمسون حفر ألابار في كل مكان، وقد استبد بهم اليأس من شحة الماء، فتقسّموا زمراً، وكانوا يقومون من الفجر يومياً بالحفر في كل موضع كان فيه زرع كثيف من قبل، ظانّين أن ذلك كان دليلاً على وجود الماء في باطن الأرض. كما كان النساء والأطفال يقومون بنصيبهم في هذا العمل المضني. لكن التراب المرفوع لم يظهر أية علامة على الرطوبة، وكل ما وجدوه في قيعان الحفر كان طبقات أخرى من رمل أميل إلى السواد أو صخر جلمود. حتى جاء يوم انبرت "الكساندرينيا
فيه بدفقٍ من كلمات حماسية، كأنها كانت تُمْلى عليها إملاءً في وقت لا يكاد يكفي لإخراجها لمقاطعة زمرة أبيها لتخبرهم بأنهم بدلاً من أن يحفروا حيث كانوا فإن عليهم أن ينقّبوا في موضع أبعد، عند بدر الممر المؤدي إلى (مساكارا). لم يحفل بها أحد. لكن الصبية الصغيرة ظلت تلح، ضاربة الأرض بقدميها، وملوّحة بيديها كمن أوحي إليه. قال والدها: (حسن. سنحفر حفرة إضافية واحدة فقط). ثم مضوا ليختبروا إلهامها في الرحاب المسطحة لحصى مصفرّ حيث يتفرع الدربان المؤديان إلى (كارنيبا) و (مساكارا). وفي يوم الحفر الثاني، بعد أن اقتصر مجلوبُ حفرهم على كتل يابسة من التراب والحجارة، بدأت ألوان الطبقة التحتية من التربة تتحول إلى الأغمق وتُرى علاماتُ الرطوبة. وأخيراً وفي غمرة انفعال الجميع، ظهرت قطرات من الماء. ثم اكتُشِفَتْ ثلاث آبار أخرى على مقربة من المكان. وبفضلها خفّت على (كومبي) بالقياس إلى البلدات الأخرى الوطأةُ التي ألحقتها بها سنتان من الشقاء والموت بالجملة. ومنذ ذلك اليوم صارت "الكساندرينيا كوريا"، موضع إجلال وفضول، وصارت شيئاً آخر كذلك في عيون والديها: مخلوقاً حاولا الكسب من قدرتها في الحدس باستيفاء أجر من المستوطنات والأهالي المجاورين لقاء تحسّس المواضع التي ينبغي عليهم الحفر فيها ليجدوا الماء. بيد أن مواهب "الكساندرينيا" لم تكن مهيأة للبيع والشراء فقط، كانت الصبية تخطئ أكثر مما تصيب. وكثيراً ما كانت تقول، بعد الاستشمام هنا وهناك بأنفها ذي الطرف المرفوع: (لا أدري. لا شيء ينبئني). لكنْ لا تلك الخيبات ولا أخطاؤها، التي كانت ذكرى نجاحاتها تمحوها على الدوام، كانت لتطمس الشهرة التي أحاطت بها وهي تنمو وتكبر. لقد جعلتها مواهبها، بصنعتها عّرافة لمكان الماء مشهورة، لكنْ شقية. إذ ما إنْ عُرِفَ أنها كانت تملك المقدرة حتى قام سدٌّ من حولها عزلها عن الناس. فالصغار الآخرون ما كانوا ليشعرون بالارتياح معها، كما أن البالغين لم يعاملوها مجرد صبية صغيرة عادية. كانوا يحملقون فيها، يلقون عليها أسئلة غريبة حول المستقبل أو الحياة بعد الممات، ويحملونها على الركوع عند أسَّرة المرضى في محاولة لإبرائهم بقدرات عقلها. كانت مساعيها لأن تكون مجرد امرأة مثل سائر النساء بلا جدوى. وكان الرجال ينأَون عنها بإجلال، على الدوام، ولم يكونوا ليدعوها إلى الرقص في الأعياد ولا يسمَّعونها أغاني الغرام، ولم يكن أحد منهم ليحلم يوماً أن يتخذها زوجة، فكأنَّ الوقوع في غرامها كان سيمسي تدنيساً. حتى وصل راعي الكنيسة الجديد إلى البلدة فحين يتعلق ألمر بالنساء لم يكن الأب "يواكيم" بالرجل الذي يسمح لنفسه أن تخشى هالةً من القداسة أو الشعوذة. إن "الكساندرينيا" قد جاوزت الآن العشرين من العمر. كانت طويلة ونحيفة ولها الأنف الغريب نفسه والعينان اللتان لا تستقران نفسيهما. وكانت لاتزال تعيش مع والديها على خلاف شقيقاتها الأربع الأكبر سناً اللواتي صار لهن أزواج وبيوت تخصهن. وبسبب الإجلال الديني الذي كانت توحي به، والذي عجزت عن تبديده بالرغم من سلوكها البسيط المستقيم، كانت حياتها موحشة. ونظراً لأن هذه الابنة العزباء لآل "كوريا" نادراً ما كانت تخرج إلا لحضور قداس الأحد، ولأنها لم تكن تُدْعى إلا القليل جداً من الاحتفالات الخاصة (حيث كان الناس يخشون أن يكون حضورها المشوب بهالة من الخوارق مثيراً للكآبة في الأعياد)، فقد مرّ وقت طويل قبل أن يتعرف عليها راعي الكنيسةالجديد. لابد أن غراماً قد ب>ا بطيئاً وتدريجياً تحت أشجار التفاح (الملاوي) كثيف القمة في ساحة الكنيسة أو في شوارع (كومبي) الضيقة حيث كان يلتقي القسُّ القميء والعرّافة بمكامن الماء، ثم ينصرف كلٌّ إلى شأنه بينما كانت عيناه الجريئتان، الحيويتان، المثيرتان تتملاّها من عاليها إلى سافلها في حين كانت البسمة البريئة على وجهه تجعل هذا التفحص أقل فظاظة. ولابد أنه كان أول من تكلم، ربما متسائلا عن احتفال البلدية في الثامن من كانون الأول*، أو عن سبب عدم مشاهدته إياها في الصلوات أو عن قصتها مع الماء. ولابدّ أنها أجابته عن ذلك النحو السريع، المباشر، الصريح الخاص بها، محملقة فيه دون خجل. وهكذا لابد أن توالت لقاءات عَرَضية، ثم أخرى أقل عرضية، حيث الكلام المجاوز للثرثرة حول الحوادث المحلية والعصابات والمفارز السّيارة والمعارك والغراميات وتبادل الأسرار، إلى الملاحظات الجريئة المكّارة الي لابد أنها نمت الصورة شيئاً فشيئاً.
والواقع أن كل أهالي (كومبي) شرعوا في أحد الأيام اللطيفة يعلقون ماكرين على التغيّر الذي طرأ على "الكساندرينيا" التي كانت مجرد واحدة من بنات الأبرشية غير المهتمات بشؤون الكنيسة، ثم غدت على حين غرة أكثر من مثابرة ومواظبة. كان يمكن مشاهدتها، في الساعات الأولى من كل صباح، تنظيف مقاعد الكنيسة مما عَلِقَ بها من غبار، وترتب المذبح وتكنس مدخل الباب. ثم صارت تشاهد في دار الأبرشية التي أصبح لها بمساعدة أهالي البلدة سقفٌ وأبواب ونوافذ مرة ثانية. لقد أصبح واضحاً إن ما بينهما قد تجاوز التقبيل والقهقهة في اليوم الذي ولجت "الكساندرينيا" بخطىً ثابتة الحانة التي كان الأب "يواكيم" قد تخفّى فيها مع رهط من الأصدقاء عقب حفل تعميدي، يعزف القيثارة ويشرف الخمرة، وهو سعيد كالقُبّرة. وما إن دخلت حتى صمت. منعت إليه، وقالت بنبرة مازحة: (إنك آتٍ معي الآن لأنك قد شربت ما يكفي). ومن دون أن ينبس ببنث شفة، تبعها إلى الخارج.
حين قَدِمَ القديس* إلى (كومبي) أول مرة، كانت "الكساندرينيا كوريا" قد مضت على سكناها في دار الأبرشية سنوات عدة. في البدء كانت قد استقرت هناك لترعى الأب "يواكيم" بعد أن جُرِحَ في بلدة (روزايو) حيث كان قد حوصر في فقم تبادل النيران بين عصابة "جواو الشيطان" ومفرزة الشرطة التابعة للرائد "جيرالدو" ماسيدو" الشهير بكنية (مطارد العصابات). وبعد ذلك أقامت هناك، ثم صار عندها ثلاثة أطفال كان الناس يشيرون إليهم على أنهم أولاد "الكساندرينيا" لا أكثر، ويذكرونها على أنها "راعية" "دوم يواكيم". كان لها بمجرد حضورها تأثير مهدئٍ على حياة القس ولو أنه لم يغير من عاداته شيئاً – كان أهالي البلدة يستدعونها حين يغدو القس نفسه مشكلة بعد أن يفرط في الشراب. وما أن تظهر حتى يهدأ دائماً حتى وإن كان ثملاً غاية الثمل. ولعل هذا كان أحد أسباب تقّبل أهالي البلدة علاقتهما من دون جلبة مفرطة. وحين جاء القديس إلى (كومبي) أول مرة كانت "الكساندرينيا" مقبولة لدى أهالي البلدة حتى أن والديها وأخواتها كانوا يزورونها في دار الأبرشية ويسمّمون كل طفل من أطفالها بالحفيد أو الحفيدة أو بنت الأخت أو ابن الأخت من دون أن يشعر بعدم الارتياح البتة. ولذلك حين قام الرجل الطويل النحيف ذو العينين البراقتين والجدائل (الناصرية)* المنسدلة انسدالاً، والمرتدي رداءً كهنوتياً طويلاً متهدلاً ذا لون أرجواني غامق، بانتقاد الرعاة السيئين، كان الوقع أشبه بانفجار قنبلة في موعظته الأولى، من على منبر كنيسة (كومبي) حيث كان الأب "يواكيم" قد أتاح له صعوده، مبتسماً ابتسامة عذبة. ران صمتٌ جنائزي على صحن الكنيسة المزدحم. لم ينظر أحد إلى "دوم يواكيم" الذي كان قد اتخذ موضعاً له في الصف الأمامي. لقد فتح عينيه فازاً فَّزةً عنيفة تقريباً، وهو جالس هناك دون أدنى حراك، محملقاً إلى أمام مباشرة، إلى تمثال المصلوب أو إلى مذلَّته هو. كما لم ينظر أهالي البلدة إلى "الكساندرينيا كوريا" التي كانت جالسة في الصف الثالث. وعلى خلاف "دوم يواكيم" كانت هذه تتملى الواعظ بكل رزانة وقد شحب وجهها شحوب الأموات. والظاهر أن القديس قد جاءا إلى البلدة. بعد أن تحدث إليه أعداء العشيقين، قال أشياء فظيعة، بوقار ومباشرة، وبصوت تردَّد على الجدران الرقيقة والسقف المقعّر. ضد أولئك الذين أختارهم الرب، والذين تحولوا إلى أذناب للشيطان، على الرغم من ترهبنهم ولبسهم أردية الكنهوت. لقد ذم جميع خطايا الأب "يواكيم" من دون رحمة: العار الذي الحقه قساوسة رعايا الرحمن الذين، بدل أن يكونوا قدوة في الرصانة، صاروا يعبّون (براندي) القصب حدَّ الهذيان، عدم لياقة أولئك الذين، بدلَ الصومِ والتقتير، يحشون معدهم من دون أن ينتبهوا إلى أنهم يعيشون محاطين بأناس لا يكادون يجدون ما يكفيهم من الطعام وفضيحة أولئك الذين نسوا عهد الطهارة الذين قطعوه على أنفسهم ووجدوا لذتهم في النساء اللواتي لم يرشد وهنٍ روحياً، بل ألقوا، بدل ذلك، بمصائرهن إلى الضياع وذلك بتسليم أرواحهن البائسة إلى إبليس جهنم. وحين تجرأ سكان البلدة أخيراً بإلقاء نظرة على قسَّهم من زاوية عيونهم، شاهدوه لايزال جالساً هناك، لايزال يحملق أماماً على نحو مباشر وقد أحمّر وجهه حمرة البنجر. إن الذي قد حدث – وهي واقعة ظلت حديثَ البلدة أياماً عدة – لم يمنع (المرشد) من مواصلة وعظه في كنيسة (نوسا سنيورادا كونسيكاد) مدة مكوثه في (كومبي)، أو حين عاد ثانية بعد أشهر برفقة رهط من الصفوه، أو في مناسبات أخرى في السنوات التالية. كان الفرق هو غياب الأب "يواكيم" عادةً عند إلقاء تلك المواعظ التالية. أما "الكساندرينيا" فلم تكن تغيب كانت هناك على الدوام في الصف الثالث، بأنفها ذي الطرف المرفوع، تستمع إلى نواهي القديس ضد ثراء الدنيا وضروب الإسراف فيها وإلى دفاعه عن عادات التقشف وحضّه على إعداد الروح للموت من خلال التضحية والصلاة. شرعت العرّافة السابقة بمكامن المياه بإظهار حماسة دينية متنامية، فأخذت تشعل الشموع في المحاريب المعقودة في الشوارع وتقضي أوقاتاً طويلة على ركبتها قبالة المذبح في وضع تركيز عميق، وتنظيم نشاطات للشكر والعرفان، وصلوات عامة، وصلوات تسبيح، وتاسوعيات. كما ظهرت في أحد الأيام وقد غطت رأسها بمنديل أسود وعلقت حرزاً يحمل صورة المسيح المبارك على صدرها، وقد شاع عدم حدوث أي شيء يغضب الله بين الأب "يواكيم" وبينها على الرغم من أنهما واصلا العيش تحت سقف واحد. وحين كان سكان البلدة يتجرأون بالاستفسار من "دوم يواكيم" عن "الكساندرينيا" كان يغّير الموضوع. كان يبدو مبلبل الفكر. ومع أنه استمر في العيش حياة سعيدة، فأن علاقاته بالمرأة التي كانت تشاركه سكنه وكانت أم أطفاله تغيرت، كانا، أمام الثاني في الأقل في منتهى الأدب حيال بعضهما، مثل شخصين لا يكادان يعرف أحدهما الآخر. لقد أثار (المرشد) مشاعر لا يمكن تحديدها في نفس راعي الكنيسة. هل كان يخشاه، يحترمه، يحسده، يتأسّى له؟ الحقيقة أنه كلما قدم القديس إلى البلدة، كان الأب "يواكيم" يفتح الكنيسة له ويعترف له، ويناوله العشاء الرباني، وكان طيلة بقائه في (كومبي)- مثالاً للاعتدال والإخلاص.
وحين رحلت "الكساندرينيا كوريا" مع القديس ضمن اتباعه، في آخر زيارة له، متخلية عن كل شيء كانت تملكه، كان "يواكيم" الشخص الوحيد في البلدة الذي لم يبدُ عليه الاستغراب.
* * *
الهوامش
*(المينهوت)= نبات يستخرج من جذوره نشاءٌ مغذ.(المترجم)
*(الكلب الاكبر)= مجموعة كواكب في الفلك، ولكن المقصود بها هنا جهنم. (المترجم)
*السُّد = مرض اعتام عدسة العين.(المترجم)
*فراسة الجمجمة أو الدماغ- دراسة شكل الجمجمة بوصفه مظهراً دالاً على الشخصية والملكات العقلية.(المترجم)
**"برودون"(1809-1865) صحفي فرنسي. و"باكونين"(1814-1876) من الفوضويين الروس.(المترجم)
*المخْلعة= أداة تعذيب قديمة يمط عليها الجسم. والمقيدة= أداة تعذيب خشبية ذات ثقوب تقيد فيها رجلا (أو رجلا ويدا) المذنب. (المترجم)
*العُشْر= عشر الغلّة أو المال، يدفع إلى الكنيسة بخاصة.(المترجم)
*(قان) = احد أسماء الشيطان.(المترجم)
(بعلزبول) = في التوراة رئيس الشياطين. (المترجم)
* المِشكال = اداة تحتوي على قطع متحركة من الزجاج الملون ما أن تتغير أوضاعها حتى تعكس مجموعة لا حصر لها من الأشكال الهندسية المختلفة الألوان.(المترجم)
*مثل صوت الخنزير.(المترجم)
*الجمجمة= الموضع الذي صلب فيه المسيح، أو أي تمثال للمسيح المصلوب.(المترجم)
*التاسوعية = في المذهب الكاثوليكي تستمر تسعة أيام.(المترجم)
*استخدام تعبير (الأخ) هنا بالمعنى الديني، أي كناية عن الراهب أو القس.(المترجم)
*في الرواية ترد كلمة (باغونتشوس) للإشارة إلى مناصري (المرشد). لم أترجمها إلى (متمردين) تجنباً لدلالتها السلبية ولا إلى (ثوار) لدلالتها الايجابية. وخلصت إلى استخدام (الأنصار) الحيادية.(المترجم)
*الجُلَّ = غطاء مزركش لسرج الدابة.(المترجم)
*فودان، مفردها فادن = أداة مؤلفة من خيط في طرفه قطعة رصاص يسبر بها غور المياه أو تمتحن استقامة الجدار.(المترجم)
*الطوّالتان = رِجْلان خشبيتان يُعَدُّ المشي بها ضرباً من البراعة.(المترجم)
*ورد الكتاب بالفرنسية.(المترجم)
*المدرع = حيوان لرأسه وجسمه درع من الصفائح العظمية الصغيرة.(المترجم)
*نستخدم هذه الكلمة المركبة للإشارة إلى اعضاء (حزب باهيا للحكم الذاتي) الذي مر ذكره.(المترجم)
*المتسوّطون = الضاربون أنفسهم بالسوط تقرباً إلى الله.(المترجم)
**المطهر = موطن تطهر فيه نفوس الأبرار بعد الموت بعذاب محدد الأجل (المترجم)
*"باكونين" (1814-1876) من الفوضويين الروس.(المترجم)
*"مونتسكيو"(1689-1755) سياسي وفيلسوف ومحام فرنسي.(المترجم)
*(الكولوسيوم)= مدرج روما القديم، لعله أشهر الأماكن السياحية فيها.(المترجم)
*نسبة إلى الفيلسوف الإغريقي "سقراط" – المترجم
*(الاستحالة) في المسيحية= استحالة خبز القربان وخمره إلى جسد المسيح ودمه.(المترجم)
**هنا يشبه (المرشد) مواقع في (بيلو مونته) أو (كانودوس) بمواقع وإشارات وردت في الإنجيل مثل (بستان الزيتون) الذي صلى فيه المسيح قبل صلبه، و(جبل الجماجم) أو (جبل الجلجلة) الذي كان مصلب الآخرين قبل صلب المسيح فيه، و(شمعون القوريني) أو سمعان القيرواني) وهو الشخص الذي ساعد المسيح في حمل الصليب في (درب الصليب)،، و(وادي يهوشافات) وهو وادٍ
*مفردها (ثؤلول)= نتوء جلدي متقرن.(المترجم)
*الثامن من كانون الأول = عيد مريم العذراء، عيد الحبل بلادنس.(المترجم)
*المقصود به هنا هو (المرشد).(المترجم)
*نسبة على بلدة (الناصرة) في فلسطين.(المترجم)
حرب نهاية العالم
(الرواية الحائزة على جائزة همنغوي)
ترجمة: أمجد حسين
إهداء المؤلف
إلى "يوكليدس داكونيا"
في العالم الآخر،
وفي هذا العالم
إلى "نيلذا ينيون"
مقدمة المترجم
هذه رواية مزلزلة، في ما تحتويه من أفكار وما تعرضه من مشاهد. ولسوف يخرج قارؤها (كما خرج مترجمها) مبلبل البال، محيَّراً، مستمتعاً، مستهجناً.... وحين يطوي صفحتها الأخيرة سيجد نفسه أمام السؤال الحتمي: وبعدُ؟
في الرواية صراع (وهل تكون رواية بغيره؟) بين معسكرين، قوتين، وقد يتبادر إلى الذهن أن الكاتب يمثل (أو يتبنى) أحد طرفي الصراع. ولكن مهارة "فارغاس يوسا" – أو إحدى مهاراته – تكمن في أسلوب الطرح الذي ينتهجه. إنك ما إن تنحاز إلى جانب، بفعل قوة الحجة أو دلالة التصرف أو التعاطف الوجداني، حتى ينتشلك الكاتب، بفعل العوامل عينها، ليحطك في صف الجانب الآخر.
وقد يتساءل متسائل يسعى إلى تبسيط الأمور: هل تحاول الرواية المواءمة بين الثورية الفوضوية (في أواخر القرن التاسع عشر) والتعصب الديني المنطوي، في جانب منه، على رفض الظلم؟ هل المواءمة جادة أم ساخرة؟ إن في الرواية عشرات القرائن على هذا ونقيضه في آن واحد.
إن "فارغاس يوسا" فنان في صنعته. فمع أن الرواية طويلة النفس، ملحمية (تذكر المرء بـ "الدون الهادئ" و "الحرب والسلام")، إلا أنه يظل ممسكاً بخيوطها الكثار المتشعبة إمساك اللاعب الحاذق المسيطر على المفردات كلها. ومن سمات هذه المهارة أنه يعمد إلى التعددية في خطوط السرد، ولكنها تعددية تخدم التنامي الدرامي للأحداث. ومنها أيضاً تطويع النحو (وبخاصة أزمان الأفعال) لخدمة هذا التنامي. وفي بعض المقاطع تتداخل خطوط السرد وتتداخل المشاهد من خلال استخدام أسلوب الاسترجاع (الفلاش باك) بحيث ينبغي على القارئ أن يشحذ انتباهه لكي يشخّص نقاط التقاطع.
"ماريو فاغارس يوسا" كاتب وأستاذ جامعي وسياسي من (بيرو)، ولد عام 1936 وكتب روايات عدة منها (الرؤساء) الحائزة على جائزة (ليوبولدو آلاس) عام 1959، و(المدينة والكلاب) الحائزة على جائزة (بيبليوتيكا بريبه) عام 1962 والتي أعيد طبعها أكثر من عشرين مرة وترجمت إلى عدد من اللغات، و(زمن البطل) و(المنزل الأخضر) و(حوار في الكاتدرائية) و(القبطان "بانتويا" والخدمة الخاصة) و(الحملان وقصص أخرى) و (العمة "خوليا" وكاتب السيناريو) و(الحياة الحقيقية لـ "أليخاندرو مايتا")، فضلاً عن روايته هذه (المترجمة إلى العربية لأول مرة) والحائزة على جائزة "همنغوي". عاش ردحاً من الزمن في باريس وبرشلونه (كما عاش فيهما "غاليليو غال" في الرواية) وأقام زمناً في كوبا صديقاً للرئيس فيدل كاسترو، ثم عاد إلى (بيرو) مشاركاً في الحياة السياسية ورشح نفسه عام 1990 لمنصب رئيس الجمهورية إلا أنه أخفق.
قفزت آراؤه السياسية من اليسار الكاستروي إلى يمين الاقتصاد الحر. ولكن.... أي يسار وأي يمين على خارطة اليوم؟ تُرى، هل تجيب (حرب نهاية العالم) عن هذا السؤال؟ أم سيخرج قارؤها – كما خرج مترجمها – محيّراً، متسائلاً: وبعدُ؟
أمجد حسين
(1)
الجزء الأول
كان الرجل طويلاً وجدَّ نحيف بحيث كان يبدو دائماً كأن الناظر إليه لا يرى سوى صورته الجانبية. كان نحيلاً قاتم الجلد عيناه تضطرمان بنارٍ أزلية. كان ينتعل خُفَّي رعاة، وكان الرداء الأرجواني الغامق الذي يتسربله يذكّر بأردية كهنة الإرساليات التبشيرية، أولئك الذين كانوا يترددون كثيراً على قرى الأراضي الخلفية ليعمّدوا حشوداً من الأطفال، ويزوّجوا رجالاً ونساءً متعايشين عيشة الأزواج. كان من المحال معرفة عمره وخلفيته وقصة حياته. لكنْ كان ثمة شيءٍ ما في مسلكه الهادئ وعاداته المقتَّرة ووقارة الرزين يجتذب الناس حتى قبل أن يعرض النصح عليهم.
كان من عاداته ان يظهر فجأة، بمفرده في البداية، راجلاً دوماً، يعلوه غبار الطريق، كل بضعة أسابيع معدودة، كل بضعة شهور معدودة. كانت الخطوط الخارجية لقامته المديدة تتبدى في ضوء الغسق أو الفجر حين يسير في شارع البلدة الوحيد بخطى واسعة وبشيءٍ من العجالة وسط مِعازٍ ذوات أجراس ترنّ، وسط كلاب وأطفال كانوا يفسحون له الطريق ويحملقون فيه بفضول، من دون أن بردّ على تحيات النسوة اللواتي كنّ يعرفنه من قبل واللواتي يومئن له بالتحية ويسارعن إلى جلب أباريق من حليب المعاز وأطباق المينهوت* والفول الأسود له. لكنه ما كان ليأكل أو يشرب حتى يبلغ كنيسة البلدة ويرى للمرة المئة انها متهدمة وأن طلاءها قد بهت وأبراجها لم تكتمل وجدرانها مليئة بالثقوب وأرضياتها منبعجة ومذابحها قد نخرها الدود. آنذاك تتبدّى نظرة حزينة على وجهه، ذاخرة بالأسى كله الذي يحمله مهاجر من (الشمال الشرقي) قتل الجفافُ أطفاله ودوابه ولم يتبقَ له شيء فتوجّب عليه إخلاء داره وعظام موتاه ليولّي الأدبار، هارباً إلى مكان ما لا يعرف أين يقع. احياناً كان يبكي، وآنذاك تضطرم النار السوداء في عينيه بومضات مخيفة، ويشرع في الصلاة فوراً. لكن ليس مثلما يصلّي آخرون وأخريات. كان يتمدّد على الأرض أو الصخور أو الآجر المنثلم، منكفئ الوجه قبالة المذبح أو موقعه الذي كان أو سيكون، ويتمدد هناك مصلّياً، في صمت أحياناً، أو بصوت عالٍ أحياناً أخرى، مدة ساعة أو ساعتين، وأهل البلدة يرقبونه باحترام وإعجاب. كان يتلو (دستور الإيمان)، و (أبانا) و (السلام عليك يا مريم) التي كان الجميع يعرفها، وكذلك صلوات أخرى لم يسمعها احد من قبل، لكن الناس حفظوها عن ظهر قلب شيئاً فشيئاً بمرور الأيام والشهور والسنين. أين راعي الابرشية؟ ذلكم السؤال الذي كانوا يتوقعون سماعه منه. لمَ لا يوجد قسيس للرعية هنا؟ وكلّما اكتشف عدم وجود قسيس في القرية اجتاح قلبَه حزنٌ مثل الحزن الذي يخيم على خرائب بيوت الله.
لم يكن يوافق على أن يأكل ويشرب شيئاً، وهو يكاد يكون عيّنةً حسب مما كان القرويون يسرعون إلى تقديمه له حتى في السنين العجاف، إلاّ بعد أن يستغفر (يسوع المبارك) عن الحال الذي آلتْ إليه داره على أيديهم. كان يميل إلى النوم في الداخل، حيث يعلو سقفٌ رأسه، في أحد المساكن التي يستضيفه فيها سكان الأراضي الخلفية. بيد أن أولئك الذين منحوه السكن نادراً ما رأوه يرتاح في الأرجوحة الشبكية أو السرير المؤقت أو الفراش الذي يوضع تحت تصرفه. كان يرجح الاضطجاع على الأرض، حتى من دون بطانية، فيخلد إلى النوم بضع ساعات، مسنداً رأسه ذا شعر القفا الأسود الجامح على إحدى الذراعين. ساعات نوم قليلة على الدوام. بحيث كان هو آخر من يأوي إلى الفراش ليلاً، ومع ذلك فحين كان رعاة البقر والأغنام، السابقون في النهوض، يتوجهون نحو الحقول كان يلمحونه وقد انهمك منذ مدّة قي تصليح جدران الكنيسة وسقفها.
كان يقدم مواعظه عند حلول الغسق، حين يكون الرجال قد عادوا من الحقول وتكون النسوة قد أكملن واجباتهن المنزلية ويكون الأطفال قد ناموا. كان يعظ في تلك المواضع الصخرية المفتوحة الجرداء التي تُرى في جميع قرى الأراضي الخلفية عند مفترقات الطرق الرئيسية، والتي كان يمكن تسميتها ميادين عامة لو كانت فيها مصاطب و مماشٍ مشجرة الجوانب وحدائق، أو لو كان قد أُبقي على تلك التي كانت موجودة والتي دمرها الجفاف والوباء والكسل شيئاً فشيئاً. كان يعظ في تلك الساعة التي تكون فيها سماء شمال البرازيل مستعرة وسط غيوم منعقدة بيضٍ أو رماديّة أو مزرقّة، قبل أن تمسي معتمة تماماً ومرصعة بالنجوم، فيكون هناك ما يشبه عرضاً فخماً من الألعاب النارية فوق الرؤوس، فوق العالم الفسيح. كان يعظ ساعة إيقاد النيران لطرد الحشرات وإعداد وجبة المساء، حين يصير الهواء المشبع بالبخار أقلّ مضايقة وتهبّ نسمة تجعل الناس أطيب مزاجاً لتحمّل المرض والجوع ومعاناة الحياة.
كان يتحدث عن أمور بسيطة ومهمة، من دون أن ينظر إلى أي شخص على وجه التحديد من بين أولئك الذين كانوا يتحلقون حوله، بل كان ينظر بعينيه المتوهجتين متجاوزاً حلقة الكهول والرجال والنساء والأطفال، إلى شيء ما أو شخص ما كان هو الوحيد الذي يستطيع أن يراه. أمور مفهومة لأنها كانت معروفة على نحو غامض منذ عهود سحيقة، أمور يتلقاها المرء مع حليب ثدي أمه. أشياء راهنة، ملموسة، يومية، حتمية، مثل نهاية العالم و(يوم القيامة) اللذين قد يحدثان تماماً قبل مضي الوقت الذي تستغرقه البلدة في إعادة إعمار الكنيسة الصغيرة ذات الأجنحة المتزعزعة. ما الذي سيحدث حين ينظر يسوع المبارك من علٍ إلى الحال المزرية التي تركوا فيها بيته؟ ما الذي سيقوله عن سلوك القساوسة الذين يفرغون جيوب الفقراء بدل مساعدتهم وذلك باستيفاء المال منهم لنصرة الدين؟ هل يمكن بيع كلمات الله؟ ألا يتوجب القاؤها من دون مقابل، من دون قصاصة السَّعر الملحقة بها؟ ما العذر الذي سيقدّمه للربّ القساوسةُ الذين يرتكبون الفحشاء بالرغم من نذرهم بالطهارة؟ هل يمكنهم اختلاق أكاذيب يمكن أن يصدقها ربّ يستطيع أن يقرأ أفكار الشخص بالسهولة التي يستطيع بها كشّافٌ اقتفاءَ الأثر الذي يتركه النمر المرقط الأمريكي؟ أمور عملية يومية، عادية، مثل الموت الذي يفضي إلى السعادة إذا أتاه المرء بفؤاد صافٍ جذل، كما يأتي عيد من الأعياد. هل الناس حيوانات؟ إنْ لم يكونوا كذلك ينبغي عليهم المرور عبر تلك الباب، مرتدين أحسن ملابسهم طراً دليلاً على إجلالهم له وهم على وشك لقيا الربّ. كان يتحدث إليهم عن الجنة، وعن جهنم كذلك، وعن مكان (الكلب الأكبر)* حيث المواطئ جمرُ فحمٍ متقد وموبوء بأقاعٍ ذوات أجراس، وكذلك عن كيفية تمكن الشيطان من إظهار نفسه بمبتكرات لا تؤذي في الظاهر.
كان رعاة البقر وكادحو الأراضي الخلفية يستمعون إليه في صمت، مبهورين، مرتاعين، متأثرين، ومثلهم كان يفعل العبيد والمعتوقون العاملون في مزارع قصب السكر الكائنة على شاطئ البحر، وكذلك جميع الزوجات والأمهات والآباء والأطفال. وبين الحين والحين كان أحدهم يقاطعه – وإنْ ندر حدوثُ ذلك لأن رزانته، أو صوته الأجوف، أو حكمته كانت تخيفهم – سعياً وراء إزالة شك يراوده هل دنت نهاية العالم؟ هل يطول ذلك حتى العام 1900؟ فيجيب فوراً من دون حاجة إلى تأمل، وبثقة هادئة، وبتنبؤات ملغزة في الأغلب. في العام 1900 ستطفأ مصادر النور، وستنهمر الكواكب مدراراً. لكنْ ستسبق ذلك أشياء غير عادية. ثم يلي حديثَه صمتٌ يستطاع فيه سماع طقطقة النيران المكشوفة وطنين الحشرات التي يلتهما اللهب، بينما يجهد القرويون ذاكرتهم حيال الواقعة، مقطوعي الأنفاس، ليتأكدوا من تذكر المستقبل. في العام 1896 ستفرُّ أفواج من الناس لا حصر لها من ساحل البحر إلى الداخل، وسيستدير البحر والجاً الأراضي الخلفية وستستدير هذهِ والجةً البحر، وفي العام 1897 ستكسو الحشائش الصحراء ويختلط الرعاة بالقطعان، ومن ذلك التاريخ فصاعداً لن يكون هناك غير قطيع واحد وداعٍ واحد. وفي العام 1898 ستزداد القبعات حجماً وتصغر الرؤوس. وفي العام 1899 ستغدو الأنهار حمراً وسيدور كوكب جديد عبر الفضاء.
وعلى هذا صار الاستعداد لازماً. لابدّ من إعمار الكنيسة، وكذلك المقبرة، أهم منشأ بعد بيت الله لكونه المجاز المفضي إلى الجنة أو الجحيم، ولابد من تكريس الوقت الباقي إلى ما هو غاية في الأهمية: ألا وهو الروح. هل سيغادر الرجال أو النساء إلى العالم الثاني مرتدين التنورات والأثواب وقبعات اللباد ونعال الحبال وجميع تلك الملابس الفاخرة المصنوعة من الصوف والحرير التي لم يكن يعرفها المسيح المبارك قطّ؟
كانت نصيحته عملية، بسيطة. وحين كان الرجل يرحل كان الحديث يكثر عنه: إنه كان قديساً، إنه قد أتى المعجزات، إنه قد شاهد شجيرة العليقة وهي تحترق في الصحراء، كما فعل موسى، وإن صوتاً قد أفصح له عن اسم الله الذي لا ينطق. لقد نوقشت مواعظه على نطاق واسع. وهكذا، فقبل أن ينتهي أمر الإمبراطورية ويبدأ عهد الجمهورية، كان سكان (توكانو) و(سوري) و(امبارو) و (بومبال) قد سمعوا عن أحاديثه، وشرعت كنائس (بوم كوتسليو) و (جريموابو) و (ماساكارا) و(إنهامبوب) تنهض من خرائبها من شهر لآخر، ومن سنة لأخرى. وطبقاً لتعليماته، أقيمت جدرانٌ من لِبْن ومحاريب معقودة في مقابر (مونته سانتو) و(انترة ريوس) و(اباديا) و( باراكاو) واحتفل بالموت بطقوس جنائزية جليلة في (ايتاييكورو) و(كومبي) و(ناتوبا) و(موكامبو). وشهراً فشهراً، وسنة بعد سنة، عمرَّت مواعظه ليالي (الاغوانياس) و(اواوا) و(ياكوبينا) و(ايتابيانا) و(كامبوس) و(اتيابيانينيا) و(جيرو) و(رياخاو) و(لاغارتو) و(سيماو – داياس). لقد بدت تعليماته حسنة في عيون الجميع، وهكذا أخذ الرجل الذي كان يبدي مثل هذهِ النصيحة يُعْرَف بالمرشد في بلدة واحدة أولاّ، ثم في أخرى وأخيراً في جميع مدن الشمال على الرغم من حقيقة أن اسمه كان "انقونيو فيسنته" ولقبه "منسس ماسييل".
* *
ثمة مشبك خشبي يفصل بين النساجين وسائر مستخدمي صحيفة "جورنال دي نوتيسياس" (التي كان اسمها مكتوباً بحروف غوطية كبيرة فوق المدخل) عن الأشخاص الذين كانوا يفدون إلى مكاتبها لينشروا إعلاناً في صفحاتها أو يأتوا بخبرٍ ما. لا يوجد أكثر من أربعة أو خمسة مخبرين صحفيين ضمن منتسبي الصحيفة. أحدهم يراجع معلومات في خزانة إضبارات مثبتة داخل الجدار. وينهمك اثنان في حديث نشيط وقد نضوا عنهما سترتي بليتهما، لكن من دون خلع ياقتي قميصيهما المنشّاتين أو رباطيهما الفراشيَّي الشكل. ثمة تقويم على الجانب يري التاريخ – الجمعة 2 تشرين الثاني 1896. هناك أيضاً شخص آخر، شاب يافع ونحيل، ذو نظارة سميكة من النوع الذي يستعمله الذين يعانون من قصر البصر الحاد، جالس إلى منضدة، يكتب ببراعة ريشٍ، من دون أن يأبه بما هو جار حوله. في النهاية القصية للغرفة، يوجد مكتب رئيس التحرير، يتقدمه باب من زجاج. هناك رجل يرتدي الحافة الأمامية لقبعة وكُمَّيْن من السليلويد يخدم صفاً من الزبائن عند نضد الإعلانات المبَّوبة. لقد ناولته إحدى النساء إعلاناً تواً. يبلل أمينُ الصندوق سبابته ويعدّ الكلمات: حُقَنُ (جيفوني) الشرجية/ تشفي من السيلان والبواسير، ومرض (الزهور البيض) وجميع أمراض المجاري البولية/ تحضير السيدة أ.دي كارفاليو/ رقم 8، شارع ماركو الأول. ويُعْلِمُها بالسعر. تدفع السيدة المبلغ وتضع فضلة النقود في جيبها. وبينما تغادر النضد، يتقدم الشخص المنتظِر خلفها، ويتناول أمين الصندوق قطعة ورق. يرتدي هذا سترة (الفراك) السوداء التي تبلغ الركبتين وقبعة سوداء مستديرة يدل مظهرها على البلى، هناك خصلاتٌ حمر تغطي أذنيه. إنه رجل ممتلئ أقرب إلى الطول، متين الكيان، عريض المنكبين. يحصي أمين الصندوق الكلمات في الإعلان مجرياً إصبعه عبر الورقة ثم يعبس فجأةً ويرفع إحدى أصابعه ويدني النص من عينيه كما لو كان يخشى أن يكون قد اخطأ في قراءته. وأخيراً ينظر محتاراً إلى الزبون الواقف من دون حراك كأنه تمثال. تطرف عينا أمين الصندوق غير مرتاحتين، ثم يوْمئ إلى الرجل أن ينتظر. يمشي متثاقلاً عبر الغرفة، والورقة تتدلى من يده، وينقر بمفاصل سلامياته على الباب الزجاجي لمكتب رئيس التحرير ويدخل. يظهر ثانية بعد بضع ثوانٍ ويومئ للزبون أنْ ادخُلْ، ثم يقفل راجعاً إلى عمله. يعبر الرجل المرتدي بدلة سوداء المكتب الأمامي لجريدة (الجورنال دي نوتيسياس) وكعبا حذاءيه يرنّان كأنه قد انتعل حدوتي حصان. وإذ يلج المكتب الصغير الكائن في الخلف، المملوء بالصحف والنشرات الدورية والدعاية للحزب (التقدمي الجمهوري) مثل: (برازيل متحدة)، (وطن قوي)، يجد في انتظاره رجلاً ينظر إليه بفضول ودود، كما لو كان نوعاً ما من الحيوان النادر. الرجل مرتدٍ بدلةٍ رمادية وجزمة، وجالسٌ خلف المنضدة الوحيدة في الغرفة. إنه شاب أسود الشعر، ذو مظهر نشيط.
يقول: (أنا "ايبامينونداس غونثالفس"، محرر هذه الصحيفة وناشرها. ادخل) ينحني الرجل المرتدي سواداً انحناءة قليلة، ويرفع يده إلى قبعته، لكنه لا يخلعها ولا يقول كلمة. يسأل الناشر، ملوّحاً بالورقة الصغيرة: (تريد منا أن نطبع هذا أليس كذلك؟).
يومئ الرجل المرتدي سواداً. له لحية صغيرة حمراء بمثل لون شعره، وعينان نفاذتان، براقتان، زرقاوان. فمه العريض راسخ الموضع، ومنخراه المتوهجان يبدوان كأنهما يستنشقان هواء يفيض عن حاجة بدنه. يغمغم ببرتغالية كسِرة: (بشرط ألا تكلف أكثر من "ميلريسين". فذلك هو رأسمالي كله).
يجلس "ايبامينونداس" في موضعه كما لو كان غير متيقن مما إذا كان ينبغي عليه أن يضحك أو يغضب. يقف الرجل حيث هو ببساطة مراقباً إياه، وعليه سيماء الجد التام. يحلّ الناشر المشكلة برفع قطعة الورق قرب عينيه. يقرأ عالياً وببطء: "جميع محبي العدالة مدعوون لحضور تظاهرة عامة للتضامن مع مثالييَّ (كانودوس) وثوار العالم كافة، ستُعقد في (براكادي لبرداد)، في الرابع من تشرين الأول في الساعة السادسة بعد الظهر". ثم يقول: (هل لي أن أسأل من الداعي إلى عقد هذا الاجتماع؟). يجيب الرجل من فوره (أنا، في الوقت الحاضر. فإن أرادت صحيفة (جورنال دي نوتيسياس) أن تمد يد العون فذلك شيء رائع). (ينطق الكلمة الأخيرة باللغة الإنكليزية). يدمدم "ايبامينونداس" ضارباً المكتب بعنف: (أتعلم ما فعل أولئك القوم، هناك في "كانودوس"؟. إنهم يحتلون أرضاً لا تعود لهم، ويحيون حياة عابثة كالحيوانات) يجيب الرجل المرتدي سواداً، مؤكداً، بإيماءة راضية من رأسه: (شيئان يستحقان الإعجاب. ذلك هو السبب الذي جعلني أقرر إنفاق دراهمي على هذا الإعلان العام).
يلبث الناشر جالساً في صمت، برهة. يتنحنح قبل أن يعاود الكلام: (هل لي أن أسأل من أنت يا سيدي؟).
ومن دون تبجح أو مباهاة، وبقليل القليل من الوقار، يعّرف الرجل نفسه بهذهِ الكلمات: (مناضل في سبيل الحرية يا سيدي. هلاّ نشرت الإعلان؟).
يجيب "ايبامينونداس" وقد غدا سّيد الموقف: (مستحيل يا سّيد. إن السلطات في "باهيا" تنتظر حجة لا غير لتغلق صحيفتي. إنهم لا يزالون ملكيين بالرغم من تملقهم الجمهورية. أحسب أنك قد أدركت أننا أصحاب الصحيفة اليومية الجمهورية الصادقة الوحيدة في هذه الولاية كلها).
يضيف الناشر قائلاً وهو يناوله قطعة الورق ثانية: (أنصحك ألاّ تأخذ هذا الإعلان إلى صحيفة "دياريو دي باهيا". إنها تخص البارون "دي كانابرافا" مالك "كانودوس" الحق. سيكون مآلك السجن).
ومن دون كلمة وداع واحدة، يستدير الرجل المرتدي سواداً ويغادر المكتب، واضعاً الإعلان في جيبه، ثم يجتاز مكتب الصحيفة الخارجي من دون أن يلقي نظرة على أحد، مغادراً حتى بلا إيماءة من رأسه، ولوقع قدميه دويٌّ رنان، ويكتفي بإلقاء نظرة من زاوية عينه بمنظره الظليّ الكئيب وشعره الأحمر الناري على الصحفيين والعملاء الذين كانوا يقدمون إعلاناتهم المدفوعة الأجر. ينهض الصحفي الشاب ذو النظارة السميكة التي يستعملها ذوو النظر القصير جداً من مكتبه بعد أن تجاوزه هُذا، ويتوجه إلى مكتب رئيس التحرير وبيده صحيفة من الورق الأصفر، حيث يجلس "ايبامينونداس" وهو لا يزال يراقب كلّ حركة من حركات الغريب وهو يغادر المكان.
يقرأ عالياً وهو يقف في المدخل: (بأمر حاكم ولاية "باهيا"، فخامة السنيور "لويز فيانا" غادرت سرية من فوج المشاة التاسع بقيادة الملازم "بيرسي فريرا" "سلفادور" اليوم حيث انيطت بها مهمة انتزاع "كانودوس" من يد العصابات التي احتلت الولاية واسر زعيمها "انتونيو كونسليرو" السباستياني. على الصفحة الأولى أم في الداخل، سيدي؟).
يجيب رئيس التحرير: (لتُنَضَّد تحت بيانات النعي والقّداس) ثم يشير نحو الشارع حيث اختفى الرجل المرتدي سواداً قائلاً: (أتعرف من هو ذلك الشخص؟) يجيب الصحفي قصير البصر: ("غاليليوغال": اسكتلندي يتجول سائلاً الناس في "باهيا" إن كان من الممكن أن يتحسس رؤوسهم).
*
لقد ولد في (بومبال)، ابناً لصانع أحذية وخليلته – كانت الأخيرة كسيحة أنجبت على الرغم من عوقها ثلاثة صبيان قبله، ثم بنتاً صغيرة بعده عاشت متجاوزة الجفاف. لقد سمّوه "انتونيو"، ولو كان في الدنيا شيء اسمه المنطق، ما كان عليه إن يستمر في الحياة قطّ. ذلك أنه كان لا يزال طفلاً يزحف على الأربعة حين وقعت الكارثة التي دمرت المنطقة وقضت على المحاصيل والرجال والدواب. وبسبب الجفاف هاجر جميع سكان (بومبال) تقريباً إلى الشاطئ، لكن "تيبور جيودي موتا"، الذي لم يكن قد سافر في حياته التي امتدت نصف قرن مسافة تبعد أكثر من فرسخ عن تلك القرية التي لم تكن فيها قدمان لم ترتديا أحذية من صنع يديه، أعلن أنه غير تارك داره. وظل أميناً على قراره، ماكثاً هناك في (بومبال) مع أربعة وعشرين شخصاً في الأكثر. ذلك أنه حتى إرسالية الآباء (اللازاريين) هجرت المنطقة كلية.
حين شرع المهاجرون من (بومبال) في العودة بعد عام، متشجعين بالأنباء القائلة إن الأراضي المنخفضة قد غمرتها المياه ثانية وإن بالإمكان إعادة زرع الحبوب، كان "تيبور جيودي موتا" قد مات ووري التراب، وكذلك محظيته الكسيحة وأولادهما الكبار الثلاثة. كانوا يقتاتون على أيّ شيء يؤكل، وحين نفذ ذلك كلّه أخذوا يقتاتون على أي شيء أخضر، وأخيراً على أيّ شيء تستطيع الأسنان مضغه. لقد أكد قسيس الأبرشية "دوم كاسيميرو" الذي كان قد دفنهم الواحد بعد الآخر أنهم لم يموتوا جوعاً، بل غباءً وذلك بأكلهم الجلود الموجودة في حانوت الإسكافي، وشربهم مياه (لاغوا دو بوي) حيث تتوالد البعوض والأوبئة التي كانت حتى صغار المعز تتجنبها. توّلى "دوم كاسيميرو" إيواء "انتونيو" وأخته الصغيرة وإبقاءهما على قيد الحياة على حمية من الهواء والصلوات، وحين امتلأت بيوت القرية بالناس ثانية سعى ليجد مسكناً لهما.
آوت الصبيةَ الصغيرة عّرابُتها، فكانت هذه تصطحبها معها حين كانت تذهب إلى عملها في إحدى المقاطعات العائدة للبارون "دي كانا برافا". أما "انتونيو" الذي بلغ الخامسة من عمره آنذاك فقد تبناه صانع الأحذية الآخر في (بومبال" المعروف بالأعور – إذ فقدَ العين الأخرى في مشادة في أحد الشوارع – والذي كان قد تعلم صنعته في حانوت الإسكافي "تيبورجيو داموتا" واستورث عملاءه عند عودته إلى (بومبال). كان عكر المزاج، وطالما أسرف في معاقرة الخمرة فينبلج الفجر وهو مضطجع في الشارع في غيبوبة تفوح منه رائحة (براندي) قصب السكر الخام. كانت له زوجة فعلاً، وكان يشغّل "انتونيو" مثل دابة الحمل، كنساً وتنظيفاً ومناولةً المسامير والمقاصيص والسروج والجزم وجلب الجلود من المدبغة. كان ينيمه على جلود الحيوانات بجانب منضدة الشغل حيث كان الأعور يمضي وقته كلّه حين لم يكن يشرب مع رفقائه.
كان اليتيم. نحيلاً، مطيعاً، مجرد جلد وعظام، وذا عينين خجولتين تثيران عطف نساء (بومبال) اللواتي كن، كلما استطعن، يعطينه شيئاً ما ليأكله أو الملابس التي ضاقت على أجسام أولادهن. في أحد الأيام قصد جمعٌ منهن – نصف دزينة من النساء اللواتي كن يعرفن والدته الكسيحة ويقفن بجانبها يثرثرن في الكثير من مناسبات التعميد والتأييد والسهر على الموتى قبل دفنهم والزيجات – دكانَ الاسكافي الأعور لإرغامه على إرسال "انتونيو" إلى صفوف تعليم أصول الدين لإعداده للتناول الأول لقد أدخلن الرعب في نفسه بالقول إن الله سِعّده مسؤولاً لو أن الصبي مات من دون ذلك بحيث وافق على مضضٍ على السماح له بحضور الدروس في الإرسالية كل عصر قبل صلاة المغرب.
عند ذاك حدث شيء غير عادي في حياة الصبي. فبعد مدة قصيرة، ونتيجة للتغيرات التي حدثت في نفسه جراء مواعظ (اللازاريين)، شرع الناس يسمونه (الصغير المبارك). فقد أخذ يخرج من جلسات الوعظ وقد كفت عيناه عن التثّبت بما يحيط به، كأنهما قد تنقّا من الخبث. أشاع الأعور أنه طالما وجده راكعاً في ظلام الليل، باكياً متأسياً لآلام المسيح، وقد استغرقته هذهِ استغراقاً حتى انه – أي الأعور لم يكن ليستطيع إعادته إلى هذا العالم إلا بمرجحته وهزّه بين ذراعيه. وفي ليال أخرى كان يسمعه يتكلم في نومه باهتياج عن خيانة "يهودا" وتوبة "ماريا المجدلية" وعن تاج الشوك. وفي إحدى الليالي سمعه ينذر نفسه لطهارة أبويه، مثلما فعل القديس "فرانس دي سالن" وعمره ثمان سنوات.
لقد وجد "انتونيو" حرفة يتوجب تكريس حياته بكاملها لها، واستمر ينفذ بالانصياع كله جميع أوامر الأعور، لكنه كان يفعل ذلك وعيناه نصف مغلقتين، محركاً شفتيه على نحوٍ أدرك به الجميع أنه كان يصلي فعلاً وإنْ كان يكنس أو ينتقل متعجلاً داخل حانوت الاسكافي أو يمسك نعل الحذاء الذي كان الأعور يسمّره. لقد اقلق مسلك الصبي أباه بالتنشئة وأرعبه. فقد أقام (الصغير المبارك) تدريجياً في الزاوية التي كان ينام فيها محراباً ذا صور مطبوعة أعطيت له في الإرسالية وصليباً من خشب (الزيك ذيك) نحته وصبغه بيديه. كان يوقد شمعة قبالته كي يصلي عند نهوضه صباحاً وحين يأوي إلى الفراش ليلاً ويقضي وقت فراغه كله راكعاً أمامه شابكاً يديه ومبدياً الندم، بدلاً من التسكع في المراعي والذهاب لامتطاء الخيول الجامحة من دون سرج وصيد الحمام أو المشاهدة إخصاء الثيران كما يفعل صبية (بومبال) الآخرون. بعد التناول الأول، أصبح صبيَّ المحراب لـ"دوم كاسيميرو"، وحين توفي هذا، استمر في خدمة القداس للآباء (اللازاريين) في الإرسالية، ولو أنه كان يضطر إلى السير مسافة فرسخ يومياً ذهاباً وإياباً كي يفعل ذلك. كان يهز المبخرة في المواكب، ويساعد في تزيين المنصات المحمولة والمحاريب في نواصي الشوارع حيث كانت العذراء ويسوع المبارك يتوقفان للاستراحة. كان إخلاصه الديني عظيماً عظمة طيبة. كان مشهداً مألوفاً بالنسبة إلى أهالي (بومبال) رؤيته يخدم دليلاً لـ"ادولفو" البصير الذي كان يخرج به أحياناً إلى أراضي رعي المهور العائدة للعقيد "فريرا" حيث كان "ادولفو" قد اشتغل حتى أصيبت عيناه بالسُّدْ*، وهما اللتان يفتقدهما الآن بشدة كل يوم من أيام حياته. كان (الصغير المبارك) يأخذه من ذراعه ويقوده عبر الحقول، ماسكاً عصا بيده لينكش القاذورات اتقاءً للأفاعي، وهو ينصت إلى قصصه صابراًُ. كذلك كان "انتونيو" يجمع الطعام والكساء للأبرص "سيمياو" الذي كان يعيش كحيوان البراري منذ حرّم عليه القرويون الاقتراب من أي مكان قريب من (بومبال). كان (الصغير المبارك) يأتيه أسبوعياً بصُرّة من قطع صغيرة من الخبز والحم المقَدَّد ومختلف الحبوب التي كان قد استجداها من أجله. وكان القرويون يشددون الرقابة عليه من بعيد وهو يقود الرجل العجوز ذا الخصلات الطويلة والقدمين العاريتين والذي لم تكن تستره سوى جلدة حيوان صفراء، بينما كان يسلك سبيله بين الرحاب الصخرية على التل حيث يوجد كهنة. كان (الصغير المبارك)، حين رأى (المرشد) أول مرة، يبلغ من العمر أربع عشرة سنة. وكان قد عانى خيبة أمل فظيعة قبل بضعة أسابيع فقط فقد كان الأب "مواريس" الذي يعمل في الإرسالية (اللاناراية) قد ألقن بماء بارد على أعز أحلامه بإخباره أن ليس بمقدوره أن يكون قسيساً لأنه مولود خارج رباط الزوجية. إلا أنه واساه بأن أوضح له أن في مقدور المرء، مع ذلك، أن يخدم الله حتى دون تلقي الأسرار المقدسة، ووعده أن يتخذ كل ما يستطيع من خطوات لصالحه لدى أحد الاديرة (الكابوتشية) التي قد ترغب في إيوائه راهباً غير مرسوم. بكى (الصغير المبارك) في تلك الليلة منتحباً من الصميم إلى درجة أثارت غضب الأعور فضربه ضرباً مبرحاً لأول مرة منذ سنوات عدة. وبعد عشرين يوماً، ظهرت تحت شمس الظهيرة الوهاجة، وفي شارع (بومبال) الرئيس، قامة شخص نحيل، أسمر، ذي شعر أسود وعينين براقتين، يلفه رداء أرجواني غامق ويتبعه نصف دزينة من الناس الذين كانوا يبدون كالشحاذين وإن بانت السعادة على وجوههم. مضى موسعاً الخطى عبر المدينة متجهاً مباشرة صوب كنيسة اللبن الصغيرة العتيقة ذات الآجر السقفي الملتوي، والتي آلت إلى حالٍ مؤسف من الخراب عقب وفاة "دوم كاسيميرو" حتى أن الطيور بنت أعشاشها بين التماثيل. شاهد (الصغير المبارك)، مثل كثير من القرويين، ذلك الحاج يتمدد على الأرض منكفئ الوجه ليصلي فيقلّده أتباعه. وفي عصر ذلك اليوم سمعه يعظ حول خلاص الروح، ويذمّ الكفار ويتنبأ بالمستقبل.
لم ينم (الصغير المبارك) تلك الليلة في دكان الاسكافي، بل في ساحة (بومبال) العامة مع الحجاج الذين كانوا قد استلقوا على الأرض الجرداء متحلقين حول القديس. وفي الصباح التالي، وبعد الظهر، وفي كل يوم من أيام مكوث القديس في (مومبال) كان (الصغير المبارك) يعمل بجانبه وأتباعه، مصلّحاً قوائم المصاطب المتكسرة وظهورها في الكنيسة الصغيرة، مسوياً أرضيتها، ومقيماً جداراً حجرياً لإحاطة المقبرة التي كانت حتى ذلك الوقت لساناً من الأرض زاحفاً إلى الخارج داخل البلدة. كان يجلس القرفصاء على عقبيه قبالته في كل ليلة منصتاً في استغراق ذاهل إلى الحقائق الخارجة من بين شفتيه.
لكنْ حين استأذن "انتونيو"، (الصغير المبارك)، في الليلة قبل الأخيرة من مكوث (المرشد) في (بومبال) الأخير لمرافقته إلى أي مكان قد تقوده حجته إليه قالت أولاً عينا القديس الحادتان والثلجيتان في الوقت نفسه ثم فمه ثانياً: كلا. فأجهش (الصغير المبارك) بالبكاء بكاءً مراً، وهو راكع قبالة (المرشد). كان الوقت متأخراً جداً ليلاً، و(بومبال) مستغرقة في سبا عميق كما كان حال الحجاج المتلفعين بالخرق ومهلهل الثياب، والمتكدس بعضهم لصق بعض. لقد انطفأت المشاعل. لكن النجوم كانت تسطع متلألئة فوق الرؤوس وكان صوت حشرات الزيزان مسموعاً. أَذِنَ (المرشد) له بالبكاء وسمح له بتقبيل حاشية ردائه، ولم يتغير تعبيره حين تضّرع (الصغير المبارك) إليه ثانية أنْ يسمح له بأن يتبعه لأن فؤاده قد أنبأه أنه بذلك سيخدم المسيح المبارك على نحو أفضل. تشبث الصبي بكاحلي (المرشد) وقبّل قدميه المخشوشنتين مرات عدة. وحين رأى (المرشد) أن الصبي قد تعب وأنهك، تناول رأسه بين يديه وأرغمه على النظر إليه وسأله، موطئاً رأسه ومدنيه قرب رأسه، قائلاً بصوت رزين ما إذا كان يحب الله كثيراً إلى درجة الرضا. بمعاناة الألم، تقدمةً له وتضحية. أومأ (الصغير المبرك) مكرراً، أجل، أجل، أجل، مرات عدة. رفع (المرشد) رداءه، وتمكن الصبي من أن يرى في غبش الفجر الأول، أنه كان يسحب من حول خصره سلكاً مغروساً في لحمه. سمعه يقول: (إلبسه الآن). ساعد (المرشد) نفسه الصغير المبارك) في حلّ ملابسه وتوثيق السلك حول خصره بإحكام، وعقده.
وحين ظهر (المرشد) وأتباعه في (بومبال) ثانية، بعد سبعة أشهر تلفّهم سحابة الغبار – وكانت بعض الوجوه قد تبدّلت، وكثر عدد الأتباع وبينهم في هذه المرة شخص أسود ضخم عارٍ، لكن فقرهم والسعادة البادية في أعينهم كانا من سمات حجاج الماضي – كان السلك لا يزال يلف خصر (الصغير المبارك) وقد اسودّ لحمه وازرقّ ونُشِر نشراً نيئاً، ثم صار مغطى بقشور سود. لم يكن قد خلعه ولا يوماً واحداً. وبما إن السلك كان يتراخى أكثر فأكثر تدريجياً جراء حركة جسمه حسب، فقد تعوّد أن يحكم شدّه ثانية مرة بعد أخرى. كان الأب "مورايس" قد حاول أن يثنيه عن الاستمرار في ارتدائه، موضحاً أن قدراً محدداً من الألم الذي يتحمله الإنسان طواعية يسرّ الله منظراً، لكن تلك التضحية تحديداً قد تغدو، عند تجاوز حد محدود، لذة وبيلة يشجع عليها الشيطان، وأنه في خطر تجاوز ذلك الحدّ في أية لحظة الآن.
بيد أن "انتونيو" عصاه. ففي يوم عودة (المرشد) وأتباعه إلى (بومبال) كان (الصغير المبارك) في المتجر العام العائد لـ(كابوكلو) "اومبرتوسا لوستيانو)، فتوقف قلبه ميتاً في صدره، كما توقف نَفَسُهُ الداخل تواً إلى منخريه حين شاهد (المرشد) يجتازه على بعد أقل من ثلاثة أقدام منه يحيط به مريدوه وعشرات من سكان البلدة، رجالاً ونساءً دونما فرق، ويتجه إلى الكنيسة الصغيرة مباشرة، كما كان قد فعل من قبل. تبعه وشارك الجمع الصاخب الهائج وأخذ، وهو يتحسس قلبه إذ تتسارع نبضاته، ينصت من مسافة معقولة وهو مختف في مزدحم الناس. وفي تلك الليلة أنصت إليه يعظ في ضوء النار في الساحة العامة المزدحمة، وهو لما يزل يخشى التقرب أكثر. كانت (بومبال) كلها هناك هذه المرة الاستماع إليه.
كان الفجر قد أوشك أن ينبلج، وقد ذهب القرويون الذين كانوا قد صلّوا وأنشدوا وجلبوا أطفالهم المرضى إليه كي يطلب إلى الله أن يشفيهم وأنبأوه عن معاناتهم وأحزانهم وتساءلوا عما يخبئ لهم المستقبل، ذهبوا إلى بيوتهم جميعاً، آخر المطاف، وبعد أن تمدد الحواريون على الأرض ليناموا كما كانوا يفعلون على الدوام وهم يستخدمون بعضهم بعضاً وسائد وأغطية، إذ بـ(الصغير المبارك) يقدم وهو يخطو فوق الأجسام المرتدية خرقاً ومهلهل الثياب، في وضع الإجلال الكامل الذي كان يدنو فيه من مائدة العشاء الرباني. وصل إلى الصورة الظليّة للشخص الأسمر المرتدي الرداء الأرجواني الغامق وهو مستلق وقد أسند رأسه ذا الخصلات الطويلة إلى إحدى الذراعين، كانت الجمرات الأخيرة للنار قد أخذت تخبو. تفتحت عينا (المرشد)، وفيما كان (الصغير المبارك) يقترب دانياً – وكان يكرر ذلك دائماً لمستمعي قصته – إذا به يشاهد من فوره في تكلم العينين أن الرجل كان في انتظاره. ومن دون أن ينطق بكلمة واحدة – وما كان بوسعه أن يفعل ذلك – فتح قميصه الصوف الخشن وأراه السلك المشدود بإحكام حول خصره.
بعد النظر إليه بضع ثوان، أومأ (المرشد) من دون أن يطرف له جفن، فبانت على وجهه بسمة عابرة. كان ذلك – كما ظل (الصغير المبارك) يكرر القول مئات المرات في السنين التالية – بمنزلة رفعه إلى درجة الكهنوتية. أشار (المرشد) إلى فسحة صغيرة خالية على الأرض إلى جانبه بدت محجوزة له بين جميع الأبدان التي تزاحمت حوله. تكوّر الصبي هناك مدركاً، من دون حاجة إلى كلمات، أن (المرشد) قد عدّه حرّياً بأن يرحل معه ليقطع دروب هذه الأرض ويجاهد ضد الشيطان. أما الكلاب التي ظلت ساهرة في الخارج طوال الليل، وأوائل المستيقظين في (بومبال)، فقد سمعوا (الصغير المبارك) لا يزال يبكي طويلاً، من دون أن يرتابوا في أن ما سمعوه كان نشيج السعادة.
* * *
ما كان اسمه الحقيقي "غاليليوغال". كان في الحقيقة مناضلاً في سبيل الحرية أو، كما كان يصف نفسه، ثورياً ومختصاً بفراسة الجمجمة*. كان يتعقبه حُكْمان بالموت أينما ذهب، كما كان قد قضى خمساً من سنوات عمره الست والأربعين في السجن. كان قد ولد منتصف القرن، في بلدة في جنوب اسكتلنده حيث كان أبوه – يمارس الطب وقد حاول عبثاً تأسيس ناد للمخيَّرين الأحرار لينشروا أفكار "برودون" و"باكونين"**. وكما يترعرع الأطفال وهم يستمعون إلى قصص الجن والحوريات ترعرع وهو يسمع أن الملَكَية أصل الشرور الاجتماعية كلها وأن الفقراء لن يفلحوا في تحطيم قيود الاستغلال والظلامية كلها إلا باستخدام العنف.
كان أبوه حواريَّ رجلٍ كان يعدّه واحداً من أجلّ علماء زمانه: "فرانزجوزيف غال"، وهو عالم تشريح وفيزيائي ومؤسس علم فراسة الجماجم. فينما لم يكن هذا العلم بالنسبة إلى أتباع "غال" الآخرين سوى الاعتقاد بأن الفكر والغريزة والأحاسيس هي أعضاء متموضعة في القشرة الدماغية ويمكن تحسسها وقياسها، فإن هذا النظام كان بالنسبة لوالد "غاليليو" يعني موت الدين والتأسيسَ التجريبي لمذهب المادية والدليل على أن العقل لم يكن كما كان البعبعُ الفلسفي قد صوّره، شيئاً غير ملموس وغير قابل للوزن، بل بالعكس: إنه أحد أبعاد الجسم، مثل الحواس، ومن ثم فإنه قابل، مثلها للدراسة والمعالجة السريرية. ومنذ اللحظة التي بلغ فيها ولد الاسكتلندي سن الرشد، طبع هذا في ذهنه المبدأ البسيط الآتي: ستحرر الثورة المجتمع من محنه، في حين يحرر العلمُ الفردَ من معاناته. ولقد عقد "غاليليو" العزم على أن يكرس حياته للنضال في سبيل هاتين الغايتين.
ونظراً لأن أفكار والده المتطرفة قد جعلت الحياة صعبة بالنسبة إليه في اسكتلنده فأنه استقر في جنوب فرنسا، حيث أوقف منذ سنة 1868 لمساعدته عمال معامل الغزل في (بوردو) في أثناء أحد الإضرابات، وأرسل إلى (كايين) حيث توفي. وفي السنة التالية، سجن "غاليليو" بتهمة المساعدة في إضرام النار في إحدى الكنائس. كان القساوسة أكره الناس إليه، بعد الجنود والصيارفة. بيد أنه هرب بعد بضعة أشهر، وشرع يعمل مع طبيب كان صديقاً لأبيه. في ذلك الوقت تماماً غير اسمه إلى "غاليليوغال" بسبب معرفة الشرطة اسمَهُ جيداً وشرع ينشر خطرات سياسية صغيرة ومقالات في العلم الشعبي في صحيفة المدينة (ليون) اسمها (شرارة الثورة).
من الأمور التي كانت مبعث فخره حقيقة كونه قد ناضل من آذار إلى أيار من العام 1871 مع أعضاء (كوميونة) باريس من أجل حرية الإنسانية. وقد شاهد بأم عينه ذبح ثلاثين ألف رجل وامرأة وطفلة عل أيدي قوات "تيير". لقد حكم عليه بالموت هو الآخر، لكنه تمكن من الهرب من الثكنة العسكرية التي كان مسجوناً فيها قبل الإعدام، مرتدياً بزة عريفٍ سجان كان قد قتله. قصد (برشلونة) ومكث هناك سنوات عدة يدرس الطب ويمارس علم فراسة الجمجمة مع "ماريا نوكوبي"، العالم الذي كان يفاخر بمقدرته على كشف أكثر سمات الإنسان وميوله غموضاً بمجرد أن يجري أطراف أصابعه على رأسه مرة واحدة فقط. كان "غاليليوغال" قد اجتاز امتحاناته على ما بدا. وكان على وشك أن يتسلم شهادته الطبية حين دفعه من جديد عشقه للحرية والتقدم، أو خياره كمغامر، إلى النضال وحياة الحركة التي لا تسكن، فيهاجم وزمرةً من رفاقه الذين نذروا أنفسهم للفكرة مثله، ثكنة (مونتيويس) في إحدى الليالي ليثيروا العاصفة التي كان من شأنها أن تهزّ أركان أسبانيا كما كانوا يظنون. لكن شخصاً ما كان قد وشى بهم فاستقبلهم الجنود بوابل من الرصاص. رأى رفاقه يُصْرَعون واحداً إثر الآخر وهم يقاتلون. وحين أُسر أخيراً، كان مصاباً بجروح عدة. حكم عليه بالموت. ولكن، لما كان القانون الأسباني ينص على أن الجريح لا يجوز إعدامه بمخنقة الحديد، تقرر إشفاؤه قبل إعدامه. ثم ساعده أصدقاء ومتنفذون على الفرار من المستشفى وزودوه بأدوات مزيفة ووضعوه على متن إحدى سفن الشحن.
لقد سافر مجتازاً الكثير من الأقطار... قارات كاملة، وكان على الدوام مخلصاً لأفكار طفولته. كان قد تحسسّ جماجم صفراً وسوداً وحمراً وبيضاً، وتناوب في عكوفه على العمل السياسي والمساعي العلمية على وفق ظروف الآونة. وفي مراحل هذه الحياة كافة، حياة المغامرات والسجون وتبادل الكلمات، والجلسات السرية، والهروب، والنكسات كان يخربش دفاتر تؤيد وتغني بالأمثلة تعاليم أساتذته: والده، "برودون"، "غال" "باكونين"، "سبورتسهايم"، و"كوبي". لقد صفعوه في سجون تركيا ومصر والولايات المتحدة لهجومه على النظام الاجتماعي والدين. لكنه بفضل نجمه المحظوظ وهزئه بالمخاطر لم يمكث وراء القضبان طويلاً قطّ. في العام 1894 كان هو الضابط الطبيبَ في باخرة ألمانية تحطمت غير بعيد عن ساحل (باهيا). وما بقي منها ظل جانحاً على الساحل أبد الدهر قبالة (ساوبيدرو). كانت قد مضت ست سنوات فقط على إلغاء البرازيل نظام الرق، وخمس منذ انتهى عهد الإمبراطورية وغدت جمهورية. لقد فتنه خليط عروقها وثقافتها وفورانها الاجتماعي والسياسي وحقيقة كونها مجتمعاً تمازجت فيه على نحو حميم كل من أوربا وأفريقيا وشيء آخر لم يكن قد لقيه من قبل قط. قرر البقاء. لم يكن يستطيع مزاولة مهنة الطبيب لعدم حيازته على شهادة طبية، ولذلك كان يكسب رزقه، كما فعل في أماكن أخرى بإعطاء دروس في لغات مختلفة والقيام بأعمال متعددة إضافية. ومع أنه كان يجوب البلاد كلّها فانه كان دائم العودة إلى (سلفادور)، حيث كان يمكن العثور عليه في (لفرايا كاتلينا)، أو في أفياء نخيل (مرادور الحزين)، أو في حانات البحارة في أدنى المدينة، مبيناً لكل من يعقد محادثة معه أن جميع الفضائل متساوية لو كان العقلُ محورَ الحياة بدلاً من الإيمان، وأن الشيطان، الثائر الأول، وليس الربّ هو أمير الحرية الحق، وأنه ما إن يتم تدمير النظام القديم بالعمل الثوري، حتى يزدهر المجتمع الجديد، الحر والعادل، تلقائياً. ومع أنه كانت ثمة فئة تصغي إليه إلاّ أن الناس، عموماً، لم يكونوا على ما بدا ليأبهوا به كثيراً.
(2)
وقت الجفاف الكبير عام 1877، وفي اثناء أشهر المجاعة والأوبئة التي قضت على نصف رجال المنطقة ودوابها، لم يعد (المرشد) يسافر وحيداً، فقد كان يرافقه، أو بالأحرى يتبعه (كان نادراً ما يبدو شاعراً بالقافلة البشرية التي تتعقب اثره) – رجال ونساء تخلوا عن كل ما يملكون ليمضوا معه – بعضهم لأن وعظه كان قد هسَّ شغاف أرواحهم، وآخرون يدفعهم الفضول أو مجرد الاستمرارية. ظل بعضهم برفقته بعض الطريق، وبدا القليل جداً منهم مصمماً على ملازمته أبداً، مضى يتنقل على الرغم من الجفاف وعلى الرغم من أن الحقول قد انتثرت عليها رمم الماشية التي تنقر فيها النسور، وبالرغم من أن قرى شبه خالية كانت ترحب به.
إن حقيقة انحباس المطر كلياً طوال عام 1877، وجفاف الأنهر، وظهور مالا يقع تحت الحصر من قوافل المهاجرين في الأراضي الخفيضة الأشجار وهم يحملون سقط متاعهم المزري في عربات مغطاة بقماش القنّب أو على ظهورهم وهم يجوبون البراري بحثاً عن الماء والطعام، لم تكن أفظع شيء اتسم به ذلك العام الشنيع، على الأرجح. فان لم يكن الأمر كذلك فلعل الأفظع كان عصابات قطاع الطرق والأفاعي التي كانت تظهر فجأة في كل مكان من الأراضي الخلفية في الشمال. كان هناك على الدوام رجال يجيئون إلى المزارع ليسرقوا الماشية ويتبادلوا النيران مع الأزلام المأجورين لدى ملاك الأراضي، ولينهبوا القرى القصية. أولئك خارجون عن القانون كانت فرق من الشرطة السيّارة تتصيدهم عند قدومهم بين آن وآن إلى الأراضي الخلفية. بيد أن عصابات الخارجين عن القانون تكاثرت مع القحط تكاثر الأرغفة والأسماك في الإنجيل. كانوا يحطون، مفترسين: قتلةً، على البلدات التي سبق أن قضت النكبة على عشر سكانها، بغية السطو على آخر ما تبقى من طعام السكان وملابسهم ومتاع مساكنهم، ممطرين كل من يتجرأ على اعتراضهم بوابل الرصاص.
بيد انهم لم يمسّوا (المرشد) بسوء قط، سواء بالقول أو بالفعل. كانوا يلقونه في مسالك الصحراء أو وسط الصخور والصبّار أو تحت سماء ملبدة بالغيوم أو بين الشجار الخفيضة المتشابكة حيث ذبلت الشجيرات التحتية وبدأت جذوع الأشجار في التشقق. كان الخارجون عن القانون، سواء كانوا عشرة أم عشرين من رجال العصابات المسلحين بكل نوع من أنواع السلاح القادر على القطع والخرق والشق والتمزيق، يلمحون الرجل النحيل ذا الرداء الأرجواني الذي كانت عيناه الجليديتان الاستحواذيتان تكتسحهم بلا مبالاتهما المعتادة برهة واحدة، ثم يمضي مستمراً في أداء الأشياء نفسها كما هو الحال دوماً: الصلاة والتأمل، والمشي وإبداء المشورة. كان الحجاج تشحب وجوههم عند رؤيتهم عصابة العصاة ويتجمعون متزاحمين حول (المرشد) تزاحم الفراخ حول الدجاجة الأم. وإذ يلاحظ قطاع الطرق الفقر المدقع لهؤلاء يمضون في سبيلهم. لكنهم كانوا يتوقفّون أحياناً حين يشخصون القديس، الذي كانت تنبؤاته قد طرقت أسماعهم. لم يكونوا ليقاطعونه حين يصلّي، بل كانوا ينتظرونه حتى يتنازل فيحسّ بوجودهم. وأخيراً يشرع بالتحدث إليهم بذلك الصوت العميق الذي كان من دون ريب يصل إلى قلوبهم بأقصر الطرق. كان يقول لهم أشياء يستطيعون فهمها، حقائق يستطيعون الإيمان بها: إن هذه الكارثة هي بلا شك أول نذير بوصول (المسيح الدجَّال) والدمار الذي يسبق بعث الموتى ويوم الدينونة. فإذا كانوا يبغون خلاص أرواحهم عليهم أن يعدو أنفسهم للمعارك التي سيخوضونها حين تنتشر الشياطين المطيعة لـ(المسيح الدجّال) – الذي سيكون (الكلب الأكبر) نفسه وقد ظهر على الأرض ليستنفر المرتدين – في الأراضي الخلفية انتشار النار في الهشيم. كان رجال العصابات يتأملون في كلماته مثلما يفعل رعاة البقر وفقراء العمال والمعتوقون والعبيد، وندم بعضهم، مثل "ياجو" ذي الوجه المشروط و "بيدراو" الوحش الضخم وحتى "جواو الإبليس" الذي يفوق الجميع في تعطشه إلى الدم... ندموا على أفعالهم الشريرة وانقلبوا أخياراً، وتبعوه.
وكما كان الأمر بالنسبة إلى قطاع الطرق، فقد اكتسب احترام الأفاعي ذوات الأجراس التي ظهرت في الحقول بالآلاف بسبب الجفاف كأنما بمعجزة. تخلت هذه الزواحف الطويلة، الملتوية، الساعية، ذوات الرؤوس المثلثة عن جحورها وهاجرت كالبش، هي الأخرى. وفي أثناء هروبها كانت تقتل الأطفال والعجول والماعز ولا تخشى دخول المستوطنات في وضح النهار بحثاً عن الطعام. كانت من الكثرة بحيث لم يكن هناك عدد كاف من طيور (الأكوا) للقضاء عليها. وفي تلك الأيام المقلوبة لم يكن منظراً نادراً رؤية أفاع تلتهم ذلك الطير الجارح بدلاً من رؤية (الأكوا) يطير وفي منقاره فريسته الأفعى، كما في الأيام الخوالي. كان لابدّ لأهالي الأراضي الخلفية أن يجوبوا ليلاً ونهاراً متسلحين بالهروات ومناجل القصب. كان هناك مهاجرون تمكنوا من قتل مئة أفعى ذات أجراس في يوم واحد. بيد أن (المرشد) استمر بالرغم من ذلك، في النوم على الأرض كلما داهمه الليل. وفي إحدى الأمسيات أوضح لأصحابه عند سماعه إياهم يتحدثون عن الأفاعي إن مثل ذلك الشيء لم يكن قد حدث لأول مرة. فعند عودة بني إسرائيل إلى موطنهم من مصر وتذمرهم من مصاعب الصحراء، أصابهم الرب ببلاء من الأفاعي عقاباً، فتشفع موسى لبني إسرائيل، فأمره الرب بصنع أفعى من البرونز ما كان عليهم إلا أن يحدقوا فيها ليبرأوا من اللدغ. هل ينبغي عليهم أن يفعلوا الشيء نفسه؟. كلا، فالمعجزات لا تتكرر. لكن من المؤكد أن ينظر الرب إليهم متلطفاً لو حملوا معهم أينما ذهبوا صور ابنه كتعويذة. ومنذ ذلك الوقت أخذت امرأة من (مونته سانتو) اسمها "ماريا كوادرادو" تحمل في صندوق زجاجي قطعة قماش عليها صورة سيدنا يسوع رسمها صبي من (بومبال)، أكسبه تقواه اسم (الصغير المبارك). ولابد أن يكون هذا العمل قد أرضى الربّ لأن الأفاعي لم تلدغ أياً من الحجاج منذ ذلك الحين.
لقد نجا (المرشد)، كذلك، من الأوبئة التي اقتاتت نتيجة الجفاف والقحط في الاشهر والسنين التالية على لحم الذين تمكنوا من البقاء أحياءً. فقد أجهضت النساء بُعَيْدَ الحمل، وسقط شعر الأطفال وأسنانهم، وأخذ البالغون على حين غرة يبصقون ويتغوطون دماً، وينتفخون بالأورام، أو يعانون من طفح يجعلهم يتلون على الحصباء مثل الكلاب الجرباء. أما الرجل النحيف، النحيل كقضيب سكة حديد، فقد مضى في سبيل حجته وسط الأوبئة والموت الجماعي، معصوماً، هادئاً، مثل قبطان سفينة مخضرم يناور العواصف بمهارة في طريقه إلى ميناء آمن. أي ميناء كان (المرشد) يقصد بترحاله هذا الذي لا ينتهي؟ لم يسأله أحد ولم يقل هو، ولعله ما كان يعلم. كان يرافقه الآن عشرات من الأتباع الذين نبذوا كل شيء ليكرسوا أنفسهم للحياة الروحانية. كان (المرشد) وحواريوه يعملون من دون انقطاع خلال أشهر الجفاف الكثيرة: يدفنون موتى الجفاف أو المرض أو العذاب الذين التقوهم على حفافي الطرق، جثثاً متفسخة كانت طعاماً لوحوش البَرَّ، بل وللبشر. صنعوا التوابيت وحفروا القبور لأولئك الأخوات والأخوان. كانوا مجاميع متنافرة، خليطاً مشوشاً من الأعراق والخلفيات والحرف. فمنهم بيضٌ يرتدون الجلود كلياً ويكسبون رزقهم برعي قطعان "العقداء"، مالكي مراعي المواشي الشاسعة، ومنهم هنود حمر أصليون ذوو جلود محمرَّة كان أجداد أجدادهم يجولون أنصاف عراة ويأكلون من قلوب أعدائهم، ومنهم موّلدون كانوا يعملون ناظري مزارع أو سمكريين أو حدادين أو إسكافيين أو نجارين، ومنهم خلاسيّون وزنوج هربوا من مزارع القصب على الساحل، ومن المخلعة، والمقيدة*، والسوط المصنوع من قضيب الثور، والماء المالح المسكوب على آثار السياط المسلوخة، وعقوبات أخرى مبتكرة للعبيد في معامل السكر. وهناك النسوة، صغاراً وكباراً، اللواتي كن دائماً أول من تتأثر قلوبهن تعاطفاً عند الوقفة الليلية حين كان (المرشد) يتحدث إليهن عن الخطيئة أو عن سيئات (الكلب الأكبر) أو طيبة العذراء. كن يرتّقن الرداء الأرجواني الغامق باستخدام أشواك نبتة اللحلاح إبراً وألياف السعف خيوطاً، ويبتكرن وسيلة لصنع رداء جديد له حين يتمزق رداؤه في الأكمات، ويصنعن خفَّيْن جديدين له، ويكافحن لامتلاك الزوج القديم، وهو شيء قد لامس بدنه فعنَّ ذكرىً ثمينة. وبعد إيقاد الرجال النار كل مساء، كن أنفسهن يحضرن أكله (الانغو) من طحين الرز أو الذرة أو (المينهوت) الحلو المقلي في المرق وبضع لقيمات من الهريس التي كانت تقيم أود الحجاج. لم يكن الطعام مبعث قلق الحجاج قطّ إذ كانوا يقترون على أنفسهم ويتلقون العطايا أينما رحلوا: من المساكين الذين كانوا يسرعون إلى تقديم دجاجة أو كيس ذرة أو جبن طري إلى (المرشد)، وكذلك من أصحاب الأراضي الذين كانوا يبعثون بخدم ليأتوهم بالحليب الطازج والطعام وأحياناً بمعزى أو جدي، وخلل بعد أن تكون البطانة الرثة الثياب قد أمضت الليلة في المشتملات الخارجية وقامت في الصباح التالي، بمبادرة منها ومن دون فرض أي أجر، بكنس كنيسة المزرعة الصغيرة وتنظيفها.
كان قد جال في أرجاء الأراضي الخلفية كثيراً جداً، مقبلاً مدبراً، صاعداً، نازلاً الكثير من سفوح الجبال، حتى بات الجميع يعرفه. وكذلك قساوسة القرى. لم يكن ثمة الكثير منهم، والقليلون الموجودون بدوا ضائعين في الرحاب الشاسعة للأراضي الخلفية. وعلى كل حال لم يكن هناك عدد كاف منهم للإبقاء على إدارة الكنائس التي لا تعد ولا تحصى حتى أن رعاة الكنيسة كانوا لا يزورونها إلا في أيام أعياد ولي البلدة. أما قساوسة الأماكن، مثل (توكانو) و (كومبي) فقد سمحوا له بأن يخطب في المؤمنين من المنبر وكانوا على علاقة حسنة معه. أما الآخرون، مثل أولئك الذين في (إنتري – يوس) و(ايتابيكورو)، فلم يكونوا ليبيحوا له ذلك، وحاربوه. وفي بلدات أخرى، كان القساوسة يأذنون له على مضض بتلاوة الصلوات والوعظ في باحة الكنيسة بعد التناول، مكافأة له على ما فعله من أجل الكنائس والمقابر، أو نظراً لأن نفوذه الروحاني على أهالي الأراضي الخلفية كان واسعاً بحيث أنهم لم يريدوا أن يكونوا على علاقة سيئة مع دعيتهم.
متى علم (المرشد) وبطانته من النادمين أنه في العام 1888، في تلك المدن النائية التي كانت حتى أسماؤها غريبة على أسماعهم، مثل (ساو باولو) و(ديودي جانيرو)، وحتى(سلفادور)، عاصمة الولاية، أن الملَكِيّة قد ألغت الّرِق، وأن ذلك الأجراء قد جلب الخراب على مزارع السكر في (باهيا) التي تركت من دون قوة عاملة على حين غرة؟ لقد انقضت شهور قبل أن تصل أنباء المرسوم إلى الأراضي الخلفية، كما كان الوضع دوماً في ورود الأخبار إلى تلك الأصقاع القصية من الإمبراطورية: متأخرة، مشوهة، وأحياناً لم تعد صحيحة. وقد أمرت السلطات بإعلانها على الناس في ساحات المدن وتثبيتها على أبواب دور البلديات.
ومن المرجح أن (المرشد) وأتباعه علموا من جديد، في السنة التالية، وبعد مرور وقت طويل على الواقعة، أن الوطن الذي كانوا ينتمون إليه غافلين لم يعد إمبراطورية، بل أصبح الآن جمهورية. لم يخطر ببالهم قطّ أن هذه الواقعة لم تثر أدنى حماسة بين السلطات القديمة أو بين مالكي العبيد (الذين استمروا في ملكيتهم لمزارع قصب السكر وقطعان البقر والغنام)، أو بين طبقة الحرفيين وصغار موظفي الحكومة الذين عدّوا هذا التغيير رصاصة رحمة أطلقت على الزعامة المختصرة منذ أمد للعاصمة السابقة، مركز حياة البرازيل السياسية والاقتصادية مدة مئتي عام، والآن أمست مِثْلَ قريبِ العائلةِ الفقير التائق إلى الماضي. وفي غضون ذلك يظل هؤلاء يرون ما كانوا يملكونه كله يومئذ يمضي صوب الجنوب: الرغد، والسلطان، والمال، والقوة العاملة، والتأريخ. وحتى لو كانوا قد عملوا بذلك، كما كان لهم أن يفهموا ولا كانوا ليحلفوا. ذلك أن اهتمامات (المرشد) وأتباعه كانت غير هذا تماماً. ثم، ما الذي تغير بالنسبة إليهم عدا بضعة أسماء؟ أليس مظهر هذه الأرض المحروقة والسماء الدكناء هو نفسه على الدوام؟ ثم، ألم تستمر المنطقة بالرغم من معاناتها أعواماً عدة من الجفاف، في تضميد جراحها، والحزن حداداً على موتاها، ومحاولة إعادة الحياة إلى ما كان قد دُمَّر وأصبح خراباً؟ ما الذي تغير في الشمال المثقل بالنكبات بعد أن وُجِدَ رئيسٌ بدلاً من إمبراطور؟ أليس فلاح الأرض مستمراً في كفلحه ضد جدب الأرض وشحة الماء كي تنبت ذرته وفوله وبطاطته و (مينهوته)، وكي تبقن خنازيره وفراخه ومعزه قيد الحياة؟ ألم تزل القرى غاصة بالمتسكعين، والطرق خطرة بسبب كثرة رجال العصابات؟ أليست هناك جيوش من الشحاذين في كل مكان تذكيراً بكوارث العام 1877؟ أليس رواة الحكايات المتجولون كما كانوا من قبل؟ وبالرغم من جهود (المرشد)، أليست بيوت يسوع المبارك مستمرة في التداعي؟
بيد أن شيئاً ما قد تغير فعلاً. بمجيء الجمهورية. فقد فصلت الكنيسة عن الدولة، وتوطدت حرية العبادة، وجعلت المقابر علمانية بحيث لم تعد الأبرشيات مسؤولة عنها، بل البلديات. وكان ذلك من سوء حظ الناس ومثاراً لارتباكهم. ففي الوقت الذي كان القساوسة لا يعرفون، في حيرتهم، ماذا يتعين عليهم قوله أمام هذهِ التطورات التي استسلمت الزعامة الكنائسية إزاءها فقبلتها، عرف (المرشد) من فوره ما ينبغي عليه قوله: كانت تلك أعمال زندقة غير مقبولة بالنسبة إلى المؤمن. وحين علم أن الزواج المدني قد أُقَّر – وكأن القربان المقدس الذي أوجده الله غير كاف – أعلن جهاراً ومباشرة، في ساعة الوعظ، ما كان أهل الأبرشية يتهامسون به: إن هذه الفضيحة من عمل البروتستانت والماسونيين. ومِثْلُ ذلك، لا ريب، الأحكامُ الجديدة الغريبة المشبوهة الأخرى التي نمت إلى علم بلدات الأراضي الخلفية شيئاً فشيئاً: الخارطة الإحصائية، تعداد النفوس، النظام المتري. ولسكان المناطق القصية المتشوشين الذين سارعوا إلى سؤاله ما الذي كان يعني ذلك كله، أوضح (المرشد) ببطء: أرادوا أن يعرفوا لون الناس لإعادة إقرار الرق وإرجاع السود إلى سادتهم ودينهم ليتمكنوا من تشخيص الكاثوليك عند بدء الاضطهاد ومن دون أن يرفع صوته، حضَّهم على ألا يأبهوا لمثل هذه القضايا وألا يتيحوا للمتر والسنتمتر أن يحلا محل اليارده والقدم.
في صباح أحد الأيام من العام 1893، سمع (المرشد) والحجاج عند دخولهم (ناتوبا) صوتاً يشبه طنين زنابير غاضبة. كان آتياً من الساحة الرئيسية حيث اجتمع رجال البلدة ونساؤها ليقرأوا أو يسمعوا منادي البلدة يقرأ المراسيم التي كانت قد أُلصقت تواً. أنهم سيجمعون ضرائب منهم، تريد الجمهورية إن تجمع ضرائب منهم. فتساءل كثير من سكان المدن: وما هي الضرائب؟ أوضح آخرون لهم: إنها مثل العُشور*. ومثلما كان الوضع من فبل، تماماً، يتوجب على الساكن أن يعطي خمس دجاجات إلى الإرسالية إنْ صار لدجاجة خمسون فرخاً ومكيالاً واحداً من الحبوب من كل عشرة يحصدها. ولقد نصّت المراسيم على أن يعطي الشخص إلى الجمهورية جزءاً من كل شيء ورثه أو أنتجه. كان على الناس أن يذهبوا إلى دار بلدية منطقتهم – فقد غدت البلديات كلها ذاتية الإرادة – ويصرحوا بما يملكون وما يكسبون لاحتساب مقدار ما يتوجب عليهم دفعه. كان لجامعي الضرائب أن يحجزوا ويسلموا إلى الجمهورية جميع ما كان قد أخفي أو صُرَّح بأقل من قيمته الحقيقية. لقد جعلت الغريزة الحيوانية والفطرة السليمة وقرونٌ من الخبرة سكان المدن يدركون من فورهم بأن هذا قد يكون أسوأ من الجفاف وأن جامعي الضرائب قد يكونون أكثر جشعاً من النسور وقطاع الطرق. ومن حيرتهم وخوفهم وغضبهم، أخذ يكز بعضُهم الآخر بالمرافق ويبلغ بعضهم الآخر أحاسيسهم بالتوجس والغضب الشديد، بأصوات اختلطت وتمازجت صوتاً واحداً، مؤلَّفة تلك الموسيقى القتالية التي أخذت تتصاعد إلى عنان السماء من (ناتوبا) بينما كان (المرشد) وأتباعه ذوو الأسمال البالية يدخلون المدينة من الطريق الموصل إلى (سيبو). أحاط الناس بالرجل ذي الرداء الأرجواني الغامق معترضين طريقه إلى كنيسة زنوسا سينيوار داكونسيكاو) – التي عُمَّرتْ وصبغت على يده مرات عدة في العقود القليلة الأخيرة – والتي كان متوجهاً إليها بخطواته الطويلة الواسعة المعتادة، كي ينبئه بالأخبار. بدا كأنه لا يكاد يسمعهم، وهو ينظر صوبهم وعلى وجهه تعبير جاد رزين.
ومع هذا، وبعد ثوان معدودات تكفي لضرب من الانفجار الداخلي أن يضرم ناراً في عينيه، شرع يسير، مجتازاً الجمع الذي تنحى جانباً ليفسح له المجال، متجهاً إلى لوحة الإعلانات التي أُلصقت عليها المراسيم. وصل إليها، ومن دون أن يكلف نفسه حتى عناء قراءتها، مزّقها تمزيقاً، وقد تلّوى وجهه بغضب بدا مخلصاً غضب الجميع. ثم طلب، بصوت مهتز، أن تُحْرَق تلك المظالم المكتوبة. وحين فعل الناس ذلك، أمام أعين مستشاري البلدية المشدوهين، وشرعوا فضلاً على ذلك يحتفلون مطلقين ألعاباً نارية كما في يوم العيد، وحين أحالت النار المراسيم والمخاوف التي أثارتها إلى دخان، أعلن (المرشد) قبل ذهابه إلى الصلاة في كنيسة (نوسا سينيورادا كونسايكاو) لأهالي ذلك الركن القصي من العالم النبأ الخطر: إن (المسيح الدّجال) موجود على ظهر المعمورة، وإن سمه هو الجمهورية.
*
- (أجل، صفارات، أيّها السيد المفوض)... يكرر الملازم "بيرس فريرا" وهو متعجب ثانية مما قد لقي، وتذكر ولأعاد روايته مرات كثيرة. (كان صوتها عالياً جداً في الليل – أو بالأحرى في بواكير الفجر).
مستشفى الميدان كوخ خشبي ذو سقف من جذوع النخل جمعت على عجل لإيواء الجنود الجرحى، يقع في ضواحي (بوازيرو) الموازية شوارعها لنهر (ساو فرانشسكو) العريض الذي تقع على ضفتيه دورها إما مبيّضة أو مصبوغة بألوان مختلفة ويمكن رؤيتها من بين القواطع، من تحت رؤوس الشجر المغبرة التي أعطت اسمها للمدينة. يقول الملازم "بيرس فريرا": (لقد استغرق الانتقال من هنا إلى "اواوا" التي تقع عند اعتاب "كانودوس" اثنى عشر يوماً فقط. إنها لمأثرة باهرة. كان رجالي جدّ منهوكين، ولهذا قررت أن أعسكر هناك. وما هي إلاّ سويعات قلائل حتى أيقظتنا الصفارات).
هناك ستة عشر جريحاً، مستلقين على أرجوحات شبكية صُفَّت صفين متقابلين: ضمادات بدائية، رؤوس وأذرع وسيقان ملطخة بالدم، أجسام عارية ونصف عارية، بناطيل وسترات عالية الأزرار ممزقة، مهلهلة. طبيب بجلباب أبيض وصل أخيراً يتفقد الجرحى، يتبعه مضَّمد يحمل صندوقاً طبياً. ثمة مفارقة حادة بين مظهر الطبيب المعافى المصقول ووجوه الجنود البائسة وشعرهم الكابي جرّاء التعرّق. في طرف الكوخ الأقصى ينَّد صوتٌ معذبْ يسأل عن الاعتراف. – (ألم تضع حراساً؟ ألم يخطر ببالك أنهم يفاجئونك، يا ملازم؟) يجيب "بيرس فريرا" رافعاً أربع أصابع مؤكدة: (كان هناك أربعة حراس أيها السيد المفوض. لم يفاجئونا. فحينما سمعنا الصفارات نهض كل رجل من رجال السرية كافةً، واقفاً مستعداً للقتال). ثم يخفض صوته: (لكنّ ما شاهدناه مقبلاً نحونا لم يكن العدو، بل موكباً).
من إحدى زوايا كوخ المستشفى يمكن رؤية المعسكر الصغير على شاطئ النهر حيث تروح وتجيء الزوارق المحملة بالبطيخ: بقية أفراد السرية مستلقون في ظلال بعض الأشجار، بنادق مرصوفة بمجموعات رباعية، خيام ميدان. ثمة سرب من الببغاوات الزاعقة يمرق طائراً.
يتساءل صوت متقحَّم، عال، أخن، في عجب: (موكب ديني، يا ملازم؟) يلقي الضابط نظرة عجلى على الشخص الذي سأل، ويومئ. ثم يوّضح، وهو لا يزال يوجه خطابه إلى المفوض: (لقد قدموا من جهة "كانودوس": كان عددهم خمسمئة ستمئة، ربما ألف رجل).
يرفع المفوض يديه عالياً، ويهز مساعده رأسه غير مصدق هو الآخر. من الواضح تماماً أنهم أناس من المدينة. لقد وصلوا إلى (جوازيرو) بالقطار صباح ذلك اليوم قادمين من (سلفادور)، ولا يزالون دائخين مسحوقين من الهّز والخض، غير مرتاحين من ستراتهم العريضة الأردان وبناطيلهم الفضفاضة وجزمهم المتسخة، مختنقين من الحرارة ومن حتمية الانزعاج من وجودهم هناك، يحيط بهم لحم جريح، ومرض، ومن لزوم إجراء التحقيق في اسباب الهزيمة. وفي أثناء حديثهم مع الملازم "بير فريرا" ينتقلون من أرجوحة شبكية إلى أخرى، وينحني المفوض ذو الوجه المتجهم بين آونة وأخرى ليربت على ظهر أحد الجرحى. إنه الشخص الوحيد الذي ينصت إلى ما يقوله الملازم. لكن مساعده يقوم بتدوين ملاحظات، كما يفعل الرجل الآخر الذي وصل تواً، الشخص الأخن الذي يبدو مزكوماً، والذي لا يكف عن العطس.
يقول المفوض ساخراً: (خمسمئة، ألف؟ وصلتني إفادة "البارون دي كانا برافا" الخطية إلى مكتبي، وأنا ملم بها، يا ملازم. إن الذين غزوا "كانودوس" كانوا مئتين عدّاً، بمن فيهم النساء والأطفال. لابدّ أن يعرف البارون ذلك. إنه مالك المقاطعة).
يتمتم الجريح في الأرجوحة الشبكية الأقرب، وهو خلاسي ذو جلد فاتح اللون وشعر مفتَّل وكتف مضمَّد: (كانوا ألفاً، آلافاً، أُقسم على ذلك، يا سيدي). يُسكِت الملازمُ "بيرس فريرا" الرجل بإيماءة مفاجئة إلى درجة أن ذراعه تمس ساق الجريح خلفه، فيجأر هذا من الألم. الملازم شاب أقرب إلى القِصَر، وله شارب صغير مقصوص على هيئة شوارب الشبان المتأنقين الذين يتجمعون في محال المعجنات في شارع (شيلي) في (سلفادور) وقت تناول الشاي. لكن بسبب التعب والإحباط والأعصاب، أضحى هذا الشارب الصغير الفرنسي نشازاً إزاء الدوائر الداكنة تحت العينين والسحنة شديدة الشحوب والعبوس الدائم. لم يحلق الملازم ذقنه. أما شعره فأشعث على نحو سيء، وبزته ممزقة، وذراعه اليسرى بحمالة. وفي الطرف القصي للكوخ، يواصل الصوت غير المفهوم هذيانه حول الاعتراف والزيوت المقدسة.
يستدير "بيرس فريرا" نحو المفوض ويتمتم: (كنت أعيش في طفولتي في مزرعة لرعي الماشية، وتعلمت لأن اقدّر عدد رؤوس القطيع بنظرة. لست مبالغاً. كان عددهم أكثر من خمسمئة، ربما ألفاً).
يضيف أحدهم من بين الأرجوحات الشبكية: (كانوا يحملون صليباً من خشب، صليباً ضخماً، وبيرق الروح القدس الرباني).
لكنْ قبل أن يستطيع الملازم أن يسكتهم بمقاطعة كلامهم، يبادر آخرون إلى المشاركة، مخبرينه عن اليفية: كانت معهم كذلك تماثيلُ لقديس، ومسبحات. كانوا جميعاً ينفخون في الفارات، أو يرتلون (كيري ايليسون) ويهتفون باسم القديس يوحنا المعمدان ومريم العذراء و (المسيح المبارك) و (المرشد). ينهض هؤلاء ويقتعدون أرجوحاتهم الشبكية ويتبارون في الصياح حتى يأمرهم الملازم بأن يخرسوا. ثم يواصل الكلام وسط السكوت: (وفجأة صاروا فوق رؤوسنا. كان منظرهم مسالماً جداً، مثل موكب "الأسبوع المقدس". كيف كان في وسعي أن أصدر الأمر بالهجوم عليهم؟ وعلى حين غرة بدأوا يصرخون: ليسقط هذا وليسقط ذاك وفتحوا النار علينا مسددين من مدى قريب. كنا واحداً ضد ثمانية، واحداً ضد عشرة).
يقاطعه الصوت الوقح، عالي الطبقة: (تقول يصرخون ليسقط هذا وليسقط ذاك؟).
يقول الملازم "برس فريرا": (لتسقط الجمهورية. ليسقط المسيح الدجال) يستدير ناحية المفوض ثانية: (ليس لدي ما أُلام عليه. لقد قاتل رجالي بشجاعة، وقاتلنا مدة تنوف على أربع ساعات، يا سيدي. ولم آمر بالانسحاب إلاّ بعد أن نفذت ذخيرتنا. أنت على علم بالمشكلات التي واجهتنا مع بنادق "مانليتشر". هذا، وبفضل تصرف القطعان المنضبط، استطعنا الرجوع إلى هنا في مدة لا تزيد على عشرة أيام).
يزمجر المفوض قائلاً: (استغرقت مسيرة الرجوع وقتاً أقل من مسيرة الانطلاق)
ينادي الطبيب ذو الجلباب الأبيض عليهم من أحد الأركان: (تعالوا هنا وألقوا نظرة على هذا!) يتوجه إليه جمع المدنيين والملازم مجتازين صف الأرجوحات الشبكية. الطبيب مرتد بزة عسكرية نيلية تحت جلبابه. لقد أزال الضماد من على جندي ذي ملامح هندية كان يتلوى من الألم، وجعل يتفحص له بطنه باهتمام شديد. يشير إليه كما لو كان شيئاً ثميناً: عند حقو الرجل يوجد ثقب متقيّح بحجم قبضة اليد ودم متخثّر عند الحواشي، ولحم نابض في الوسط.
يهتف الطبيب بحماسة وهو يذر مسحوقاً ناعماً أبيض على الجرح المتورم: (رصاصة متفجرة!... أنها تنفجر عند اختراقها الجسم مثل القذيفة المنشار، فتدّمر الأنسجة وتحدث جرحاً غائراً مثل هذا. المرة الوحيدة التي صادفتني فيها شيء كهذا هي في كُتَيَّب تعليمات الجيش البريطاني. كيف تمكن هؤلاء الأبالسة الأراذل من امتلاك مثل هذه الأسلحة الحديثة؟ حتى الجيش البرازيلي غير مجهز بها). يقول الملازم "بيرس فريرا" منتصراً: (أرأيت؟ أيها السيد المفوض؟ لقد كانوا مدججين بالسلاح. كانت عندهم بنادق، وقربينات، وأخرى طويلة الماسورات، ومِدى ضخمة، وخناجر، وهروات. أما نحن، من الناحية الثانية، فقد تعطلت بنادقنا "المانليتشر"و....).
بيد أن الرجل الذي كان لا يزال يهذي حول الاعتراف والزيوت المقدسة أخذ الآن يجأر بأعلى صوته حول الصور المقدسة والبيرق الرباني، والصفارات. لا يبدو جريحاً. انه مربوط بعمود ويرتدي بزة اقل تهرؤاً من بزة الملازم. وإذ يرى الطبيبَ والمدنيين قادمين صوبه، يتوسل إليه وقد اغرورقت عيناه بالدموع قائلاً: (الاعتراف، يا سادة، أرجوكم! أرجوكم!).
يتساءل الطبيب ذو الجلباب الأبيض: (هل هو طبيب سريتكم، الدكتور "انتونيو الفس دوس سانتوس"؟ لم ربطتموه هكذا؟). يتعلثم "بيرس فريرا": (لقد حاول الانتحار، يا سيدي. حاول أن يطلق رصاصة على رأسه، فأخطأ بما يشبه الأعجوبة. لقد غدا على هذه الحال منذ المواجهة في "اواوا"، وقد احترت في كيفية التصرف إزاءه. فبدلاً من أن يكون عوناً لنا صار مشكلة إضافية، خصوصاً خلال الانسحاب).
يقول الطبيب بالجلباب الأبيض: (أيها السادة، تفضلوا بالابتعاد، لو سمحتم. اتركوني معه وحدي، وسأهدئ من روعه).
وبينما يلبّي الملازم والمدنيّون طلبه، يُسْمع ثانية الصوت عالي الطبقة، المستطلع، الجازم، للرجل الذي قاطع الإيضاحات مرات عدة: (كم كان مجموع القتلى والجرحى يا ملازم؟ في سريتك، وضمن الخارجين على القانون؟). يجيب "بيرس فريرا" مومئاً ايماءة نافذة الصبر: (عشرة قتلى وستة عشر جريحاً ضمن رجالي. أما في صفوف العدو فمئة إصابة في الأقل. وهذا مدوّن في التقرير الذي سلمتك إياه سيدي). يقول الرجل: (لست عضواً في اللجنة. أنا مراسل من صحيفة "جورنال دي نوتيسياس.. التي تصدر في "باهيا"). إنه لا يشبه موظفي الحكومة ولا الطبيب ذا الجلباب الأبيض الذي قدم معه إلى هنا. شاب، قصير البصر، ذو نظارة سميكة. إنه لا يدوّن الملاحظات بقلم رصاص، بل بيراعةٍ من قوادم الوز، ويرتدي بنطلوناً قُدَّ عند الدرز وسترة شبه بيضاء وقلنسوة ذات حافة أمامية ملبسه كله يبدو فروَّاً، مغلوطاً، لا يناسب بدنه المتناسق. يمسك بلوحة مشبك عليها عدد من الأوراق ويطمس يراعه الريشي في محبرة غطاؤها فلينةُ زجاجةِ خمرٍ مربوطةٌ بردن سترته. إنه يشبه فزّاعة الطيور إلى حدًّ ما.
يقول: (قطعتُ ستمئة كيلو متر لمجرد أن أسألك هذهِ الأسئلة، يا ملازم "بيرس فريرا"). ثم يعطس.
*
ولد "جواو الكبير" قرب البحر، في إحدى مزارع قصب السكر في (ركون كافو) التي كان يملكها السير "ادا لبرتودي غوموتشيو" شديد الولع بالجياد. كان يفاخر بامتلاكه أنشط الأفراس السمر المحمّرة، وتلك التي لها أجمل الكواحل تحدباً في أصقاع (باهيا) كلها وبأنه أنتج هذهِ النماذج من الخيل الممتازة من دون حاجة إلى أي حصان استيلاد إنكليزي، إنما بفضل التزاوج الحاذق الذي كان يشرف عليه شخصياً. لقد كان أقل تفاخراً (في العلن) بتوصله إلى النتيجة المفرحة نفسها مع السود من بين عبيده كي لا تتفاقم المشاحنات التي أثارها هذا الأمر مع البارون "دي كانا برافا" ومع الكنيسة، لكنه في واقع الأمر كان يتعامل مع عبيده تماماً تعامله مع خيله. كانت عينه وسليقته هما اللتين تحكمان أسلوبه. ولقد انطوى ذلك الأسلوب على انتقاء أكثر الشابات السوداوات حيوية وأجملهن قواماً وتقديمهن مخطيات إلى أولئك الذكور الذين يعدّهم الأكثر نقاءً بسبب ملامحهم المتساوقة وبشراتهم موحدة اللون. كان أفضل الأزواج يُمْنَحون طعاماً خاصاً وامتيازات في العمل كي ينجبوا أكبر عدد من الذرية. لقد لامه راعي الكنيسة ورهبان الإرساليات وزعامة (سلفادور) مراراً وتكراراً على دفعة السود معاً على هذا النحو "جامعاً إياهم للعيش معاً كالحيوانات". لكن بدلاً من أن يؤدي هذا اللوم إلى إنهاء مثل هذه الممارسات فإنه أفضى إلى الانهماك بها على نحو أكثر سرية. كان "جواو الكبير" إحدى التوليفات التي رتبها هذا الملاك الكبير الذي كان يستهدف الكمال. وفي حالة "جواو" كان الخلف الذي ولد من هذا التزاوج رائعاً على وجه التأكيد. كان الصبي ذا عينين وأسنان لماعة براقة جداً. بحيث أن وجهه المدور الأزرق – الأسود كان يشرقَ إشراقاً حين يضحك. كان ممتلئاً، ذا حيوية، لعوباً. أما أمه – المرأة الجميلة التي كانت تلد كلّ تسعة أشهر فقد خمنت أنه سيكون ذا مستقبل باهر على وجهه الاستثناء. لم تخطئ في ظنها. فقد أولع به السير "أدالبرتودي غوموتشيو"، حين كان لا يزال طفلاً يزحف على الربعة، فأخذه من هي العبيد إلى قصر العزبة – وهي بناية مستطيلة ذات سقف مسنَّم وأعمدة (توسكانية) وشرفات ذوات أسيجة خشبية تشرف على حقول القصب وكنيسة صغيرة من الطراز الكلاسيكي الجديد وطاحونة السكر ومعمل التقطير وشارع عريض فيه نخلات ملكية. كان يحسب أن الصبي يستطيع أن يكون خادماً صغيراً لبناته ثم ساقياً أو حوذياً. لم يرد له أن يتحطم وهو في سن مبكرة، كما كان يحدث في الغالب للأطفال الذين كانوا يرسلون خارجاً إلى الحقول لينظفوا الأرض ويحصدوا قصب السكر.
لكن التي طالبت "جواو الكبير" لنفسها كانت الآنسة "دالينيا ايسابيل دي غوموتشيو"، شقيقة السيد "ادالبرتو" العزباء التي كانت تسكن معهم كانت نحيلة، ضئيلة العظام، ذات أنف صغير مرفوع يبدو كأنه كان يتشمم روائح العالم الكريهة على الدوام. كانت تمضي أوقاتها في حياكة الشالات وأغطية الرأس وتطريز أغطية الموائد والأسِرّة والبلوزات أو إعداد الفطائر والحلويات... وهذه مهمات كانت تبدع فيها. لكنها في أغلب الأحيان لم تكن حتى لتتذوق فطائر القشدة المنتفخة أو (تورتات) اللوز أو كعك (المدينغ) المحشو بالشكولاته أو كعك اللوز المنفوش مما كان يلذ لأبناء الأخ وبناته وزوجته والأخ نفسه. أحبّت الآنسة "اديلينيا" "جواو الكبير، كثيراً منذ اليوم الذي شاهدته فيه يرتقي خزان الماء. وإذ روعها منظر ولد صغير لم يكن يبلغ سن المشي وهو على ارتفاع نحو سبعة أقدام عن الأرض، أمرته أن ينزل لكن "جواو" واصل ارتقاء السلم الصغير، وحين نادت الآنسة "أديلينيا" أحد الخدم كان الولد الصغير قد بلغ حافة الخزان وسقط في الماء. انتشلوه من الماء وهو يتقيأ، وقد اتسعت عيناه من الخوف. خلعت الآنسة "اديلينيا" ملابسه ولفّته واحتوته بذراعيها حتى نام.
وبعد مدة قصيرة وضعت أخت السيد "أدالبرتو" "جواو" في غرفة نومها، في أحد المهاد التي تنام فيها بنات أخيها. وُضِع المهد بجانب سريرها تماماً، ونام بجانبها طوال الليل، على طريقة السيدات الأخريات في إرقاد خادماتهن الصغيرات الأثيرات وصغار كلابهن المدللة حذوهن.
ومن تلك اللحظة فصاعداً، نعم "جواو" بامتيازات خاصة. فقد أخذت الآنسة "اديلينيا" تلبسه على الدوام بدلات أطفال فضفاضة بقطعة واحدة، زرقاً أو حمراً لماعة أو صفراً ذهبية، كانت تصنعها له بنفسها. كان يرافقها يومياً إلى اللسان البرّي الممتد في البحر حيث المنظر العام للجزر وحيث شمس العصر تضفي علّيه لون الحريق. كما كان يرافقها عند قيامها بزيارات وسفرات إلى القرى المجاورة حاملاً مركعها. كما علمته الآنسة "اديلينيا" كيف يمسك شلة الصوف كي تمشطها ويبدل بكرات الغزل ويمزج ألوان الصبغ ويلظم الأبر، وكذلك يخدمها كصبي مطبخ. وبغية احتساب الوقت الذي يستغرقه الطبخ، كانا يرتلان معاً صلاة الإيمان (وأبانا الذي...) على وفق ما تتطلبه نوعية الطبخة. كما هيأته شخصياً للتناول الأول، متناولةً معه، وصانعةً شوكولاتة مدهشة له، احتفالاً بالمناسبة. ولكن بخلاف ما كان يجب أن يحصل في حالة طفل يترعرع وسط جدران مغطاة. بورق التغليف وأثاث (الجاكاراندا) المنجدَّ بالدمقس والحرير والخوانات المليئة بقطع البلور، ممضياً يومه وهو منهمك في مشاغل نسائية في كنف امرأة رقيقة الطبع، لم يتحول "جواو الكبير إلى مخلوق رقيق مطيع، كما كان يحدث دائماً تقريباً لعبيد البيوت، فإنه منذ الطفولة الباكرة كان قوياً على نحو غير معتاد بحيث أنه بالرغم من حقيقة كونه في عمر "جواو" الصغير، ابن الطباخ نفسه فقد كان يبدو أكبر منه سناً بسنوات عدة. كان شرساً في اللعب. وقد اعتادت الآنسة "أديلينيا" أن تقول بأسى: (إنه غير مفطور على الحياة المدنية. إنه يتوق إلى الخروج إلى العراء). ذلك الصبي كان على الدوام يترقب أوهن الفرص ليخرج جائلاً في الريف. وفي إحدى المرات، وبينما كانا يتمشيان في حقول القصب، رأته السنيوريتا ينظر تواقاً إلى السود العراة حتى الخصر وهم يهوون المناجل الكبيرة على الأوراق الخضر، فقالت معلقة: (تبدو كأنك تحسدهم). أجاب: (أجل يا سيدتي، إنني أحسدهم). بعد ذلك بمدة وجيزة أمر السيد "ادالبرتو" بوضع شريط اسود على ذراعه وإرساله إلى حي العبيد في المزرعة لحضور مأتم والدته. لم يشعر "جواو" بأية عاطفة قوية، ذلك أنه لم يكن قد رآها إلاّ قليلاً جداً. كان غير مرتاح، على نحو غامض، طيلة الطقس، وهو جالس تحت تعريشة من قش، أو هو محاطٌ في الموكب المتوجه إلى المقبرة بسودٍ كانوا يحملقون فيه من دون أن يحاولوا إخفاء جسدهم أو ازدرائهم لبنطاله القصير وبلوزه المخطط وحذائه، مما كان يشكل مفارقة حادة بالمقارنة مع قمصانهم القطنية الخشنة وأقدامهم العارية. لم يكن عطوفاً حيال سيرته قط، مما جعل آل "غوموتشيو" يحسبون أنه قد يكون واحداً من أولئك الفلاحين عديمي الإحساس الذين يمكن أن يبصقوا على اليد التي أطعمتهم. لكن حتى نذير الشؤم هذا ما كان ليفضي بهم إلى قط إلى الشك بأن "جواو الكبير" من شأنه أن يكون قادراً على أن يفعل ما يفعل. حدث ذلك في أثناء رحلة الآنسة "أديلينيا" إلى (دير التجسيد) حيث كانت تختلي كل عام. قاد "جواو" الصغير العربة التي يجرها حصانان وقعد "جواو الكبير" بجانبه على صندوق العربة. استغرقت الرحلة نحو ثماني ساعات. كانوا قد غادروا المزرعة عند الفجر بغية الوصول إلى الدير عند منتصف العصر. لكن بعد مضي يومين بعثت الراهبات رسولاً للاستفسار عن سبب عدم وصول السنيوريتا "أديلينيا" في الموعد المحدد. وجه السيد "أدالبرتو" حملات التفتيش التي نفذتها الشرطة من (باهيا)، وكذلك خدم المزرعة الذين مشطوا المنطقة مدة شهر بكامل وهم يستجوبون الجميع. كما تم فحص كل شبر من الطريق الممتدة بين الدير والمزرعة بمشط دقيق الأسنان. ومع ذلك لم يُعْثَر على أي أثر مهما ضؤل للعربة أو راكبيها أو حصانيها. وكما في القصص الخيالية التي يعيد روايتها المغنون الجوالون فقد بدا أنهم قد تبخروا في الهواء.
بدأت الحقيقة تظهر إلى النور بعد أشهر، حين اكتشف قاضٍ في محكمة الأيتام في (سلفادور) شعار عائلة "غوموتشيو" وقد غطاه الصبغ، وذلك في العربة المستعملة التي كان قد اشتراها من تاجر في أعلى المدينة. اعترف التاجر بأنه كان قد حصل على العربة في قرية يسكنها خلاسيون من الهنود – الزنوج، مع علمه بأنها كانت مسروقة، ولكن من دون أن يخطر على باله أبداً أن السراق قد يكونون قتلة كذلك. وعرض البارون "كانا برافا" مكافأة كبيرة جداً لمن يأتي برأسي "جواو الكبير" "وجواو" الصغير، في حين توسل "غوموتشيو" لكي يقبض عليهما حيَّيْن. بعد ذلك تسلمت عصابة من الشقاة تعمل في الأراضي الخلفية "جواو" الصغير إلى رجال الشرطة من أجل المكافأة. كان ابن الطباخ قذراً وأشعث جداً إلى درجة أنهم لم يستطيعوا التعرف إليه حين أخضعوه للتعذيب بغية حمله على الكلام. أقسم هذا أنه لم يكن قد خطط القضية بكاملها، بل الشيطان الذي كان قد تملك رفيقه منذ الطفولة. كان يقود العربة وهو يصفر من خلل أسنانه. ويفكر في الحلوى التي كانت تنتظره في (دير التجسيد)، حين أمره "جواو الكبير فجأة أن يكبح جماح الحصانين. وحين استفسرت الآنسة "اديلينيا" عن سبب توقفها، رأى "جواو" الصغير رفيقه يضربها على الوجه ضربة أغمي عليها من شدتها، ويخطف اللجام منه وينخس الحصانين بالمهماز لينطلقا إلى اللسان الممتد في البحر الذي كان من عادة سيدتهما أن ترقاه بغية تملّي منظر الجزر. وهناك، وبتصميمٍ بلغ مبلغاً جعل "جواو" الصغير المرغوب فيه لا يجرؤ على إغاظته، عرّض "جواو الكبير" الآنسة "اديلينيا" إلى ألف سيئة. فقد نضا عنها ثيابها حتى تعّرب، وضحك منها بينما كانت تغطي نهديها بيد مرتجفة، وعورتها بالأخرى، وجعلها تجري هنا وهناك، محاولة اتقاء الحجر الذي كان يقذفها به بينما كان يمطرها بأقبح الإهانات التي لم يكن الصبي الأصغر قد سمعها قط. وعلى حين غرة، غرز خنجراً داخل بطنها، وما إن ماتت حتى أفرغ جام غضبه فيها بقطع نهديها ورأسها ثم رقد بجانب الجثة المدماة، لاهثاً، مبللاً بالعرق، ونام. أما "جواو" الصغير فقد ارتعد هلعاً حتى تلوّت ساقاه من تحته حين حاول الهرب.
عندما استيقظ "جواو الكبير" بعد مدة كان هادئاً. حدق إلى الأشلاء التي كانت حوله من دون مبالاة. بعد ذاك أمر الصبيَّ أن يعينه في حفر قبر، ثم دفنا أشلاء الآنسة "اديلينيا" فيه. انتظر حلول الظلام كي يهربا، وشيئاً فشيئاً ابتعدا عن مكان الجريمة. كانا يخفيان العربة نهاراً في كهف أو أجمة أو وهدة، ويمضيان عدواً في الليل. كانت الفكرة الوحيدة في دماغيهما وجوب الابتعاد عن البحر. وحين تمكنا من بيع العربة والحصانين، اشتريا مؤونة يأخذانها معهما عند بلوغهما مقصدهما، بأمل أن ينضما إلى إحدى عصابات العبيد الفاّرين الذين كانوا منبّثين في كل مكان في أراضي الداخل ذوات الأشجار الخفيضة، كما تقول قصص عدة. كانت حياتهم هرباً متواصلاً، يتجنبون المدن، ويحصلون على أودهم بالتسول أو السرقة الطفيفة. مرة واحدة فقط حاول "جواو" الصبي أن يحمل "جواو الكبير" على التحدث عما حصل. كانا مستلقيين تحت شجرة يدخنان السيكار، وفي نوبة جرأة مباغتة سأله مباشرة: (لِمَ قتلتَ السيدة؟). أجاب "جواو الكبير" من فوره (لان الكلب الكبير موجود في داخلي). وأضاف: (لا تحدثني عن ذلك بعد الآن). اعتقد الصبي أن رفيقه قد قال الصدق.
أصبح الصبي يخشى رفيق الطفولة هذا أكثر فأكثر، فقد غدا "جواو الكبير" يقل شبهاً عما كان عليه يوماً بعد يوم. كان من النادر أن يقول له كلمة واحدة، في حين كان يفاجؤه وهو يكلم نفسه بصوت خفيض وقد احتقنت عيناه دماً. وفي احدى الليالي سمعه يسمي الشيطان "أبانا" ويطلب منه أن يعينه. فقد قال متأتئاً، وجسمه يتلّوى: (ألم أفعل ما فيه الكفاية، بعدُ، يا أبانا؟ ما الذي تريد مني أن أفعله أكثر من ذلك؟). صار الصبي مقتنعاً أن "جواو الكبير" قد عقد ميثاقاً مع الشيطان، وخشي أن يضّحي به مثلما فعل بالسيدة، كي يمضي في زيادة استحقاقه، فقرر أن ينقضّ عليه. خطط لكل شيء لكن في الليلة التي زحف فيها نحوه، وقد عقد العزم على أن يغرز مديته فيه، كان يرتجف ارتجافاً شديداً جعل "جواو الكبير" يفتح عينيه قبل أن يستطيع هذا أن يفعل فعلته. لقد رآه "جواو الكبير" وهو ينحني فوقه ماسكاً النصل بيد مرتجفة. كانت نيته مبيتةً لا ريب فيها. بيد أن "جواو الكبير" لم يتأثر البتة، فقد سمعه يقول: (اقتلني أيها الصبي). أطلق هذا لساقيه العنان بأسرع يمكنها حمله شاعراً أن الشياطين كانت تتعقبه.
شُنِقَ الصبي في السجن في (سلفادور). أما جثمان السنيوريتا "أديلينيا" فقد نقل إلى الكنيسة الصغيرة الكلاسيكية الحديثة العائدة للمزرعة. بيد أن قاتلها لم يعثر عليه على الرغم من أن عائلة "غوموتشيو" كانت تزيد مكافأة القبض عليه بين مدة ومدة ومع ذلك، لم يحاول "جواو الكبير" أن يختفي بعد هروب الصبي. كان جباراً مديدَ القامة، نصفَ عارٍ، بائساً، يأكل ما كان يقع في فخاخ الحيوانات التي كان ينصبها، أو الفواكه التي كان يقطفها من الأشجار. هكذا كان يطوف في الأزقة كأنه شبح. كان يجتاز البلدات في وضح النهار، طالباً طعاماً. وكان الأسى في وجهه يثير مشاعر الناس حتى انهم تعودوا قذف بعض الفتات إليه. وفي أحد الأيام، عند مفترق طرق في ضواحي (بومبال) التقى جماعة من الناس يعَّدون على أصابع اليد الواحدة وهم يستمعون إلى كلمات رجل نحيل متسربل برداء ارجواني غامق، وقد انسدل شعره على كتفيه وبدت عيناه جمرتي فحم متقدتين. صادف أن كان يتحدث في تلك اللحظة تحديداً عن الشيطان الذي سّماه (إبليس) و(الكلب) و(قان) و(بَعْلَزَبْول)*، وعن الجرائم والكوارث التي سببها في الدنيا، وما ينبغي أن يفعله الناس الذين يبغون الخلاص. كان صوته مقنعاً يصل إلى روح الإنسان من دون المرور عبر رأسه. وحتى بالنسبة إلى كائن في مثل غباء "جواو الكبير"، بدا مثل بلسم يشفي الجراح القديمة الفظيعة. وقف "جواو" هناك منصتاً إليه، متسمراً في مكانه، حتى من دون أن تطرق عيناه، وقد تأثر حتى العظام بما كان يسمع وبجرس الصوت الذي كان ينطق تلك الكلمات. لقد تشوشت هيئة القديس في بعض الأوقات بالدموع التي اغرورقت عينا "جواو" بها. وحين مضى الرجل في سبيله، أخذا هذا يتبعه عن بعد، مثل حيوان هيّاب.
*
كان خير من صادف أن عرف "غاليليو" في مدينة (ساو ياولودي باهيا دي تودوس أوس سانتوس) – والمسماة ببساطة (باهيا) أو (سلفادور) شخصين: مهرّباً وطبيباً. كان كذلك أول من أوضح شؤون البلاد له، وإن لم تكن آراء أي منهما عن البرازيل شبيهة بتِلك التي كان يعبر عنها الثوري في رسائله الكثيرة آنذاك إلى صحيفة (شرارة الثورة). تحدثت أولى تلك الرسائل، التي كتبت في بحر أسبوع بعد تحطم سفينته أو عن (باهيا) بالقول: "انها مِْشكال* يشاهد به أي رجل ذي فكرة ما عن التاريخ الفضائَح الاجتماعية المتعددة التي حطّت من قَدْرِ مختلف حقي الإنسانية". كانت الرسالة تشير إلى الرق الذي كان موجوداً فعلاً وإن كان قد أُلغي. فكثير من الزنوج المحررين رجعوا إلى أسيادهم السابقين وتضرعوا إليهم أن يعيدوهم إلى خدمتهم كي لا يموتوا جوعاً. فاستأجر السادة بأجور بخسة القادرين بدنياً من دون غيرهم، حتى أن شوارع (باهيا) كما قال "غال" (ازدحمت بالمسنين والمرضى والبائسين الذين يتسولون أو يسرقون، وبالعاهرات اللواتي يذكرّن المرء بمومسات الاسكندرية والجزائر العاصمة، أفسد الموانئ على هذا الكوكب)
تناولت الرسالة الثانية، المحررة بعد شهرين، "التحالف الشائن بين الظلامية والاستغلال"، واصفة مسيرة، الأسر الموسرة، كلَّ يوم أحد، المتجهة إلى قدّاس كنيسة (نوسا سنيورادا كونشيساودا برايا) مع خدم يحملون كراسي الصلاة والشموع وكتب القداس، والمظلات التي تقي بشرة السيدات من الأذى – هؤلاء اللواتي كتب عنهن "غال" أنهن قد جَعَلْنَ، مثل الموظفين المدنيين الإنكليز في المستعمرات، من البياض أنموذجاٍ وجوهراً للجمال. بيد أن هذا المختص بفراسة الجمجمة أوضح لرفاقه في مدينة (ليون)، في مقالة تالية أنه بالرغم من تحاملهم المسبق فقد تخالط أحفاد البرتغاليين والهنود والأفارقة بكل حرية، في هذه الأرض، وأنجبوا خليطاً متعدد الألوان من الموَّلدين: خُلاسيين من مختلف الأشكال والأنواع. وأصناف: "وبعبارة أخرى، تحديات أخرى للعلم". تلك النماذج البشرية، وكذلك الأوربيون الذين هبطوا على سواحل البلاد لسبب أو لآخر أضفوا على (باهيا) سمة التنوع والتعددية القومية. كان من بين أولئك الأغراب على وجه الدقة أن تعرّف "غاليليوغال"- الذي كان يتكلم أركَّ البرتغالية في ذلك الوقت – على معارفه الأوائل. في البداية أقام في (فندق الغرباء) في (كامبوغرانده). لكن ما إن تصادق مع العجوز "يان فان رشتد" حتى أعطاه هذا علّيةً فوق مكتبة (كاتلينا) ليقيم فيها، وجمع له طلبة دروس خصوصية في الفرنسية والانكليزية كي يحصل على مال يقيم أوده. كان "فان رشتد" من أصل هولندي ومن مواليد (أولندا). وقد تعاطى تجارة حبوب الكاكاو والحرائر والتوابل والتبغ والكحول والأسلحة بين أوربا وأفريقيا وأمريكا منذ أن كان عمره أربع عشرة سنة، من دون أن يحكم عليه بالسجن أبداً. وبسبب من شركائه – من التجار أصحاب السفن وربابنة البحر – لم يكن رجلاً غنياً. فقد كان هؤلاء يسرقون نسبة لا بأس بها من السلع التي كان يتعامل بها. كان "غال" مقتنعاً باشتراك عصاة، سواء كانوا مجرمين كباراً أم سراقاً صغاراً، كذلك في العركة ضد العدو – الدولة – وتقويض أسس الملكية، ولو عن غير قصد. وهذا ما عزز صداقته بالنزل السابق: السابق لأنه قد اعتزل اقتراف السيئات كان أعزب، لكنه كان يعيش مع فتاة ذات عينين عربيتين، أصغر منه عمراً بثلاثين سنة، دمها مصري أو مراكشي، كان قد وقع في غرامها في (مارسيليا). لقد جاء بها إلى (باهيا) وأقام لها (فيلا) في أعالي المدينة، منفقاً مبلغاً طائلاً من المال على تزيينه بغية إسعادها. وعند عودته من إحدى رحلاته وجد أن الجميلة قد فرت من الحظيرة بعد أن باعت آخر شيء في (الفيلا) ونهبت الخزانة الثمينة الصغيرة التي كان "فان رشتد" قد أخفى فيها قليلاً من الذهب وبضعة أحجار كريمة. روى هذه التفاصيل لـ"غال" بينما كانا يتمشيان على الأرصفة، يتمليان البحر والسفن الشراعية وهما يتنقلان بين الإنكليزية والفرنسية والبرتغالية. كان يرويها بنبرة عفوية كانت موضع إعجاب الثوري. لقد غدا "يان" الآن يعيش على دخل سنوي كان، كما قال، يتيح له ألكل والشرب حتى وفاته شرط ألا تطول مدة مقدمها أكثر مما يلزم.
أصغى الهولندي، الرجل غير المثقف لكنْ المستطلع، بإجلال إلى نظريات "غاليليو" حول الحرية وأشكال الجمجمة بصفتها من أعراض السلوك، وإن سمح لنفسه الاستثناء عندما أكد له الاسكتلندي بأن الحب الذي يتبادل الأزواج الشعور به إنما هو عيب ومصدر شقاء. كانت الرسالة الخامسة التي وجهها "غال" إلى صحيفة (شرارة الثورة) حول الخرافة، أي، حول كنيسة (أدسنيور دي بونفيم) التي كان الحجاج قد ملأوها بالنذور، بسيقان وأيادٍ وأذرع ورؤوس ونهود وعيون من خشب أو بلور، يطلبون المعجزات أو يقدّمون الشكر عليها. أما الرسالة السادسة فكانت تتناول (الجمهورية) التي كانت لا تعني في (باهبا) الأرستقراطية سوى تغيير بضعة أسماء. وفي الرسالة التالية كرّم ذكرى اربعة خلاسيين، وهم الخياطون "لوكاس وانتاس" و"لويز غونزا غاداس فرجنس" و "جواو دي ديوس" و"مانيويل فاوستينو" الذين كانوا، قبل قرن مضى، قد دبروا، مستلهمين الثورة الفرنسية، مؤامرة لتقويض الملكية وإقامة مجتمع مساواتي من السود والموَّلدين والبيض. أخذ "يان فان رشتد" "غاليليون" إلى الساحة العامة الصغيرة، حيث كان الحرفيون الأربعة قد شُنِقوا وقُطَّعوا إرباً، وشاهده، وهو متعجب، يضع بعض الزهور هناك. بين رفوف الكتب في مكتبة (كاتلينا)، تعرف "غاليليو غال" في أحد الأيام على الدكتور "خوزيه باتيستادي ساأوليفيرا" وهو طبيب مُسِنٌ ومؤلف كتاب كان قد أثار اهتمامه: (تقييس الجمجمة المقارن للنماذج الإنسانية في "باهيا" من وجهة نظر التطور والطب الشرعي). سعد الرجل العجوز، الذي كان قد زار ايطاليا ولقي "سيزار لومبروزو" الذي فتنته آراؤه، حين عرف أن ثمة قارئاً واحداً في الأقل، لهذا الكتاب الذي كان قد نشره على حسابه، والذي عّده زملاؤه كتاباً في غاية الغرابة.
لقد وجد الدكتور "أوليفيرا" في الاسكتلندي "غال" الذي كانت معرفته في الطب مثار عجبه، وإن كانت آراؤه محيرة دائماً صادقةً غالباً)، مجالساً ممتازاً في الحديث. كان يقضي معه أحياناً في مناقشة حادة للآلية الفيزيائية لشخصية المجرم، والوراثة البيولوجية، أو الجامعة، تلك المؤسسة التي كان "غال" يقف ضدها، محملاً إياها مسؤولية التفريق بين العمل البدني والذهني ولأنها تفرز لا مساواة اجتماعية أسوأ من الأرستقراطية والبلوتوقراطية الثرية. استخدم الدكتور "أوليفيرا" "غال" مساعداً له في عيادته الطبية وكان يعهد إليه أمر معالجة نزيف أو تنظيف جرح.
لم يكن الانطباع لدى "فان رشتد" أو الدكتور "أوليفيرا" أنهما يعرفان حقاً هذا الرجل ذا الشعر الأحمر واللحية الحمراء، المرتدي رثّ الثياب السود – ولو أنها كانا يسعيان للظفر بصحبته ولعلهما كانا يجلاّنه – ذلك الرجل الذي كان يبدو بالرغم من آرائه عائشاً حياة هادئة: ينام متأخراً، يعطي دروساً لغوية في بيوت تلاميذه، يتمشى هنا وهناك في المدينة من دون كلل، أو يقضي أياماً برمتها في عليته في القراءة والكتابة. كان يختفي أحياناً عن الأنظار، أسابيع عدة من دون إخبارهما مسبقاً. وحين يعاود الظهور، كانا يكتشفان أنه قد خرج في إحدى رحلاته الطويلة التي كانت تشعل البرازيل كلها وذلك أخطر الظروف. لم يكن ليتحدث إليهما قط عن ماضيه أو خططه. ونظراً لأنه كان يعطيهما أكثر الأجوبة غموضاً حين كانا يستفسران منه حول الموضوع، سلّما وقبلاه كما كان أو كما كان يبدو: رجلاً وحيداً، دخيلاً، غامضاً، غريب الأطوار، كلماته وآراؤه نارية لكنّ سلوكه سليم.
بعد عامين، أضحت برتغاليةُ "غاليليوم غال" سَلِسةً وقد بعث برسائل إضافية عدة إلى صحيفة (شرارة الثورة)، كانت الثامنة منها حول العقوبات الجسدية التي كان قد شاهد إيقاعها على الخدم الأرقاء في شوارع المدينة وساحاتها العامة. أما التاسعة فكانت حول أدوات التعذيب المستخدمة أيام الرق: المخلعة، مقيدة الساقين، سلسلة العنق، والكرات المعدنية التي تربط بالكواحل وحلقات سحق الإبهام. أما العاشرة فتناولت عمود الضرب بالسياط الخاص بالبلدية، حيث كان لا يزال مخالفو القانون ("الأخوة" كما سماهم "غال") يجلدون بسياط جلدية كانت تعرض للبيع في المخازن بالاسم البحري (أوبكال هاو)، أي سمك القد.
لقد كان يمضي ساعات عديدة، آناء الليل وأطراف النهار، هائماً في متاهات شوارع (سلفادور)، حتى أنه كان يمكن أن يُعَدَّ عاشقاً للمدينة. بيد أن موضع اهتمام "غاليليو غال" لم يكن أوجه جمال (باهيا)، بل المشهد الذي لم يكن ليكف قط عن استفزازه للثورة: الظلم. لقد أوضح في خطاباته إلى (ليون): "هنا، وليس كما في أوربا، لم تكن ثمة مناطق سكنية منفصلة عن بعضها". وفي إحدى رسائله كتب يقول: "تقع أكواخ المساكين الحقيرة إلى جنب القصور المكسوة بالقرميد، العائدة إلى مالكي مزارع ومطاحن قصب السكر. ومنذ جفاف ما قبل خمس عشرة سنة الذي دفع بآلاف من اللاجئين إلى هنا من المرتفعات، وحتى الآن، تزدحم الشوارع بالأطفال الذين يشبهون الكهول، والكهول الذين يشبهون الأطفال، ونساء مثل عصي المكانس. وبين هذه الجمهرة، يستطيع العالم بسهولة أن يشخص جميع ضروب العلل البدنية، من سليمة العواقب نسبياً إلى تلك الشديدة على نحو مروع: حمّى الصفراء، (البري بري)، الاستسقاء، الزحار، والجدري". كما كتب في إحدى رسائله: (على أي ثوري مهزوز العقيدة بلزوم القيام بثورة عظمن إن يلقي نظرة على ما انا مشاهِدُهُ في (سلفادور): ذلك قمين بإزالة شكوكه كلّها).
(3)
بعد أسابيع من ذلك، علم في (سلفادور) أن في بلدة نائية تسمى (ناتوبا) تم إحراق مراسيم الضرائب الجمهورية الجديدة كل الجّدة. فقررت الحكومة إرسال مفرزة من شرطة ولاية (باهيا) للقبض على المشاغبين. انبرى ثلاثون شرطياً، في بزوات زرق وخضر وقبعات لا تزال تحمل شارة الملكية التي لم يتسن للجمهورية أن تغيرها بعد، مسافرين بالقطار أولاً ثم راجلين، في الرحلة المرهقة إلى ذلك المكان الذي لم يكن بالنسبة إلى الجميع سوى اسم على خارطة. لم يكن (المرشد) في (ناتوبا). حقق أفراد الشرطة المبتلّون بالعرق مع مشاوري البلدية وسكان البلدة قبل أن يرحلوا بحثاً عن هذا الثائر الذي سيعودون باسمه الذائع وأسطورته إلى الساحل وينشرون اسمه في شوارع (باهيا). وبقيادة أحد أدِلاء الأثر المحليين، اختفوا ببزاتهم الزرق والخضر البارزة في ضوء الصباح المشرق، داخل الفيافي في طريقهم إلى (كومبي).
لبثوا أسبوعاً آخر يقتفون أثر (المرشد) صعوداً ونزولاً في أرض رملية تكسوها نباتات الـ(ماندركاس) الشوكية وقطعان غنم متضورة جوعاً تنبش هنا وهناك بين الأوراق الذابلة. لقد رآه الجميع ماراً بهم، ففي يوم الأحد الماضي كان قد صلّى في هذه الكنيسة، ووعظ في تلك الساحة العامة، ونام حذو تلك الصخور. وأخيراً وجدوه على مبعدة سبعة فراسخ من (توكانو) في مستوطنة تدعى (ماسيته) هي عبارة عن مجموعة من أكواخ من اللبن مكسوة بقرميد مستديرة قرب (سيرادي اوفو). كان الغسق قد حلّ. لمحوا نسوة يحملن أباريق على رؤوسهن، فتنهدوا مرتاحين لقرب انتهاء مهمتهم التفتيشية. كان (المرشد) ممضياً الليلة مع "شفر ينوفيانا" وهو فلاح يملك حقل ذرة على بعد كيلو متر خارج المستوطنة. خرج رجال الشرطة إلى هناك خبياً بين أشجار (الجوازيرو) ذوات الأغصان الحادة الأطرف وأجمات الـ(فيلامي) التي تهيج جلودهم. وحين وصولهم، في الغبش، رأوا مسكناً لا يتكون إلا من سياج خشبي، ورهطاً من خلائق غير محددة الشكل تجمعت حول شخص ما لابد أن يكون الرجل الذي كانوا يبحثون عنه. لم يهرب أحد. لم يشرع أحد بالصياح والصراخ عند رؤية بزاتهم وبنادقهم.
هل كانوا مئة هناك، مئة وخمسين؟ كان عدد الرجال قدر عدد النساء، وبدا أن أكثرهم كما ظهر من الملابس التي كانوا يرتدون، قد جاءوا من صلب أفقر الفقراء. كانت في عيون الجميع نظرة تصميم لا يقهر – كما أخبر أفراد الشرطة، الذين عادوا إلى (باهيا) بعدئذ، زوجاتهم أو عشيقاتهم، والمومسات اللواتي كانوا يضاجعونهن، وأصدقاءهم. لكن في الحقيقة، لم يكن لديهم متسع من الوقت لملاحظتهم أو تشخيص زعيم الزمرة. لقد أمرهم العريف المسؤول آنذاك أن يسلموا الرجل المعروف (بالمرشد)، فهاجمهم الحشد. عمل طائش تماماً نظراً لحقيقة أن افراد الشرطة كانت لديهم بنادق في حين لم يتسلح أولئك بغير العصي والمناجل والحجارة والمدي وبندقيتي رش. غيران كل شيء حصل بدرجة من السرعة بحيث وجد رجال الشرطة أنفسهم، قبل أن يدركوا ما جرى، مطوقين، مشتتين، مطاردين، مضروبين ومصابين وهم يسمعون كلمة "جمهوريين!" تطلق عليهم، كما لو كانت الكلمة شتيمة. وأخيراً تمكنوا من تثبيت بنادقهم على أكتافهم وإطلاق النار. لكن حتى عندما تساقط الرجال والنساء بأسمالهم البالية أرضاً، وصدورهم ممزقة بالرصاص، أو رؤوسهم متطايرة، لم يغش الحشد أي شيء، وسرعان ما وجد أفراد شرطة (باهيا) أنفسهم لائذين بالفرار، دائخين مذهولين جراء هذا الاندحار الذي لا يمكن فهمه. قالوا فيما بعد إنه لم يكن من بين مهاجميهم أولئك المتعصبون والمجانين الذين كانوا يتوقعونهم حسب، بل مجرمون مخضرمون كذلك مثل "باجو" ذي الوجه المشروط وقاطع الطريق الذي أكسبته الفظائعُ التي ارتكبها لقب "جواو" الإبليس. لقد قتل ثلاثة من عناصر الشرطة، تُرِكوا من غير دفن زاداً لطيور الرمّة في (سيرا دي اوفو)، كما اختفت ثمان بنادق، وغرق شرطي في (ماستيه). لم يتعقبهم الحجاج، واهتموا بدل ذلك بدفن موتاهم الخمسة والعناية بالجرحى، في حين قدّم آخرون شكرهم للربّ، وهم راكعون عند قدمي (المرشد). كان يمكن سماع أصوات النحيب والصلاة على أرواح الموتى حتى ساعة متأخرة من الليل، وسط اللحود التي حفرت في حقل ذرة (سفرينوفيانا).
حين ترجلتْ من القطار في (سيرنيا) قوة ثانية من شرطة (باهيا) يبلغ عددها ستين فرداً، مسلحة على نحو أفضل من الأولى، اكتشفت تغيراً ماكراً في موقف القرويين حيال الرجال المرتدين بزات رسمية. فمع أن العداوة، التي كانت الشرطة تُسْتَقْبَل بها في المدن حين كانت تصعد إلى التلال تصيّداً لقطاع الطرق، لم تكن جديدة عليهم، فإنهم لم يكونوا متيقّنين قط مثل تيقنهم هذه المرة من العراقيل التي وضعت في طريقهم عن قصد. فمؤن المتاجر العامة قد نفذت تواً، وعلى الدوام، حتى لو عرضوا على القرويين أسعاراً جيدة لقاءها. وبالرغم من الأجر العالي المعروض، لم يقم أي دليل من أدلاء الأثر في (سيرنييا) بإرشادهم. كما لم يستطع أحد هذه المرة أن يدلّهم أبسط دلالة على مكان العصبة. وفي حين كان أفراد الشرطة يترنحون من (الهوس داغوا) إلى (بدرا ألتا)، من (تراكويا) إلى (تريركا)، ومن هناك إلى (توكانو) ومن ثم إلى (كارائيبا) و(بونتال)، وأخيراً رجوعاً إلى (سيرينيا)، ولا يلقون سوى نظرات اللامبالاة وسلبيات الأسف وهزة أكتاف اللامعرفة من جانب رعاة البقر والفلاحين والحرفيين والنساء ممن كانوا يتلقونهم في الطريق، شعروا كأنهم يحاولون أن يضعوا أيديهم على سراب: العصبة ما مرّتْ من هنا، ما من أحد شاهد الرجل ذا الشعر الأسود والجلد الداكن والمرتدي رداء أرجوانياً غامقاً، ولم يعد أحد يتذكر أن المراسيم قد أُحرقت في (ناتوبا)، كما لم يسمعوا بحصول مقابلة مسلحة في (ماسيته). وعند عودة أفراد الشرطة إلى عاصمة البلاد سالمين آمنين، لكنْ محبطين، قرروا أن قطيع المهووسين – المتحلقين برهة عابرة، مثل آخرين كثيرين، حول امرأة أو واعظ شديد الورع – قد تشتت من دون ريب، وفي هذه المرحلة لابد أن أفراده المرتاعين من سيئاتهم قد تفرقوا شذر مذر بعد أن يكونوا قد قتلوا زعيمَ عصابتهم على الأرجح. ألم يكن مثل ذلك قد حدث مرات كثيرة في المنطقة؟
بيد أنهم كانوا على خطأ. فمع أن الوقائع كانت على ما بدا تكراراً لأنماط قديمة من التاريخ، إلا أن كل شيء قد اختلف هذه المرة. فقد أصبح التائبون أكثر اتحاداً منهم في أي وقت مضى. فبدلاً من أن يقتلوا القديس بعد النصر في (ماسيته)، زادوا إجلالاً له. وفي صباح اليوم التالي للاشتباك قام (المرشد)، الذي كان قد صلى كثيراً طوال الليل على قبور الثوار الموتى، بإيقاظهم. وجدوه مكتئباً أشد الاكتئاب. أخبرهم أن ما حدث في مساء اليوم السابق كان من دون شك، مقدمة لعنف أشد، وطلب إليهم أن يعودوا إلى بيوتهم ذلك إنهم إذا ما واصلوا السير معه فقد يكون مصيرُهم السجنَ أو الموت مثل إخوانهم الخمسة الذين غدوا في محضر (الأب). لم يتحرك أحد. جالت عيناه في المئة، المئة والخمسين، المئتين من الأتباع ذوي الاسمال البالية الموجودين قبالته، وهم لا يزالون جد متأثرين بفيض عواطف الليلة السابقة، بينما كانوا يستمعون إليه. لم يحدق اليهم حسب، بل بدا أنه كان يراهم أيضاً، قال لهم برفق: "اشكروا المسيح المبارك، فالظاهر أنه اختاركم لتكونوا قدوة).
تبعوه بأرواح تجيش عاطفة – ليس بسبب ما قاله لهم حسب، بل، كذلك، بسبب الرقة في صوته الذي كان صارماً وغير شخصي على الدوام. كان اللحاق به عملاً شاقاً بالنسبة إلى بعضهم وهو يغّذ السير بالخطوات الواسعة لطيرٍ خوّاصٍ طويل الساقين، في المسلك الذي لا يصدق، المسلك الذي اختاره لهم هذه المرة. كان مسلكاً لا يصلح لدواب الحمل ولا لرجال العصابات. لقد رّجح أن يقودهم مباشرة عبر صحراء بِكْرٍ فيها صّبار وشجيرات خفيفة متشابكة وصخور خشنة. بيد أنه لم يتردد قط بشأن مقصده. وخلال وقفة الليلة الأولى، بعد أداء صلاة الشكر المعتادة وقيادتهم في تلاوة (سلسلة الصلوات)، تحدث إليهم عن الحرب وعن بلدان يقتل بعضها بعضاً من أجل الغنائم، مثل الضباع إذ تتقاتل من أجل الجيف، معلناً في حزن شديد بأنه مادامت البرازيل قد أصبحت جمهورية فلسوف تتصرف، هي الأخرى، مثل بقية الشعوب الضالة. كما سمعوه يقول لابد أن "قان" يحتفل فرحاً، وأن الوقت حان لوضع الأسس وإقامة معبد يكون، حين يأتي نهاية العالم، ما كانته (سفينة نوح)في البداية.
وأين سيضعون الأسس ويقيمون هذا المعبد؟ عرفوا الجواب بعد أن اجتازوا وهاداً وأنهراً ضحلة وسلاسل ذرى مثلَّمة وغابات خفيضة – سفرات أيام تولد وتموت مع الشمس – مرتقين سلسلة كاملة من الجبال وعابرين نهراً فيه قليل القليل من الماء يُسمّى فازا - يارس).
قال المرشد مؤشراً إلى مجموعة أكواخ، غير بعيدة كانت من قبل مأوي للعمال الفقراء، وإلى القصر المتهدم الذي كان يوماً قصر العزبة حين كان المكان مزرعة شاسعة: (سنستقر هنا). تذكر بعضهم أنه كان، منذ سنين خلت، ولا يزال يتنبأ في أحاديثه الليلية أن الذي اختاره المسيح المبارك سوف يجد، قبل الأيام الأخيرة، ملاذاً في أرض عالية متميزة لا يدخلها إلاّ المطهرون ولسوف يتمكن أولئك الذين قاموا بهذا الصعود الطويل إلى هذه المرتفعات من التيقن من الراحة الأبدية. هل بلغوا، إذن، أرض الخلاص؟ تابعوا المضي إلى (كانودوس) وراء دليلهم فرحين، متعبين، وهناك كانت عائلتا الأخوين "فيلا نوفا"، وهما تاجران يملكان متجراً فيها، وسائر سكان المكان قد خرجوا لمشاهدة مقدمهم.
**
الشمس تحرق الأراضي الخلفية فتحيلها حجراً، وتتلألأ على أمواه (إتابيكورو) السود المخضرة، وتنعكس من على دور (كيماداس) التي تفّ بالطرف الأيمن من النهر، عند قعر أخاديد الطين المحمّر. أشجار قليلة تلقي ظلا لها على الأرض الصخرية المتحدّرة الممتدة شرقاً باتجاه "ياكودا اونسا". يتوجه الراكب – ذو الجزمة العالية والقبعة العريضة الحاشية والجلباب الأسود – يرافقه ظله وظل بغله، غير متعجل، صوب أجمة من شجيرات رمادية اللون. وإلى الخلف منه، وعلى مسافة نَأَتْ فعلاً، لا تزال سقوف (كيماداس) تتلألأ كأنها نار. وإلى يساره، وعلى بعد مئات عدة من الأمتار، يمكن رؤية كوخ على قمة مرتفع. ظفائره السميكة المنسدلة من تحت قبعته، ولحيته الصغيرة الحمراء، وملابسه، معفّرة بالتراب. يتصبب عرقاً غزيراً، ويمسح جبهته بيده، ويُجري لسانه على شفتيه المتيبستين مرة تلو مرة. وعند أول مجموعة من صغير الشجيرات، في الأجمة، يكبح جماح البغل وتتفحص عيناه الزرقاوان المكان هنا وهناك بكل توق، وأخيراً يتبين رجلاً ذا صندال وقبعة جلدية وسروال قطني وبلوز قطني خشن، ومدية ضخمة مثبتة في نطاق خصره، راكعاً على بعد بضع أقدام منه وهو يتفحص فخاً.
يسأل: ("روفينو"؟ "روفينو" الدليل من "كيماداس"؟). يستدير الرجل ببطء نصف استدارة، كما لو كان شاعراً بوجوده بعض الوقت، ويضع إصبعاً على شفتيه مشيراً له أن يصمت: (إش...إش) . وفي الوقت نفسه، يلقي نظرة عليه، وللحظة بان العجبُ في عينيه السوداوين، ربما بسبب لَكْنَةِ القادم الجديد الغريبة بالبرتغالية، أو ربما بسبب ملبسه الجنائزي. يسحب "روفينو" – الشاب ذو البدن النحيف اللدن والوجه البارز العظام، غير الملتحي، الملفوح، مديته من نطاقه ويستدير ثانية نحو فخه المخبوء تحت الأوراق، وينحني عليه من جديد ويشدُّ شبكةً: يجرّ من الفتحة خليطاً مشوشاً من ريش اسود ينقّ، إنه فرخ نسر لا يستطيع أن يغادر الأرض لأن إحدى قدميه قد وقعت في شباك الفخ. يبدو على وجه الدليل تعبير الخيبة، فيطلق سراح الطير القبيح من الشبكة بطرف المدية ويرقبه يختفي في الهواء الأزرق، مصفقاً جناحيه على نحو بائس.
يتمتم مشيراً إلى الفخ: (في إحدى المرات، قفز نمر مرقط عليّ هاجماً. كان قد أمسى أعشى بعد بقائه في تلك الحفرة ساعات ما أكثر عددها). يومئ "غاليليوغال" إيجاباً، ينتصب "روفينو" ويخطو خطوتين نحوه. أما وقد تحرر الغريب ليتكلم فإنه يبدو متردداً. يقول، بعد لأي : (ذهبتُ إلى بيتك باحثاً عنك فأرسلتني زوجتك إلى هنا).
ينبش البغل الأوساخ بحافريه الخلفيين، ويمسك "روفينو" رأسه ويفتح فمه. وفيما يتفحص أسنانه بنظرة العارف، يبدو متفكراً بصوت عالٍ: (يعرف مدير محطة "جاكوبنيا" حالتي. إني رجل عند كلمته، ولسوف يخبرك أي رجل في "كيماداس" بذلك إن ذاك لعملٌ شاق. وحيث أن "غاليليوغال" لا يجيب، يستدير "روفينو" ليلقي نظرة عليه، ثم يسأله، متكلماً بتأن بعد إدراكه بأن الغريب يلاقي صعوبة في فهمه: (ألست من شركة السكك الحديد؟). يدفع "غاليليوغال" قبعته دفعاً خفيفاً إلى الوراء ويشير بذقنه صوب التلال الصحراوية المحيطة بهما من كل صوب: (أريد الذهاب إلى "كانودوس"). يتوقف ثم يطرف بعينيه كأنه يخفي تحمسهما، ويضيف قائلاً: (أعرف أنك قد صعدت إلى هناك مرات كثيرة). تبين على وجه "روفينو" نظرةٌ جادة جداً. تشرع عيناه تتفحصانه الآن بعدم ثقةٍ لم يكلف نفسه عناء إخفائها. يقول بحرص: (تعودتُ الذهاب إلى "كانودوس" حيث كانت مرعى للأبقار، ولم أعد إليها منذ تخلي البارون "دي كانا برافا" عنها). يجيب "غاليليوغال": (لا يزال الطريق إلى هناك هو نفسه).
إنهما واقفان مُتدانيين جداً، يتفحص كل منهما الآخر. ويبدو أن التوتر الصامت تعداهما إلى البغل الذي يرفع رأسه بحركة مفاجئة ويبدأ بالانكفاء. يسأل "روفينو" وهو يهدّئ الدّابة بضرب رقبتها خفيفاً: (هل أرسلك البارون "دي كانا برافا" نفسه؟). يهز "غاليليوغال" رأسه، ويكفّ الدليل عن متابعة الأمر، ثم يُجري يده على إحدى قائمتي البغل الخلفيتين ويحمل الدابة على رفعها ثم يقعد القرفصاء ليتفحص الحافر. يتمتم قائلاً: (ثمة أمور تجري في "كانودوس". فقد هجم الناس الذين احتلوا مزرعة البارون على جنود الحرس القومي في "اواوا". وقيل إنهم قتلوا عدداً منهم). يقول "غاليلو غال" بصوت قابع* تصاحبه بسمة:(أتخشى أن يقتلوك؟.. هل أنت جندي؟). أخيراً وجد "روفينو" ما كان يبحث عنه في الحافر – ربما شوكة أو حصاة صغيرة، ضاعت في يديه الضخمتين الخشنتين. يقذفها بعيداً، ويطلق الحيوان.
يجيب هادئاً، مع مجرد أثر ابتسامة: (أخاف؟ كلا، البتة. إن "كانودوس" تبعد مسافة طويلة عن هنا). – (سأدفع لك أجراً معقولاً). وإذ تخنقه الحرارة، يأخذ "غاليليوغال" نفساً عميقاً ويخلع قبعته وينفض شعر رأسه المنسدل الأحمر المجعد (سوف نرحل في غضون أسبوع أو عشرة أيام في الأكثر. ثمة شيء واحد مؤكد: لابد أن نكون حريصين جداً). ينظر الدليل "روفينو" إليه من دون أن يُطْرِف عيناً، من دون أن يلقي عليه أي سؤال. يضيف "غاليليوغال" وهو يلعق شفتيه: (وبسبب ما حدث في "اواوا"، يجب أن لا يعرف أحداً أننا قاصدان "كانودوس"). يشير "روفينو" إلى الكوخ الوحيد المصنوع من طين وسياج خشبي، وشبه الذائب في الضوء على قمة المرتفع، ويقول: (تعال إلى بيتي وسوف نبحث الأمر ونقّلبه). يشرعان بالسير، يتبعهم البغل الذي يقوده "غاليليو" بالعنان إنهما بالطول نفسه تقريباً. بيد أن الدخيل أكثر امتلاءً، وخطوة أقوى على نحو يكاد يكون مفرطاً، في حين إن الدليل يبدو طائفاً فوق الأرض. إنها الظهيرة، وقد ظهر بضع غيمات بيض ضاربة إلى الصفرة في السماء.
يتلاشى صوت الدليل في الهواء وهما سائران: (من أخبرك عني؟ وإذا لم اكن متطفلاً، ما الذي يدعوك إلى قطع مثل هذا الطريق الطويل؟ ما الذي أضعته هناك في "كانودوس"؟)
* *
في صباح يوم غير ممطر، ظهرت هي عند طلوع النهار فوق قمة تل في الطريق من "كيجنغ" حاملة صليباً من خشب على ظهرها. كان عمرها عشرين تماماً لكنها كانت قد عانت كثيراً حتى بدت كهلة. كانت امرأة عريضة الوجه، مكدومة القدمين، جسمها لا شكل له وجلدها بلون جلد الفأر. كان اسمها "ماريا كوادرادو". وكانت في طريقها من (سلفادور) إلى (مونته سانو) مشياً على القدمين. كانت لا تزال مستمرة في جرَّ الصليب على ظهرها منذ ثلاثة أشهر ويوم. وعلى الدرب الذي كان يخترق مضايق صخرية وغابات خفيضة تزخر بالصبّار وصحارى تثير الرياح فيها أبالسة ترابية تعوي، ومستوطنات تتألف الواحدة منها من شارع موحل وحيد وثلاث نخلات، ومستنقعات موبوءة حيث تغطس الأبقار أجسامها هرباً من الخفافيش. كانت "ماريا كوادرادو" تنام في العراء، باستثناء المرات القليلة جداً التي كان يعرض فيها حطّابٌ أو راعٍ كان ينظر إليها نظرته إلى قديسة أن تشاركه مأواه. كانت تقيم أودها في العيش على قطع من سكر أسمر كان ذوو النفوس الخيرة ينفحونها إياها، وفاكهة برية تقطفها من الأشجار والشجيرات حين تزأر معدتها بعد جمع طويل الأمد. وإذ غادرت "ماريا كوادرادو" (باهيا)، وهي مصممة على الحج إلى الجمجمة* الأعجوبية في (سيرا دي بيكاراجا) حيث كان درب بطول كيلو مترين – محفور في سفوح الجبل وتنتشر عليه كنائس صغيرة مقامة واستذكاراً لصلب المسيح – يؤدي إلى كنيسة الصليب المقدس لـ(مونته سانتو)، التي كانت هي قد نذرت أن تبلغها مشياً على القدمين استغفاراً لذنوبها، كان شعرها مضفوراً جدائل معقودة بشريط، وكانت ترتدي تنورتين وبلوزة زرقاء وزوجاً من الأحذية الحبلية النعل، بيد أنها وهبت ملابسها إلى الشحاذات في طريقها: وسُرِق حذاؤها منها في (بالميرا دوس انديوس)، حتى أنها حين لاحت لهما (مونته سانتو) في ذلك الفجر كانت حافية القدمين وكان ملبسها الوحيد كيساً من قماش (الاسيارتو) ذا ثقبين للذراعين. كان رأسها ذو خصلات الشعر المقرطعة على نحو فظ والجمجمة العارية يذكّر الرائي برؤوس مجانين المصح في (سلفادور). لقد سبق أن قصَّت كل شعرها بعد أن اغتُصِبَتْ للمرة الرابعة. أجل لقد اغتصبت أربع مرات منذ بدء رحلتها: اغتصبها رجلُ أمنٍ وراعي بقر. واثنان من صيادي الغزلان معاً، ثم راعٍ للمعز كان قد آواها في كهفه. لقد شعرت، في المرات الثلاث الأولى، في أثناء تدنيسهم إياها، بالاشمئزاز فقط من أولئك الوحوش الذين كانوا يختضون فوقها كمن استبدت به رقصة القديس "فيتوس" وتحملت محنتها متضرعة إلى الله ألا يتركوها حاملاً. لكن في المرة الرابعة شعرت بدفق من التأسي تجاه الشاب الراقد فوقها والذي شرع، بعد أن ضربها التذعن له، يُسْمِعَها رقيق الكلام متلعثماً. وعقاباً على هذا التعاطف، قرطمت شعرها وأحالت نفسها إلى غول مضحك مثل أولئك الذين يعرضهم سيرك الغجر في بلدات (السيرتاو).
عند بلوغ قمة التل، حيث شاهدت أخيراً مكافأة جميع مساعيها – سلسلة الدرجات الصخرية الرمادية والبيض (للطريق المقدس)، متلوية بين السقوف المخروطية للكنائس الصغيرة، صعوداً حتى تمثال (المصلوب) في القمة، حيث تزدحم جموع غفيرة من الناس من جميع أصقاع ولاية (باهيا) في كل (أسبوع مقدس). ونزولاً، عند سفح الجبل شاهدت المنازل الصغيرة في (مونته سانتو) تتزاحم حول ميدان عام فيه شجرتا تمر هندي كثيفتا القمتين وتتحرك فيه الظلال – هناك ارتمت "ماريا كوادرادو" أرضاً على وجهها ولثمت التراب. هوذا – يحفّ به سهل تكسوه خضرة نمت جيداً حيث تكلأ قطعان المعز - هوذا المكان الذي طال الاشتياق إليه والذي حفّزها اسمه على القيام بالرحلة والذي أعانها تحمل التعب والجوع والبرد والحر والاغتصاب مرة بعد أخرى. وإذ قبَّلت المرأة ألواح الخشب التي سمّرتها معاً بنفسها لصليبها، شكرت ربها في دفق مختلط من الكلمات لتمكينها من تحقيق نذرها. ثم سارت خَبَباً ومعها الصليب مرة أخرى قاصدة (مونته سانتو) وكأنها حيوان تدلّه حاسةُ شَّمه على أن يجعل فريسته أو زريبته في متناول اليد. دخلت البلدة عند استيقاظ الناس تماماً، فأثارت الفضول وراءها، من باب إلى باب، ومن نافذة إلى نافذة وجوهٌ مستمتعة، وجوهٌ متأسية، برزت لتشاهدها- عليلة قذرة، قبيحة، طال أمد معاناتها. وحين بدأت ترتقي (روادوس سانتوس باسوس) – المنشأ فوق الوهدة التي كانت قمامةُ البلدة تُحرَق وخنازير البلدة تَنْبُش فيها، عند بدء (الطريق المقدس) – تبعها موكب ضخم، شرعت ترتقي الجبل على ركبتيها، يحف بها سائو البغال الذين تركوا أعمالهم، واسكافيون وخبازون، وجمعٌ من صغار الصبيان، ونسوة ورعات انتزعن أنفسهن من (تاسوعية) الصباح. شاهدها أهل البلدة الذين نظروا إليها ببساطة نظرتهم إلى شخص غريب الأطوار – شاهدوها عند بدء صعودها تجرّ نفسها إلى الأعلى في ألم، حاملةً الصليب الذي لابدّ أنه كان يزن مثل وزنها، رافضةً السماح لأيّ امرئ أن يساعدها. كما شاهدوها تتوقف للصلاة عند كل من الكنائس الصغيرة الأربع والعشرين وتلثم، وعيناها مترعتان بالحب، أقدام التماثيل في جميع المحاريب المقنطرة في واجهة الصخر، كما شاهدوها تصمد ساعة إثر ساعة من دون أن تأكل لقمة واحدة أو تشرب قطرة ماء واحدة، فإذا ما حلّ الليل بجَّلوها مثلما يبَّجلون قديسة حقيقية. وصلت "ماريا كوادرادو" إلى ذروة الجبل – وهو عالم قائم بحد ذاته حيث الطقس بارد على الدوام وأزهار (الأوركيد) نامية بين الصخور الضاربة إلى الزرقة. ومع ذلك بقيت لديها قوة كافية لتشكر الله على حظها المبارك، قبل أن تسقط مغشياً عليها.
كثيرون من أهالي (مونته سانتو)، الذين لم ينحسر كرم ضيافتهم الذي يضرب فيه المثل جراء غزو الحجيج بين مدة ومدة، عرضوا السكن على "ماريا كوادرادو" بيد أنها أقامت في كهف يقع في منتصف الطريق إلى (الطريق المقدس)، حيث كان من قبل مناماً للطيور والقوارض فقط. كان تجويفاً صغيراً ذا سقف واطئ جداً بحيث أنها لم تكن لتستطيع أن تقف منتصبة فيه، وذا جدران رطبة جداً بسبب الماء النازل قطرةً قطرة حتى صارت مكسوة بالطحلب، وذا أرضية من الحجر الرملي كان يجعلها تعطس. ظل أهل البلدة أن ذلك المكان سرعان سيشهد نهايتها. لكن قوة الإرادة التي مكنت "ماريا كوادرادو" من السير ثلاثة أشهر حاملة صليباً ثقيلاً على كاهلها مكنتها كذلك من العيش في ذلك الحجر غير المضياف طيلة السنوات التي مكثت فيها في (مونته سانتو).
صار كهف "ماريا كوادرادو" مزاراً، وأكثر المقامات حظوة بزيارة الحجاج، هو وتمثال (المصلوب). وبمرور الشهر شرعت تزّينه شيئاً فشيئاً. صنعت أصباغاً متعددة الألوان من عصارة النباتات ومساحيق المعادن ودم حشرات القرمز الذي يستخدمه الخياطون في صبغ الملابس. وإزاء خلفية زرقاء قُصِدَ بها أن تعني قبة الفلك، رسمت أشياء لها صلة بآلام المسيح: المسامير التي دُقَّت في كفيه وقدميه، والصليب الذي حمله على ظهره وعليه قضى نحبه، تاج الشوك الذي أنغرز في صدغيه، رداء استشهاده، رمح قائد المئة الذي اخترق لحمه، المطرقة التي دقت بها المسامير، السوط الذي جلده، الاسفنجة التي شرب منها النبيذ الحامض، النّرد الذي كان الجنود الكفرة يلعبون به عند قدميه، والكيس الحاوي قطع الفضة الذي أُعطي لـ"يهودا" مكافأة على خيانته. كما رسمت الكوكب الذي دلّ (الملوك الثلاثة) والرعاة إلى (بيت لحم)، وكذلك (قلباً مقدساً) يخترقه سيف. كما صنعت مذبحاً وخزاناً لخزن براقع تستعملها التائبات، وخصصت مكاناً لتعليق النذور. أما هي فكانت ترقد عند قاعدة المذبح على فراش من قش.
لقد جعلتها طيبتها وإخلاصها محبوبة أهالي بلدة (مونته سانتو) الذين تبنّوها كما لو كانت عاشت هناك طيلة حياتها. وسرعان ما طفق الأطفال يسمونها العّرابة. وشرعت الكلاب بالسماح لها بدخول البيوت والساحات من دون أن تنبح عليها. كانت حياتها مكرسة للّه وخدمة الآخرين. كانت تقضي ساعات عند أسَِّرة المرضى، تغسل جباههم بالماء وتصلي من أجلهم. كما كانت تساعد القابلات في رعاية النساء عند الولادة، وترعى صغار نسوة الجيران اللواتي يضطرون إلى التغيب عن بيوتهن. كانت على استعداد للقيام بأكثر المهمات إيثاراً، مثل مساعدة الطاعنين في السن العاجزين عن تولي حاجاتهم الطبيعية بأنفسهم. كانت الصبايا اللواتي في سن الزواج يسألنها النصيحة حول من يتقدم للزواج منهن، وكان الصبيان المغازلون الصبايا يتوسلون إليها أن تتوسط لهم لدى أولياء أمور حبيباتهم في حالة امتناع أولئك عن تزويجهن إياهم. كانت تصالح الأزواج المتخاصمين، وكانت النسوة اللواتي يحاول بعولهن ضربهن لكسلهن، أو قتلهن لارتكابهن الزنا يبادرن إلى اتخاذ كهفها ملاذاً، لمعرفتهن أنه ما من رجل في (مونته سانتو) يتجرأ على أن يمسهن بأي أذى ما دامت هي خامتيهن. كانت تأكل أي شيء يعطى إليها صَدَقَةً، وبكميةٍ تبلغ من القلة بحيث أن الطعام الذي يتركه المؤمنون في كهفها كان يجاوز كفايتها دوماً. وفي كل عصر كانت تُشاهَدُ وهي تشارك الفقراء ما تبقى لديها من طعام. كما كانت توزع عليهم الملابس التي كانت تعطى إليها. ولم يكن أحد قد شاهدها قط، سواء في الجو الحسن أم الرديء مرتدية أي شيء سوى الكيس، المصنوع من قماش (الاسيارتو) المليء بالثقوب، الذي كانت ترتديه يوم قدومها.
لم تكن علاقتها بأفراد إرسالية (ماسكارا) الذين قدموا إلى (مونته سانتو) للاحتفال بالقداس في كنيسة (قلب المسيح المقدس) علاقة حميمة. كانوا لا ينفكون يحذرون الناس من الضرب الخاطئ من التدّين، الضرب الذي فلت من سيطرة الكنيسة، مشيرين في سبيل المثال إلى "بدراس أيتكانتا داس" في منطقة (أس فلورس) في (برنامبوكو) حيث كان الضال "جواو فريرا" ورهط من الأنصار قد نثروا دَمَ عشرات الأشخاص (بضمنه دمها) على الصخرة آنفة الذكر معتقدين بأنهم بتلك الطريقة سيبطلون السحر الذي كان قد قيَّد الملك "دوم سباستياو" أحد حكام البرتغال الذي كان قد اختفى على نحو غامض في أثناء جهاده ضد المغاربة، ويعيدون الحياة إلى الذين لقوا حتفهم في المعركة الأخيرة، ويقودون الطريق إلى الفردوس. كانت "ماريا كوادرادو" تمثل، بالنسبة إلى إرساليات (ماسكارا) حالةً وسطية تتاخم الضَّلال. أما هي فكانت تركع عند مرور أفراد الإرساليات وتقبل أيديهم وترجو مباركتهن. بيد أنه لم يعرف عنها بأنها عقدت يوماً مع أولئك (الآباء) ذوي الأردية الشبيهة بالأجراس، واللحن الطويلة، وأسلوب الكلام الذي غالباً ما يعب فهمه، صلات حميمة وصميمية مثل تلك التي ربطتها بأهالي (مونته سانتو). كان أفراد الإرساليات يخدرون المؤمنين في مواعظهم، كذلك، من الذئاب التي تتسلل إلى الزريبة بمظهر الحملان لتلتهم القطيع كله: أي من أولئك الأنبياء المزيفين الذين كانت (مونته سانتو) تجتذبهم كما تجتذب العسل الذباب. كانوا يظهرون في أزقتها الضيقة مرتدين جلود الخراف مثلما فعل "يوحنا المعمدان" أو سترات تشبه الأردية الكهنوتية ويصعدون صوب تمثال (المصلوب) ويباشرون من فورهم بإلقاء مواعظ نارية غير مفهومة. كانوا مصدراً عظيماً لتسلية البلدة بكاملها، تماماً مثل رواة الحكايات الجّوالين، أو "بدرم" الجبار، أو (السيدة الملتحية) أو(الرجل الذي لا عظام له) في سيرك الغجر. لكن "ماريا كوادرادو" لم تقرب قط رهط الحواريين الذين كانوا يتحلقون حول هؤلاء الوعاظ الهمج. ولذلك تعجب أهالي البلدة حين شاهدو "ماريا كوادرادو" تتجه في أحد الأيام صوب المقبرة، حيث شرع ورهط من المتطوعين ببناء جدار حولها بعد أن حضّهم على ذلك رجل طويل الشعر، ذو بشرة غامقة اللون، يلبس رداءً أرجوانيا غامقاً، والذي ما إن وصل إلى البلدة صباح ذلك اليوم مع جمع من الحواريين (بينهم مخلوق نصف إنسان نصف حيوان، كان يجري على الأربع) حتى أنّبهم لأنهم لم يكلّفوا أنفسهم حتى إقامة حائط حول الأرض التي دُفِنَ فيها موتاهم. ألم يكن مناسباً ولائقاً أن يُوقَّر الموت، وهو الذي يتيح للإنسان أن يرى وجه الله؟ وبصمت انضّمت "ماريا كوادرادو" إلى الناس الذين كانوا يجمعون الحجارة ويكوّمونها في صف ملتوٍ يحيط بالصلبان الصغار التي أحرقتها الشمس، وشرعن في المساعدة. اشتغلت معهم كتفاً لكتف حتى الأصيل وبعده لبثت في الساحة الرئيسية تحت شجرتي التمر هندي بصحبة رهط تجمعّ ليستمع إلى الرجل ذي البشرة الغامقة. ومع أنه ذكر الله وقال إن من المهم لخلاص روح إنسان ما أن يدَّمر هذا الشخصُ إرادته أو إرادتها – فهذهِ سمٌّ أَوْهَمَ كلَّ فرد بأنه إله صغير أعلى شأناً من الآلهة الذين حوله – أن يُحَّل محلَّها إرادةَ (الشخص الثالث)، الشخص الذي بنى، الشخص الذي كدَّ واجتهد، (النملة الدؤوب)، وما شاكل ذلك، فإنه كان يتحدث عن هذهِ الأمور بلغة واضحة كانوا يفهمون كل كلمة منها. كان حديثه يبدو بالرغم من كونه دينياً وعميقاً، مثل أحد أحاديث ما بعد العشاء المسلية التي كانت الأسر تتبادلها خارجاً، في الشوارع، بينما كانت تنعم بنسائم المساء. كانت "ماريا كوادرادو" تمكث في الساحة، مكوَّرةً نفسها تماماً، وهي تنصت إلى (المرشد) من دون أن تسأله أي شيء، من دون أن ترفع نظرها عنه. وحين يتأخر الوقت ويعرض الباقون من سكان البلدة في الساحة على الغريب سقفاً يأويه ليرتاح ليلاً، كانت هي الأخرى ترفع عقيرتها – فيستدير الجميع نحوها – وتعرض عليه كهفها، في خجل. وكان الرجل النحيل يتبعها من دون تردد مرتقباً جانب الجبل. ظل (المرشد) طيلة مكوثه في (مونته سانتو) يرشد ويعمل، وينام في كهف "ماريا كوادرادو". لقد نظف وعمّر الكنائس الصغيرة المقامة على الجبل كلها، وبنى سوراً من الحجارة على جهتي (الطريق المقدس). وبعد حين أخذ الناس يقولون إنه ما كان ينام ولا هي، بل كانا يقضيان الليل يتحدثان عن أمور الروح عند قاعدة المذبح الصغير متعدد الألوان، في حين زعم آخرون أنه كان ينام على فراش القش بينما كانت هي تراقب نومه. وعلى كل حال لم تكن "ماريا كوادرادو" في الحقيقة لتتوقف عن ملازمته لحظة، تشاركه نقل الأحجار نهاراً، وتصغي إليه بعينين جد مفتوحتين ليلاً. ومع ذلك، استغربت البلدة كلها صباح اليوم الذي اكتشفت فيه أن (المرشد) قد غادر (مونته سانتو)، وان "ماريا كوادرادو" قد انضمت إلى أتباعه ورحلت معه.
* *
في ساحة في أعلي مدينة (باهيا)، يوجد مبنى صخري قديم تزينه أصداف بحرية سود وبيض وتحيط به، مثل السجون، جدران سميكة صفر. وكما قد خمّن بعض قرائي أنه حصن للظلامية: (دير سيدة الرحمة)، أحد أديرة (الكابوتشينيين)، وهم أفراد إحدى الطوائف المشهورة بممارسة عملية إخضاع الروح والحماسة التبشيرية. لِمَ أحدثكم عن مكان هو في عيون أي تحرري رمز لما هو مكروه؟ كي أنبئكم بما عرفته حين أمضيتُ عصر كل يوم كامل داخله قبل يومين.
لم أذهب إلى هناك لأتفحص طبيعة الأرض، لغرض نقل إحدى تلك الرسائل العنيفة تربوياً والتي يجب، كما يرى الكثير من الرفاق، أن يقَّدم إلى الثكنات العسكرية والأديرة وجميع قلاع الاستغلال والخرافة عموماً، ولذلك لغرض تحطيم سياج المحَّرمات الذي يؤطر هذهِ المؤسسات عادة في أذهان العمال، لتبين لهم أن تلك المؤسسات عرضة للهجوم عليها. (هل تذكرون الجماعة في برشلونة التي كانت تدعو إلى مهاجمة الأديرة وتحبيل الراهبات لكي يسترجعن وضعهن النسوي الذي حَرَمَهُنَّ العزل منه؟). ذهبت إلى هذا الدير لأتحدث إلى أخ* على وجه التحديد اسمه "جواو ايفانجليستا دي مونت مارشيانو" إذ صادف أن حالفني الحظ بقراءة حكاية غريبة كان هو مؤلفها.
إنه أحد مرضى الدكتور "خوزيه باتيستادي سا اوليفيرا"، الذي سبق أن حدثتكم عن كتابه في تقييس الجمجمة، والذي أتعاون معه في بعض المناسبات، وهو أحد أقرباء أقوى رجل في هذه الأصقاع، ألا وهو البارون "دي كانا برافا". وبينما كان الدكتور "اوليفيرا" يناوله المسهل لطرد دودة شريطية، روى الرجل الذي أشرت إليه، المدعو "ليليس بيداديس" المحامي كيف أن مزرعة تعود إلى البارون مضت على احتلالها مدة سنتين تقريباً حتى ذلك اليوم، وذلك من طرف مجانين أحالوها أرضاً حراماً. وقد ينطق بـ(ليليس بيداديس" مسؤولية الترافع أمام المحكمة من أجل إعادة المزرعة إلى البارون باسم حق الملكية الذي يشعر البارون آنف الذكر أن من واجبه الدفاع عنه بحماسة. إن حقيقة استيلاء رهط من المسُتَغَلّين على مُلْكِ أحد الاستقراطيين هي خير يسرّ مسامع الثوري على الدوام، حتى ولو كان الفقراء ذوو العلاقة متعصبين في الدين – كما زعم المحامي بينما كان معتقداً الحوض وهو يعصر بقوة لطرد الدودة الشريطية التي سبق أن نالت منها الكيمياء نيلاً. لكن الذي جعلني أتلع أذني هو سماعي، فجأة، أنهم يرفضون الزواج المدني ويمارسون شيئاً يسميه "ليليس بيداديس" "مجوناً". لكن أي امرئ عارف ببواطن الأساليب الاجتماعية سيتعرف عليه أنه مسلك الحب الحر. "وبدليلٍ على قيام مثل هذا الفساد سوف تضطر السلطات بحكم الضرورة إلى طرد المغتصبين من الأرض". كان دليل المحامي الناشئ عبارة عن هذه الحكاية آنفة الذكر التي كان قد حصل عليها بالتواطؤ مع الكنيسة، التي يسدي إليها خدماته هي أيضاً. لقد أُرسل الأخ "جواو ايفا نجليستادي مونت مارشيانو" إلى المزرعة من لدن رئيس أساقفة (باهيا) الذي كان قد تسلَّم إقرارات تدين الممارسات الضالة لشاغلي تلك الأرض. ذهب الراهب ليرى ما يجري في "كانودوس" وعاد بعد وقت قصير مرتاعاً ومستفَّزاً بما قد رأى.
إن روايته لَدَليلٌ على الكثير، ولا ريب أن التجربة كانت مُرَّرة بالنسبة إلى (الكابوتشيني) وبالنسبة إلى العقل المتحرر. فأن ما توصي به روايته بين سطورها المفرطة في الروحانية لشيء مثير فغريزة التحرر التي يخنقها المجتمع الطبقي بوساطة تلك الأدوات المستخدمة لتقويض ما هو فطري – الأُسَر، المدارس، الدين، والدولة – هذه الغريزة تقود خطى هؤلاء الرجال الذين تدل مظاهرهم كلها على أنهم ثاروا – ضمن ما ثاروا ضده – بوجه تلك المؤسسة التي تستهدف كبح المشاعر والرغبات. ولأن السبب المعلن هو رفض الانصياع للقانون الذي يبيح الزيجات المدنية والصادر في البرازيل بعد سقوط الإمبراطورية، فقد عمد أهالي (كانودوس) إلى عقد الإتحادات بحرّية، وحلّها بحرية إذ ما اتفق كل من الرجل والمرأة على ذلك، وكذلك عدم الاهتمام بأبوة الخلف المنجب في أرحام الأمهات منذ أن علّمهم زعيمهم أو موجههم – الذي يطلقون عليه اسم (المرشد) – أن جميع الأطفال شرعيون لمجرد حقيقة كونهم قد ولدوا. أليس في هذا كله شيء ما يبدو مألوفاً بالنسبة إليكم؟ كأن أفكاراً أساساً محدودة من ثورتنا جارٍ تطبيقها عملياً في (كانودوس).. أليس كذلك؟ حب متحرر، أبوّة متحررة، اختفاء الخط المشين الفاصل بين الذرية الشرعية وغير الشرعية، والاعتقاد بأن الإنسان لا يرث الكرامة ولا العار. وإذا تغلبنا على الشعور بالنفور الطبيعي فلنتساءل: هل كنتُ أنا مصيباً أم لا في زيارة هذا الأخ (الكابوتشيني)؟ كان المحامي الناشئ للبارون "دي كانا برافا" هو الذي أجرى ترتيب المقابلة اعتقاداً منه بأنني قد شغفت منذ سنوات بموضوع الخرافة الدينية (وهذا صحيح في واقع الأمر). تمت المقابلة في مطعم الدير، وهو غرفة امتلأت جدرانها بصور القديسين والشهداء مجاورة لرواق صغير مكسو بالقرميد، وحوض كان غالباً ما يأتي إليه رهبانٌ يرتدون القلنسوات والأردية بنية اللون ويتمنطقون بحبال بيض ليسحبوا منه دلاءً من الماء. غفر الراهب لي أسئلتي كلها وصار كثير الكلام حين اكتشف أننا نستطيع التحادث بالإيطالية، لغته الأصلية. إنه من أهالي الجنوب، لا يزال شاباً يافعاً، قصي القامة، بديناً، كثيف اللحية، ذا جبين جد عريض يشي بكونه مولعاً بأحلام اليقظة. أما تجويفا صدغية وسمك رقبته فدليل على طبيعة لئيمة، حقيرة وعصبية. وفي حقيقة الأمر، لاحظت من خلال الحديث أنه لا يزال ممتلئاً حقداً ضد (كانودوس) لفشل إرسالية التبشير التي جاءت به إلى هناك، وبسبب الخوف الذي لابد أنه قد عانى منه هناك حين كان بين الهراطقة الضاّلين.
ما علمته من بين شفتيه يكوّن مادة لأَعداد عدة من صحيفة (شرارة الثورة) وجوهر الموضوع أن المقابلة أكدت شكوكي بأن في _ (كانودوس) أناساً بسطاء عديمي الخبرة يقومون فعلاً، بقوة الفطرة والخيال حسب، بالكثير من الأشياء التي نعرف، نحن الثوريين الاوربيين إنها لازمة لإقامة حكم العدالة على الأرض. احكموا أنتم. لقد أمضى الأخ "جواو ايفانجليستا" أسبوعاً لا غير في (كانودوس) يصحبه اثنان من صنفه: (كابوتشيني) آخر من (باهيا) وراعي أبرشية إحدى البلدات المجاورة لـ(كانودوس) اسمه "دوم يواكيم" الذي –دعني أقولها عابراً – يكرهه الأخ "جواو" (إذ تيهمه بأنه سكير، غير طاهر، يشير تعاطف الناس مع الخارجين عن القانون). وقبل بلوغ (كانودوس)- بعد رحلة مضنية استغرقت ثمانية عشر يوماً – لاحظوا علامات التمرد والفوضى، وذلك لعدم موافقة أي دليل من الأدلاء على أخذهم إلى هناك: وحين صاروا على مسافة ثلاثة فراسخٍ من المزرعة التقوا دورية رجال يحملون بنادق طويلة المواسير ومدىً ضخمة قابلوهم بمزاج عدائي ولم يسمحوا لهم بالمرور إلا بفضل توسط "دوم يواكيم" الذي كانوا يعرفونه. وفي (كانودوس) التقوا جماعة من مخلوقات نحيلة شاحبة كالأموات، يزدحم بعضهم فوق بعض في أكواخ من طين وقش، مدججين بالسلاح "لحماية (المرشد) الذي سبق أن حاولت السلطات قتله". إن الكلمات المرتاعة لـ (كابوتشيني)، إذا استنكر انطباعه عند رؤيته تلك الكمية الضخمة من الأسلحة، لاتزال ترنّ في أذني. "لم يكونوا لينزعوها، لا عند الأكل ولا عند الصلاة، إذ كانوا فخورين بتسلحّهم بالبنادق القصيرة والقربينات والمسدسات والمدى وأحزمة الخراطيش، كما كانوا على وشك شنّ حرب. (لم أستطع أن أرُيه الحقيقة، وإن كنت قد أوضحت له أنهم وجدوا أن من اللازم شن هذه الحرب منذ احتلالهم أرض البارون بالقوة). لقد أكد لي أن من بين هؤلاء الرجال مجرمين مشهورين بسبب اعتداءاتهم الصارخة، وذكر أحدهم على وجه التحديد، "جواو الإبليس" "المعروف بقسوته في عرض المنطقة وطولها" والذي كان قد جاء للعيش في (كانودوس) مع عصابة من الخارجين عن القانون، وكان أحد ملازمي (المرشد). يروي الأخ "جواو ايفانجليستا" كيف لام (المرشد) بهذهِ الكلمات: (لماذا يُسمَح للمجرمين بالبقاء في "كانودوس" إن كان صحيحاً أنكم مسيحيون كما تّدعون؟). كان الجواب: (لنجعل منهم اناساً طيبين. فإن كانوا قد سرقوا أو قتلوا، فذلك بسبب الفقر الذي كانوا يعيشون فيه. إنهم يشعرون بأنهم جزء من العائلة الإنسانية هنا، وهم من أجل هذا شاكرون. إنهم مستعدون للقيام بأي عمل لتخليص أنفسهم. وإذا ما رفضنا قبولهم فسيرتكبون المزيد من الجرائم. إن مفهومنا للخير هو ذلك الذي كان المسيح يمارسه). هذه الكلمات، يا رفاق، تتفق الاتفاق كله مع فلسفة الحرية. تعلمون جيداً أن السارق هو ثائر في الحالة الطبيعية، ثوري من دون قصد كما تذكرون جيداً أنه في أيام (الكوميونة) الدرامية، كان رفاق كثيرون، من الذين كان ينظر إليهم كمجرمين والذين أمضوا مراحل في سجون البرجوازية، في طليعة الكفاح، كتفاً لكتف مع العمال، مقيمين الدليل على بطولتهم وكرم نفوسهم. حقيقة مهمة: إن الناس في (كانودوس) يسمون أنفسهم (ياغونتوس)، وهي كلمة تعني المتمردين* لم يعترف الراهب بالرغم من رحلاته مبشراً في الأراضي الخلفية، بأولئك النسوة عاريات الأقدام أولئك الرجال الذين كانوا يوماً حذرين ومتواضعين جداً، أُناساً ذوي مهمة من عند الله والكنيسة. "إنهم أعداء للمجتمع، لا ينصلحون إنهم مهتاجون، منفعلون تماماً، يتصايحون، ويقاطع بعضهم بعضاً ليتفوهوا بأفظع هراء يطرق مسامع المسيحي... مبادئ تقّوض القانون والنظام والأخلاق الحميدة والإيمان. إنهم يزعمون، مثلاً أن كل من ينبغي خلاص روحه عليه أن يذهب إلى (كانودوس) "لأن بقية العالم قد وقعت في قبضة (المسيح الدجال)" هل تعرفون ما يعني هؤلاء بالمسيح الدجال؟ إنه الجمهورية! أجل يا رفاق، الجمهورية. إنهم يعّدونها مسؤولة عن كل شرَّ موجود، بعض هذه الشرور تجر يدي من دون ريب، وغيره حقيقي ومادي مثل الجوع وضرائب الدخل. لم يستطع الأخ "جواو ايفا بخلستادي مونت مارتشيانو" أن يصدق الأشياء التي سمعها. وأنا أشك أن يكون هو أو طائفة أو الكنيسة عموماً متحمسين كثيراً للنظام الجديد في البرازيل، ذلك لأن الجمهورية، كما كتبتُ إليكم في رسالة سابقة، التي تغصّ بالماسونيين، تعني إضعافاً للكنيسة. لكن ذلك بعيد جداً عن النظر إليها كمسيح دجال! وإذ حسب (الكابوتشيني) أنه مخيفُني أو مثيرٌ غضبي، ومضى يقول أشياء كان وقعها على اذنيّ كالموسيقى. قال: (إنهم طائفة سياسية) – دينية مدججة بالسلاح مقاومة لحكومة البلد الدستورية. وقد نصبوا أنفسهم دولة داخل دولة بصفتهم أفراداً لا يقبلون بقوانين الجمهورية أو يعترفون بسلطانها أو يسمعون لعملتها بالتداول هناك). لقد أعاقه عماه الذهني عن إدراك أن هؤلاء الأخوة، ذوي الفطرة التي لا تخطئ، وقد اختاروا الثورة ضد عدو الحرية منذ قيامها: السلطة. ومن هي السلطة التي تجور عليهم وتنكر عليهم الحق في الأرض والتعلّم والمساواة؟ أليست هي الجمهورية؟ إن حقيقة كونهم مسلحين لمحاربتها لدليل على أنهم قد أحسوا اختيار السبيل كذلك... السبيل الوحيد الذي يملكه المضطهدون لكسر قيودهم: العنف.
ليس هذا كل ما في الأمر. استعدوا لشيء أكثر إثارة للاستغراب: يؤكد الأخ "جواو إيفانجليستا" لي إن (كاندوس) قد أقرَّت فعلاً على الجنس المشاع، نظام الملكية المشاعة: إن كل شيء يخص كل فرد.. ويقال إن (المرشد) قد اقنع الجماعة إنها لخطيئة – انتبهوا إلى كلماتي جيداً – أن يُعَدَّ أيّْ مُلْكٍ منقولٍ أو شبه منقول ملكاً لأي فرد واحد. فالمساكن وأراضي الغلّة والحيوانات الأليفة تعود ملكيتها إلى الجماعة: هي للجميع وليست لفرد.. لقد أقنعهم (المرشد) أنه كلما كثرت مقتنيات الشخص تقلّص احتمال أن يكون ضمن أولئك المرضيّ عنهم يوم القيامة.. فكأنه يطبق آراءنا، مخفياً إياها وراء واجهة دينية لأغراض تكتيكية: أي الحاجة إلى أن يأخذ في الحسبان المستوى الثقافي المتواضع لأتباعه أليس رائعاً أن تشكل جماعة من المنشقين، في أصقاع نائية من البرازيل، مجتمعاً تخلى عن الزواج والمال، وحلت فيه الملكية الجماعية محل الملكية الخاصة؟
هذهِ الفكرة كانت تدور وتدور في عقلي بينما كان الأخ "جواو ايفا نجليستادي مونت مارتشيانو" يخبرني أنه بعد وعظ دام سبعة أيام في (دكانودوس) في جو من العداء الصامت، وجد نفسه يُسمّى (ماسونياً) و (بروتستانتياً) لحثَّه الناس على الرجوع إلى قرارهم. وأنه بعد أن ناشدهم طاعة الجمهورية اضطرمت عواطفهم إلى درجة اضطرته إلى الهروب من (كانودوس) والنجاة بروحه. قال: (لقد فقدت الكنيسة سلطتها هناك بسبب رجل مجنون يقضي وقته في حمل الزمرة كلها على العمل طيلة النهار لإنشاء معبد). لم أستطع أن أشاركه استياءه، بل شعرت بدل ذلك بالسعادة والتعاطف فقط تجاه أولئك الرجال الذين بدا أنه بفضلهم أخذت تنبعث ثانية من رمادها، في أراضي البرازيل الخلفية، "الفكرة" التي تعتقد القوى الرجعية بأنها قد أغرقتها في بحر الثورات المدحورة في أوربا. هذا وإلى رسالتي التالية، أو لا رسالة قط.
(4)
أبلغ "ليليس بيدادس"، محامي البارون "دي كانبرافا"، محكمة (سلفادور) رسمياً أن مزرعة (كانودوس) قد غزاها الرعاع، علماً بأن المستشار القانوني كان هناك طيلة ثلاثة شهور. وسرعان ما انتشر البر في جميع أنحاء المنطقة: إن القديس الذي كان يجول في عرض البلاد وطولها مدة ربع قرن قد استقر في ذلك الموضع المحاط بتلال صخرية والُمسَّمى (كانودوس) على غرار تسمية القصبات المصنوعة من (الكانودوس)، وهي قطع من سيقان قصب السكر اعتاد القاطنون هناك على تدخينها. كان المكان معروفاً لرعاة البقر لأنهم كثيراً ما توقفوا مع أبقارهم ليلاً على شواطئ (فازا – بارس). وفي الأسابيع والأشهر التالية رؤيت جماعات من الفضوليين والخطاة والمرضى والمتشردين والهاربين من العدالة القادمين من الشمال والجنوب والشرق والغرب، متوجهين نحو (كانودوس)، يخالجهم هاجس أو أمل بأن يجدوا هناك المغفرة، الملاذ، العافية، السعادة.
في صباح اليوم التالي لوصول (المرشد) وأتباعه شرع يبني معبداً قال إنه سيكون كلّه من الصخر وله برجان طويلان جداً، وسيكرس للمسيح المبارك. كما قرر أن يقام هذا المعبد مقابل كنيسة (سانتو أنتبونيو) القديمة، التي هي مصّلى المزرعة. قال وهو يغط في ضوء نار مفتوحة في أعالي المدينة: (ليرفع الأغنياء أيديهم. انّي رافعٌ يديّ.. ولأني أحد أبناء الله الذي وهبني روحاً خالدة تستطيع أن تظفر بالفردوس، الكنز الحقيقي الوحيد القائم بذاته، إني أرفع يديّ لأن الربّ قد جعلني فقيراً في هذه الحياة كي اغتني في الآخرة ليرفع الأغنياء أيديهم). عند ذاك برزت في ظلال ملؤها الشرارات غابةٌ من الأذرع المرفوعة، من بين الأسمال البالية والجلود والبلوزات القطنية المتهرئة. صلّى هؤلاء قبل موعظته وبعدها، وأقاموا مواكب بين المساكن نصف المكملة والمأوي المصنوعة من قطع صغيرة من الخرق والألواح، حيث كانوا ينامون. كان يمكن سماعهم في ليل الأصقاع الخلفية وهم يصيحون: (تحيا العذراء) ويحيا (المسيح) و (الموت لقان) و(الموت للمسيح الدجال). كان رجل من (مارانديلا) يصنع اللعاب النارية ويشعلها في المهرجانات – "انتوتيو" اختصاصي الناريّات – واحداً من أوائل الحجاج القادمين ومنذ ذلك الوقت، وكلما قامت مواكب في (كانودوس) كانت تُشْعَل قطعّ مصفوفة فتتفجر الصواريخ النارية فوق الرؤوس.
كان (المرشد) يوجّه العمل في المعبد، بمشورة بنّاء ماهر ومساعدته، كان قد ساعده في إعمار كنائس صغيرة كثيرة وإقامة كنيسة المسيح المبارك في (كريويولس) من مستوى الأرض فصاعداً، كما عيّن التائبين لقلع الأحجار وغربلة الرمل وجلب الأخشاب. وفي أول المساء، بعد تناول وجبة ضئيلة – إن لم يكن صائماً – مؤلفة من كسرة خبز وقطعة من فاكهة ولقمة من (المينهوت) المغلي وبضع قطرات من الماء، كان (المرشد) يرحب بالقادمين الجدد ويحضّ الآخرين على كرم الضيافة. وعقب (صلاة الإيمان) و(أبانا)، و(السلام عليك يا مريم)، كان صوته اللبق يعظهم حول التقشف وقمع الشهوات والزهد ويشاركهم الرؤى التي تشبه القصص التقليدية التي كان يرويها القصاصون المتجولون في الأرياف: النهاية قريبة – كان يمكن رؤيتها بالوضوح كله مثلما تُرى (كانودوس) من أعلي (آفافيلا). وستواصل الجمهورية إرسال جحافل من ذوي البزات الرسمية والبنادق لتحاول أسره ومنعه من التحدث إلى المحتاجين. لكن مهما سالت الدماء التي قد يسفحها (الكلب الكبير)، فلن يستطيع أن يعضّ المسيح. سيكون هناك طوفان، ثم زلزال. وسيُغْرق كسوقٌ الدنيا بظلام كلّي جدّ دامس حتى أن كل شيء لابد أن يؤدّى باللمس، كما يفعل العميان، في حين تتردد أصداء المعركة غير بعيد. وسيموت ألوف الهلع لكن حين ينقشع الضباب، ذات فجر صاف مشرق، سيرى الرجال والنساء جيش "دوم سباستياو" محيطاً بهم على تلال (كانودوس) وسفوحها. عند ذاك سيكون الملك العظيم قد دحر عصابات (قان)، وطهّر العالم من أجل البرّ. سيشاهدون "دوم سباستيار" بدرعه اللماع وسيفه. سيشاهدون وجهه العطوف الغرّ. وسيبتسم لهم وهو منفرج الساقين على ظهر دابته ذات الجُلَّ* المذهَّب المرصع بالماس. وسيرونه راحلاً على مطيته بعد إنجاز مهمته في تخليص بني آدم مع جيشه إلى أعماق البحر.
شعر الدباغون والمحاصصون والمعالجون والمبرئون والبائعون الجّوالون والغسالات والقابلات والمتسولات اللواتي وصلن إلى (كانودوس) بعد أيام وليالٍ عدة من السفر، مستصحبات متاعهن الدنيوي في عربة مغطاة بقماش القنب أو على ظهر حمار، واللواتي كن هناك الآن جالسات القرفصاء في الظلام، والجميع يستمع ويريد التصديق... شعروا بأن عيونهم قد اغرورقت. لقد صلّوا وأنشدوا بأيمانِ أتباع (المرشد) الأوائل نفسه. الذين ما كانوا يعرفون، سرعان ما تعلموا الصلوات والتراتيل والحقائق. كان "أنتونيو فيلا نوفا" صاحب المتجر في (كاندوس) من أكثر الحريصين على التعلم. فقد كان يتمشى كثيراً بمحاذاة شواطئ النهر، أو مروراً بالحقول المزروعة حديثاً، وذلك برفقة (الصغير المبارك)، الذي كان صبوراً في إيضاح وصايا الدين ونواهيه، والتي علمها "انتونيو" عند ذاك أخاه "هونوريو"، وزوجته "أنتونيا"، وعديلته "اسوناو" وأطفال الزوجين.
لم يكن ثمة نقص في الطعام، إذ كانت لديهم حبوب وخضار ولحم. ونظراً لوجود الماء في (فازا بارس) فقد كان في وسعهم زراعة المحاصيل. وقد جلب الوافدون المؤونة معهم، وكانت المدن الأخرى غالباً ما ترسل إليهم الدجاج والأرانب والخنازير والعلف والمعز وقد طلب (المرشد) من "أنتونيو فيلانوفا" خزن الطعام وضمان توزيعه بصورة عادلة على المعوزين. وبدون أية توجيهات معينة، ولكن على وفق تعاليم (المرشد)، غدت الحياة في (كانودوس) منظمة شيئاً فشيئاً، وإن لم تخل من التعقيدات. تولّى (الصغير المبارك) مهمة توجيه الحجاج القادمين. وتسلّم إعاناتهم، على أن لا تكون نقدية، فإذا أرادوا التبرع بعملة الجمهورية ترتب عليهم الذهاب إلى (كومبي) و (جوازير)، بصحبة "أبوت جواو" أو "باجو" الذين كانا يعرفان القتال ويستطيعان حمايتهم، وذلك لإنفاقها على شراء أشياء للمعبد: مجارف، قاطعات صخور، مطارق، فوادن*، أخشاب ممتازة، تماثيل قديسين، وصلبان المصلوب. أما الخواتم والقراريط ومشابك البروشان والقلادات والأمشاط والمسكوكات القديمة ومعدات الزينة البسيطة المصنوعة من الطين أو العظم، التي يقدمها الحجاج فقد وضعتها الأم "ماريا كوادرادو" في صندوق زجاجي. وكان هذا الكنز يعرض في كنيسة (سانتو انتونيو) كلما قدم الأب "يواكيم" من (كومبي) أو راعي أبرشية آخر من المنطقة، ليؤدي مراسم القداس أو الآعتراف أو التعميد أو تزويج الناس في (كانودوس). وعلى الدوام كانت ثمة مناسبات احتفالية. وقد ترأس هاربان من وجه العدالة، "جواو الكبير" و"بدراو"، وهما أقوى رجلين في (كانودوس)، المجاميع التي كانت تجلب الحجر للمعبد من مقالع قريبة، وكانت "كاتارينا" زوجة "أبوت جواو" وكذلك "الكساندرينيا كوريا" وهي امرأة من (كومبي) قيل إنها كانت تصنع المعجزات، تعدّان الطعام لعمال البناء. كانت الحياة أبعد ما تكون عن الكمال، من دون تعقيدات، ومع أن (المرشد) كان يعظ القمار والتدخين والخمر، كان هناك مت يقامر، ويدخن، ويشرب (براندي) القصب، وحين شرعت (كانودوس) بالنمو كانت هناك معارك من أجل النساء، وسرقات، ونزوات سكر، وحتى طعون بالسكاكين، لكن ذلك كان أقل إشكالاً مما في أماكن أخرى، وكانت تحدث على هامش المركز الزاخر بالنشاط الأخوي، المتحمّس والمتقشف الذي أقامه (المرشد) وحواريّوه.
لم يحظر (المرشد) على النسوة أن يتزينَّ لكنه قال مرات لا تحصى إن أيّة امرأة تهتم بجسمها كثيراً قد تكون حَرِيِةً بأن تهمل العناية بروحها، وإن المظهر الخارجي الحسن قد يكون، شأنه شأن إبليس حَريّاً بأن يخفي روحاً قذرة وكريهة وشيئاً فشيئاً غدت ألوان ملابس الشابات والعجائز على السواء كئيبة أكثر فأكثر، وشيئاً فشيئاً بلغت حواشي الملابس حدّ الركبة وارتفعت فتحات أعناقها أعلى فأعلى، وصارت فضفاضة أكثر فأكثر، بل بدت في النهاية تشبه بأردية الراهبات. واختفت الزينة، بل حتى الأشرطة التي يعقد الشعر بها إلى الوراء، هي وفتحات العنق الواطئة. وباتت النسوة يرخين شعورهن، أو تخفينه تحت مناديل كبيرة. ومن حين إلى حين كانت تحدث مشكلات بشأن "المجدليات"، أولئك النسوة الضائعات اللواتي على الرغم من قدومهن إلى (كانودوس) على حساب الكثير من التضحيات، وتقبيلهن قدمي (المرشد) نشداناً للغفران، كن موضع المضايقة من جانب نساء غير متسامحات يطلبن منهن أن يرتدين أمشاطاً من الشوك دليلاً على توبتهن.
بيد أن الحياة كانت هادئة عموماً، وسادت روع من التعاون بين السكان. أحد مصادر المشكلات كان الخطر على تداول عملة الجمهورية: فأي فردُ يكْتَشَف وهو يستعملها في أي صفقة، يأخذ منه رجالُ (المرشد) جميعَ ما يملك يرغمونه عند ذاك على مغادرة (كانودوس). كانت التجارة تتم بالمكوكات التي تحمل صورة الإمبراطور "دوم بيدرو" أو ابنته الأميرة "ايسابيل". لكن بسبب ندرتها أضحت القاعدة العامة مقايضة المنتوجات والخدمات. فكان يجري تبادل السكر الأسمر الخام بالصنادل الحبلية، والدجاج بأدوية الأعشاب الطبية، وطحين (المينهوت) بحدوات الحصان وقراميد السقوف بأطوال من القماش، والإرجوحات الشبكية بالمدى الطويلة. أما العمل في الحقول والمساكن وحظائر الحيوانات فكان يكافأ بالعمل وما كان أحد ليطلب أجراً عن الوقت المقضي أو العمل المؤدي من أجل المسيح المبارك. وبالإضافة إلى المعبد، أنشئت مساكن عرفت بعد ذلك باسم (دور الصحة) حيث بدئ بتقديم السكن والغذاء والعناية للمرضى والمسنين والأطفال واليتامى. كانت "ماريا كوادرادو" مسؤولة عن هذه المهمة أول الأمر. لكن ما إن بني الملجأ – المؤلف من كوخ طيني صغير ذي غرفتين وسقف من القش – كي يستطع (المرشد) أن يستريح فيه بضع ساعات فقط من الحجاج الذين كانوا يترصدونه ليل نهار، وكرست أم الرجال وقتها كله، جُعِلَت إدارة (دور الصحة) بيد الأختين "ساردلنيا" وهما "انتونيا" و"أسنساو" زوجتي الأخوين "فيلا نوفا". كانت هناك نزاعات حول قطع الأراضي القابلة للزرع على امتداد شاطئ (فازا - بارس) والتي احتلها الحجاج تدريجياً بعد أن استقروا في (كانودوس) ونازعهم آخرون في حقهم فيها وقد حسم مثل تلك القضايا كله "انتونيو فيلانوفا"، صاحب المتجر، إذ كان هو الذي وزع قطعاً من الأرض للقادمين الجدد، بأمر من (المرشد)، كي يبنوا مساكنهم هناك، وخصص أراضي بحظائر الحيوانات التي أرسلها المؤمنون أو جلبوها هدايا، وهو الذي عمل قاضياً حين كان المخاصمات تثار بشأن المتاع والمُلْك. لم تحدث مشاحنات كثيرة جداً من هذا الضرب في واقع الأمر. ذلك أن الناس الذين كانوا قد قدموا إلى (كانودوس) لم يجتذبهم الطمع أو فكرة التملك المادية. فقد كانت حياة الجماعة مكرسة للنشاطات الروحية: الصلوات والجنائز، والمواكب، وإقامة معبد المسيح المبارك، وعلى الخصوص المواعظ المسائية التي كثيراً ما امتدت حتى ساعة متأخرة من الليل. وفي أثناء تلك الأمسيات كان كل شيء يتوقف في (كانودوس).
***
لغرض الإعلان عن المهرجان الذي نظمه (الحزب التقدمي الجمهوري) فقد ألصقوا على جدران (كيماداس) ملصقات تقول (البرازيل المتحدة وطن قومي) باسم "ايبامنونداس غونكالفس" لكن "غاليليو غال" لا يفكر وهو في غرفته في نزل (سيدة الألطاف) في الاحتفال السياسي الجاري في الخارج بأبهة كبيرة وشعائر رسميات، في حر الظهيرة الخانق، بل في القابليات المتناقضة التي اكتشفها في "روفينو"، معتقداً بأنه "تركيبة غاية في الغرابة". طبيعي أن يتآلف كثيراً التوجَّه والتركيز. ومن المعتاد جداً وجودهما في شخص يقضي حياته متجولاً في أرجاء هذهِ المنطقة الشاسعة دليلاً للمسافرين والصيادين والقوافل أو منشغلاً ساعياً أو مقتفياً أثر الماشية الضالّة. لكن ماذا عن قوة الخيال؟ كيف يعلل الميل إلى الخيال، والهذيان، واللاحقيقة، وذلك ديون أهل الفن والناس غير العملين في شخص يشير كل شيء فيه إلى المادية، إلى الرجل الذي قدماه في الأرض، إلى الذرائعي العملي؟ ومع هذا فذلك ما تدل عليه عظامه: قابلية التوَّجه والتركيز والتصور. لقد اكتشف "غاليليو غال" ذلك في اللحظة الأولى تقريباً التي استطاع فيها أن يتحسس الدليل. إنه يقول لنفسه: "إنها تركيبة لا معقولة، لا اتساق فيها. كيف يمكن لشخص ما أن يكون في الوقت نفسه نموذجاً للتواضع وللاستعراضية، بخيلاً ومسرفاً!؟".
إنه مائل على دلو، يغسل وجهه، بين جدران فاصلة تكسوها كتابات وقصاصات صحف فيها صورُ عروضٍ (اوبرالية) ومرآة مكسورة. ثمة صراصر بنية اللون تظهر وتختفي في شقوق الأرضية، وهناك على السقف سحلية صغيرة خائفة. قطعة الأثاث الوحيدة هي سرير مكسور، بلا شراشف. يلج الجوُّ الاحتفالي الغرفةَ عبر نافذة مشبكة: أصوات تضخمها مكبرة الصوت، صليل صنجات، دقات طبول، وثرثرة صبيان يطيّرن طائرات ورقية. أحدهم يناوب الهجماتِ على حزب (باهيا للحكم الذاتي) والحاكم "لويز فيانا" والبارون "دي كانا برافا" وكيل المديحِ لـ"ايبامنونداس غونكالفس" و(الحزب التقدمي الجمهوري).
يستمر "غاليليوغال" في الاغتسال، غير مبال باللغط في الخارج. وما إن ينتهي حتى ينشف وجهه بقميصه. ثم ينهار على فراشه ووجهه إلى الأعلى، واضعاً إحدى ذراعيه تحت رأسه وسادةً. يلقي نظرة على الصراصر والسحلية، ثم يفكر: (الصمت ضد نفاذ الصبر). لقد مضت عليه ثمانية أيام الآن وهو في (كيماداس). ومع أنه رجل يعرف كيف ينتظر، فقد شرع يشعر ببعض القلق، وهذا ما قاده إلى أن يطلب إلى "روفينو" السماح له أن يتحسس رأسه. لم يكن سهلاً أن يقنعه بالكلام، إذ أن الدليل كان من النوع المرتاب، ويتذكر "غال" أنه أستطاع أن يشعر، وهو يتحسسه، كم كان الرجل متوتراً وعلى استعداد لأن ينقضّ عليه. لقد كانا يتقابلان كل يوم، وأصبحا يتفاهمان من دون صعوبة. وبغية قضاء الوقت بينما هو ينتظر، درس "غاليليو" سلوكه، مدوناً ملاحظات حوله: (إنه يستقرئ السماء والأشجار والأرض كما لو كانت كتاباً. إنه رجل ذو أفكار بسيطة وصلبة وقانون صارم للشرف ومناقبية يشتقها من تعامله مع الطبيعة والإنسان وليس من التعلم من الكتب، إذ أنه لم يكن يعرف القراءة ولا الدين، فهو لا يبدو راسخ الإيمان جداً). هذا كله ينسجم مع ما تحسسته أنامله، إلا بالنسبة إلى قوة الخيال. على أي نحو تُظْهِر نفسها، لماذا عجز عن ملاحظة أيًّ من علائمها في "روفينو" في هذه الأيام الثمانية، سواء عندما كان يرّتب صفقة معه ليكون دليله إلى كانودوس) أن أم في كوخ "روفينو" في ضواحي البلدة، أم في محطة القطار حين كانا يشربان، شراباً بارداً سوية، أم في أثناء سيرهما من مدبغة إلى مدبغة على شواطئ (اتيابيكورو)؟ من ناحية أخرى فإن هذا الميل المؤذي المعادي للعلم واضح لدى "جوربما" زوجة الدليل – هذا إذا ما تركنا حقل التجربة لنغطس في مجمع الأوهام، في أحلام اليقظة. فعلى الرغم من حقيقة كونها جد متحفظة في محضر "غاليليو" فقد سمعها هذا تروي قصة التمثال الخشبي لـ"سانت أنتوني" الموجود على المذبح الرئيس في كنيسة (كيماداس). (كان موجوداً في كهف، قبل سنين عدة، وأُخذ إلى الكنيسة. وفي اليوم التالي اختفى التمثال وظهر ثانية في المغارة. فرُبِطَ بالمذبح كي لا يفلت، لكنه تمكن مع ذلك من الرجوع إلى الكهف. واستمر الحال هكذا، والتمثال يتنّقل ذهاباً وإياباً، حتى وصلت إرسالية مقدسة مؤلفة من أربعة آباء "كابوتشينيين" ورئيس الأساقفة إلى "كيماداس"، فكّرَّسَت الكنيسة إلى "سانت انتوني" وأعادت تسمية البلدة إلى (سانتو انتونيو داس كيماداس) على شرف القديس. ومنذ ذلك الوقت فقط ظل التمثال ساكناً على المذبح، حيث يشعل الناس له الشموع هذه الأيام). يتذكر "غاليليو غال" أنه حين سأل "روفينو" إن كان يصدق القصة التي روتها زوجته، هزَّ مقتفي الآثار كتفيه استخفافاً وابتسم منكراً. إلا أن "جوريما" كانت تؤمن بذلك. كان بود "غاليليو" أن يتحسس رأسها، هي الأخرى، ولو أنه لم يحاول أن يفعل ذلك. ذلك أنه موقن أن مجرد التفكير بلمس غريبٍ رأسَ زوجةِ "روفينو" كان شيئاً لا يمكن تصوره بالنسبة إلى الزوج. أجل إن "روفينو" رجل شكوك، ما في ذلك ريب. لقد كان عملاً عسيراً حملُهُ على الموافقة على إيصاله إلى (كانودوس)، إذ ساوم كثيراً حول ألأجر، وأثار الاعتراضات، وتردد. ومع أنه قبل في آخر المطاف، فقط لاحظ "غاليليو" انه كان غير مرتاح حين كان يتحدث إليه عن (المرشد) وصحبه.
ومن دون أن يدري، تحوّل انتباهه من "روفينو" إلى الصوت الآتي من الخارج: (إن الحكم الذاتي المحلي وإلغاء المركزية هما حجتان يستخدمهما الحاكم "فيانا"، والبارون "دي كانا برافا" وأتباعهما بغية الحفاظ على امتيازاتهم والحيلولة دون صيرورة (باهيا) ولاية عصرية مثل سائر ولايات البرازيل. ومن هم مُرَوَّجو الحكم الذاتي؟ إنهم ملكيون متربصون، يودون بعث الإمبراطورية الفاسدة ووأد الجمهورية، لولانا! لكنّ (الحزب التقدمي الجمهوري) الذي ينتمي إليه "ايبا منونداس غونكالفس" سيحول دون فعلتهم تلك...) ليس الرجل الذي يتحدث الآن نفسه الذي كان من قبل. فهذا أوضح، و"غاليليو" يفهم كل شيء يقوله، بل أنه يبدو مالكاً فكرةً ما في عقله، في حين كان سَلَفُهُ يقتصر على الزعيق والنعيق. أينبغي عليه أن يلقي نظرة على الخارج من النافذة؟ كلا، لن يتحرك من سريره فهو متيقن أن المشهد هو نفسه: حشود من مشاهدين فضوليين يطوفون من كشك طعام وشراب إلى آخر، يستمعون إلى رواة القصص، أو يتجمعون حول الرجل الواقف على طوّالتين* يقرأ الحظوظ، أو يتنازلون من وقت إلى آخر للتوقف لحظة كي يحدقوا بِبلَهٍ من دون أن ينصتوا أمام المنصة الصغيرة التي يزيد منها الحزب التقدمي الجمهوري) دعايته، تحت حماية سفاحين يحملون بنادق رش. يفكر "غاليليو غال": (من الحكمة لهؤلاء أن يكونوا على هذه الدرجة من اللامبالاة). ما الفائدة بالنسبة لأهالي (كيماداس) أن يعرفوا أن (حزب الحكم الذاتي) الذي ينتمي إليه البارون "دي كانا برافا" هو ضد النظام المركزي للحزب (الجمهوري)، وأن يعرفوا أن الأخير يناهض إلغاء المركزية الفدرالية اللتين ينادي بهما غريمه؟ وهل للمنازعات الخطابية بين الأحزاب السياسية البرجوازية أية علاقة بمصالح المساكين والمسحوقين؟ إنهم محقون في التمتع بالاحتفالات وعدم الاهتمام، بما يقوله السياسيون من على المنصة. لقد لاحظ "غاليليو" مساء اليوم السابق بعض الاهتياج في (كيماداس) مردّه ليس الاحتفال الذي نظمه (الحزب التقدمي الجمهوري)، بل لأن الناس كانوا يتساءلون عما إذا كان (حزب الحكم الذاتي) – حزب البارون "دي كانا برافا" – سيرسل شقاة سفاحين لتقويض استعراض أعدائهم وما إذا ستطلق عيارات نارية كما كان يحدث في أوقات أخرى سابقة. الوقت الآن الضحى، ولاشيء من هذا القبيل قد حدث، ولسوف لا يحدث من دون ريب.لِمَ يكلفون أنفسهم مشقة، فض اجتماع يعوزه التأييد الشعبي على هذا النحو المحزن؟ خطر ببال "غال" أن الاحتفالات التي ينظمها مؤيدو (حزب الحكم الذاتي) لابد أنها تشابه تماماً ما يجري خارج نافذته. كلا، ليس هذا هو المكان الذي تقرر فيه السياسة الحقيقية لـ(باهيا) البرازيل. ويفكر: (إنها تتقرر هناك في المستوى الأعلى، لدى أولئك الذين لا يعملون حتى حقيقة أنهم السياسيون الحقيقيون في هذا البلد). هل ينبغي عليه أن ينتظر مدة أطول بكثير؟ يجلس "غاليليو غال" على الفراش ويتمتم: (العلم ضد نفاد الصبر). يفتح الحقيبة الصغيرة الملقاة على الأرض، وينحيّ الملابس ومسدساً، ويرفع الدفتر الذي كان قد دّون فيه ملاحظات حول مدابغ (كيماداس) حيث كان قد تجول بضع ساعات في تلك الأيام الثمانية، ويتصفح ما كتب: (مبانٍ مشيدة بالطابوق، وسقوف من قرميد مدور، أعمدة خشنة الصقل. رزم من لحاء "الانجيكو" المحزوز بمطرقة وسكين، منتثرة هنا وهناك في كل مكان. يوضع "الانجيكو" في أحواض مليئة بماء النهر. أما الجلود فبعد إزالة الشعر منها يغطسونها في الأحواض ويتركونها لتنقّع ثمانية أيام تقريباً، وهي المدة اللازمة لدبغها. يفرز لحاء الشجرة المسماة "أنجيكو" مادة "التانين" التي تدبغ. ثم يعلقون الجلود في الظل حتى تجف، ويكشطونها بسكين لإزالة أية بقايا تخلفت عليها، وبهذه الطريقة يعالجون جلود البقر والغنم والمعز والأرانب والغزلان والثعالب والنمور المرقطة. إن "الانجيلكو" في مثل حمرة الدم وذو رائحة قوية، والمدابغ مؤسسات عائلية بدائية يشتغل فيها الأب والأم والأبناء وأقرب الأقارب. إن الجلود المدبوغة هي ثروة "كيماداس" الرئيسية).
يعيد الدفتر الصغير إلى الحقيبة. كان الدباغون ودودين، وقد أوضحوا له كيف كانوا يقومون بأعمالهم. لماذا يكرهون التحدث عن (كانودوس) إلى هذا الحد؟ هلاّ يثقون في شخص ما يصعب عليهم فهم كلامه بالبرتغالية؟ إنه يعرف أن (كانودوس) و(المرشد) هما موضوع الحديث الرئيس في (كيماداس) وعلى الرغم من جهوده كلها لم يستطع تناول هذا الموضوع مع أي شخص، حتى مع "روفينو" و"جوريما". ففي اللحظة التي كان يثير فيها الموضوع، في المدابغ، في محطة القطار، في نزل (سيدة الألطاف)، في ساحة (كيماداس) العامة، كان يرى النظرة الحذرة نفسها في أعين الجميع، الصمت السائد نفسه، أو الأجوبة التملصية المقدمة نفسها، فيفكر: (إنهم حذرون. إنهم مرتابون. إنهم يعرفون ما هم فاعلون. إنهم محترسون).
يعاود نبش ملابسه والمسدس ويستخرج الكتاب الوحيد من حقيبته الصغيرة. إنها نسخة قديمة بالية، قد استحال رِقُّ تجليدها إلى اللون الأسود، حتى أن أسم "بيير جوزيف برودون" يكاد لا يقرأ الآن، لكن عنوانه (نظام المتناقضات)* لا يزال واضحاً، مثل اسم المدينة التي طبع فيها: (ليون). إنه لا يتمكن من تركيز عقله على القراءة فقرة طويلة جراء لغط الاحتفال، وكذلك، بل على الخصوص، بسبب نفاذ صبره الخؤون. وإذ يطبق أسنانه، يروح يجبر نفسه على التأمل في اشياء موضوعية: إن من لا تعنيه المشكلات أو الأفكار العامة يعيش متقوقعاً في الخصوصية. وهذه يمكن تشخيصها بتلمس انحناء عظمين صغرين ناتئين، مدببين تقريباً، يقعان خلف الأذنين. هل تلمّسهما على رأس "روفينو"؟ هل يجوز أن تظهر قوة الخيال عينها في الشعور الغريب بالشرف، في ما يمكن تسميته الخيال الأخلاقي، للرجل الذي يهم بإيصاله إلى (كانودوس)؟
***
لم تكن ذكرياته الأولى، التي ستغدو خير النكريات وأيسرها استرجاعاً كذلك، عن أمه التي تخلت عنه جرياً وراء عريف في (الحرس القومي) الذي مرّ بـ(كستوديا) على رأس فرقة منطلقة كانت تتعقب العصابات، ولا عن أبيه الذي لم يعرفه قط، ولا عن عمته وعمه اللذين أخذاه وربياه، - "زه فاستينو" و"دونا انجيلو" – ولا عن الأكواخ الثلاثين ونيف والشوارع المحترقة بالشمس في بلدة (كستوديا)، بل عن المنشدين المتجولين. كانوا يفدون إلى البلدة في كثير الأحيان ليبعثوا الحياة في حفلات الزواج، أو يتوجهون صوب حفل الطراد لجمع الماشية في إحدى المزارع، أو العيد الذي تحتفل فيه بلدةٌ ما بيوم قد يسها الشفيع، أومن أجل بضع جرعات من (براندي) قصب السكر وطبق من اللحم المقدّد و "الفاروفا" التي هي بمنزلة طحين (المينهوت) المحمص بزيت الزيتون. كانوا يروون الحكايات عن "أوليفييه"، وعن الأميرة "ماغلون"، وعن "شارلمان" واللوردات الأثني عشر في فرنسا. كان "جواو" ينصت إليهم مندهشاً، وشفتاه تتحركان مع المنشدين. بعد ذلك كان يرى في منامه أحلاماً رائعة تضج بقعقعة الرماح المتلاطمة للفرسان الخائضين غمار المعارك لإنقاذ المسيحية من قطعان الكفرة.
لكن القصة التي صارت لبَّ كينونته كانت تلك التي تتعلق بـ"روبرت الشيطان"، ابن دوق (نورماندي) الذي اقترف كل أنواع السيئات كلها ثم تاب وصار يتنقل على الأربعة، مطلقاً عواءً بدل الكلام، ونائماً مع الحيوانات، حتى استطاع إنقاذ الإمبراطور من هجوم الأعداء وتزوج ملكة البرازيل، وذلك بعد أن منحه (المسيح المبارك الرحمة) والغفران. الحّ الصغير على أن يروي القصاصون المنشدون الحكاية كلها من دون أن يحذفوا أي تفصيل: كيف غرز "روبرت الشيطان"، في أيام شروره مديته النصل المعقوف في ما لا يحصى من رقاب الآنسات والزّهاد لمجرد التلذذ برؤيتهم يتعذبون، وكيف أنه في أيام خدمته للرّب، كان يجول بعيداً هنا وهناك بحثاً عن أقارب ضحاياه ليقبّل أقدامهم عند لقياهم ويتوسل إليهم أن يعذبوه: لقد اعتقد أهالي (كستوديا) أن "جواو" سيكون في أحد الأيام شاعراً متجولاً قادماً من الأراضي الخلفية، يتنقل من بلدة إلى أخرى حاملاً قيثارته على كتفه، وجالباً الرسائل ومسعداً الناس بأغانيه وقصصه.
ساعد "جواو" "زه فاوستينو" في مخزنه الذي كان يجهز الريف المتاخم برمته بالملبس والحبوب والمشروبات وأدوات الحقل والحلويات والحلي. كان "زه فاوستينو" يسافر كثيراً هنا وهناك، آخذاً بضائع إلى المزارع، أو ذاهباً إلى المدينة لشرائها. وفي غيابه كانت "دونا انجيلا" ترعى المخزن الذي كان بمنزلة كوخ من الطين المجبول، له فناء للدجاج. لقد جعلت هذه المرأة من ابن أخيها موضع المحبة التي لم تتمكن من محضها الأطفال الذين لم تنجبهم. لقد جعلت "جواو" يعد بأخذها إلى (سلفادور) يوماً ما كي ترمي بنفسها عند قدمي التمثال العجيب لـ"اوسنيور دي بونفيم" الذي كانت تمتلك مجموعة الذي كانت تمتلك مجموعة صور ملونة له، مشبوكةً بالدبابيس فوق مقدمة سريرها.
وبقدر خشيتهم من الجفاف والأوبئة، كان سكان (كوستوديا) يخافون نكبتين أخريين تفقران البلدة: العصابات والألوية السيّارة (للحرس القومي). كانت الأولى، في أول الأمر زُمَراً جّمّعها العقداء" مالكو المزارع من بين عمالهم وأقربائهم ليسوا بالقوة المنازعات الناشبة بينهم حول تخوم الأملاك وحقوق المياه وأراضي الرعي، أو حول طموحات سياسية متناقضة. لكن، بمرور الوقت، تحرر الكثير من هذه الزمر المسلحة بالبنادق القصيرة والمدى الكبير من سطوة "العقداء" الذين كانوا قد نظموهم، وشرعوا يجرون هما وهناك طلقاء، يعيشون على القتل والسرقة والنهب أما الألوية السيّارة فقد شُكَّلَتْ لمكافحة هؤلاء. وكانت العصابات والأولوية السيّارة على السواء تقضي على مؤونة أهالي بلدة (كستوديا)، وتسكر ب (برانديهم) المصنوع من قصب السكر وتحاول اغتصاب نسائهم. وقد تعلم "جواو"، حتى قبل بلوغه سن الرشد أنه في لحظة انبعاث صوت الإنذار، كان عليه خزن جميع القناني والطعام والبضائع من فوره في مواضع الإخفاء التي كان قد أعدّها "زه فاستينو". دارت الشائعة بأن صاحب المخزن كان (كوتيرو) – أي رجلاً يتعامل مع العصابات ويزودهم بالمعلومات وأماكن الاختفاء. فغضب هذا. ألم يرَ الناس كيف سرقوا مخزنه؟ ألم ينطلقوا ومعهم الملابس والتبغ من دون أن يدفعوا سنتاً واحداً؟ لقد سمع "جواو" عمه مرات عدة يتشكى من هذه الروايات السخيفة التي اختلقها أهالي (كستوديا) عنه حسداً. كان يتمتم: (إذا استمروا على هذا النحو فسيوقعونني في مشكلة). وهذا ما جرى على وجه الدقة في صباح أحد الأيام عندما وصلت إلى (كستوديا) مفرزة سيّارة مؤلفة من ثلاثين حارساً بأمرة الملازم الثاني "جيرالدو ماسيدو" وهو خلاسي هندي شاب اشتهر في جميع الأمصار بتعطشه إلى الدم، كانوا يطاردون عصابة "انتونيو سلفينو" من الخارجين على القانون. لم تكن العصابة قد مرّت عبر (كستوديا) لكن الملازم أصّر بعناد على القول بأنها قد دمرت. كان هذا طويلاً متين القوام، أحول العين قليلاً، يلحس دائماً سنّاً ذهبية له. ويقال أنه كان يطارد العصابات هكذا، من دون رأفة، لأنها كانت قد اغتصبت حبيبة له. وبينما كان رجاله يفتشون الأكواخ كان الملازم يستجوب شخصياً كل فرد في البلدة. وعند هبوط الليل، دخل إلى المخزن بخطىً واسعة مشرقاً بالنصر وأمر "زه فاستينو" أن يأخذه إلى حيث اختفى "سلفينو". وقبل أن يتمكن صاحب المخزن من الإجابة لطمه لطمة شديدة فانبطح هذا. (إنني عالم بكل شيء، أيها الكلب المسيحي. فقد وشى الناس بك). لم تُجْدِ اعتراضات "زه فاستينو" بالبراءة ولا توسلات "دونا انجيلو نفعاً". قال الملازم "ماسيدو" إنه سيطلق النار على "زه فاوستينو" عند الفجر إنذاراً لرجال العصابات إذ لم يكشف مكان "سلفينو" وأخيراً بدا صاحب المخزن موافقاً على أن يفعل ذلك. وفي فجر اليوم التالي غادروا (كستوديا) يقودهم "زه فاستينو" يتبعه رجال "ماسيدو" الثلاثون الذين كانوا متيقنين من أنهم سيباغتون العصابات. بيد أن "زه فاستينو" تمكن من التخلص منهم بعد مسيرة بضع ساعات وعاد مسرعاً إلى (كوستوديا) ليظفر ب "دونا انجيلا" و "جواو" ويأخذهما معه، خشية أن يُجْعَلا هدفاً للثأر. بيد أن الملازم فاجأه وهو لما يزل يحزم بعض المتاع. ربّما كان ينوي قتله وحده لكنه أطلق النار على "دونا انجيلا" كذلك فأرادها قتيلة حين حاولت التوسط. ثم أمسك "جواو" من ساقيه وألقاه أرضاً بضربة واحدة على رأسه بماسورة مسدسه. وحين أفاق "جواو" شاهد أهالي (كستوديا) ساهرين بجوار تابوتين، وقد بانت على وجوههم سيماء وخز الضمير. لم يعر اذناً صاغية لكلمات التعاطف منهم، وبينما كان يدعك وجهه الدامي بيده أخبرهم بصوت فجأة صوتَ راشدٍ – كان عمره اثني عشر عاماً فقط آنذاك – إنه عائدٌ يوماً لينتقم لخالته وعمه، إذ أن الذين كانوا يندبونهما هم قَتَلَتُهما في واقع الأمر.
لقد ساعدته فكرة الانتقام على البقاء حياً خلال الأسابيع التي قضاها هائماً على وجهه في أرض بور صحراوية تعج "بالماندا كاروس". فقد كان يستطيع أن يشاهد نسوراً سوداً تحوم فوق الرؤوس، منتظرة انهياره لتنقضّ عليه وتمزقه إرباً إرباً . كان ذلك في كانون الثاني، ولا قطرة مطر سقطت. كان "جواو" يجمع أثماراًَ جافة ويمتص نسخ النخيل بل أنه أكل مدرعاً* ميتاً وجده أخيراً أقبلت النجدة من أحد رعاة المعز الذي لقيه ممدداً بمحاذاة قاع نهر جف ماؤه وهو في حالة هذيان يهذر عن الرماح والجياد و "اونسيوردي بونفيم"، فأنعشه بملء قدح كبيرة من الحليب وبضع حفنات من قطع السكر الخام الأسمر مصّها الصبي. واصلا السفر معاً أياماً عدة، متوجهين إلى نجد (اتكستورا) المرتفع، حيث كان راعي المعز يقصد أخذ قطيعه. لكن قبل بلوغه فوجئا في ساعة متأخرة من عصر أحد الأيام بعصبة رجال لا يمكن تخطئة كونهم عصاة لا غير، بقبعاتهم الجلدية وأنطقة الرصاص المصنوعة من جلد النمور المرقطة والجعبات المطرزة بالخرز والبنادق القصيرة المعلقة على الأكتاف والمدى الطويلة المدلاة حتى الركب. كانوا ستة، بزعامة خلاسي ذي شعر مفتَّل ومنديل كبير مزّين بالرسوم حول عنقه. سأل "جواو" ضاحكاً – وكان هذا قد جثا على ركبتيه ومضى يتوسل إليه أن يسمح بانضمامه إليهم – لماذا أراد أن يكون من رجال العصابات؟ فأجاب الصبي: (كي أقتل أفراداً من الحرس القومي). لقد بدأت بالنسبة إلى "جواو" حياةٌ صنعت منه رجلاً في وقت جد قصير – "رجلاً شريراً" حسبما يصفه سكان الأقاليم التي كان يجول ويصول فيها في السنوات العشرين التالية. عمل أول الأمر خادماً لزمر من الرجال كان يغسل ثيابهم ويعد وجبات طعامهم ويعيد خياطة أزرارهم أو يلتقط قملهم، وبعد ذلك صار شريكاً في نذالتهم، ثم غدا أحسن هّدافٍ ومقتفي آثار ومقاتل بالسكاكين وجوّالٍ في الأصقاع ومخططٍ لاستراتيجية العصابة، وأخيراً أمسى نائباً للزعيم ثم زعيماً للزمرة. وقبل أن يبلغ الخامسة والعشرين، وُضِعَتْ مقابل رأسه أكبر المكافآت طراً في ثكنات (باهيا) و(برنامبوكو) و(اوربياوي) و(سيرا). كان خطه العجيب، الذي أنقذه من كمائن قتل قيها رفقاؤه أو أُسروا، والذي بدا أنه كان يحصَّنه ضد الرصاص بالرغم من جسارته، وهو منشأ حكاية تعاقده مع الشيطان. ومهما يكن من أمر، فمن الصحيح جداً، وبخلاف رجال آخرين من العصابة كانوا يتجولون مثقلين بالأوسمة المقدسة ويرسمون إشارة الصليب كلما صادفوا صليباً أو تمثالاً للمصلوب على قارعة الطريق ويتسللون مرة كل عام في الأقل إلى إحدى البلدان كي يتمكن القسُّ من تنقية ضمائرهم أمام الله، كان "جواو"- الذي كان يسمى في البداية "جواو الصبي" ثم "جواو الأسرع من البرق" ثم "جواو الهادئ" والآن "جواو الشيطان" – يزدري الدين على ما يبدو ويذعن لفكرة ذهابه إلى الجحيم جراء سيئاته الكريهة التي لا تحصى.
وقد يقول ابن أخ "زه فاوستينو" و"دونا انجيلو" إن حياة الخارج على القانون هي مشي وقتال وسرقة. لكنها المشي قبل كل شيء. كم مئات ومئات من الفراسخ قطعتها في تلك الأعوام الساقان القويتان، العضليتان، اللتان لا تعرفان الهدوء، لهذا الرجل الذي يستطيع السير عشرين ساعة متواصلة من دون أن يناله التعب. لقد قطعتا الـ(سيرتاو) شمالاً وجنوباً في جميع الاتجاهات، وما من أحد كان عارفاً خيراً منهما بثنيان التلال وتشابك الشجيرات الخفيضة والتواءات الأنهر وكهوف الجبال. إن تلك الجولات الهائمة من دون هدف عبر الأرياف على غرار الهنود، في محاولة للإبقاء على مسافة فاصلة بين العصابة ومتعقبين حقيقيين أو خياليين من (الحرس القومي) أو لإرباكهم، كانت في ذاكرة "جواو" تطوافاً واحداً لا ينتهي عبر مشاهد طبيعية متماثلة، يعكره بين آن وآن أزيز الرصاص أو صراخ الجرحى، وهم متجهون نحو مكان غامض أو صوت حدث مبهم بدا انه كان في انتظارهم.
ظل وقتاً طويلاً يفكر أنه مكتوب عليه أن يعود إلى (كوستوديا) ليأخذ بثأره. فبعد سنين من موت خالته وعمه، تسلل إلى قرية طفولته في إحدى الليالي المقمرة يتبعه إثنا عشر رجلاً. هل كانت هذه الغاية التي كانوا يقصدونها خلال تلك الرحلة الطويلة الشاقة كلها؟ كان الجفاف قد أبعد كثيراً من الأسر عن (كستوديا). بيد أنه كانت لا تزال هناك بضعة أكواخ يسكنها أناس. وعلى الرغم من حقيقة جهل "جواو" لبعض وجوه الأهالي، المثقلة عيونهم بالنعاس، والذين أخرجهم رجالُهُ إلى عرض الشارع، فأنه لم يعف أحداً من العقاب. فقد أُكرِهَت النساء بمن فيهن الصبايا الصغار والعجائز المسنّات جداً، على الرقص مع رجال العصابة الذين كانوا قد أتوا فعلاً على الكحول كله الموجود في (كستوديا) بينما كان الأهالي يغنون ويعزفون على القيثارات. ومرة تلو مرة كانت النساء والفتيات يُسْحَبْنَ إلى أقرب كوخ ويُغْتَصَبْنَ. وأخيراً شرع أحد الرجال بالصراخ من عجز أو هلع. عند ذاك غرز "جواو الشيطان" مديته فيه وبَقَرَهُ يَقْراً كما ينحر الجزار عجلاً. كان سفح الدم ذاك بمنزلة إيعاز، شرع رجال العصابة على أثره وقد جُنّوا اهتياجاً بإطلاق النار من بنادقهم القصيرة. ولم يكفوا حتى أحالوا الشارع الوحيد في (كستوديا) إلى مقبرة. إن ما أسهم في صياغة أسطورة "جواو الشيطان" ليس عملية القتل بالجملة التي نفذها، بل، وذلك أقوى، حقيقة إذلاله كل فردٍ من الذكور شخصياً بعد موتهم بقطع خصيته وحشرهما في حلقة (وكان هذا أسلوبه مع مخبري الشرطة). وبينما كانوا يغادرون (كستوديا) أمر أحد رجال عصابته أن يكتب على أحد الجدران هذهِ الكلمات: (لقد استوفى عمي وخالتي الدين الذي يستحقانه).
ما مقدار الحقيقة في قصص الفظائع التي تعزى إلى "جواو الشيطان"؟ ذلك لأن تلك الكثرة من الحرائق وجرائم الخطف والنهب والتعذيب لو تَمَّتْ حقيقة لاحتاجت إلى أعمار أكثر من السنوات الثلاثين التي عاشها "جواو" في هذه الدنيا و إلى أتباع أكثر من العصابات التي كانت بأمرته والتي لم يبلغ أفرادها يوماً العشرين عداً. وعى خلاف زعماء العصابات الآخرين، مثل "باجو" الذين كانوا يعوضون عن الدم الذي يسفحونه بدفقات فجائية من الكرم، مثل تقاسم الغنائم المستولى عليها تواً مع فقراء المنطقة، وإرغام مالك أرض على فتح حجرات مخازنه للمحاصصين، وتسليم الفدية كلها التي ابتّزوها من أحد الضحايا إلى راعي أبرشية ليبني معبداً، أو دفع نفقات عيد يُحتفل فيه بالقديس الشفيع لإحدى البلدان، فان ما أسهم في ذيوع شهرة "جواو" كان حقيقة عدم سماع أحدٍ "جواو" يوماً يقول إنه كان يقوم بمثل تلك المبادرات بقصد كسب الناس أو مباركة السماء، إذ لم يكن يهمه أي من هذين الأمرين.
كان رجلاً قوياً، أطول من المعدل في ذلك الصقيع، ذا بشرة مصقولة وعظمين ناتئين في الخدين، وعينين مائلتين، وجبهة عريضة، موجزاً في الكلام، قدرياً، وكان له رفقاء ومعاونون، لكن من دون أصدقاء. إنما كانت لديه امرأة، فتاة من (كسراموبيم) كان قد التقاها لكونها غسالة ملابس في دار أحد مالكي المزارع كان يقدم معلومات للعصابة. كان اسمها "ليوبولدنيا"، مدوّرة الوجه، معَّبرة العينين، وذات جسم متين، ممتلئ. وقد عاشت مع "جواو" في المدة التي لبث فيها مختفياً في المزرعة. وحين عاد وارتحل، رحلت معه. لكنها لم ترافقه طويلاً، لأن "جواو" ما كان ليسمح بوجود النساء ضمن العصابة، ولذلك استقعدها في (آراكاتي) حيث كان يزورها كثيراً. لم يتزوجها، ولذلك حين علم الناس أن "ليوبولدينا" قد فرت من (آراكاتي) إلى (جيروموامبو) بصحبة أحد القضاة ظنوا أن الإساءة بالنسبة إلى "جواو" ما كانت بقدر خطورة الحال فيما لو كانت زوجته. ثأر "جواو" كما لو كانت كذلك، فمضى إلى (كسراموبيم) وقطع أذنُيها، ووسم أخويها كيّاً، وأخذ أختها "ماركينيا" البالغة ثلاثة عشر عاماً معه. وفي ساعة مبكرة من أحد الأيام ظهرت الفتاة في شوارع (جيروموامبو) وقد وسم وجهها بالحرفين "ش. ج) كانت تحمل على جيدها إشارة تبين أن جميع رجال العصابة كانوا والد الجنين جماعياً.
كان شقاة آخرون يحلمون بجمع ما يكفي من المال ليشتروا لأنفسهم أرضاً في بلدة نائية حيث يستطيعون أن يعيشوا بقية عمرهم بأسماء أخرى. أما "جواو" فلم يكن قط إمرءاً يدخر مالاً أو يخطط للمستقبل. فحين كانت العصابة تهاجم مخزناً عاماً أو ضيعة، أو تظفر بفدية جيدة عن شخص كانت قد اختطفته، كان "جواو" يقتطع حصة الغنائم التي سيسلمها إلى الأجراء الذي كلفهم أن يبتاعوا أسلحة وذخائر وأدوية أولاً، ثم يقسم الباقي إلى حصص متساوية له ولكلِ من رفقائه. هذا السخاء، وكذلك مهارته في نصب الكمائن للألوية السّيارة، أو الخلاص من الكمائن المنصوبة له، وشجاعته وقدرته على فرض النظام، جعلت رجاله مخلصين له إخلاص كلاب الصيد. كانوا يشعرون بالأمان معه وبأنهم يعاملون معاملة حسنة. ومع أنه لم يكن يجبرهم قط على مواجهة أية مخاطرة لم يكن هو ليجابهها، فلم يدللهم البتة. فإذا ماناموا وهم بواجب الخفارة، أو تلبثوا متخلفين في مسيرة، أو سرقوا زميلاً، فانه كان يجلدهم بالسوط، وإذا ما تراجع أحدهم حين كان قد أُمر بالصمود والقتال، وسمه ببادئتي اسمه أو ببتر أحد أذنيه. كان نفسه يمارس العقوبات كلها، وببرود، كما كان هو الذي يخصي الخونة.
ومع أن رجاله كانوا يخشونه، فقد كانوا يحبونه كذلك على ما بدا. ربّما لأن "جواو" لم يخلف رفيقاً وراءه قط عقب مواجهة مسلحة. فقد كان الجرحى ينقلون إلى مخبأ ما في نقالة شبكية معلقة على جذع شجرة، حتى ولو عَّرضت مثلُ هذهِ العملية العصابة إلى الخطر. كان "جواو" يرعاهم بنفسه. وإذا لزم الأمر استجلب ممرضاً إلى المخبأ بالقوة ليهتم بالمصاب. حتى الأموات كانوا ينقلون من ساحة القتال ليواروا التراب في موضعٍ لا يدنس جثثهم حراس حكوميون أو طيور جارحة. وثمة كذلك السليقة التي لا تخطئ والتي كان يقود بها رجاله في المعارك حيث يقسمهم إلى زمر منفصلة تجري هنا وهناك لأرباك الخصم بينما كان آخرون يتحلقّون وينقضّون على المؤخرة، والحيل التي كان يبتدعها للاختراق حين تجد العصابة نفسها مطوّقة، كلها قَوَّتْ من سلطته. وفي الوقت نفسه لم يكن يجد قط صعوبة في استنفار أفراد جدد لعصابته.
كان مرؤوسوه مفتونين بهذا الزعيم الكتوم، المنعزل، المختلف عنهم. كان يرتدي قبعة (السومبريرو) نفسها، والصندل نفسه – مثلهم، لكنه لم يشاركهم ولعهم بملمَّع الشعر وبالعطور وهي أول شيء كانوا ينقضّون عليه في المخازن – كما لم يكن يلبس خواتم في كل إصبع، أو يغطي صدره بالأوسمة. كانت جعبته تحتوي من النياشين ما يقل عما لدى أبسط نفر. أما نقطة ضعفه فكانت المنشدين الجوالين الذين لم يكن ليسمح لرجاله بإساءة معاملتهم. كان يرعى حاجاتهم بكل إجلال، ويسألهم أن يرووا شيئاً ما وينصت إليهم بكل جد من دون أن يقاطعهم البتة في منتصف القصة. وكان كلما صادف (سيركاً) من الغجر يطلب إليهم تقديم حفل له ثم يصرفهم محَّملين بالهدايا.
سمع احدهم "جواو الشيطان" يقول ذات مرة إنه رأى أناساً يموتون من الكحول، الذي يخرب مستقبل الرجال ويجعلهم يتقاتلون بالمدى لأسباب سخيفة، أكثر من الذين يميتهم المرض أو الجفاف. وكما لو كان الغرض إثبات صواب رأيه، كانت العصابة كلها مخمورة يوم فاجأه النقيب "جيرالدو ماسيدو" ولواؤه السّيار. كان النقيب الملقب بمطارد العصابات، قد جاء إلى داخل الأراضي الخلفية ليتصيد "جواو" بعد أن كان هذا قد هاجم لجنة من حزب (باهيا للحكم الذاتي) كانت قد عقدت اجتماعاً تواً مع البارون "دي كانا برافا" في مزرعته في (كالومبي). كان "جواو" قد نصب كميناً للّجنة وجعل حرسها الشخصي يجرون في جميع الاتجاهات، وأراح السياسيّين من الحقائب والجياد والملابس والنقود. فأرسل البارون نفسه رسالة إلى النقيب "ماسيدو" عارضاً عليه مكافأة خاصة عن رأس زعيم العصابة.
حدث ذلك في (روزاريو)، وهي بلدة ذات خمسين مسكناً، حين ظهر رجال "جواو الشيطان" في بواكير أحد صباحات شهر شباط. كانت قد حصلت مقابلة دموية قبل وقت قصير بينهم وبين عصابة منافسة، عصابة "باجو"، ولم يكونوا يبغون غير الاستراحة. وقد وافق أهالي البلدة أن يعطوهم طعاماً، ودفع "جواو" ثمن ما استهلكوه، وكذلك ثمن جميع البنادق القصيرة وبنادق الرشّ والبارود والرصاص مما استطاع أن يضع يديه عليه. دعا أهالي (روزاريو) العصابة أن تمكث لحضور الاحتفال الذي سيقيمونه بعد يومين تكريماً لزواج راعي بقر بابنة أحد أهالي البلدة. كانت الكنيسة الصغيرة قد زينت بالورود، وكان أهل البلدة من رجال ونساء يرتدون خير ملابسهم في منتصف النهار ذاك حين وصل الأب "يواكيم" من (كومبي)ليتولى طقوس عقد القران. لقد بلغ من هلع القسيس الصغير من وجود العصابة أن انفجر الجميع ضاحكين بينما كان هو يتلعثم ويتأتئ ويتعثر في نطقه. وقبل القُدّاس، تلقّى اعتراف نصف السكان، بمن في ذلك بعض رجال العصابة. بعدها حضر عرض الألعاب النارية والغداء في الخلاء تحت عريش من الأشجار، ويشرب أنخاب العروس والعريس بصحبة أهالي البلدة. بيد أنه أخذ بعد ذلك يلح على العودة إلى (كومبي) إلحاحاً أثار استغراب "جواو" على حين غرة. فأمر هذا الاّ يتحرك أحد إلى خارج (روزاريو) وراح نفسه يستكشف الأصقاع المتاخمة كلها، من جهة جنبات جبل البلدة إلى الجهة المقابلة التي لم تكن سوى نجد أجرد، فلم يجد أثراً لخطر، فعاد إلى احتفال الزواج عابساً. أما رجاله، الذين غدوا مخمورين الآن، فكانوا يرقصون ويغنون وسط أهالي البلدة.
أما وقد عجز ألأب "يواكيم" بعد نصف ساعة عن تحمل الشد العصبي فقد اعترف لـ"جواو" وهو يرتجف ويتمخط أن النقيب "ماسيدو" ولواءه السّيار موجودون على قمة الجبل، بانتظار تعزيزات لشن هجوم. كان "مطارد العصابات" قد أمر القسّ أن يؤخر "جواو" باستخدام أية حيلة يمكنه أن يفكر فيها. وفي تلك اللحظة دون الاطلاقات الأولى من جهة النجدة. لقد حوصروا، وسط الارتباك الشديد، صاح "جواو" برجال عصابته أن يصمدوا على أحسن وجه يستطيعونه حتى هبوط الليل. لكن الشقاة كانوا قد أفرطوا في الشرب بحيث عجزوا حتى عن التعرف على مصدر الطلقات، وغدوا أهدافاً سهلة لبنادق رجال الحرس وسقطوا أرضاً وسط وابل من النيران المتصلة بصرخات النساء وهن يتراكضن هنا وهناك في محاولة للهرب من النيران المتبادلة. وحين حل الليل لم يكن بين رجال العصابة سوى أربعة لا يزالون واقفين على أقدامهم. أما "جواو"، الذي كان يقاتل وقد اخترقت رصاصة كتفه فقد أغمي عليه، فلفّّه رجاله بنقالة شبكية وراحوا يتسلقون الجبل. وبفضل مطرٍ غزيرٍ مفاجئ اخترقوا حصار العدو، وآووا إلى أحد الكهوف، وبعد أربعة أيام دخلوا (تبيدو) حيث خفّض مُبَّرئُ حمى "جواو" وأوقف نزف جرحه. لبثوا هناك مدة أسبوعين حتى تمكن "جواو الشيطان" من المشي ثانية. وفي ليلة مغادرتهم (تبيدو)، علموا أن النقيب "ماسيدو" قد قطع الرؤوس عن أبدان زملائهم الذين كانوا قد قتلوا في (روزاريو)، ووضع الرؤوس في برميل، مملحةً مثل اللحم المقدد.
ثم عادوا فانغمروا في جولات العنف اليومية، من دون أن يفكروا كثيراً بحظهم الحسن أو بحظ الآخرين العاثر. ومرة ثانية، ساروا وسرقوا وحاربوا وتخفّوا، وأرواحهم على أكفهم على الدوام. ظل "جواو الشيطان" يشعر بإحساس غامض في صدره، متيقناً بأن شيئاً ما على وشك أن يحدث في أية لحظة الآن، ذلك الشيء الذي كان ينتظره دائماً منذ استطاع التذكر.
صادفوا صومعة نصف خربة بمحاذاة منحرف عن الدرب المؤدي إلى (كانسانكاو). كان هناك رجل يتكلم وهو واقف قبالة خمسين شخصاً مرتدين خرقاً وأسمالاً بالية، رجل طويل، نحيف على نحو ملحوظ، متلفع برداء ارجواني غامق. لم يقطع حديثه، بل لم يلق نظرة على القادمين الجدد. شعر "جواو" بإحساس مدّوخ أن ثمة شيئاً ما كان يفور في دماغه، بينما كان يصغي إلى ما كان القديس يقول. كان يروي قصة خاطئ تاب، بعد كان قد اقترف ذنوب الدنيا كلها، وعاش عيشة قلقة، وفاز بغفران الله ورحل إلى الفردوس حين انهى الرجل قصته نظر إلى الغرباء. ومن دون تردد، خاطب "جواو" الذي كان واقفاً هناك خفيضَ العينين.
سأله: (ما أسمك؟). تمتم الشقي: ("جواو الشيطان"). قال الصوت المبحوح (أولى بك أن تسمي نفسك "أبوت جواو"، أي حواري المسيح المبارك).
***
بعد ثلاثة أيام من إرسال "غاليليو غال" الخطاب الذي يصف زيارته للأخ "جواو ايفا نجليستادي مونت مارتشيانو" إلى صحيفة (شرارة الثورة)، سمع نقراً على باب العليّة الواقعة فوق مكتبة (كاتلينا). وفي اللحظة التي القى فيها نظرة على القادمين عرف أنهم من مرؤوسي الشرطة. طلبوا رؤية أوراقه، وفتشوا متاعه، واستجوبوه حول نشاطاته في (سلفادور). وفي اليوم التالي وصل الأمر القاضي بطرده من البلاد بصفته أجنبياً غير مرغوب فيه. توسط "يان فان رشتد" الكهل. وكتب الدكتور "خوزيه باتستادي سا أوليفيرا" إلى الحاكم "لويز فيانا" عارضاً أن يكون مسؤولاً عنه. بيد أن السلطات أصرت فابلغت "غال" بأن عليه أن يغادر البرازيل في الباخرة (مارسييز) حين تقلع بعد أسبوع قاصدة أوربا، وسيمنح مجاناً بطاقة ذهاب بالدرجة الثالثة. قال "غال" لأصدقائه إن الطرد من بلد _ أو السجن أو القتل _ هو أحد التقلبات التي يتحملها كل ثوري، وأنه كان وما زال يعيش حياة الثوري من يوم ولادته تقريباً. كان متيقناً من أن القنصل البريطاني أو الفرنسي أو الأسباني كان وراء أمر الطرد. بيد أنه أكد لهم بأن لا أحد من شرطة هذه الأقطار الثلاثة، بمستطيع القبض عليه. ذلك أنه سينزوي إذا ما توقفت (المارسييز) في موانئ أفريقية أو في لشبونة لم يبد أنه كان هلوعاً.
بيد أن كل من "يان فان رشتد" والدكتور "اوليفيرا" كان قد سمعه يتحدث بحماسة عن زيارته لدير (سيدة الرحمة). لكنهما صعقا حين أعلن لهما أنه ما دام مطروداً من البرازيل فأنه عازم على اتخاذ "مبادرة نيابة عن الأخوان في (كانودوس)" قبل المغادرة، وذلك بدعوة الناس إلى حضور تظاهرة عامة تضامناً معهم وسيطالب جميع محبي الحرية في (باهيا) أن يتجمعوا ليوضح لهم فعل ذلك. وقال: "إن في (كانودوس) ثورة تولد تلقائياً. ومن واجب ذوي العقول التقدمية أن يعضدوها". لقد بذل "يان فان رشتد" و الدكتور "أوليفيرا" أقصى الجهود ليثنياه، وأخبراه المرة تلو المرة أن مثل هذه الخطوة حماقة قصوى. ومع ذلك حاول "غال" نشر إعلان الاجتماع في إحدى صحف المعارضة. ولم يكن فشله في مكتب (جورنال دي نوتسياس) ليغيّب أمله. كان يفكر في إمكان طبع منشورات يوزعها بنفسه في الشوارع حين حدث شيء جعله يكتب: (أخيراً..! لقد كنت أعيش حياة مفرطة الهدوء وقد بدأتُ أمسي بليد الروح).
حدث ذلك قبل يومين من موعد إقلاعه، وذلك عند حلول الغسق. جاء "يان فان رشتد" إلى العليّة، وبيده غليونه لما بعد العصر، لإخباره بأن شخصين في الطابق الأرضي يسألان عنه، وحذره بأنهما من (الأزلام) كان "غاليليو" يعرف أن ذلك ما كان يسمى به الرجال الذين كان يستخدمهم ذوو السطوة والسلطات في أعمال سرية. والواقع أن الاثنين كانا ذوي مظهر شرير. بيد أنهما لم يكونا مسلحين وكان سلوكهما معه يتسم بالاحترام: هناك من يرغب في مقابلتك. هل له أن يسأل مَنْ؟ كلا.
ثار فضوله ومضى معهما. أخذاه إلى كاتدرائية (براسادي باسيليكا) أولاً عبر الجزء الأقصى من المدينة ثم الأدنى، ثم من بين الضواحي. وبينما هم يتركون الشوارع المعبدة وراءهم في الظلام، - شارع (كونسليرو وانتاس) وشارع (البرتغال) وشارع (الأميرات) وأسواق (سانتابريارا) و(ساوجواو) مستديرين نحو الطريق السريع الممتد على طول جبهة البحر إلى (بارا) تساءل "غاليليو غال" ماذا إذا كانت السلطات قد قررت قتله بدلاً من طرده من البلاد. بيد أن ذلك لم يكن فخّاً. ففي نزل يضيؤه مصباح نفضي صغير كان مالك صحيفة (جورنال دي نوتسياس) ورئيس تحريرها في انتظاره. مدّ "ايبامينونداس كونكالفس" يده وطلب إليه أن يقعد ثم تناول صلب الموضوع رأساً: (هل تريد أن تبقى في البرازيل بالرغم من أمر الطرد؟).
اكتفى "غاليليو" بالنظر إليه من دون جواب.
سأله "ايبامينونداس كونكالفس": (هل أنت متحمس حقاً بشأن ما هو جارٍ هناك، في "كانودوس"؟) كانا وحدهما في الغرفة. ومن الخارج كان يمكن سماع الرجلين يتحدثان، والأمواج تتدفق متقلّبة على نحو لا ينقطع. كان رئيس (الحزب التقدمي الجمهوري) يراقبه متمعّناً، وعلى وجهه تعبير كامل الجد، مطبطباً بكعبيه على نحو عصبي. كان يرتدي البدلة الرمادية التي كان "غاليلو" قد رآه مرتدياً إياها في مكتبه في صحيفة (جورنال دي نوتسياس). بيد أن وجهه لم يعبر عن نظرة اللامبالاة نفسها والاستهجان الماكر نفسه، كما كان في ذلك اليوم. كان متوتراً، ذا جبهة مغضنة جعلت وجهه الشاب يبدو أكبر سناً.
قال "غال": (أنا لا أحب الغموض. خير لك أن توضح لي الأمر).
- (إني أحاول إن أتقصّى ما إذا كنت تريد الذهاب إلى "كانودوس" لتأخذ أسلحة إلى الثوار).
انتظر "غاليليو" لحظة، من دون أن ينبس ببنت شغة، وهو يحدق إلى عيني الرجل الآخر مباشرة.
علق ببطء، قائلاً: (قبل يومين، لم تكن تتعاطف مع الثوار. كان احتلال أراضي الغير والعيش الماجن يعنيان تصرفاً بهيمياً بالنسبة إليك).
وافق "ايبامينونداس كونكالفس" قائلاً: (ذلك هو رأي "الحزب التقدمي الجمهوري" ورأيي أنا، طبعاً).
قال "غال" وهو يسايره، مميلاً رأسه إلى الأمام قليلاً: (لكن..).
أبان "ايبامينونداس كونكالفس": (لكن أعداء أعدائنا أصدقاؤنا) وتوقف عن قرع كعبيه.. (إن "باهيا" حصن لمالكي الأراضي المتخلفين، الذين لاتزال قلوبهم تهفو إلى الملكية، على الرغم من كوننا جمهورية منذ ثمانية أعوام، وإذا كان من اللازم مساعدة العصاة و "السباستيانيين" في الداخل لإنهاء حكم البارون "دي كانا برافا" الدكتاتوري على "باهيا" فسأفعل ذلك. إننا نتخلف أكثر فأكثر وصائرون أفقر فأفقر. لابد من إبعاد هؤلاء الناس عن السلطة مهما كلف الأمر قبل أن يفوت الأوان. وإذ ما استمر ذلك الوضع في "كانودوس" فستغرق حكومة "لويز فيانا" في خضم أزمة وستدخل القوات الاتحادية إن آجلاً أو عاجلاً. وفي اللحظة التي تتدخل فيها "ريودي حانيرو" ستكف "باهيا" عن كونها إقطاعة "الحكمذاتيين"*).
همهم "غال": (وسيبدأ حكم "التقدميين الجمهوريين").
صححه "ايبامينونداس كونكالفس" قائلاً: (نحن لا نؤمن بالملوك. نحن جمهوريون حتى نخاع العظم تماماً.. حسن، حسن، أرى أنك تفهمني).
قال "غاليليو": (أفهم هذا الجزء على نحو لابأس به. لكن ليس البقية منه. إذا كان "الحزب التقدمي الجمهوري" يبغي تسليح الجماعات، فلماذا يكون ذلك بوساطتي؟).
قال "ايبامينونداس كونكالفس" متلفظاً كل مقطع بتأنٍ ووضوح:
- (لا يرغب "الحزب التقدمي الجمهوري" أن يساعد أو أن تكون له أدنى صلة مع أناس يثورون ضد القانون).
وأضاف مالك صحيفة (جورنال دي نوتسياس) ورئيس تحريرها، متلبثاً ثانية عند كل مقطع: (ليس بقدور النائب المحترم "ايبامينونداس كونكالفس" أن يساعد ثواراً. ولا بمقدور أي شخص له علاقة معه سواء من قريب أم من بعيد. إن النلئب المحترم ماضٍ في شن معركة عسيرة من أجل مثل عليا. جمهورية ودمقراطية في هذه المنطقة المقطوعة الأوتوقراطية التي يحاصرها أعداء أقوياء، ولا يمكنها أن تخاطر مثل هذه المخاطرة). ابتسم، ولاحظ "غال" أن لديه طقماً من الأسنان البراقة، البيض، النهمة. (ثم دخلتَ أنت في الصورة. لم تكن الخطة التي أنا مقترحها لتخطر ببالي لولا زيارتك الغريبة أول أمس. كانت تلك هي التي أوحت إليّ بالفكرة التي جعلتني أفكر: لو جُنَّ بما فيه الكفاية للدعوة إلى اجتماع عام تأييداً للثوار، فسيكون مجنوناً بما فيه الكفاية لإيصال البنادق إليهم). كفّ عن الابتسام، وتكلم متجهماً: (في مثل هذه الحالات، تكون الصراحة خير سياسة. إنك الشخص الوحيد الذي لا يستطيع، لو انكشف أو أُسر، المساس بي وبأصدقائي السياسيين، بأي حال من الأحوال).
-(هل تحذرني بأنني لن أستطيع الاعتماد عليك للمساعدة فيما لو قبضوا عليَّ؟).
قال "ايبامينونداس كونكالفس" على مهل وبنحو واضح: (قد أدركتَ قصدي تماماً هذه المرة. فأن كان جوابك بالنفي فأرجو لك ليلة سعيدة، وانسىَ أنك لقيتني. وإذا كان بالإيجاب فلنبحث الأجر).
نقَّل الاسكتلندي موضعه على مقعده، وهو مصطبة خشبية صاّرة وتمتم متسائلاً وهو يطرف: (الأجر؟). قال "ايبامينونداس كونكالفس": (نظرتي للأمر، إنك مُسْدٍ خدمة. سأجزل لك العطاء عنها وفي الموعد المحدود – وهذا وعدٌ مني – في اللحظة التي تهم فيها بمغادرة القطر. لكن إذا ما فضلت إسداء هذه الخدمة فخرياً، من باب المثالية، فذلك شأنك).
قال "غاليليو غال" وقد انتصب على قدميه: (إني ذاهب لأتمشى في الخارج. إذ أني أفكر على نحو أفضل حين أكون وحيداً. لن أتأخر كثيراً). حين خطا خارج النزل، ظن أول الأمر أن ثمة مطراً، لكن ذلك لم يكن سوى رذاذٍ مصدره الأمواج.
تنحى ارجلان جانباً كي يمر، فشم رائحة غليونيهما القوية الحرنفِة كان هناك ممر. وكان البحر، الذي بدا هائجاً، ذا رائحة طيبة مالحة تغلغلت حتى أعضائه الحيوية. سار "غاليليو غال" وسط الرمال وكتل الجلمود الوحيدة نحو حصن صغير فيه مدفع مصوب نحو الافق. فكر في نفسه: (تملك المجمهورية قوة في "باهيا" هي من الضآلة مثل قوة ملك انكلترا، في ما وراء ممر "أبرفويل" في عهد "روب روي ماكر يفور"). حاول ينظر إلى الوضع نظرة موضوعية، أميناً على عادته، بالرغم من ضربات قلبه المضطربة فهل من الأخلاق الحميدة أن يتأمر ثوري مع سياسي من البرجوازية الصغيرة؟ أجل، إن كانت المؤامرة تساعد (الأنصار) هل يتمكن من مديد العون إلى (كانودوس)؟. ومن دون تواضع زائف، يستطيع الشخص الذي كان من قدامى المكافحين السياسيين المخضرمين، والذي كرس حياته للثورة، مساعدتهم حين يجب اتخاذ بعض القرارات، وحين يأزف الوقت ويتوجب عليهم القتال وأخيراً، فأن شأن التجربة أن تكون ذات قيمة، إذا ما نقلها إلى ثوريي العالم. يجوز أنه قد يترك عظامه تتنحر هناك في (كانودوس). لكن أليست مثل هذه الخاتمة أفضل من الموت جراء المرض أو الشيخوخة؟
قفل راجعاً إلى المنزل، وقال لـ"ايبامينونداس لونكالفس"، وهو واقف على عتبة الباب: (إنني مجنون بما فيه الكفاية كي أفعل ذلك.).
- (مدهش!) – كان جواب السياسي لـ"غاليليو غال" بالإنكليزية، وقد تملكته الحماسة ولمعت عيناه.
(5)
لطالما تنبأ (المرشد) في مواعظه كيف ستجيء قوى (الكلب) للقبض عليه والقضاء على المدينة بالسيف، بحيث لم يفاجأ أحد في (كانودوس) حين تبين من أخبار الحجاج الوافدين من (جوازيرو) على ظهور الخيل إن كتيبة من فوج المشاة التاسع، المقبل من (باهيا)، قد بلغت الجوار وقد نيطت بها مهمة القبض على القديس.
ها أن النبوءات بدأت تتحقق، والكلمات أضحت وقائع. كان للأخبار وقعٌ مقوٍّ، مستنفرةً الكهول والشباب والرجال والنساء. وعلى حين غرة حُمِلَت بنادق الرش والقربينات والزناد المصوّتة التي تحشى من المواسير وزودت الأنطقة بالذخيرة المناسبة، في حين ظهرت في الوقت نفسه المدى والخناجر مدسوسة في الأحزمة، كما لو كان ذلك بفعل السحر وفي أيدي الناس مناجل وسكاكين طويلة ومناخس ومخارز ومقالع وأقواس صيد وعصي وأحجار.
في تلك الليلة، ليلة بدء نهاية العالم، تجمع أهالي (كانودوس) كلهم حول (معبد المسيح المبارك) – وهو هيكل ذو طبقتين وأبراج تستطيل وترتفع، وجدران جار إتمامها، وذلك بغية الاستماع إلى أحاديث (المرشد). ملأت حماسةُ المختارين الجو. أما (المرشد) فبدا منقطعاً أكثر من ذي قبل. وعندما أبلغه الحجاج القادمون من (جوازيرو) بالخبر لم يعلق بأي شيء البتة، وواصل مراقبة عملية جمع أحجار البناء ورصّ الأرضية وخلط الرمل والحصى للمعبد، بتركيز بلغ من الشدة بحيث لم يجرؤ أحد أن يوجه إليه أي سؤال. ومع ذلك شعر الجميع وهم يستعدون للمعركة بأن ملمح الزاهد كان يقرّ ما هم فاعلون، وعرف الجميع بأن الربّ سيعلمهم في تلك الليلة، من فم (المرشد)، ما يتوجب عليهم عمله، بينما كانوا يزّيتون أقواسهم وينظفون فوهات قربيناتهم وبنادقهم القصار ويجفّفون بارودهم.
تردد صوت القديس تحت النجوم في فضاء لا نسمة فيه فبدت كلماته متلبثة، في جوّ بلغ من الجلال حداً طرد كل المخاوف. وقبل التحدث عن الحرب تكلم عن السلام، عن الحياة الآتية، حيث يختفي الألم والخطيئة. وحالما يُطاح بالشيطان، تتوطد أركان (مملكة الروح القدس)، في الحقبة الأخيرة قبل يوم الدينونة. ترى، هل تكون (كانودوس) عاصمة هذه المملكة؟ أجل، إن شاء المسيح المبارك. عندئذ ستُلْغى قوانين (الجمهورية) الشريرة ويعود القساوسة، كما في أوائل الأيام الخوالي، رعاة يؤثرون رعيتهم. كما ستخَضوْضرُ الأراضي الخلفية جّراء المطر، وستكون هناك وفرة من الذرة والماشية، وستكون للجميع كفايتهم من الغذاء، وستتمكن كل أسرة من دفن موتاها في توابيت مبطنة بالمخمل. لكن لابدّ من إسقاط (المسيح الدجال) قبل. ذلك كان من اللازم صنع صليب وبيرق عليه صورة الإله كي يعلم العدو في أية جهة يكون الإيمان. كما يلزم دخول المعركة، كما فعل الأوائل، بالإنشاد والصلاة والتهليل للعذراء والرب. وكما قهر الأوائل أعداءهم، سيقهر المدافعون عن (المسيح المبارك) الجمهورية أيضاً.
لم ينم أحد في (كانودوس) في تلك الليلة. لقد سهر الجميع، بعضهم يصلي وآخرون يستعدون للقتال، فيما سمّرت أيدٍ مثابرة الصليب لربط اجزائه، وخاطت البيرق. وقبيل الفجر اكتملا. كان الصليب بطول ثلاث ياردات وعرض ياردتين، وكان البيرق أربعة شراشف أسرّة خيطت معاً ورَسَمَ عليها (الصغير المبارك) حمامةً بيضاء منشورة الجناحين، وكتب (أسد ناتوبا) بخط يده دعاءً هتافياً. وباستثناء حفنة من الناس سمّاهم "أنتونيو فيلا نوفا" للمكوث في (كانودوس) لئلا يتوقف بناء المعبد (حيث استمر العمل فيه ليل ونهار عدا أيام الأحد)، غادر الباقون كلّهم المستعمرة عند بزوغ أول ضوء، متجهين نحو (بندنغو) و(جوازيرو) ليبرهنوا لزعماء الشر أنه لا يزال هناك حماة للخير في هذه الدنيا. لم يشاهدهم (المرشد) يغادرون، إذ أنه كان آنذاك في كنيسة (سانتوانتونيو) الصغيرة يصلي من أجلهم.
لقد أضطروا إلى السير عشرة فراسخ ليلتقوا الجنود. أمضوا المسيرة إنشاداً وصلاةً وهتافاً للرب وللمرشد. لم يتوقفوا للراحة إلا مرة واحدة وذلك بعد اجتياز (مونته كامبايو). أما أولئك الذين أحسوا بنداء الطبيعة فقد تركوا خطوط السائرين المتعرجة وتسللو وراء صخرة جلمود، ثم لحقوا بالآخرين. واستغرق عبور فسحة الأرض المسطحة اليابسة نهاراً وليلة، من دون أن يطلب أحد وقفة أخرى للراحة. لم تكن لديهم خطة للقتال. وقد دهش النزر اليسير من المسافرين الذين التقوهم في الطريق عند علمهم بأنهم ذاهبون إلى الحرب كان مظهرهم يشبه رهطاً من الناس متجهين إلى مهرجان. فمنهم من كان مرتدياً أغرب الملابس التنكرية. كانوا يحملون أسلحة ويهتفون: (الموت للشيطان وللجمهورية). لكن حتى في تلك اللحظات كان تعبير الفرح على وجوههم يرقّق من أثر الكره في أصواتهم. كان الصليب والبيرق على رأس المركب يحملها بالتناوب الشقي السابق "بدراو" والرقيق السابق "جواو الكبير" تليهما "ماريا كودرادو" و"ألكساندر ينياكوريا" حاملتين الصندوق الزجاجي لصورة السيد المسيح كان قد رسمها على قماشٍ (الصغير المبارك)، وخلفهما يأتي المختارون، وهم رؤىً شبحية تلفّها سحابة من غبار. كان الكثير منهم يرافق صلوات الابتهال بالنفخ في قصبات سكر متعددة الأطوال كانت تستخدم في الأيام الخوالي غلايين لتدخين التبغ. وبالتثقيب كان يمكن جعلها مزامير للرعاة، كذلك. في أثناء المسيرة أعاد الرتل تجميع صفوفه تدريجياً وعلى نحو غير ملحوظ، مستجيبين لنداء القربى، بحيث أن من انتمى إلى عصابة شقاة معينة أو أهالي أحدى القصبات أو أحد أحياء العبيد أو إحدى المناطق المدينية، وأفراد الأسرة نفسها، صاروا يتكتلون معاً باقتراب الساعة الحرجة كما لو فعل أن كل فرد كان يشعر بالحاجة إلى أن يكون أقرب ما يمكن لمن كان صادقاً ومجرباً في ساعات حاسمة أخرى. أما الذين كانوا قد اقترفوا القتل، فقد جهدوا وتقدموا تدريجياً إلى مقدمة الصفوف. وبينما كانوا يقتربون من بلدة (أواوا)، والتي سميت هكذا بسبب الكثير من حشرات الحباحب التي تنيرها ليلاً، أحاط "أبوت جواو" و"باجو" و"تارا ميلا" و "خوزيه فينا نتشيو" وآل "ماكامبيرا" وغيرهم من العصاة والخارجين على القانون بالصليب والبيرق في رأس الموكب أو الجيش، وهم يعلمون من دون أن يخبرهم أحد، أنهم بسبب خبرتهم وخطاياهم مطلوبون أن يكونوا قدوة حين تأزف ساعة الهجوم.
بعد منتصف الليل، أتاهم محاصِصٌ لينذرهم بأن مئة وأربعة جنود عسكروا في (أواوا) بعد قدومهم من (جوازيرو) مساء الليلة الفائتة. فأثارت صرخةُ حرب غريبة قلوب المختارين: (عاش "المرشد".. عاش المسيح المبارك). ثم أسرعوا الخطى جذلين منفعلين. وحين انبلج الفجر لمحو (أواوا) _ وهي بضعة أكواخ صغيرة كانت نقطة التوقف الإلزامية لمبيت رعاة الماشية الذاهبين من (مونته سانتو) إلى (كواراتشا). شرع السائرون بتلاوة صلاة الابتهال للقديس يوحنا المعمدان، راعي البلدة. وسرعان ما اكتشف الرتلَ الجنودُ النَّعْسانون المكلفون بالحراسة على ضفاف غدير في الضواحي. وبعد أن حملق الجنود بضع ثوان، غير مصدقين أعينهم، هرعوا صوب البلدة جرياً. ثم دخل المختارون (أواوا) وهم يصلّون وينشدون وينفخون في مزاميرهم القصب، موقظين المئة جندي ونيفاً من سباتهم ومغرقينهم في واقع كابوسي، وهم الذين استغرق وصولهم إلى هناك اثني عشر يوماً والذين لم تكن لديهم أدنى فكرة عن مصدر الصلوات التي أيقظتهم فجأة. كانوا الأحياء الوحيدين في (أواوا) إذ كان جميع السكان قد هرب خلال الليل. لكن هاهم الآن هناك جميعاً، مع المجاهدين الدائرين حول أشجار التمر الهندي في الساحة العامة، والمراقبين وجوه الجنود عند تطلعهم إلى خارج النوافذ والدور، والراصدين اندهاشهم وترددهم في إطلاق النار أو الفرار أو الارتماء في أراجيحهم الشبكية ثانية أو على أسّرتهم الكسيحة ليخلدوا إلى النوم.
انطلق أمرٌ هادرٌ ليشعل فتيل إطلاق النار، فاقرع ديكاً في غمرة مجونه. أطلق الجنود النار، ساندين قربيناتهم على الفواصل الواطئة ما بين الأكواخ، وأخذ المختارون يخّرون صرعى على الأرض، غارقين في دمائهم. وشيئاً فشيئاً، انفصمت عرى الرتل. شنت مجاميعُ البواسل، على غرار "أبوت جواو" و"خوزيه فينا نتشيو" و"باجو" هجوماً على المساكن، وجرى آخرون للاحتماء بأركان مسدودة أو التكوّر بين أشجار التمر الهندي في حين تقدم الباقون. كما أطلق المختارون بعض النار، أي أولئك الذين كانت لديهم القربينات والبنادق القصيرة، وأولئك الذين تمكنوا من حشو بنادقهم طويلة الماسورة وشخّصوا هدفاً في غمرة سحب البارود الأسود. لم يرتج الصليب قط، ولم يكف البيرق عن الرفرفة ابداً طيلة ساعات الصراع والبلبلة وذلك وسط جزيرة من مجاهدين ظلت بالرغم من تثقّبها بالرصاص، قائمة، صلدة، مؤمنة، متحلقة جميعاً حول ذينك الشعارين اللذين سيستشرف الجميع فيهما سرّ انتصارهم بعد حين. فلا "بدراو" ولا "جواو الكبير"، ولا (أم الرجال) التي كانت تحمل الصندوق الزجاجي الذي يضم وجه (الابن) لفظوا أنفاسهم في المعركة. لم يُكَسب الفوز في وقت قصير. كان هناك ضحايا كثيرون في تلك الساعات المليئة بالضجة التي تصمّ الأسماع. فصوت الأقدام الراكضة والطلقات النارية، كانت تليه أوقات من الهمود والسكوت التي سرعان ما يمزّقها الضجيج من جديد. بيد أن رجال (المرشد) عرفوا قبل الضحى أنهم قد انتصروا حين شاهدوا أبداناً نصف عارية تجري شذر مذر بأمر من قادتها أو لأن الخوف قد داهمها قبل أن يفعل الخصم ذلك، عبر الريف إلى (كانودوس) لتوارى التراب وتجمعت النسوة المعالجات والطبيبات المداويات بالأعشاب والقابلات ومجبَّروا العظام وكل نَفْسٍ مساعدة حول الجرحى لمسح الدم أو التضميد أو لمجرد تلاوة الصلوات والتراتيل دفعاً للآلام.
سار المختارون مسافة العودة البالغة عشرة فراسخ حاملين موتاهم وجرحاهم، ومتعقبين مجرى (فازا _ بارس) بخطوٍ أبطأ هذه المرة. دخلوا (كانودوس) بعد يوم ونصف، هاتفين للمرشد. فاستقبلهم بالتصفيق والعناق والابتسامات أولئك الذين كانوا قد خُلَّفوا للعمل في المعبد. وقام (المرشد) الذي لم يكن قد أكل أو شرب شيئاً منذ رحيلهم للوعظ في تلك الأمسية من على سقالة عند أحد أبراج المعبد. صلّى على أرواح الموتى وشكر المسيح المبارك ويوحنا المعمدان على النصر الذي فازوا به وتحدث عن كيفية ترسّخ الشر هنا في هذه الأرض: قبل أن يبدأ الزمن كان الرب يملأ كل شيء ولم يكن هناك فضاء وبغية خلق العالم كان لابدّ للرب أن ينكمش على نفسه ليخلق فراغاً وغياب الربّ هذا أنشأ الفضاء حيث برزت فيه في سبعة أيام النجوم والضوء والمياه والنباتات والحيوانات والإنسان. لكن ما إن خلقت الأرض جّراء انكماش الجوهر الإلهي، حتى نشأت كذلك الظروف المواتية لما كان على الضدّ من الرب تماماً، أي الخطيئة، حيث أقامت مملكتها. وهكذا ولدت الدنيا تسودها لعنة إلهية، كمملكة الشيطان. بيد أن الرب أشفق على الإنسان وأرسل (الابن) ليستعيد السيطرة على هذا الفضاء الأرضي الذي يحكمه الشيطان.
قال (المرشد) إن أحد شوارع (كانودوس) سيسعى "ساو جواو باتستا" باسم القديس الراعي لـ(أواوا).
***
يقول "ايبامينونداس كونكالفس": (إنّ الحاكم "فيانا" مُرْسِلٌ حملةً أخرى إلى "كانودوس" بإمرة ضابط أعرفه شخصياً هو الرائد "فبرونيو دي بريتو". وفي هذه المرة ليست القضية قضية حفنة من الجنود كالزمرة الصغيرة التي هوجمت في "أواوا" بل سيُرسَل فوج كامل. وسيغادرون "باهيا" في أية لحظة الآن، وربما قد فعلوا ذلك. لم يبق وقت طويل) يجيب "غاليليو غال": (أستطيع أن أغادر صباح الغد. إن الدليل في الانتظار. هل جلبتم الأسلحة؟).
يقدم "ايبامينونداس" سيكاراً إلى "غال" فيرفض هذا هازاً رأسه. إنهما جالسان على كرسيين من الأماليد المجدولة في مستشرق متداعٍ لقصر ضيعة في مكان ما بين (كيماداس) و_جاكوبينا) دلهّ عليه فارس ملبسه كله من الجلد وله اسم توراتي هو "كايفاس". وقد أخذه هذا في دوامة حول الأراضي الخلفية كما لو كان يبغي تدويخه. الوقت غسق. هناك وراء دار بزين الخشب صف من النخيل الملكية وبروج للحمام وزرائب عدة للحيوانات. والشمس، مثل كرة ضاربة إلى الحمرة، تُلهِب الأفقَ ناراً. ينفث "ايبامينونداس كونكالفش" دخان سيكارة ببطء ويتمتم، ناظراً إلى "غال" عبر دخان السيكار: (دزينتان من البنادق الفرنسية الجيدة. وعشرة آلاف خرطوشة. سيأخذك "كايفاس" إلى ضواحي (كيماداس) في العربة. فأنْ لم تكن منهكاً أكثر من اللازم، فالأفضل أن تقفل راجعاً إلى هنا هذه الليلة، مع الأسلحة، ثم ترحل إلى "كانودوس" مباشرة في الغد). يومئ "غاليليو" موافقاً. إنه متعب، لكن كل ما يحتاج إليه هو بضع ساعات من النوم ليستجمع قواه. هناك في المستشرق ذباب بلغ من الكثرة بحيث عليه أن يبقى إحدى يديه أمام وجهه ليطرده. إنه مسرور جداً على الرغم من تعبه. بدأ الانتظار يتعب أعصابه وخشي أن يكون "كونكالفش" قد غيرّ خططه. وحين قدم الفارس المرتدي الجلد كلياً هذا الصباح من دون سابق إنذار ليأخذه من نزل (سيدة الألطاف) بعد التفوه بكلمة السر، بلغ من انفعاله أن ينسي حتى تناول الفطور. لقد قام بالسفرة إلى هنا من دون أن يتناول مأكلاً أو مشرباً، وفي شمس محرقة تضرب الرؤوس طيلة النهار
يقول "ايبامينونداس كونكالفس": (آسف لجعلك تنتظر طوال هذه الأيام. لكن جمع الأسلحة وجلبها حتى هذا المكان انقلب إلى مسألة معقدة إلى حدٍ ما. هل شاهدت الحملة الجارية والانتخابات البلدية في أي من البلدان التي مررت بها؟). يقول "غال" وهو يتثاءب: (لاحظت أن "حزب الحكم الذاتي" في "باهيا" ينفق مالاً على الدعاية أكثر مما تنفقون أنتم).
- (لديه كل ما يحتاج. ليس أموال "فيانا" حسب، بل أموال الحكومة وبرلمان "باهيا" كذلك وفوق كل ذلك كله هناك أموال البارون). يقول "غال" مرهفاً أذنيه على حين غرة: (إن البارون في مثل ثراء "كرويسوس"، أليس كذلك؟ شخصية عتيقة، تحفة أثرية.. لا ريب في ذلك. لقد اطلعت على جملة أمور حوله في "كيماداس" من "روفينو" الدليل الذي زكّيته لي وكانت زوجته تخصّ البارون. أجل تلك هي الكلمة الصحيحة. وكانت تخصّه، مثل معزة أو عجل. لقد أعطاها إلى "روفينو" كزوجة. إن "روفينو" يذكر البارون دائماً كما لو كان، هو الآخر، ملكاً له على الدوام، من دون امتعاض، ممتناً ككلبٍ وفي. شيء طريف يا سينور "كونكالفس". هي ذو العصور الوسطى ها هنا). يجيب "ايبامينونداس" نافثاً رماد سيكاره: (ذلك ما نحارب. هو ذا سبب رغبتنا في تحديث هذا القطر.. هو ذا سبب سقوط الإمبراطورية وهذا هو سبب وجود الجمهورية). يصحح "غاليليو غال" محدَّثه ذهنياً، وهو يحس كما لو كان على وشك أن ينام بين لحظة وأخرى: (بل أنهم زمرة الأنصار" الذين يكافحون ضد الوضع). ينهض "ايبامينونداس كونكالفس" واقفاً ويتساءل وهو يتخطى المستشرف جيئةً وذهاباً: (ماذا قلت للدليل؟). شرعت الصراصير تطلق صريرها ولم تعد حرارة الجو خانقة. يقول "غال" الحقيقة فيتوقف صاحب صحيفة (جورنال دي نوتسياس) ورئيس تحريرها عن الحركة تماماً: (حرصتُ على ألا أذكر حتى اسمك فقد اقتصرتُ على التحدث عن نفسي. قلت له أريد أن أذهب إلى "كانودوس" التزاماً بمبدأ، من منطلق التضامن الأدبي والأيدلوجي). يحدق "ايبامينونداس كونكالفس" فيه صامتاً، فيعلم "غاليليو" أن الرجل يتساءل ما إذا كان يقول هذهِ الأشياء بكل جدٍ وما إذا كان مجنوناً أو غبياً حقاً بما فيه الكفاية لتصديقها. ثم يفكر: (أنا هو ذاك المجنون أو ذاك الغبي) وهو يهز ذراعيه من حوله ليطرد الذباب.
- (وهل أخبرنه كذلك بأنك ستجلب لهم السلاح؟).
- (طبعاً لا سيكتشف ذلك حالما نشرع في الرحيل إلى هناك).
يعود "ايبافيونداس" فيتخطى المستشرف جيئة وذهاباً، ويداه خلف ظهره، مخلفاً أثراً من الدخان وراءه. إنه مرتدٍ قميصاً فلاحياً مفتوحاً عند الرقبة، وصدره من دون أزرار، وسروالاً للفرسان وجزمة، ويبدو كمن لم يحلف. لم يكن مظهره البتة مثل ما كان عليه في مكتب الصحيفة، أو في النزل في (بارا). بيد أن "غال" يتعرف بالرغم من ذلك، على الطاقة المختزنة في حركاته، والفرم والطموح في تعبيره. ويفكر في نفسه أنه حتى لا حاجة لتحّس عظامه لمعرفة ما هي عليه.ز (رجل متعطش إلى السلطان) أهذه المزرعة له؟ هل قصر الضيعة هذا مُعارٌ إليه لطبخ المؤمرات؟ يقول "ايبامينونداس" له وهو متكئ على الدرابزين وظهره باتجاهه: (حالما تُسلَّم الأسلحة لا تسلك هذا الطريق في عودتك إلى "سلفادور". ليأخذك الدليل إلى "جوازيرو". إنه السبيل الحكيم. هناك قطار يمر بـ"جوازيرو" بين يوم ويوم. وسيعود بك إلى "باهيا" في اثنتي عشرة ساعة. وسأتكفل أنا بمغادرتك إلى أوربا خفيةً، مع أجر سخي عن خدماتك). يردد "غال" بعده، فاغراً فاه في تثاؤبة واسعة تلوي وجهه وكلماته على نحوٍ مضحكٍ (أجر سخي. كنتَ تعتقد دائماً بأنني فاعلٌ هذا من أجل المال).
ينفث "ايبامينونداس" ملء فمه من دخان ينسل في زخرفات عربية عبر الشرفة. وعلى مبعدة، كانت الشمس قد بدأت تخفي نفسها وراء الأفق وكانت هناك بقع من الظلال في الريف المحيط.
- (كلا. أعرف جيداً أنك تفعل ذلك من منطلق المبدأ. وعلى أية حال، أنا أدرك بأنك لا تفعل ذلك حبّاً في "الحزب التقدمي الجمهوري". بيد أننا نقدر أنك مسدٍ خدمة لنا، ومن عادتنا أن ندفع لقاء الخدمات المسداة، كما سبق أن أخبرتك).
يقاطعه "غال" وهو يتمطّى: (لا أستطيع أن أعدك بأنني سأعود إلى "باهيا"، فصفقتنا لا تشمل هذا البند).
يعاود مالك صحيفة (جورنال دي نوتبسياس) ورئيس تحريرها النظر إليه ويبتسم قائلاً: (لن نبحث ذلك ثانية في مقدورك أن تفعل ما تشاء. وبعبارة مختصرة، أنت تعرف آلاف ما هو أفضل طريق للعودة إلى "باهيا". كمن تعرف أن في إمكاني تسهيل خروجك من القطر من دون أن تتدخل السلطات وتضعك على متن سفينة. وعليه، إنْ فضّلْتَ البقاء مع الثوار، فليكن، مع أنني موقن بأنك ستغير رأيك حين تلقاهم). يتمتم غال بنبرة يشوبها شيء من السخرية: (سبق أن التقيت أحدهم. وبالمناسبة، هّلا أرسلت لي هذا الخطاب إلى فرنسا من "باهيا". إنه غير مختوم، وإذا كنت تقرأ الفرنسية ستلاحظ أنه يخلو من أي شيء قد يمّسك بضرر).
***
وُلِدَ مثل والديه وأجداده وأخيه "هونوريو"، في بلدة المسوقة إلى (جاغواريب) عن تلك الموجهة نحو (فالي دوكاريري). كان جميع سكان البلدة إما مزارعين أو رعاة بقر. لكن "انتونيو" برهن من سنٍ مبكرة جداً على امتهانه التجارة، فبدأ بعقد صفقات تجارية في صفوف أصول الدين التي كان يدرسها الأب "ماتياس" الذي علمه الحروف والأرقام كذلك). كان "أنتونيو" و"هونوريو" فيلانوفا" على علاقة حميمة جداً وينادي كل منهما الآخر "عمّاه" مثل البالغين الذين امتدت رفقتهم الحميمة طوال العمر.
في أحد الأيام استيقظت "أدلينيا النكار"، إبنة نجار (أساري) وهي تشعر بحمى شديدة. ولم تنفع الأعشاب الطبية التي أحرقتها "دونا كاينما" طرداً للشر. وبعد أيام قليلة تفجّر جسم "أدلينيا" بثوراً بلغ قيحها درجة أحالت أجمل فتاة في البلدة إلى أكره مخلوق. وبعد أسبوع أصبح نصف دزينة من سكان البلدة يهذون من الحمى وقد غطتهم البثور وتمكن الأب "نوبياس" من تلاوة قداس سائلاً الله أن يضع حداً لهذا الوباء المرعب، قبل أن يصيبه المرض هو أيضاً. بدأ المرضى يموتون من فورهم، بينما انتشر الوباء وخرج عن السيطرة. وفيما كان السكان المرعوبون يتهيأون للهرب من البلدة، اعترضهم العقيد "مغويل فرنادس فيرا"، زعيم البلدة السياسي ومالك الأراضي التي كانوا يزرعونها والماشية التي كانوا يسوقونها للكلأ، ومنعهم هذا من الرحيل كي لا ينشروا مرض الجدري في طول الريف وعرضه. كما عيّن خفراء عند مخارج البلدة لديهم أوامر بإطلاق النار على أي فرد يعصي أمره. من بين القلائل الذين تمكنوا من الفرار من البلدة، الخوان "فيلانوفا". أما والداهما وشقيقتهما "لوز ماريا" ونسيبٌ وثلاثة من أبناء الأخوة من العائلة فقد قضى الوباء عليهم. بعد دفن جميع أولئك الأقارب، عقد "أنتونيو" و"هونوريو"، اليافعان القويان ذوا الخمسة عشر عاماً والشعر المجّعد والعيون الزرق، العزم على الفرار من البلدة. وبدلاً من مجابهة أفراد الزمرة بالمدّى والرصاص، كما فعل آخرون، أقنعهم "أنتونيو" وهو الأمين على مهنته أن يغضوا النظر مقابل ثور صغير وكيس من السكر المكرر يزن خمسة وعشرين رطلاً، وآخر من السكر الخام الأسمر. غادرا ليلاً، مصطحبين اثنتين من بنات عمومتهما، هما "أنتونيا" "أسنساو ساردلينيا" ومتاع الأسرة الدنيوي: وكان عبارة عن بقرتين وبغل حملٍ وحقيبة ملأى بالملابس ومحفظة صغيرة احتوت عشرة (ميلريسان). كانت "أنتونيا" و "أسنساو" من بنات أبناء عمومة الأخوين "فيلانوفا" وقد صحبهما "انتونيو" وهو "هونوريو" من باب الشفقة نظراً لعجزهما بعد أن تركها وباء الجدري يتيمتين كانت الصبيتان مجرد طفلتين تقريباً، وقد جعل وجودهما الفرار صعباً عبر البلاد. لم تكونا تعرفان كيفية اختراق غابات الشجيرات الخفيضة ووجدتا صعوبة في تحمل العطش. ومع ذلك تمكنت الحملة الصغيرة من قطع (سيرادوأرابيه) وخلَّفت (سانتو أنتونيو) و(أوري كوري) و(بترولينا) وراءها واجتازت (ريو سافرانسيسكو). وحين دخلوا (جوازيرو) وقرر "أنتونيو" تجربة حظهم في تلك البلدة من ولاية (باهيا) كانت الأختان قد أمسيتا حبلاوين: "أنتونيا من "أنتونيو"، و"أسنساو" من هوتوريو". وفي اليوم التالي تماماً شرع "أنتونيو" يعمل من أجل المال في حين بنى "هونوريو" كوخاً بمساعدة الأختين "سارولينيا"، كانا قد باعا في الطريق البقرتين اللتين كانا قد اصطحباهما من (أساري). لكن بغل الحمل كان لايزال معها، فحّمله "أنتونيو" وعاءً مليئاً بالبراندي على ظهره وراح يطوف به في البلدة ويبيعه بالشربة. كان عليه أن يحمل على ظهر ذلك البغل، ثم على آخر، وبعد ذلك على بغالٍ إضافية أخرى البضاعة التي كان يطوف لبيعها في الأشهر والسنوات التالية، بدءاً من بيت إلى بيت، وبعد ذلك في المستوطنات المقامة في الضواحي، وأخيراً في أرجاء الأراضي الخلفية كلها والتي صار يعرفها مثلما يعرف راحة يده. لقد تعاطى بيع سمك القد والرز والبقول والسكر والفلفل والسكر الخام وأطوال القماش والكحول وأي شيء كان الناس يطلبون إليه أن يجهزهم به. وأصبح مجّهزَ المزارع الشاسعة والمحاصصين الفقراء، وغدا رتل بغاله منظراً مألوفاً مثل سيرك الغجر في القرى والإرساليات التبشيرية ومخيمات الأراضي الخلفية. أما المخزن العام في (جوازيرو)، في (براسا دايزكورديا)، فكان يديره "هونوريو" والشقيقتان "سارولينيا" وقبل قطعا شوطاً جيداً تجاه الإثراء. وفي تلك المرحلة أدركتهم الكارثة التي كُتِبَ على الأسرة أن تنكب بها مرة ثانية. كانت الأمطار تبدأ بالهطول في سنوات الخير في كانون الأول. أما في السنوات العجاف ففي شباط أو آذار، وفي تلك السنة لم تسقط ولا قطرة مطر واحدة حين حلّ أيار. لقد نقصت كمية مياه (ساوفرانسيسكو) بمقدار الثلثين ولم تكد تكفي لسد حاجات (جوازيرو) التي زاد سكانها أربعة أمثال جراء تدفق المهاجرين من داخل البلاد.
في تلك السنة لم يستوف "أنتنيو فيلانوفا" أي دَيْنٍ يستحقه كما ألغى جميعُ عملائه، سواء كانوا مالكي المزارع الشاسعة أم فقراء المنطقة، طلباتهم لبضائعه. حتى (كالومبي)، أفخر مقاطعات البارون "دي كانبرافا"، أبلغته أنها لن تبتاع حتى حفنة ملح منه. واحتساباً للكسب في الأوقات الرديئة، كان "أنتونيو" قد طمر حبوب البذر في صناديق خشب لُفَّت بقماش القِنّب بغية بيعها حين ترفع الشحةُ الأسعار إلى أعالي السماء. بيد أن الكارثة اتخذت أبعاداً تجاوزت حساباته. وفي الحال أدرك أنه إذا لم يبعِ البذور التي اختزنها فوراً، لن يكون هناك زبون واحد راغب فيها. ذلك أن الناس جعلوا ينفقون النزر اليسير مما تبقى لديهم من مال على القداس والمواكب والذبائح كي يرسل الله المطر، علماً بأن كل واحد منهم كان يتوق إلى الانضمام إلى الأخوان التائبين الذين كانوا يرتدون القلنسوات ويجلدون أنفسهم بالسياط عند ذاك نبش صناديقه. كانت البذور قد تعفَّنت بالرغم من التغليف بقماش القنب لكن" أنتونيو" لا يقر بالاندحار أبداً. فقام هو و"هونوريو" والشقيقتان "ساردلينيا" وحتى الأطفال – طفُلةُ وأطفال أخيه الثلاثة بتنظيف البذور على أحسن وجه ممكن. وفي صباح اليوم التالي أعلن منادي المدينة في الساحة الرئيسة أن متجر "فيلانوفا" العام سيبيع بذوره الموجودة لأسباب قاهرة، وذلك بأسعار مغرية. سلّح "أنتونيو" و"هونوريو" نفسيهما وعيّنا أربعة خدم يحملون الهراوات خارج المتجر، على نحوٍ بيّن، كي يحولوا دون انفلات المشترين. جرى كل شيء على ما يرام في الساعة الأولى. كانت الشقيقتان "ساردلينيا" تناولان البذور عند النُضد، في حين كان الرجال الستة يصدّون الناس عند الباب ولا يسمحون لأكثر من عشرة أشخاص بالدخول إلى المتجر في المرة الواحدة. لكن سرعان ما استحال ضبط الجماهير. ذلك أن الناس تسلقوا الحاجز في آخر المطاف وكسروا الأبواب والشبابيك ورموها أرضاً واجتاحوا المحل. وفي بضع دقائق نهبوا كل شيء في الداخل بما في ذلك النقود من صندوق النقد. أما ما لم يستطيعوا نهبه وأخذه معهم فقد أحالوه إلى تراب. لم يستغرق التدمير أكثر من نصف ساعة. ومع أن الخسائر كانت جسيرة لم يُصَب أي من أفراد الأسرة بأذىً. كان "هونوريو" و"أنتونيو" والشقيقتان "ساردلينيا" والأطفال جالسين في الشارع يرقبون الناهبين وهم ينسحبون من المتجر الذي كان أكثر المتاجر اكتظاظاً بالبضائع في البلدة كلها. لقد اغرورقت عيون المرأتين بالدموع، وتطلع الأطفال المنتشرين جلوساً هنا وهناك على الأرض خدرين إلى بقايا الأسِرّة التي كانوا ينامون عليها والملابس التي كانوا يرتدونها واللعب التي كانوا يلعبون بها. كان وجه "أنتونيو" قد شحب. أما "هونوريو" فتمتم قائلاً: (علينا أن نبدأ من جديد). فأجاب أخوه (ولكن ليس في هذه المدينة).
لم يبلغ "أنتونيو" الثرثين من عمره بعد، بيد أن آثار الاجهاد المفني وسفراته المنهكة والاسلوب المتهَّجس الذي كان يدير به تجارته جعلته يبدو أكبر سناً. فقد فقد الكثير من شعره، وكانت جبهته العريضة ولحيته الذقنية الصغيرة وشاربه تضفي عليه سيماء المثقفين. كان رجلاً قوياً، محني الكتفين قليلاً، وذا مشية متقوّسة الساقين مثل مشية راعي بقر. لم يظهر أي اهتمام بأي شيء قط عدا التجارة. وفي حين كان "هونوريو" يحضر الاحتفالات ولا يمانع في شرب كأس صغير من شراب الأنسيون وهو يسمع منشداً أو يثرثر مع خلان يمخرون عبر (ساو فرانيسكو) عند دفة أحد الزوارق حيث تماثيل صغيرة لرؤوس مصبوغة بأصباغ براقة تبدأ في الظهور، كان "أنتونيو" يعيش بلا حياة اجتماعية. وحين لم يكن غائباً في رحلة في مكان ما، كان يتحلّف عند نضد متجره، يدقق دفاتر حساباته أو يفكر في الدخول في ضروب جديدة في الأعمال التجارية. كان كثير الزبائن، قليل الأصدقاء. ومع أنه كان يؤم كنيسة (سيدة الغار) أيام الأحد ويحفر بين آن وآن المواكب التي كان المتسوّطون* من الاخوان يُميتون لحمهم بالسياط ليساعدوا أرواحهم في المَطهَر** لم يكن يُعَدُ واحداً من الذين يملكون حماسة دينية فائقة. كان رجلاً جاداً، هادئاً، عنيداً مُعّداً إعداداً حسناً لمواجهة المصائب.
كانت رحلة أسرة "فيلانوفا" هذه المرة عبر منطقة نُكبت بالجوع والعطش، أطول من تلك التي قامت بها قبل عقد من الزمن حين فرّت من وباء الجدري، فسرعان ما أضحوا من دون دواب. وعقب مجابهة مع عصبة من المهاجرين أبعدها الأخوان اضطراراً بالبنادق قرر "انتونيو" أن بغال الحمل الخمسة العائدة لهم كانت تشكل إغراءً شديداً تصعب مقاومته من جانب الحشود البشرية المتضورة جوعاً والجائلة في أصقاع الأراضي الخلفية. ولذلك باع أربعة منها في (باروفرميليو) مقابل حفنة أحجار كريمة. ثم نحروا البغل الأخير الباقي وأقاموا وليمة لأنفسهم. وملّحوا اللحم المتبقي فأقام أودهم بضعة أيام. هذا وقد توفي أحد أبناء "هونوريو" من الزحار فدفنوه في (بوارجا) حيث كانوا قد أقاموا ملجأً قدمت فيه الشقيقتان "ساردلينيا" حساءً مصنوعاً من أجاص أسباني ولحم الخنزير الهندي البري والترمس الأصفر بيد أنهم عجزوا عن الصمود هناك كذلك مدة طويلة جداً وطققوا يجولون ثانية باتجاه (باتاموته) و(ماتوفيردة)، حيث لسع عقرب "هونوريو". وحين تحسنت صحته واصلو السفر جنوباً. وكانت سفرة مزعجة استغرقت أسابيع وأسابيع ما صادفوا فيها سوى أشباح مدن ومزارع مهجورة وقوافل من جماجم تهيم من دون هدف، كما لو أصابتها هلوسة.
وفي (بدرا غراند) مات أبن آخر من أبناء "هونوريو" و"اسنساو" من الزكام ولا شيء أكثر خطورة منه. كانوا في غمرة عملية دفنه ملفوفاً ببطانية حين جاء قرابة عشرين رجلاً وامرأة إلى القرية، تلفهم سحابة من غبار أحمر اللون – بينهم مخلوق له وجه رجل ويزحف على الأربعة، وزنجي نصف عار. كان أكثُرهُم محضً جلدٍ وعظام فقط، يلبسون أردية متهرئة وصنادل بدت وكأنها قد داست دروب العالم برمته. كان زعيمهم رجلاً طويلاً أسمر ذا شعر متهدل على كتفيه وعينين زئبقيتين. مضى بخطىً واسعة نحو أسرة "فيلانوفا" مباشرة، وبإيماءة من يده أوقف الأخواني الذين كانا بصدد إنزال الجثة في اللحد. سأل "هونوريو" بصوت رزين: (أهو ابنك؟). أومأ هذا برأسه. قال الرجل الأسمر ذو الشعر الأسود بنبرة سلطوية: (لا يمكن دفنه هكذا. لابد أن يوارى التراب ويرسل في سبيله بصورة لائقة كي يستقبل في حفل الابتهاج الأبدي في السموات). وقبل أن يتمكن "هونوريو" من الإجابة، استدار الرجل صوب الذين كانوا معه قائلاً: (لنواره الترابَ على نحو لائق كي يتلقاه الرب مغتبطاً). عند ذاك شاهد آل "فيلانوفا" الحجيج تدبُّ فيهم الحياة، فهرعوا إلى الأشجار وقطّعوها وسمرّوها معاً فصنعوا نعشاً وصليباً بمهارةٍ دلّت على مرانٍ طويل. أخذ الرجلُ الأسمر الطفلَ بين ذراعيه ووضعه في التابوت. وبينما كان آل "فيلانوفا" يهيلون التراب في القبر ليمتلئ، صلّى الرجل بصوت عال وأنشد الآخرون تراتيل التبريك وتلوا صلوات الذكر راكضين متحلّقين حول الصليب. وبينما كان الحجاج يهّمون بالمغادرة بعد استراحة تحت الأشجار أخرج "أنتونيو فيلانوفا" قطعة نقد معدنية وعرضها على القديس. قال ملحاً حين لاحظ أن الرجل كان بصدد رفضها، وهو يتطلع إليه بنظرة ساخرة، من عينيه: هذه رمزٌ لامتناننا). أجاب الرجل أخيراً: (ليس لديك ما تشكرني عليه. لكنك لن تقدر على إيفاء الرب ما بذمتك حتى بألف مسكوكة مثل هذه). توقف ثم أضاف برقة: (إنك لم تتعلم العدّ، يا ولدي).
لبث آل "فيلانوفا" هناك وقتاً طويلاً بعد مغادرة الحجيج، جالسين مستغرقين في التفكير حول نار كشّافية أشعلوها درءاً للحشرات. تساءل "هونوريو": (أكان هذا مجنوناً يا عّماه؟) فأجاب "أنتونيو": (لقد شاهدت الكثير من المجانين في رحلاتي، لكن هذا الرجل بدا كأنه شيء أكثر من ذلك). حين أمطرت السماء ثانية، بعد عامي من الجفاف والكوارث، كانت أسرة "فيلانوفا" قد استقرت في (كاتنغارومورا)، وهي ضيعة تجاورها ملحمة صغيرة شرع "أنتونيو" بتشغيلها. لقد ظل سائر أفراد الأسرة على قيد الحياة – الشقيقتين "ساردلينيا" والطفلين – بيد أن ولد "أنتونيو" و"أنتونيا" الصغير فقد بصره شيئاً فشيئاً بعد معاناته من افرازات صمغية حول عينيه جعلته يفركهما طيلة أيام متواصلة. ومع أنه كان لا يزال قادراً على التمييز بين النور والظلام، فانه عجز عن تشخيص وجوه الناس أو تبيان ما كانت عليه الأشياء المحيطة به. أما المملحة فقد تمخضت عن تجارة طيبة. كان "هونوريو" و المرأتان والطفلان يقضون أيامهم بجففون الملح ويعدون الأكياس لهن فيخرج "أنتونيو" بها للبيع، وقد صنع لنفسه عربة وجعل يتجول هنا وهناك حاملاً بندقية رشّ ذات ماسورتين ليدافع بها عن نفسه في حالة هجوم عصابات عليه.
مكثوا في (كاتنغارومورا) ثلاث سنين تقريباً. وبعودة المطر، عاد القرويون إلى العمل في الأرض، ورجع رعاة البقر ليرعوا القطعان التي هلك عُشَرُها. كل ذلك كان يعني الرخاء بالنسبة إلى "أنتونيو". ففضلاً عن المملحة سرعان ما صار له متجر، وطفق يتعامل بدواب الركوب، فيشتريها ويبيعها بهامش ربحي جيد، وحين أحالت سيول أمطار شهر كانون الأول ذاك – وتلك لحظة حرجة في حياته – الجدول الصغير المار عبر المستوطنة إلى نهر طاغٍ جرف أكواخ القرية وأغرق الدجاج والمعز والمملحة ودفنها تحت بحر من الطمى في ليلة واحدة، كان "أنتونيو" في سوق "نور دستينا) الموسمية حيث كان قد ذهب ومعه حمولة من الملح ولديه نية لشراء بعض البغال. عاد بعد أسبوع وكانت مياه الفيضان قد بدأت بالانحسار. كان "هونوريو" والشقيقتان "ساردلينيا" والعمال الستة الذين كانوا يشتغلون في خدمتهم مبتئسين، لكن "أنتونيو" تلقى هذه النكبة الأخيرة بهدوء، فَجَرَدَ ما قدتم إنقاذه. وأجرى حسابات في دفتر صغير، ورفع معنوياتهم بالقول بأنه لاتزال ثمة ديون عدة مستحقة الوفاء له وإن له، مثل القط، أرواحاً أكثر من أن يقدر فيضان واحد على إشعاره بالاندحار.
بيد أنه لم يغمض له جفن في تلك الليلة. كان قد أواهم قروي من أصدقائه على التل الذي كان قد لاذ به جميع الأهالي الذين كانوا يسكنون في الأرض المنخفضة. كان باستطاعة زوجته أن تحس به يتقلب في الأرجوحة الشبكية وتشاهد في ضوء القمر الواقع على وجه زوجها أن القلق قد أذاواه. وفي صباح اليوم التالي أخبرهم "أنتونيو" إن لابدّ لهم أن يستعدوا للرحيل، إذ انهم مغادرون (كاتنغادومورا) نهائياً. كانت نبرة صوته حازمة بحيث لم يتجرأ أخوه أو الامرأتان على الاستفسار منه عن السبب. وبعد بيع كل ما عجزوا عن أخذه معهم، توجهوا إلى الطريق ثانية في العربة المثقلة بالرزم، وغرقوا ثانية في المجهول. وفي أحد الأيام سمعوا انتونيو" يقول شيئاً حيرهم. غذ تمتم قائلاً، وقد تظلّلت أعماق عينيه الزرقاوين: (ذلكم التحذير الثالث. لقد جاءنا هذا الفيضان كي نعمل شيئاً ما لا أعرف ما هو). قال "هونوريو" له، كما لو كان في حرج من السؤال: (إنذار من الله يا عّماه). فأجاب "أنتونيو". (ربما كان من الشيطان). واصلوا التطواف هنا وهناك، ماكثين أسبوعاً هنا وشهراً هناك. وكلما ظنت الأسرة أنها على وشك الاستقرار انبرى "انتونيو" بقرار بالمغادرة. لقد أزعجهم البحث الغامض عن شيء ما أو شخص ما لكنْ ما اعترض أحد منهم على هذا الترحال الدائم. أخيراً وبعد ما يقرب من ثمانية شهور من الهيام في عرض الأراضي الخلفية وطولها انتهوا إلى الاستقرار في مزرعة تعود إلى البارون "دي كانا برافا" كانت قد هُجِرَتْ منذ حلّ الجفاف. كان البارون قد أخذ كل ماشيته معه، ولم يبق سوى بضع أسر لبثت تعيش هنا وهناك في الريف المتاخم تزرع قطعاً صغيرة من الأرض على ضفاف نهر (فازا- بارس) وتأخذ معزها لتكلأ في أعالي (سيرادي كانا برافا) دائمة الخضرة. ولقلة نفوس (كانودوس) ولكونها محاطة بالجبال، فقد بدت كأنها أسوأ مكان ممكن للتاجر أن يقيم فيه تجارته. ومع ذلك، وفي اللحظة التي استولوا فيها على ما كان يوماً ما بيت الوكيل، الذي غدا خراباً الآن، تصرف "انتونيو" كما لو كان قد انزاح عبء ثقيل عن كاهله. وفي الحال، شرع يستنبط خطوطاً جديدة في التجارة نفسها يستطيع مباشرتها، وانبرى ينّظم حياة الأسرة بالروح المعنوية العالية نفسها كما في الأيام الخوالي. وبعد عام، صار متجر (فيلا نوفا) العام، بفضل مثابرته وعزمه، يشتري ويبيع البضائع على مدار عشرة فراسخ. ومرة أخرى واصل "انتونيو" سفراته المستمرة. بيد أنه صادف أن كان في الدار يوم ظهر الحجاج على جنبات (أوكامبايو) ودخلوا (كانودوس) من شارعها الوحيد ينشدون تراتيل الحمد للمسيح المبارك بأعلى أصواتهم ومن مظهره مسكن الوكيل السابق، الذي تحول الآن إلى مشتركِ دارٍ ومتجر، صار يرقب منظراً أولئك الخلق المتحمس وهم يقتربون أكثر فأكثر. لاحظ أخوه وزوجته وعديلته شحوبه حين أقبل عليه الرجل ذو الرداء الارجواني الغامق الذي كان على رأس الموكب. تعرفوا على تينك العينين المحتدمتين والصوت العميق والجسم النحيل سأله القديس مبتسماً، وماداً يده للتاجر: (هل تعلمت العدّ فعلاً؟). ركع "أنتونيو فيلانوفا" على ركبتيه ليقبل أصابع القادم الجديد.
***
لقد انبأتكم يا رفاقي، في رسالتي الأخيرة، عن ثورة شعبية داخل البرازيل، أبلغني عنها شاهد متحامل من الأخوان (الكابوتشينيين). في وسعي الآن أن أنقل لكم شهادة أكثر موثوقية حول (كانودوس) من رجل هو نفسه من المتمردين، مُرْسَلٌ ليجوب جميع أصقاع الأراضي الخلفية، مهمته، من دون ريب، تحويل آخرين إلى مذهبهم. لكنني استطيع أن أخبركم كذلك عن شيء مثير: كانت ثمة مجابهة مسلحة دحر فيها (الأنصار) مئة جندي متوجهين إلى (كانودوس). هل هناك علامات أوضح على أن هؤلاء المتمردين رفاق ثوريون. إن في هذا بعض الصحة، لكن على وجه التعميم فقط، وذلك بموجب حكمتا على هذا الرجل الذي يعطي انطباعاً متناقضاً عن أخواننا هؤلاء: فهناك فطنة حادة وسلوك طبيعي يقومان جنباً إلى جنب مع خرافات لا تصدق.
اكتب إليكم من بلدة لا تعرفون اسمها من دون شك، منطقة فيها عبودية النساء المعنوية والبدتية، مفرطة للغاية، إذ يضطهدهن مالك الأرض والأب والأخوان، جميعاً. في تلك الأصقاع يختار مالك الأرض زوجات لأقربائه، وتتلقى النساء الضرب حتى في الشارع من جانب الآباء المغضوبين أو بعولهن المخمورين – وهذا شيء لا يحفل به البتة أولئك الذين يرون مثل تلك المشاهد. إن هذا زادٌ للفكر يا رفاق: علينا أن نؤمن أن الثورة لن تقضي على استغلال الإنسان للإنسان حسب، بل على استغلال الرجال للنساء كذلك، وان تقيم المساواة بين الجنسين فضلاً على المساواة بين الطبقات. علمت أن المبعوث الوافد من (كانودوس) قد جاء به إلى هنا دليل، هو صياد للنمور المرقطة كذلك (مهنة جيدة أن تستكشف العالم وتقتل الوحوش المفترسة للقطعان). وقد تمكنت من مقابلته بفضله. حدثت المقابلة في مدبغة وسط جلود منشورة لتجف تحت الشمس وأطفال يلعبون مع السحالي. شرع قلبي يخفق بشدة حين تطلعت إلى الرجل: قصير، متين الكيان، له بشرة بين الصفراء والرمادية، التي يرثها الخلاسيون عن أجدادهم الهنود، وندية في وجهه انبأتني من نظرة أنه كان من الشقاة أو المجرمين في السابق- ضحية، على كل حال، إذ أن المجتمع، كما أوضح "باكونين"* يضع أسس الجريمة ويكون المجرمون أدوات لتنفيذها. كانت ملابسه من الجلد. ولي أن أضيف إن ذلك هو الملبس المعتاد لرعاة البقر إذ يمكّنهم من اختراق ذوات الأدغال الشائكة على متون جيادهم. كان يضع قبعة (السومبريرو) على رأسه دائماً وبندقيته الرش. بجانبه طيلة مقابلتنا. كانت عيناه عميقتين، عابستين، وسلوكه مراوغاً ومتملصاً، كما هو الحال هنا عادةً. لم يشأ أن نتحادث نحن الاثنين بمفردنا. كان علينا أن نفعل ذلك بحضور مالك المدبغة وأسرته، الذين كانوا جالسين على الأرض يأكلون من دون أن ينظروا إلينا. قلت له إني ثوري ولي جمهرة من الرفاق في العالم الذين هللوا لما فعله أهالي (كانودوس)، أي احتلال أراضٍ تعود إلى إقطاعي، وإقامة علاقة الحب المتحرر، وقهرِ سرية من الجنود. لا أدري إن كان قد فهمني. إن سكان الداخل ليسوا مثل أهالي (باهيا) الذين يتسمون، بفضل التأثير الأفريقي، بكونهم ثرثارين ومنبسطين. أما هنا فوجوه الناس لا تعبير فيها أقنعة وظيفتها، كما بدا إخفاء أحاسيسهم وأفكارهم. سألته عما إذا كانوا مستعدين لهجمات أخرى، إذ إن رد فعل البرجوازية مثل ردة الحيوان المتوحش، حين ينتهك الحق المقدس لملكية العقار الخاصة، فأذهلني جوابه إذ دمدم قائلاً إن جميع الأرض تعود إلى الرب، وإن (المرشد) ماضٍ في إنشاء أكبر كنيسة في العالم في (كانودوس). حاولت أن أبين له أن بناءهم الكنائس لم يكن هو سبب إرسال السلطات الجنود لمحاربتهم. لكنه أجاب بأن خلالاً هو السبب على وجه الدقة لأن (الجمهورية) بصدد محاولة طمس الدين. بعد ذلك سمعت، يا رفاقي، نقداً غريباً لاذعاً للجمهورية قال بثقة ذاتية هادئة من دون أي أثر للانفعال. إن (الجمهورية) عاقدة العزم على اضطهاد الكنيسة والمؤمنين، ناسخة جميع المذاهب الدينية، كما سبق أن اضطهدت (جمعية المسيح). وإن اشنع دليل على مقاصدها اقرارُها الزواج المدني، وهو شيء فاضح من أعمال الكفر حين لايزال قداس الزواج الرباني قائماً.
أستطيع أن أتصور خيبة أمل الكثير من قرائي وشكوكهم عند قراءة ما جاء في أعلاه من أن (كانودوس) شأنها شأن انتفاضة (فاندية) في عهد الثورة الفرنسية، إنما هي حركة رجعية أوحى بها القساوسة. ليس الأمر يمثل هذه البساطة، يا رفاقي. فكما علمتم من رسالتي الأخيرة: إن الكنيسة تدين (المرشد) و (كانودوس)، وأن الثوار قد استولوا على أراض تعود إلى أحد البارونات. سألتُ الرجل ذا الندبة في الوجه عما اذا كان فقراء البرازيل أحسن حالاً في عهد الملكية. أجاب بالإيجاب فوراً، لأن الملكية هي التي ألغت الرق. كما أوضح أن الشيطان أطاح بالإمبراطور "دوم بيدرو" الثاني، مسخراً الماسونيين والبروتستانت أدوات له بغية إعادة الرق. تلك كانت كلماته بالحرف الواحد: لقد غرس في أذهان أتباعه الاعتقاد بأن الجمهوريين هم دعاة الرق. (طريقة ماكرة في تلقين الصدق، أليس كذلك؟ فبصدد استغلال الإنسان من جانب أصحاب الأموال، فإن إقامة النظام الجمهوري ليست رقاً أهون شراً من الصيغة الإقطاعية). كان المبعوث جازماً: (لقد عانى الفقراء الكثير، ولسوف نضع حداً لذلك. لن نجيب عن أسئلة التعداد السكاني لأن غرضهم تمكين الحكومة من تشخيص المعتوقين ليكبلوهم بالأغلال ثانية ويعيدهم إلى أسيادهم. في (كانودوس) لا أحد يدفع الجزية المفروضة من الجمهورية) لأننا لا نقرّ بها أو نعترف بحقها في أن تنتحل لنفسها سلطات ووظائف تعود إلى الربّ) وما هي تلك السلطات والوظائف في سبيل المثال؟ (تزويج الناس وفرض الأتاوات). سألتُ ما هي العملة المستعملة في (كانودوس) فأخبرني بأنه لا يسمح إلاّ بتداول المسكوكات التي تحمل صورة الأميرة. "ايسابيل"، أي عملة الإمبراطورية. ولكن بما أن هذه لم تعد موجودة إلا فيما ندر فان استخدام النقود آيل إلى الزوال في الواقع. (ليس ثمة حاجة لذلك. ففي "كانودوس" كلُّ مَنْ يملك يعطي مَنْ لا يملك، ومن يقدر على العمل يفعل ذلك من أجل من لا يستطيع العمل). قلت له إن التخلي عن الملكية الخاصة والمال وإقرار الملكية المشاعة للأشياء كلها، بأي اسم تكون، حتى لو كان ذلك بصيغة تجريدات ضبابية إنما هو عمل جريء وشجاع لصالح المحرومين في الأرض وخطوة أولى نحو خلاص الجميع. كما بينت أن مثل هذه التدابير سوف تجلب عليهم، عاجلاً أو آجلاً، اقسى ضروب القمع. إذ أن الطبقة الحاكمة لن تسمح أبداً بانتشار مثل هذهِ السابقة: هناك فقراء في هذا البلد يتجاوزون الحد الكافي للاستيلاء على جميع المزارع. أيعلم (المرشد) وأتباعه بالقوى التي هم لها مثيرون؟ حدّق الرجل في عينّي، من دون أن يطرق له جفن، ردد سلسلة من العبارات السخيفة على مسامعي، منها هذا النموذج أقدمه لكم: ليس الجنود قوة الحكومة، بل ضعفها. حين تدعو الحاجة سوف تتحول مياه (فازا – بارس) إلى حليب، وَمضَايقُه إلى طعام (كسكسي) الذرة، وسيبعث (الأنصار) الذين قتلوا في المعارك ليكونوا على قيد الحياة حين يظهر جيش "دوم سباستياو" (الذي كان ملكاً برتغالياً مات في افريقيا في القرن السادس عشر). هل هذهِ الشياطين والأباطرة والتمائم الدينية عناصر الاستراتيجية يستخدمها (المرشد) لدفع المساكين في درب الثورة، استراتيجية هي، في واقع الحال خلاف الكلام المجرد، ذات أثر في غاية الفاعلية، إذ أنها دفعتهم إلى النهوض حاملين السلاح في وجه الأسس الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية لمجتمع الطبقات؟ هل رموز الدين والخرافة والسلالة وحدها هي القادرة على أن تثير من حالة الهمود لدى الجماهير التي كانت قروناً عدة عرضة لطغيان الكنيسة الخرافي؟ وهل هذا السبب الذي يجعل (المرشد) يسخرهم؟ ام أن كل هذا محض مصادفة؟ نحن نعرف، يا رفاق، أن ليس في التاريخ شيء ينعت بالمصادفة وأنه، مهما كان المسار عَرَضياً في الظاهر، هناك على الدوام عقلانية كامنة وراء حتى أكثر المظاهر الخارجية مدعاة للحيرة. هل لدى (المرشد) أية فكرة عن الجَيَشان الذي يثيره؟ وهل هو من صنف الأذكياء أم هو ماهر بالحدس والتخمين؟ ينبغي عدم التخلي عن أية فرضية، وبخاصة فرضية وقوع حركة شعبية تلقائية، غير متعمدة. العقلانية منقوشة داخل دماغ كل إنسان مهما كان غير مثقف، وتستطيع في ظروف معينة أن تقوده، في غمرة غيوم العقيدة الجامدة التي تشوش رؤيته أو ضروب التحامل التي تحدد قاموس مفرداته، أن تعمل باتجاه مسيرة التاريخ. لقد كتب رجل ليس منا، هو "مونتسكيو"*، قائلاً إن الخط أو نكد الخط هو بكل بساطة ميل فطري محدد في جوارحنا. إن العمل الثوري، هو الآخر، يمكن أن يولد من صلب هذا النزوع في الجوارح التي تتحكم فينا حتى قبل أن يثقف العلمُ أدمغةَ الفقراء. هل هذا ما هو حادثٌ في الأراضي الخلفية لـ(باهيا)؟ الجواب مأتاه في (كانودوس) عينها من دون غيرها. حتى رسالتي التالية، إنْ وُجِدَتْ رسالة أخرى أصلاً.
(6)
احتُفِلَ بانتصار (أواوا) بيومين من الأفراح في (كانودوس) فكانت هناك عروض صواريخ وألعاب نارية أعدها "أنتونيو" الإختصاصي في النارّيات، كما نظم (الصغير المبارك) مواكب تدور هنا وهناك وسط متاهة الأكواخ التي كانت قد قامت في المزرعة. وكان (المرشد) يغط كل مساء من سقالة في المعبد: إن محناً أسوأ لاتزال تنتظرهم في (كانودوس). عليهم ألا يتيحوا للخوف فرصةَ أنْ يستبد بهم. وسيُعْيْن المسيحُ المبارك المؤمنين. وظلت نهاية العالم موضوعاً يتحدث عنه كثيراً. إن الأرض، التي غدت منهوكة بعد قرون عدة من إنتاج النباتات والحيوانات وإيواء الإنسان ستسأل الربّ ما إذا يمكنها أن تستريح. وسيمنح الله موافقته وستبدأ أعمال التدمير. ذلكم هو المقصود بكلمات الإنجيل: (لا أجيء بالسلام، بل بالسيف).
ولذلك، فينما قامت السلطات في (باهيا) – التي شهّرت بها تشهيراً قاسياً صحيفةُ (جورنال دي نوتيسياس) و(الحزب التقدمي الجمهوري) بسبب ما حدث في (أواوا)- بتنظيم حملة ثانية، تعداد جنودها سبعة أمثال الحملة السابقة، مجهزة بمدفعي (كروب) من عيار (7,5) ورشاشتين من طراز (نورد نفلت) وأرسلتها بالقطار بأمرة الرائد "فبرونيو دي بريتو" إلى (كيماداس)، مع أمر بالتوجه من فورهم على الاقدام من هناك لمعاقبة الثوار، كان هؤلاء يهيئون أنفسهم في (كانودوس) ليوم القيامة. خرج بعضهم ممن كانوا أقل اصطباراً، وهم متشوقون لتعجيل قدوم ذلك اليوم أو ليمنحوا الأرض الراحة التي تستحق، عاملين لزرع الخراب. وفي اندفاع عشقي جامح أشعلوا النيران في مبان قائمة على نجاد الجبل وفي غابات الشُجيرات الخفيضة التي كانت تعزل (كانودوس) عن العالم. ولكي ينقذ الكثير من أصحاب المزارع والفلاحين أراضيهم عرضوا عليهم الهدايا، ومع ذلك أحرق أولئك عدداً لا يستهان به من بيوت المزارع وحظائر الدواب والمساكن المهجورة وأكواخ الرعاة ومخابئ الخارجين على القانون. كان من اللازم على "هوزيه فيناشيو" و"باجو" و"ابوت جواو" و"جواو الكبير" وآل "ماكامبيرا" أن ينبروا ويوقفوا أولئك الحالمين المتحمسين التواقين إلى إراحة الطبيعة بإحالتها إلى رماد عند حدهم، وتعين على (الصغير المبارك) و (أم الدجال) و(أسد ناتوبا) أن يوضحوا لهم أنهم أساءوا فهم مواعظ القديس. لم تعان (كانودوس) من جوع حتى في تلك الأيام، بالرغم من وفود الكثير من الحجاج وقد انتقت "ماريا كوادرادو" جمعاً من النسوة – سماهن (الصغير المبارك) (جوقة الإنشاء المقدس) – ليعشن معها في المعبد المقدس كي يساعدنها في إعاشة (المرشد) حين يغدو من الضعف صوماً حداً لا تطاوعه معه ساقاه، وإطعامه الفتات القليل الذي كان يأكل، والعمل درعاً يحميه كي لا ينسحق بضغط الحجاج الراغبين في لمسه والذين كانوا يتعقبونه توسلاً لشفاعته لدى المسيح المبارك من أجل شفاء ابنة ضريرة أو ابن سقيم أو زوج مضى في سبيله. وفي أثناء ذلك اخذ (أنصار) آخرون على عواتقهم مسؤولية تزويد المدينة بالطعام والدفاع عنها. لقد كانوا يوماً عبيداً هاربين، مثل "جواو الكبير"، أو شقاة ذوي ماضٍ انطوى على كثيرٍ من جرائم القتل، كما في حالة "باجو" أو "أبوت جواو". أما الآن فقد أمسوا رجالاً مؤمنين بالله. بيد أنهم ظلوا، مع هذا، رجالاً عمليين، واعين هموم الدنيا، ومدركين خطر الجوع والحرب، ولهذا تولوا معالجة الوضع بأنفسهم مثلما حصل في (أواوا). وكما كبحوا جماح جموع الحارقين عمداً ساقوا إلى (كانودوس) رؤوس الماشية والجياد والبغال والحمير والمعز التي أذعنت المزارع المجاورة فوهبتها إلى المسيح المبارك. كما أرسلوا إلى متاجر الأخوين "فيلانوفا" طحيناً وبذور حبوب وملابس، والأهم من كل ذلك الأسلحة التي جمعوها في غاراتهم. وفي خلال بضعة أيام فقط امتلأت (كانودوس) حتى التخمة بالموارد وفي الوقت نفسه طاف مبعوثون منفردون في أرجاء الأراضي الخلفية، مثل رسل الإنجيل، وابتعدوا حتى بلغوا السواحل حاضّين الناس على القدوم إلى ( كانودوس) والانضمام إلى الصفوة لمقاتلة الجمهورية: بدعة الشيطان تلك. كانوا مبعوثين سماويين غريبي المظهر، لا يرتدون أردية الرهبنة، بل سراويل وقمصان جلد، تبصق أفواههم شناعات الأوباش الفظة، يعرفهم الجميع لأنهم كانوا في يوم من الأيام يشاركونهم بؤسهم وسقفاً فوق الرؤوس، إلى أن حدث ذات يوم أن مضوا إلى (كانودوس) تحملهم أجنحة الملائكة.
كانوا كما قد كانوا أبداً، مسلحين بالمُدى والقربينات والمناجل الضخمة نفسها. ومع ذلك غدو الآن غير ما كانوا عليه. إذ كان كل ما يتحدثون عنه بأيمان وفخر مؤثرين هو (المرشد)، أو الرب، أو الجالية التي قدموا منها كان الناس يعرضون عليهم حسن ضيافتهم وينصتون إليهم، وكثير منهم حملوا معهم مقتنياتهم كلها بعد أن جاش الأمل في صدورهم أول مرة ومضوا قاصدين (كانودوس). كانت قوات الرائد "فبرونيو دي بريتو" قد وصلت إلى (كيماداس)، مؤلفة من خمسمئة وثلاثة وأربعين جندياً وأربعة عشر ضابطاً وثلاثة أطباء اختيروا من أمواج المشاة الثلاثة في (باهيا)، التاسع والسادس والعشرين والثالث والثلاثين. وقد رحبت البلدة الصغيرة بهم بخطاب من العمدة وقداس في كنيسة (سانتو أنتونيو) واجتماع لمجلس البلدية ويومٍ أُعلن يومَ عطلة ليتمكن أهالي البلدة من الاشتراك في الاستعراض، كاملاً بدقَّ الطبول ونفخ الأبواق حول ساحة البلدة. وقبل أن يبدأ العرض كان رُسُلٌ متطوعون قد مضوا شمالاً ليعلموا (كانودوس) عن عدد الجنود والأسلحة في قوات الحملة وخط السير الذي كانت تخطط لتتبعه. لم تكن الأخبار مفاجئة. وما الداعي للمفاجأة إذ كان الواقع قد أيّد ما كان الله قد أبلغهم به على لسان (المرشد)؟ النبأ الحقيقي الوحيد كان مؤداه أن الجنود سيجيئون هذه المرة عن طريق (كارياكا) و(سيرادي أكاري) ووادي (إبوبراس). وعليه اقترح "أبوت جواو" على الآخرين أن يحفروا الخنادق ويجلبوا البارود والمقذوفات ويضعوا رجالاً عند منحدرات جبل (كامبايو) إذ أن البروتستانت سيضطرون إلى سلوك ذلك السبيل.
في تلك الآونة، كان ذهن (المرشد) منشغلاً على ما يبدو بمواصلة تشييد معبد المسيح المبارك بأسرع ما يمكن، أكثر من انشغاله بالحرب. إذ ظل يظهر فجر كل يوم ليراقب أعمال البناء، لكنها ظلت تتأخر بسبب أحجار البناء. فقد كان لابدّ من جَرَّها من مقالع زاد بعدُها بمرور الوقت. ثم أن رفعها إلى الأبراج كان ينطوي على خطر إذ كانت الحبال تنقطع أحياناً فتسقط الأحجار الضخمة على السقالات والعمال ليتهشموا معها. وفي بعض الأحيان كان القديس يأمر بهدم جدار سبق بناؤه وإعادة إنشائه في مكان آخر، أو يأمر بتغيير نوافذ لأن إلهاماً ما أنبأه بأنها لم تكن موجهة باتجاه المحبة. كان بالإمكان رؤيته يطوف بين الناس بصحبة (أسد ناتوبا) و(الصغير المبارك) و"ماريا كوادرادو" وجوقة الإنشاد المقدس اللواتي كن لا ينقطعن عن التصفيق طرداً للذباب كي لا ينزعج الرجل. وفي كل يوم كانت ثلاث أو خمس أو عشر عائلات أو مجموعات من الحجاج تصل إلى (كانودوس) مع عرباتهم وقطعانهم الصغيرة من المعز، فينبري "أنتونيو فيلانوفا" لتخصيص بقعة خالية في متاهة المساكن ليتمكنوا من بناء مسكن لهم. وفي كل مساء كان (المرشد) يستقبل الوافدين الجدد قبل إلقاء موعظته، وذلك داخل المعبد وهو لما يزل من دون سقف. كان (الصغير المبارك) هو الذي يقودهم عبر جمهرة المؤمنين ويدخلهم إلى حضرته، ومع أن (المرشد) كان يحاول منعهم من الركوع عند قدميه لتقبيلها، أو لمس ردائه الرهباني بقوله: (الله هو الآخر)، فإنهم كانوا يفعلون ذلك. عند ذاك كان يباركهم محدَّقاً إليهم بعينين كانتا تعطيان الإنطباع بأنهما كانتا مسَّمرتين في الفضاء على الدوام. وقد يقطع حفل الترحيب في لحظة معينة بأن ينتصب على قدميه، فيتنّحى الجميع وقوفاً بينما كان يمضي إلى السلم الصغير المؤدي إلى السقالة، ثم يغط بصوت أجش من دون حراك حول الموضوعات المعتادة: الطبيعة السامية للروح، مزايا أن يكون المرء فقيراً ومقتصداً، وكره الكفار، والحاجة إلى إنقاذ (كانودوس) لتكون ملاذاً للعادلين. كانت جمهرة الناس تنصت إليه بنَفَسٍ خفيض واقتناع. لقد ملأ الدين حياتهم الآن. وكلما استُحْدِث شارع ضيّق ملتوٍ سُمَّي باسم أحد القديسين وأقيم موكب لذلك. كانت ثمة في كل ركن محاريب وتماثيل للعذراء، والمسيح الطفل والمسيح المبارك والروح القدس. كما أقيمت لكل حيّ ولكل مهنة مذابح لقديسها الراعي. وقد تَسَمَّى كثير من القادمين الجدد بأسماء جديدة، الأمر الذي يرمز إلى أن حياة جديدة قد لاحت لهم. بيد أن بعض العادات المريبة اندرجت ضمن الممارسات الكاثوليكية وكأنها نباتات طفيلية. فقد شرع بعض الخلاسيين يرقصون في أثناء الصلاة. وقد قيل أنهم كانوا يعتقدون بأنهم بضرب الأرض بأقدامهم في سورة الحماسة كانوا يطهّرون أجسامهم من الخطايا مع العرق الناضح منهم. أما السود فقد تجمعوا معاً شيئاً فشيئاً في القطاع الشمالي من (كانودوس) وهو مجمع من أكواخ مبنية من طين وقش عرف بعدئذ بـ(موكامبو)، أي ملاذ العبيد. أما الهنود الوافدون من (ميراندلا)، الذي جاءوا للعيش في (كانودوس) على غير المتوقع فكانوا يُعَّدون على مرأى الجميع مركَّبات من ألأعشاب تفوح منها رائحة مدوَّخة تدير رؤوسهم في نشوة روحية وفضلاً عن الحجاج جاء طبعاً صانعوا العجائب وباعة متجولون وساعون وراء الغرائب. وفي الأكواخ التي قام بعضها على بعض كالخلايا كان من الممكن العثور على نساءٍ يقرأن الكف، وشقاة يفاخرون باستطاعتهم التحدث إلى الموتى، ومنشدين جوّالين، مثل أولئك العاملين في سيرك الغجر، يكسبون رزقهم اليومي بإنشاد أغانٍ شعبية أو غرز دبابيس في أبدانهم، وهناك بعض المعالجين كانوا يزعمون أن في مقدورهم الإشفاء من أي مرض بشراب من نباتات الأكاسيا وعنب الثعلب. كما كان عدد من المؤمنين الثقات يروون ذنوبهم بأعلى أصواتهم وقد استبدت بهم ندامة التوبة، ويسألون سامعيهم أن يفرضوا الكفّارة عليهم. وحين حلت جماعة من (جوازيرو) في (كانودوس) أخذت تمترس طقوسَ أخويّةِ التائبين في تلك البلدة: صَوُماً، وإمساكاً جنسياً، وجًلْداً ذاتياً علنياً. ومع أن (المرشد) كان يشجع التقشف وإماتة اللحم، قائلاً إن المعاناة تقوي الإيمان، فقد غدا مرتاعاً في آخر المطاف وطلب إلى (الصغير المبارك) أن يتفحص الحجاج عند وصولهم ليحول دون دخول الخرافة وتقديس التمائم أو أي ضرب من ضروب الكفر المقنع بقناع الإخلاص معهم.
عاشت هذه المجموعة المتنوعة من البشر في (كانودوس)جنباً إلى جنب، من دون عنف، بل وسط تضامن أخوي وجو من الإعلاء لم تكن النخبة لتعرفه من قبل. كانوا يشعرون بالغنى لكونهم أبناء الرب الفقراء، المتميزين، تماماً كما كان يقول لهم كل مساء الرجل ذو الدثار المليء بالثقوب ثم أنهم من حبهم له أنهوا الخلافات كلها التي ربما كانت تُفَّرقُهُمْ. وحين كان هناك أي أمر يتعلق (بالمرشد) كان أولئك الرجال والنساء الذين بلغ عددهم المئات وبدأ يصل إلى الآلاف يتحولون إلى كائن فرد مطيع مبجَّل، مستعد لعمل أي شيء وكل شيء من أجل الرجل الذي استطاع أن يجاوز صنعتهم وجوعهم وقملهم ليملأ أفئدتهم بالأمل ويجعلهم فخورين بمصيرهم. ومع أن السكان كانوا يتصارعون باستمرار لم تكن الحياة مشوبة بالفوضى. فكان الرجال ينطلقون من (كانوروس) في مهماتهم، والحجاج يجلبون الماشية والمؤن إلى البلدة، وكانت الحظائر ملأى، شأنها شأن المخازن، ومن حسن الحظ أن نهر (فازا- بارس) كان يحوي ما يكفي من الماء لسقي المزارع الصغيرة. وبينما كان "أبوت جواو" "باجو" و "هوزيه فينانشيو" و"جواو الكبير" و"براو" وآخرون يعدون العدّة للحرب، كان "هونوريو" و"أنتونيو فيلانوفا" قائمين على إدارة البلدة، يتسلّمان هبات الحجيج ويوزعان قطع الأرض والطعام والملابس ويشرفان على دور العناية الصحية بالمرضى والمسنين الميتَّمين. كما كانا هما اللذين يستمعان إلى الأطراف المتنازعة حين تقوم منازعات بين أفراد الجالية حول حقول الملكية.
كانت أخبار (المسيح الدجال) ترد كل يوم. لقد انطلقت حملة الرائد "فيرونيودي بريتو" من (كيماداس) إلى (مونته سانتو)، وهو موقع ونّستهُ الحملة مساء اليوم التاسع والعشرين من كانون الأول، ونقصتْ قوتُها عريفَ مشاةٍ واحداً لسعته حّية مجلجلة لسعةً مميتة. أوضح (المرشد) من دون سوء قصد ما كان يجري. أليس من الكفر والشناعة أن يعسكر رجال مسلحون قاصدون الدمار في مكان مقدس يقصده حجاج من أنحاء المعمورة كافة؟ إنما الواجب ألا يُسْمَح للملحدين أن يضعوا أقدامهم في (كانودوس) التي أطلق عليها من تلك الليلة اسم (بيلومونته) وبعد سورة اهتياج أثارها في جوانحه، حضّهم على ألا ينحنوا الأعداء الدين الذين كانوا يقصدون إرجاع العبيد إلى حيث تُقَيَّد أطرافهم ثانية وإفقار الناس بحملهم على دفع الضرائب والحيلولة دون قيام الكنيسة بتزويجهم ودفنهم، وبلبلة أفكارهم بألاعيب ماكرة من مثل النظام المتري والخريطة الإحصائية وتعداد النفوس، التي كان الغرض الحقيقي منها غشهم ودفعهم نحو الخطيئة. سهر الجميع طوال الليل، حاملين أية أسلحة كانت في متناول اليد. لم يأت الماسونيون، إذ كانوا في (مونته سانتو) يصلحون مدفعي (كروب) كانت قد تزعزعت استقامتها أثناء سحبهما على الأرض الوعرة، بانتظار وصول التعزيزات. وحين رحلوا في مسيرة أرتال بعد أسبوعين مرتقي وادي (كارياكا) باتجاه (كانوروس) كان كامل الدرب الذي كانوا سيسلكون مكتظاً بالعيون والأرصاد والمرتَّدين المختفين في مغارات المعز أو في المنخفض المتشابك لغابة الشجيرات الخفيضة، أو في الحفر المخفيّة تحت رِمَّة بقرة حيث استخدوا فجوتي عينيها لاستراق النظر. كان سعاة سريعون يجيئون بأخبار تقم العدو يوميا إلى (كانودوس) وكذلك العوائق التي كانت تعرقل تقدمه.
حين علم (المرشد) أن قوات الحملة قد بلغت (مولونفو) أخيراً بالرغم من مصاعبها الجمة في سحب المدفعين والمدافع الرشاشة، وأنها اضطرت وهي توشك أن تواجه المجاعة، إلى التضحية بآخر رأس بقر وببغلى جر العربات، علق قائلاً: لابدّ أن الرب لم يكن غير راض عن (كانودوس)، إذ أنه بصدد دحر جنود الجمهورية حتى قبل بدء المعركة.
***
يتحدثٍ غاليليو غال" بتأنٍ، مؤكداً كل مقطع، وصوته يتقطع من الغضب: (أتعرفي الكلمة التي تعني ما فعله زوجك؟... الخيانة. كلا، خيانتين. واحدة تجاهي، أنا الذي تعاقد معه. وأخرى حيال أخوته في (كانودوس).. خيانة حيال طبقته). تبتسم "جوريما" كما لو كانت لا تفهم، أو أنها لا تنصت. إنها منحية فوق النار، تغلي شيئاً ما. هي شابة، شعرها منسدل يؤطر وجهاً ناعماً، لامعاً، وترتدي رداءً من دون أكمام، وقدماها عاريتان. عيناها لا تزالان مثقلتين بالنوم الذي أوقظها منه بفظاظة وصولُ "غال" قبل بضع لحظات. ثمة نورٌ فجري خافت يتخلل الكوخ عبر ركائز السياج. وهناك فانوس نفطي. وفي أحد الأركان صفّ من الدجاج النائم بين براميل خشبية وقارورات وبقايا أثاث وأكوام من خشب الوقود وصورة ولائية لسيدة (لابا) وهناك كلب صوفي الشعر يبحث عن طعام عند قدمي "جوريما". ومع أنها ترفسه ليبتعد، إلا أنه سرعان ما يعود ثانية. كان "غاليليو" يرقبها ولما يزل غاضباً وهو جالس في الأرجوحة الشبكية يلهث من تعب السفر طوال الليل، مساوقاً سرعة الدليل ذي الأسماك الجلدية البالية الذي عاد به إلى (كيماداس) ثانية مع الأسلحة. تُقْبل "جوريما" عليه حاملة كاساً يتصاعد منه بخار وتناوله إياه. يتمتم "غاليليو" ضامّاً الطاس بيديه، وعيناه تنشدان عينيها: (لقد قال إنه غير مرتحل من "جاكوبينا" مع رجال السكك الحديد. لماذا غير رأيه؟) تجيب "جوريما" بهدوء وهي تنفخ في الطاس الذي يتصاعد منه البخار في يديها: (ما كان ليذهب. إذ انهم لم يبغوا إعطاءه مقدار المال الذي كان يطالبهم به. ثم غير رأيه لأنهم جاءوا ليخبروه بأنهم سيدفعون له ما كان يطالب به. وقد ذهب البارحة باحثاً عنك في نزل (سيدة الألطاف)، لكنك قد رحلت من دون أن تترك رسالة عن مقصدك أو أوبتك. لم يكن بمقدور "روفينو" إتيان ذلك العمل). يتنهد "غاليليو" مستاءً. يقرر إن يحتسي رشفة من طاسِهِ، فيحرق لهانه ويلوي وجهه. ينفخ في الطاس ثم يتناول رشفة أخرى. إن جبينه متعفن من تعب وسخط، وهناك حلقات غامقة تحت عينيه وبين هينهة وأخرى يعضّ شفته السفلى. ها هو يلهث ويعرق. يزمجر بعد قليل، وهو يرشف من كاسِهِ: (كم ستستغرق تلك الرحلة الملعونة منه؟). قعدت "جوريما" قبالته على حافة احدى الحقائب الكبيرة القديمة ذوات السيور الجلد: (مدة ثلاثة أو أربعة أيام. قال إنك تستطيع انتظاره، وإنه سوف يأخذك إلى "كانودوس" حين يعود). يزمجر "غال" متوهجاً نحو السماء بعينيه في غيظ: (ثلاثة أو أربعة أيام! تقصدين ثلاثة أو أربعة قرون). يسمع رنين أجراس الغنم من الخارج، ويعوي الكلب ذو الشعر الصوفي عالياً، ويثب على الباب يريد الخروج. ينتصب "غاليليو" على قدميه ويمضي إلى الركائز، ويلقي نظرة إلى الخارج. عربة الحمل المغطاة بقماش القنب موجودة حيث تركها، جوار السياج إلى جانب الكوخ الذي حبست فيه بعض الأغنام. أعين الدواب مفتوحة، لكنها لا تزال نعسانة وقد توقفت الأجراس عن الرنين. يقوم المسكن على قمة مرتفع. إن (كيماداس) يمكن أن تُرى في يوم مشمس، لكن ليس في هذا الفجر الكئيب الملبدة سماؤه بالغيوم حين لا شيء يُرى سوى امتداد الصحراء المتموج الصخري في الأسفل. يتمشى "غاليليو" عائداً إلى الأرجوحة الشبكية. تعود "جوريما" فتملأ طاسه. يعوي الكلب ذو الشعر الصوفي وينبش الأوساخ المطمورة وراء الباب مباشرة. يفكر "غال": (ثلاثة أو أربعة أيام. ثلاثة أو أربعة قرون من الجائز أن يحصل فيها ألف مكروه. هل ينبغي عليه أن يبحث عن دليل آخر؟ هل عليه أن يمضي هو إلى (مونته سانتو) ويستأجر شخصاً آخر على الطريق ليدله على الطريق إلى "كانودوس"؟ أي شيء خير من البقاء هنا، مع الأسلحة. إن نفاد صبره قد جعل الانتظار لا يطاق. ثم إن من الممكن جداً، كما كان "ابيامينونداس" يخشى، وصول قوات حملة الرائد "بريتو" إلى "كيماداس" قبل أن يستطيع الهرب). يدمدم "غال": (ألم تكوني المسؤولة عن ذهاب "روفينيو" مع رجال السكك الحديد من "جاكوبينا"؟). تطفئ "جوريما" النار بعصا. (أنتِ لم تقرّي قط فكرة قيام "روفينو" بإيصالي إلى "كانودوس"). تجيب موافقة بصراحة بلغت حداً جعل "غاليليو" يشعر لحظةً أن غضبه يتبخر ويكاد هو أن ينفجر ضحكاً: (كلا، ما أحببتُ الفكرة قط). بيد أنها فاهت بتلك الكلمات بكل جد وحملقت في عينيه من دون أن يطرف لها جفن. إن وجهها بيضوي طويل ذو عظام بارزة في الخدين والذقن تحت بشرة مشدودة. هل يمكن أن تكون العظام المخفية تحت شعرها في مثل هذا البروز والحدّة والطلاقة والبوح؟ تضيف "جوريما": (لقد قتلوا أولئك الجنود في "أواوا". يقول الجميع أن مزيداً من الجنود سيسيرون قاصدين "كانودوس". لا أريده أن يُقْتَل أو يؤسر. إنه يشعر بالحاجة إلى التحرك على الدوام. كانت أمه تقول له إن رقصة "سانت فيتوس" قد تملكتك). يتساءل "غال": (رقصة "سانت فيتوس"؟). توضح "جوريما": (الأشخاص الذين لا يستطيعون البقاء من دون حراك. الأشخاص الذين لا ينفكون يرقصون هنا وهناك.) يعاود الكلب النباح بعنف. تمضي "جوريما" إلى باب الكوخ وتفتحه وتركله إلى الخارج بقدمها. يسمعانه الآن ينبح في الخارج، ومرة ثانية ترن أجراس الأغنام. يتعقب "غاليليو" "جوريما" بعينيه، وعلى وجهه سيماء التجهم، بينما تعود هي إلى الشعلة وتنبش الجمر بعصا. ثم نفحة دخان تنساق بعيداً على هيئة حلزون.
تقول "جوريما": (ثم أن "كانودوس" تعود إلى البارون. وقد كان يساعدنا على الدوام. هذا البيت، هذه الأرض، هذه الأغنام ملكنا بفضله. إنك منحاز إلى جانب "الأنصار" وتروم مساعدتهم. إن إيصالك إلى "كانودوس" يعادل تقديم العون لهم. أتظن أن البارون سيرضى إن أعان "روفينو" اللصوص الذين سرقوا مزرعته منه؟). يدمدم "غال" ساخراً: (أنا متيقن من عدم رضاه). يصل صوت أجراس الأغنام إلى مسامعهما ثانية، إنما على نحو أعلى الآن. ينهض "غال" على قدميه ويبلغ ركائز سياج الكوخ بخطوتين. يلقي نظرة إلى الخارج: الأشجار، وأدغال ما تحت الأشجار وقطع الصخور شرعت تبرز في المنفسح المائل إلى البياض. العربة في الخارج، ملأى. برزم ملفوفة بقماش القنب الذي يماثل لونه لون الصحراء وبجانبها البغل، مربوطاً بركيزة. تقول "جوريما": (أوتعتقد بأن "المرشد" قد أُرسل من لدن المسيح المبارك؟ أتعتقد بالأشياء التي يتنبأ بها؟ أنّ البحر سيغدو أراضي خلفية وهذه تغدو بحراً؟ وإن مياه "فازابارس" ستتحول إلى حليب والوهاد إلى (كسكسي) الذرة لإطعام الفقراء؟). ليس ثمة أثر لسخرية في كلماتها أو في عينيها بينما كان "غاليليو" ينظر إليها محاولاً أن يستقرئ في تعبير وجهها ما تراه حول الكلام كلّه الذي سمعته معاداً. إنه لا يستطيع أن يعرف: يدور في ذهنه أن وجهها البيضوي، الطويل، الهادئ، المصقول، عصيّعلى الفم، شأنه شأن وجه هندستاني أو صيني، أو وجه المبعوث من (كانودوس) الذي تحدث معه في المدبغة، في (ايتابيكورو). هناك أيضاً كان من المستحيل من مجرد ملاحظة وجهه معرفة بِمَ كان الرجل الكتوم يشعر أو يفكر.
يتمتم بعد شرب آخر قطرة من السائل الموجود في الطاس، وهو يرصد ردود فعل "جوريما" باهتمام: (تكون الغرائز عادةً أقوى من المعتقدات لدى الناس المتضّورين جوعاً. قد يؤمنون حقاً بأشياء سخيفة ساذجة لا معنى لها. لكن ذلك لا يهم. إن ما يهم هو ما يفعلون. لقد تخلوا عن الملكية والزواج والهرم الاجتماعي ورفضوا سلطة الدولة والكنيسة، وأبادوا سرية من الجيش. لقد حاربوا ضد السلطة والمال والبزات الرسمية وأردية الكهنة). إن وجه "جوريما" خلوٌ من التعبير، إذ انها لا تحرك عضلة. تحدّق عيناها السوداوان المائلتان قليلاً نحوه من دون أي أثر لفضول أو تعاطف أو اندهاش. أما شفتاها فرطبتان تتفضّنان عند الزاويتين.
يستمر "غال" قائلاً وهو يتساءل ماذا يمكن لـ"جوريما" أن تظن في الكلمات التي تسمعها: (لقد استعدوا للقتال في النقطة التي تخلينا فيها عنه، ولو أنهم لا يدرون أنهم قد فعلوا ذلك إنهم يعيدون "الفكرة" إلى الحياة. هذا هو سبب مجيئي إلى هنا. هذا هو سبب رغبتي في مساعدتهم). يلهث طلباً للهواء، ليتنفسه، وكأنه كان يصرخ منذ مدة بأعلى صوته. لقد أخذ تعبُ اليومين الأخيرين وفوق ذلك الخيبة التي شعر بها عندما اكتشف أن "روفينو" غير موجود في (كيماداس) يقهرانه ثانية. وقد أضحت فكرة النوم والاستلقاء وغلق العينين مغرية إلى حدّ أنه يقرر الاضطجاع تحت العربة ساعات قليلة. أم لعله – يستطيع النوم هنا، في هذه الأرجوحة الشبكية، مثلاً. وهل ستظن "جوريما" الأمر فظيعاً إن سألها أن يفعل ذلك؟
يسمعها تقول: (ذلك الرجل الذي قدم من هناك، الشخص الذي أرسله القديس، والذي رأيته، أتعرف من هو؟ إنه "باجو". وإذ لا يبدي "غال" اهتماماً، تضيف بصوت مستغرب: (ألم تسمع بـ"باجو"؟ أسوأ شرير في هذه الأرجاء كلّها. إنه يعيش على السرقة والقتل وقطع أنوف الناس الذين كان من نكد حظهم إن التقوه في الطريق وآذانهم).
وفي الحال يستطيعان سماع جلجلة أجراس الغنم ثانية في الخارج، يصاحبها نباحً قلق عند باب الكوخ، وشحيج البغل. أخذ "غال" يتذكر المبعوث المرسل من (كانودوس) والندبة المحفورة على وجهه وهدوءه الغريب ولامبالاته. هل كان غلطةً عدمُ إخباره عن الأسلحة؟ كلا، لأنه لم يكن ليستطيع كشفها له آنئذ: ما كان ليصدق، بل كان سيرتاب أكثر. كان ذلك يعرّض كامل الخطة إلى الخطر. ينبح الكلب بجنون في الخارج، ويشاهد "غال" "جوريما" تمسك بالعصا التي أطفأت بها النار، وتسرع الخطى نحو الباب. فكره مشتت إذ هو لا يزال يفكر في المبعوث من (كانودوس) قائلاً لنفسه لو كان قد عرف بأن الرجل من سابق الشقاة لكان من الايسر التحدث معه، يلاحظ "جوريما" وهي تكافح مع قضيب الباب المستعرض الثقيل، وترفعه. وفي تلك اللحظة ينبؤه شيء دفين: صوت ما، حدس، حاسّة سادسة، مصادفة ما، عما يوشك أن يقع. إذ حين يُطاحُ بـ"جوريما" فجأة إلى الخلف عند فتح الباب عنوة – بدفعةٍ أو ركلةٍ من الخارج – وتظهر الصورة الظلية لرجل يحمل قربينة في فتحة الباب، يكون "غاليليو" قد أخرج مسدسه وصوبه نحو الدخيل. يوقظ زئير القربينة الدجاج النائم في الركن فتصطفق أجنحتها هلعاً وتخبطاً، بينما تندُّ عن "جوريما" صرخة وتسقط أرضاً وإن لم تصبها الاطلاقة. وحين يرة المهاجم المرأة عند قدميه، يتردد، ويستغرق بضعَ ثوانٍ عثورُه على "غال" بين اصطفاق الأجنحة الهَلِع. وحين يصوب القربينة عليه بعد لأي، يكون "غاليليو" قد أطلقت النار فعلاً، وهو ينظر إليه ووجهه ينّم عن تعبير غبي. يلقي الدخيل البندقية أرضاً، ويدور إلى الخلف شاخراً. تصرخ "جوريما" مرة أخرى. يبادر "غاليلو" أخيراً ويهرع صوب القربينة. ينحني وينتشها، ثم يلمح عبر المدخل الرجل الجريح يتلوّى ويئن على الأرض وآخر يجري قادماً، رافعاً قربينته، ومُعْلِماً الجريح بصوت عال عن شيء ما، وثالثاً على مبعدة يربط العربة المحملة بالسلاح بحصان. يطلق النار ولّما يصوب تماماً. يتعثر الرجل القادم جرياً، وينقلب على الأرض شاخراً، ويطلق "غاليليو" رصاصة أخرى عليه. يفكر: (بقيت رصاصتان). يشاهد "جوريما" إلى جانبه تدفع الباب، ثم يشاهدها وهي تغلق الباب وتنزل القضيب المستعرض، وتتسلل إلى الجزء الخلفي في الكوخ. ينهض على قدميه ويتساءل متى سقط على الأرض. إن الأوساخ تكسوه، والعرق يبلله، وأسنانه تصطك، وهو يقبض على المسدس بقوة شديدة تؤلم أصابعه. يسترق النظر إلى الخارج من خلال الركائز: عربة الأسلحة آخذة بالاختفاء بعيداً في سحابة من غبار وأمام الكوخ لايزال الكلب ينبح الجنون على الجريحين اللذين يزحفان صوب حظيرة الغنم. يصوب المسدس عليهما ويطلق الرصاصتين الأخيرتين الباقيتين، ويسمع ما يبدو له أنه حشرجة بشرية في غمرة النباح وجلجلة الأغنام. أجل لقد أصاب أحدهما. إن الأثنين متلقيان من دون حراك في منتصف المسافة بين الكوخ وحظيرة الغنم. لاتزال "جوريما" تصرخ، والدجاج يقوقئ مسعوراً في أثناء طيرانه هنا وهناك في الاتجاهات كلها، يقلب الأشياء ويرتطم بالركائز، ويصطدم ببدنه. يبعدهم صفقاً ثم ينظر إلى الخارج ثانية، يميناً ويساراً. لولا هذان الجسمان المرتميان فوق بعضها تقريباً لبدا كأن شيئاً لم يكن. يمضي متعثراً بين الدجاج، ثقيل الأنفاس، صوب الباب. ومن خلال الشقوق، يلمح منظر الريف المتوحد، والجسمين المتبعثرين. يفكر: (لقد نهبوا البنادق. كان الأمر سيسوء أكثر لو أنني مت). يلهث متسع العينين. أخيراً يرفع القضيب المستعرض ويدفع الباب فتنفتح. لا شيء، لا أحد. يجري، شبه محدودب، إلى الموقع الذي كانت العربة واقفة فيه، سامعاً جلجلة أجراس الأغنام وهي تركض دائرياً إلى الأمام وإلى الخلف داخل ركائز الزريبة. إنه يشعر بالقلق يتعنقد في معدته وفي مؤخرة عنقه: إن أثراً من البارود ينساق إلى داخل الأفق، حيث يختفي باتجاه (ياكودا أونا) يسحب نفساً عميقاً. ويُجري يده على لحيته الصغيرة المحمّرة – إن أسنانه لاتزال تصطك. أما البغل المربوط بجذع الشجرة، فمسترخ بارتياح. يسير عائداً إلى الكوخ ببطء. يتوقف أمام الجسدين على الأرض: إنهما جثتان الآن. يتفحص وجهيهما المسمّرين المجهولين، وقد جمدا في تجّهمٍ متيبس. وعلى حين غرة يتحول سيماؤه إلى غضبٍ مُرّ، لا يسيطر عليه. يشرع بركل الجثتين الجامدتين بلؤم، سابّاً شاتماً. إن حنقه مُعْدٍ: إذ يستأنف الكلب نباحه، ويثب هنا وهناك وينهش في صنادل الرجلين. ثم يهدأ "غاليليو". يعود إلى الكوخ مجرراً قدميه. يلاقيه مضطَرَبٌ من الدجاج يجعله يرفع يديه إزاء وجهه ليحميه. "جوريما" واقفة في وسط الغرفة: كيان يرتجف ارتجافاً، رداؤها متمزق، فمها نصف مفتوح، عيناها مغرورقتان بالدموع، شعرها أشعث. إنها تحدق بحيرةٍ في الفوضى السائدة حولها، كما لو أنها عاجزة عن سبر غور ما هو واقع في بيتها. وعند رؤية "غال"، تهرع إليه وترمي ذراعيها على صدره، مدمدمة بكلمات لا يفهمها. أما هو فيقف جامداً، مشدوهاً. يشعر بالمرأة متكئة على صدره. ينظر متجهاً خائفاً إلى هذا البدن اللاصق ببدنه، هذا الجيد النابض تحت بصره. يشم رائحتها. وتخطر بباله على نحو مبهم فكرةٌ: إنها رائحة امرأة. ينبض صدغاه، وبجهد جهيد يرفع ذراعاً ويضعها حول كتفي "جوريما" يترك المسدس الذي لايزال يحمله، وتمسد أنامله شعرها المنفوش. يهمس في أذن "جوريما": (كانوا يحاولون قتلي. لم يبق خط الآن، فقد أخذوا ما كانوا يريدون). تهدأ المرأة شيئاً فشيئاً، ويخفت تنهُّدها، ويكف بدنها عن الارتجاف، وتطلق يداها صدر "غال". لكنه يظل ماسكاً إياها لصقه، مرتباً على شعرها. وحين تحاول "جوريما" أن تنأى خطوة، لا يدعها تفلت. يقول لها بالانكليزية متمهلاً، وعيناه تطرفان سريعاً: (لا تخافي... لقد رحلوا.. رحلوا). لقد بدا على وجهه شيء ما جديد، غامض، عاجل، متوتر، شيء يكبر بالدقائق، شيء يكاد لا يدري به. شفتاه قريبتان من جيد "جوريما". تخطو هذه إلى الوراء بقوة، مفطية صدرها في أثناء ذلك. تشرع في المجاهدة الآن لتتحرر من قبضة "غال" لكنه لا يبغي فكها. وبينما كان متمسكاً بها بقوة كان يهمس ويعيد العبارة نفسها التي لم تكن تفهمها: (لا تخافي... لا تخافي). تهوي "جوريما" بقبضتيها بعنف صوبه، وتخدش وجهه، وتتمكن من الأفلات، وتولي الأدبار، لكن "غاليلو" يجري وراءها عبر الغرفة ويبلغها، ويمسكها. يتعثر فوق الحقيبة الكبيرة العتيقة، فيقعان على الأرض معاً. تركله "جوريما" وتجاهد لدفعه بعيداً بقوتها كلها، لكنها لا تصرخ. الأصوات الوحيدة التي تسمع هي لهاث الاثنين المرتج، وهمهماتهما في اثناء الصراع، وقوقأة الدجاج ونباح الكلب وجلجلة أجراس الغنم. الشمس تشرق وسط غيوم قاتمة.
***
ولد بساقين قصيرتين جداً ورأس ضخم، ولذلك حَسِبَ سُكانُ (ناتوبا) أن من الأفضل له ولوالديه لو أخذه المسيح المباركإلى جواره عاجلاً. فلو ظل عائشاً، سيكون مقعداً وقميئاً. إلا أنه صار مقعداً فقط إذ بالرغم من عجز أصغر أبناء "سلستينو بارديناس"، مروّض الجياد عن السير مثل سائر الناس أبداً، فانه كان ذا ذكاء متوقد وعقل يتوق إلى معرفة كل شيء، قادر عند دخول معرفة ما إلى ذلك الرأس الضخم، الذي يُضْحِك الناسَ على استبقائها أبداً. كان كل شيء فيه غير اعتيادي: حقيقة كونه قد ولد مشوّها في عائلة سويّة مثل آل "بارديناس". وأنه على الرغم من مونه طفلاً واهناً مضحك المظهر، لم يمت أو يمرض، وأنه بدلاً من التنقل على قدميه كالبشر، كان يتنقل على الأربعة، وأن رأسه بلغ حداً من الضخامة الفظيعة بحيث بدا كالمعجزة أن يستطيع جسمه الصغير الرقيق أن يحمله. بيد أن ما حمل أهالي (ناتوبا) على البدء بالتهامس بينهم بأن أباه الحقيقي لم يكن مروّض الجاد، بل الشيطان حقيقةُ أنه تعلم القراءة والكتابة من دون أن يعلمه أحد. لم يكلف "سلتينو" نفسه ولا "دونا غورنشيا" عناء أخذه إلى "دوم أسينيو" الذي كان يدرس البرتغالية وشيئاً من اللاتينية ونتفاً من الدين، حاسبين على الأرجح أن ذلك سيكون بلا طائل. لكن حدث أن موزع البريد الخيّال جاء يوماً وسمّر على لوحة الإعلان الرسمي في الساحة الرئيسية مرسوماً لم يكلف نفسه مشقة قراءته بصوت عالٍ، زاعماً أنه لا يزال لزاماً عليه أن يلصقه في عشرة مواضع أخرى قبل غروب الشمس. كان أهل البلدة بصدد محاولة فكّ رموزه الهيروغليفية حين سمعوا، من تحت، صوت (الأسد) الخافت المزماري: (يقول إن وباءً حيوانياً قد تفشّى وإن الأصطبلات يجب أن تعقّم بالكريوزوت، والأزبال أن تحرق، كما يلزم غليُ الماء والحليب قبل الشرب). ايد "دوم أسيينو" أن ذلك هو ما قاله المرسوم. وإزاء إلحاح القرويين ليخبرهم (الاسد) عمّى علّمه القراءة قدم إيضاحاً وجده الكثير منهم مريباً: أنه قد تعلم بملاحظة الذين يعرفون القراءة – رجال مثل "دوم أسينيو" والملاحظ "فليسيليو" والمعالج "دوم أبيلا ردو" والسمكري "زوزيمو". لم يكن بين أولئك أحد قد أعطاه دروساً. بيد أن أربعتهم يتذكرون أنهم كثيراً ما شاهدوا رأس (الأسد) الضخم، بشعر قفاه الكث، وعينيه الفضوليتين، يظهر حذو الكرسي عديم الظهر، حيث كانوا يقرأون بصوت عالٍ لشخص في البلدة رسالة كان قد تسلمها ذلك الشخص، أو يكتبون واحدة له بأملاء منه. الحقيقة هي أن (الأسد) قد تعلم، ومنذ ذلك الحين كان يمكن مشاهدته في أية ساعة من ساعات النهار منحنياً في أفياء أشجار الياسمين الزرق في (ناتوبا)، يقرأ ويعيد قراءة الصحف وكتب الصلوات وكتاب القداس والمراسيم وأي شيء مطبوع يمكن أن يضع يده عليه. لقد أصبح الشخص الذي بريشةِ وزٍ شحذها بنفسه وصبغةٍ صنعها من القرمز ونباتات شتى يكتب بحروف كبيرة انسيابية تهاني أعياد الميلاد، وإعلانات الولادة، والوفيات والزيجات، وأخبار المرضى، أو مجرد ثرثرة يريد أهالي بلدة (ناتوبا) إبلاغها أناساً من مدن أخرى والتي كان ساعي البريد يجيء على حصانه ليجمعها مرة في الأسبوع. كما كان (الأسد) يقرأ على مسامع أهل القرى الرسائل التي كانت ترسل إليهم. كان يعمل كاتباً وقارئاً للآخرين قضاءً للفراغ من دون أن يستوفي سنتاً. بيد أنه كان يتلقى الهدايا أحياناً لقاء إسدائه تلك الخدمات. كان اسمه الحقيقي "فليشيو"، لكن كما كان الحال في أغلب الأحيان في تلك الأصقاع، ما إن تثبت الكُنْية حتى تحل محل الاسم الأول. كانوا يسمونه (أسداً)، ربما على سبيل المزاح، وهو لقب خطر على البال يقيناً بسبب رأسه الهائل. لكن بمرور الوقت، وكما لو كان القصد إقامة البرهان على أن المازحين لم يبتعدوا عن الواقع، كان رأسه غدا فعلاً مكسواً بلبدة كثيفة أخفت أذنيه، وكانت تهتز كلما تحرك. أو لعل الاسم يُعْزى إلى طريقته في المشي التي كانت كمشية الحيوان من دون ريب لأنه كان يستخدم كُلاً من قدميه ويديه لفرض التنقل، صائناً إياها بكفوفٍ من الجلد يستخدمها كالأظلاف، إذا جاز التعبير أو حدوات الجياد، ولو أن مشيته، بساقيه الصغيرتين القصيرتين وذراعيه الطويلتياللتين غالباً ما كانتا تمسّان الأرض في تجواله، كانت أشبه بمشية القرود من مشية الأسود والنمور المفترسة. لم يكن ينثني هكذا طيلة الوقت، إذ كان بمقدوره أن ينتصب أوقاتاً قصاراً أو يخطو بضع خطوات بشرية على ساقيه المضحكتين، لكن ذينك العملين كانا يتعبانه. وبسبب أسلوب تنقله الغريب، لم يرتد سراويل قط، بل أردية طويلة حسب، مثل النساء وأفراد الإرساليات التبشيرية أو التائبين من المسيحين. على الرغم من حقيقة أن (الأسد) كان يتولى مراسلات أهل البلدة، فان هؤلاء لم يتقبلوه قط التقبّل كله. فإذا كان والده قد أخفقا، إلا نادراً، في إخفاء عارهما في إنجابه وحاولا يوماً أن يتخليا عنه، فكيف يمكن أن يتوقع من رجال (ناتوبا) ونسائها أن ينظروا إلى هذا المخلوق على أن ينتمي إلى نوعهم نفسه من الكائنات؟ كان العشرات من نسل آل "بارديناس" من أخوته وأخواته ينأون عن أي شيء له علاقة به. وكان معروفاً أنه لم يكن يأكل معهم من على المائدة عينها، بل من على قفص من خشب، وحده. ولهذا لم يعرف الحب الأبوي ولا الأخوي (ولو أنه قد أطلع في الظاهر على لمحات من حب من طراز آخر) ولا عرف الصداقة إذ أن الصبيان من أقرانه كانوا يخشونه أول الأمر ثم أخذوا ينفرون منه بعدئذ. كانوا يقذفونه بالحجارة ويبصقون عليه ويهينونه إذ تجرأ على الاقتراب منهم ليراقبهم وهم يلعبون. وبالنسبة إليه كان من النادر أن يحاول فعل ذلك. وفي سن مبكرة أنبأته سليقته، أو ذكاؤه الصدوق، أن الآخرين سيكونون على الدوام خلائق تتحاشاه أو تزعجه، بل تعذبه في أغلب ألأحيان، فيجدر به أن يظل منعزلاً عن الجميع. وذلك ما فعله، في الآقل حتى الحادثة التي وقعت عند خندق الري. كان الناس يشاهدونه دائماً حريصاً على النأي عنهم، حتى في الاحتفالات ومعارض السوق الموسمية. وحين قدمت (بعثة مقدسة) إلى (ناتوبا) كان (الأسد) يستمع إلى المواعظ من سطح كنيسة (نوسا سينيورا ده كونسيسياو) كأنه قط. لكن حتى خطة الانعزال هذه لم تبَّدد مخاوفه فيرتاح. كان سيرك الغجر سببَ واحدٍ من أسوأ مخاوفه. كان السيرك يمر عبر (ناتوبا) مرتين في السنة بقافلة غرائبه: بهلوانات وقّراء طالع ومنشدين جوالين ومهرّجين. وفي إحدى الزيارات طلب الغجري من مروّض الجياد ومن "دونا غودينشيا" أن يسمحا بأخذ (الأسد) معه للاشتغال عاملَ سيركٍ مساعداً قائلاً لهما: (إن سيركي هو المكان الوحيد الذي لن يجلب فيه المذكور انتباه أحد. وفي وسعه أن يجعل نفسه نافعاً). وافقا على ذلك. فاصطحبه الغجري في ترحاله. لكن (الأسد) هرب بعد أسبوع عائداً إلى (ناتوبا). ومنذ ذلك الحين لم يكن يعثر على أثر له كلما جاء السيرك) البلدة.
كان أخشى ما يخشاه السكارى، تلك الزمر من رعاة البقر العائدين إلى البلدة بعد يوم من العمل في الرعي أو الدمغ أو الخصاء أو الجّز، والنازلين عن ظهور جيادهم مسرعين إلى حانة "دونا ابيفانيا" ليرووا عطشهم. كانوا يخرجون متشابكي الأذرع وهم يغنون مترنَّحين، جذلين أحياناً، غاضبين أحياناً أخرى، ثم يمضون ليبحثوا عنه في الشوارع الخلفية الضيَّقة ليتسلّوا على حسابه أو ينفَّسوا عن مشاعرهم. لقد تطورت لديه حاسة السمع بشدة غير معتادة فصار بوسعه أن يعرف من مسافة بعيدة جداً، من ضحكهم الصاخب ومن سبابهم، أنهم قادمون. عند ذاك كان يثب نحو البيت بأسرع ما يمكن، محاذياً جدران واجهات المباني كي لا يلمحوه. أما إذا كان بعيداً عن البيت فانه كان يتخفّى في الآجمات أو على أحد السطوح حتى زوال الخطر. إنما لم يكن يفلح دائماً في التمّلص منهم. فباللجوء إلى الحيلة أحياناً، كإرسال شخص يخبره مثلاً، أن فلاناً يطلبه لحاجته إلى تسويد عريضة ترفع إلى قاضي البلدة، كانوا يفلحون في ايقاعه في الفخ. وعند ذاك يعّذبونه ساعات، مجرَّدينه من ملابسه حتى العري. ليروا ما إذا كانت له أعضاء وحشية أخرى مخفية تحت ردائه، فضلاً عن المرئية منها، أو إركابه حصاناً، أو محاولة مزاوجته بمعزى ليروا ما الذي سينتجه هذا التهجين من نسل.
وكمسألة شرف أكثر منها مسألة محبة، كان "سلتينو بارديناس" وآخرون من أفراد العائلة يتدخلون إذا ما سمعوا بما هو جارٍ، ويهددون المازحين. وفي أحد المرات اندفع أخوته الأكبر سناً، جالبين المدى والمجارف، لأنقاذ الكاتب من جمعٍ من أهالي البلدة الصاخبين من تأثير (براندي) القصب والذين كانوا قد صبّوا دبس السكر على المسكين وقلّبوه تقليباً في كومة أزبال وقادوه عبر الشوارع مربوطاً بحبل كأنه حيوان مجهول العنف. بيد أن الأقارب قد أصابهم أكثر مما فيه الكفاية من هذه الحوادث التي ودوا أنفسهم متورطين فيها بسبب عضو الأسرة هذا. لقد أدرك (الأسد) ذلك أكثر من أي شخص آخر ولهذا لم يسمعه أحد يوماً يدين أياً من معذَّبيه. انعطف مصير أصغر أبناء "سلتينو باراديناس" منعطفاً أسوأ على نحو أكيد يوم تمرضت "الموديا" إبنة السمكري "زوزيمو" الصغيرةُ الوحيدة التي بقيت من بين أطفاله الستة على قيد الحياة، بعد أن ولدا الباقون ميتين أو توفوا بعد بضعة أيام من ولادتهم. فقد أصيبت بحمى شديدة وبالتقيؤ وقد أثبتت علاجات "دوم أبيلاردو" ورقُاهُ، شأنها شأن صلوات الوالدين، عدم جدواها. وعليه أبدى المعالج رأياً جليلاً فعاده أن الفتاة ضحية عين شريرة، وأن أي دواء لن يجدي ما دام الشخص الذي أصابها بالعين الشريرة غير معروف. وإذ يئس "زوزيمو" وزوجته "أفراسيا" من المصير الذي يتهدد تلك الابنة التي كانت قرة أعينهما، راحا يجوبان أكواخ (ناتوبا) سعياً وراء الحصول على معلومات. وهكذا سمعا من أفواه ثلاثة أشخاص الشائعة القائلة بأن الصبية كانت قد شوهدت برفقة (الأسد) في لقاء غريب على شاطئ خندق الري المؤدي إلى مزرعة (ميراندولا). وعند استجواب الصبية العليلة اعترفت شبه هاذية، بأنها في صباح ذلك اليوم تحديداً، وبينما كانت مارة بخندق الري في طريقها إلى بيت عّرابها، "دوم نوتيلو"، سألها (الأسد) أن تسمح له أن ينشد أغنية كان قد ألفّها من أجلها. وقد فعل ذلك قبل أن تستطيع "ألموديا" أن تلوذ بالفرار. كانت تلك المرة الوحيدة التي تحدث فيها معها، ولو أنها كانت قد لاحظت قبل ذلك، وكأن ذلك مصادفة، أنها غالباً ما كانت تلتقيه عند تجوالها في البلدة، وأن شيئاً ما في الطريقة التي كان يتحدَّب بها عند مرورها كان يشي برغبته في التحدث إليها. أمسك "زوزيمو" بندقية الرش الخاصة به، ومضى برفقة أبناء أخوة وأصهارٍ ورفقاءٍ مسلحين أيضا، يتبعهم رهطٌ من الناس إلى بيت آل "يارديناس"، فوضع (الأسد) في زاوية وصوّب بندقية الرش ما بين عينيه تماماً، وطلب منه أن يعيد الأغنية كي يطرد "دوم أبيلاردو" الروح الشريرة. حملق (الأسد) فيع مصعوقاً، مشتت الفكر، متسع العينين. وبعد أن كرر السمكري مرات عدة أنه إذا لم يكشف التعويذة السحرية فسيطيح برأسه بالرصاص، وصوّب بندقيته. ولبرهة من الزمن إلتمعت عينا (الأسد) الواسعتان الدالتان على الذكاء في هلق مطبق. ثم دمدم صوته الضئيل المزماري، المرَّوع إلى حدَّ إمّحاء معالمه: (إذا قتلتني، لن تعرف التعويذة السحرية، وسوف تموت "ألموديا": تلا ذلك صمتٌ مطبق. كان "زوزيمو" يتصبب عرقاً. أما أقرباؤه فقد أبقوا ببنادقهم "سلستينو بارديناس" وأبناءه معطَّلين عن الحركة. سمعوا صوت الوحش المزماري يقول: (هل ستطلقون سراحي؟). أومأ "زوزيمو" بالقبول. عندئذٍ شرع (الأسد) يغني وهو يغصّ، وصوته يتكسر مثل صوت المراهقين. وكلما يتذكر سكان (ناتوبا) الحاضرون، وكذلك الذين لم يحضروا ولكنهم أقسموا على أن آخرين ذكروا ذلك لهم في رواية شاعت كثيراً، أنشد أغنية غرامية ورد فيها اسم "ألموديا". وحين فرغ من الغناء امتلأت عينا (الأسد) بالحرج. ثم زأر قائلاً: (إتركوني الآن). أجاب السمكري باكتئاب: (سأسمح لك بالذهاب حين تشفى ابنتي وإذا لم تشف سأحرقك حتى تموت جنب لحدها. أقسم بحياتي أنني فاعل هذا). نظر حوله إلى آل "بارديناس": الأب والأم والأخوة، وقد تجمدوا من دون حراك تحت تهديد البنادق، وأضاف بنبرة لم تترك أي شك حول تصميمه: (سأحرقك حياً حتى لو تمتّم على أسرتي وأسرتك أن يقتل بعضها بعضاً قروناً متتالية). توفي "ألموديا" في تلك الليلة عينها بعد أن تقيأت دماً. ظن أهالي البلدة أن "زوزيمو" سينتحب بكاءً وينتف شعره شداً ويكفر بالله، أو أن يعبّ براندي القصب حتى يسقط فاقد الوعي. لكنه لم يفعل أي شيء في هذا. فقد حلّ محلّ سلوكه الطائش الذي ظهر في الأيام الأخيرة عزمٌ هادئ، وهو يخطط في آن واحد جنازةَ ابنته وموتَ الساحر الذي ألقى تعويذته عليها. لم يكن قط رجلاً سافلاً أو قاسياً أو عنيفاً، بل جاراً شفيقاً، مُعِناً. ولهذا كان الجميع يرثون له، غافرين له مقدماً ما يوشك أن يفعله، بل كان هناك أشخاص يزكّون ما ينوي فعله. طلب "زوزيمو" أن يأتوا بخازوق يقام جنب القبر، وأن يؤتى بقش وأغصانٍ يابسة إلى الموقع. بقي آل "باراديناس" سجناء بيتهم: أما (الأسد) فكان في زريبة حيوانات السمكري، مربوط اليدين والقدمين، أمضى الليل هناك يسمع الصلوات والتعازي والتراتيل ونحيب السهر على جثة المتوفاة. وفي اليوم التالي رفعوه وأدخلوه في عربة تجرها حمير صغيرة، وكالمعتاد كان يتبع الموكب الجنائزي عن بعد. وحين بلغوا المقبرة، وبينما كان التابوت يوارى الثرى. ويتلى المزيد من الصلوات، أوثقه اثنان من أبناء أخوة السمكري، على وفق تعليمات الأخير، بالخازوق، مكوّمين حوله القش والأغصان التي كانوا على وشك أن يشعلوها ليحرقوه حتى الموت. كان جميع من في البلدة تقريباً حاضراً هناك ليشهد عملية التضحية به. في تلك اللحظة، وصل القديس. لابد أنه كان قد بلغ (ناتوبا) الليلة الفائقة أو فجر ذلك اليوم، ولابد أن أحداً ما قد أعلمه بما يوشك أن يقع. بيد أن هذا التفسير كان من فرط منطقيته لا يصدقه أهل البلدة الذين كانوا يصدقون الخارق للطبيعة أكثر من تصديقهم ما هو طبيعي. لقد قالوا بعدئذ أن قدرته على التنبؤ المستقبلي، أو أن المسيح المبارك قد جاء به وبأتباعه إلى هذه البقعة النائية من أراضي (باهيا) الخلفية في تلك اللحظة عينها لتصحيح خطأ، لمنع جريمة، أو لمجرد إقامة الدليل على سطوته. لم يَقْدِم وحده، كما فعل في أول مرة وعظ فيها في (ناتوبا) قبل سنوات، ولا جاء برفقة اثنين أو ثلاثة من الحجاج فقط، كما في زيارته التالية حين قام، بالإضافة إلى الوعظ، بأعادة إنشاء الكنيسة الصغيرة العائدة إلى دير اليسوعيين المهجور في ساحة البلدة. في هذه المرة كان معه قرابة ثلاثين شخصاً، في مثل نحافته وفقره، لكنهم كانوا ذوي عيون تزخر سعادةً. بينما كان هؤلاء يتبعونه، شقَّ طريقه عبر الحشود إلى القبر في اللحظة التي كانوا يهيلون فيها ملء المجارف الأخيرة من التراب يَردْمِهِ. التفت الرجل المرتدي رداءً أرجوانياً غامقاً نحو "زوزيمو" الذي كان واقفاً بعينين مسبلتين يحدق إلى التراب المقلوب تواً، وسأله بنبرة لطيفة وإن لم تكن ودوداً: (هل دفنتها بأفضل ملبسها، وفي تابوت صلد؟). أومأ "زوزيمو" إيجاباً، وهو لا يكاد يحرك رأسه. قال (المرشد): (سنصلي للرب كي يستقبلها بابتهاج في ملكوت السماء). عند ذاك تلاهو والتائبون التراتيل وأنشدوا الترانيم حّذْوَ القبر. في تلك اللحظة فقط أشار القديس إلى الخازوق الذي كان (الأسد) قد رُبِطَ به، وسأل: (ما الذي تهم أن تفعله بهذا الصبي، يا أخي؟) أجاب "زوزيمو": (أحرقه حتى الموت). ثم أوضح السبب في غمرة صمت بدا أنه يتصارى. أومأ القديس، من دون إن يطرف. ثم التفت إلى (الأسد) وأشار إلى الجمع أن يرتد قليلاً. ارتد الجميع بضع خطوات. مالَ القديس نحو (الأسد) وتكلم في أذن الصغير الوربوط بالخازوق، ثم أدنى أذنه من فم (الأسد) ليسمع ما يقول. وهكذا، بينما كان (المرشد) يحني رأسه صوب أذن الآخر وفمه، عقد الاثنان محاورة سرية. لم يتحرك أحد، بانتظار حدثٍ فوق العادة.
كان ما حدث في الواقع مبعث دهشة مثل مشاهدة رجل يتقلّى حتى الموت في محرقة جنائزية. إذ حين صمتا، قال القديس، بالوقار المعهود دوماً ومن دون أن يتحرك من موضعه: (هيا. فكَّ وثاقه). رفع السمكري بصره ونظر إليه مندهشاً. قال الرجل المرتدي الأرجواني الغامق بصوت خفيض جعل الناس ترتجف: (يجب أن ترخي رباطه بنفسك) مرة أخرى أرعد صوته، كأنه مندهش من هذا الغباء: (هل تريد أن تذهب ابنتك إلى الجحيم؟ أليست السِنة اللهب هناك أشد اضطراماً وأبقى إلى ألبد من تلك التي تسعى لأيقادها؟). ثم استمر قائلاً: (إنك تزخر بالخرافة، كافر، خاطئ. تُب عما تنتوي. تعال وارخِ وثاقه. إسعَ إلى نيل صفحة وصلّ للرب كي لا يرسل ابنتك إلى مملكة الشيطان جراء جبنك وسفالتك، بسبب قلة إيمانك بالله). ثم وقف هناك يلعنه، يستحثه، يروَّعه بفكرة أن ابنته "ألموديا"، بسبب غلطته الشنيعة، ستذهب إلى الجحيم، حتى شاهد أهالي البلدة "زوزيمو" في آخر المطاف ينصاع له، وبدلاً من أن يطلق النار عليه أو يغرز مديته فيه أو يحرقه حتى الموت هو والوحش، شاهدوه يركع على ركبتيه وينتحب متوسلاً إلى الأب، والمسيح المبارك، والواحد الأوحد، ومريم العذراء، لِيَقُوا روح "ألموديا" البريئة من السقوط في الجحيم. حين رحل (المرشد) باتجاه (موكامبو)، بعد أن لبث في البلدة أسبوعين، يصلي ويعظ ويواسي المرضى ويسدي النصح للمعافين، كان قد صار لـ(ناتوبا) مقبرة محاطة بجدار من الآجر وصلبان جديدة على المقابر كلّها. كما ازدادت صفوف التابعين (للمرشد) واحداً. كياناً ضئيلاً، نصف حيوان ونصف انسان، بدا حين كانت زمرة الحجيج تسير موغلة في الأرياف المغطاة بـ(المانداكاروس) يخبُّ حذو حفنة المؤمنين ذو الأسمال البالية، وكأنه حصان أو معزى أو بغل أحمال.
***
هل كان يفكر، هل كان يحلم؟ أنا في ضواحي (كيماداس) والوقت نهار، وهي ذي أرجوحة "روفينو" الشبكية. وفيما عدا ذلكن كان كل شيء مرتبكاً في ذهنه هذا اليوم. لقد تلبثت الدهشة التي ساورته حين رقد، بعد المضاجعة بينما كان مستلقياً هناك نصف نائم، نصف مستيقظ. أجل، بالنسبة إلى شخص يعتقد بأن القدر هو، في جزئه الأكبر، مجبول ومكتوب في القحف الحاوي الدمِاغ، حيث تستطيع الأيدي الماهرة أن تتحسسه، والعيون الحادة النظر أن تقرأه كانت تجربةً مزعجةً مواجهةُ وجود ذلك الهامش الذي لا يمكن التنبؤ به والذي تستطيع كائنات أخرى أن تناور به بغض النظر عن إرادة المرء نفسها وقابلياته الشخصية. منذ متى لبث مستريحاً؟ زال تعبه، على أية حال. هل اختفت الشابة كذلك؟ هل ذهبت تطلب النجدة؟ لتجلب أناساً يأسرونه؟ فكرة أو حلم! (ذهبت خططي هباءً في حين كانت على وشك أن تتحقق. إن المتاعب لا تأتي فرادى أبداً). أدرك أنه يكذب على نفسه. لم يكن صحيحاً أن هذا القلق وهذا الشعور بالعجب المذهل مردّهما أنه فاته لقاء "روفينو" وأنه نجا من الموت بأعجوبة، وانه قتل ذينك الرجلين، وأن الأسلحة التي كان بصدد أخذها إلى (كانودوس) قد سُرِقْ، بل كان ذلك الاندفاعُ المفاجئَ الذي لا يمكن فهمه أو إخماده الذي جعله يغصب "جوريما" بعد عشر سنوات من الامتناع عن لمس النساء، هو الذي قضَّ مضجعه وهو شبه نائم.
لقد أحب عدداً من النساء في شبابه، كما كانت له رفيقات يناضلن من أجل المثل العليا نفسها كما كان يفعل. شاركنه أوقاتاً قصيرة من رحلة حياته. وفي خلال الأيام التي كان فيها في (برشلونة)، عاش مع امرأة من الطبقة العاملة كانت حاملاً وقت الهجوم على الثكنات العسكرية ثم، كما علم بعد فراره من اسبانيا، تزوجت مصرفياً – لكنْ، بخلاف العلم أو الثورة، لم يكن الجنس يوماً ما ليشغل مكاناً بارزاً في حياته. مثل الطعام، كان الجنس بالنسبة إليه شيئاً يشبع حاجة أساساً سرعان ما يتركه متخماً. كان أكثر قرارات حياته سرية قد اتخذه قبل عشرة أعوام، أم لعلها أحد عشر؟ أم اثنا عشر؟ كانت التواريخ تتراقص في رأسه، أما المكان فلا: إنه روما. كان قد اختفى هناك بعد أن هرب من برشلونة في مسكن صيدلي: رفيق كان يكتب للصحافة الفوضوية السرية أو كان نزيل سجون أكثر من مرة. هناك كانت الصور الحية في ذاكرة "غال" كانت تساوره بعض الشكوك أول الأمر ثم قام الدليل: كان ذلك الرفيق يلتقط عاهرات يتسكَّعْنَ متحرشاتٍ حول مبنى (الكولوسيوم)* ويأتي بهن إلى البيت في غياب "غال" ثم يدفع لهن المال ليسمحن له بجلدهن بالسياط. آه من دموع ذلك الشيطان المسكين ليلة وبّخه "غاليليو" ثم اعترف بعدم استطاعته الالتذاذ مع النساء إلا إذا أوقع العقاب بهن، وعدم استطاعته ممارسة الجنس إلا إذا شاهد جسماً مكدوماً مضروباً ضرباً مبرحاً، ظن، أو حلم بأنه سمع صوت الصيدلي، ثانية، يطلب المساعدة منه. وفي نومه شبه اليقظ، كما في تلك الليلة، تحسس جمجمته، وتلمس البروز المستدير في منطقة العواطف الدنيا، والحرارة غير الاعتيادية لقمة الرأس حيث كان "شبورتس هايم" قد حدد موضع عضو الجنس، والنشوة في المنحنى القذالي السفلي، فوق قفا رقبته تماماً، في التجاويف التي تمثل الغرائز المدمرة.( في تلك اللحظة أحاط به ثانية وعلى حين غرة الجوُّ الدافئ لدراسة "ماريا نوكوبي" وسمع ثانية المثال الذي دأب على إيراده، مثال "جوبارد لجولي" الذي كان يعمد إلى ممارسة الحرق المتعمد في مدينة (جنيف) والذي فحص رأسه بعد أن قُطِع. (كانت منطقة القسوة هذه فيه قد تضخمت حتى بدت مثل ورمخٍ جد ضخم، أو جمجمة حامل). ثم سمع صوته هو، مخبراً الصيدلي الفوضوي عن العلاج، ثانية.(الشيء الذي يجب إن تخلَّص حياتك منه، يا رفيق، هو الجنس وليس الرذيلة) موضحاً له بأنه حين يفعل ذلك سيتم اعتراض سبيل الجنس، وستوجه القوة التدميرية في طبيعته صوب غايات أخلاقية واجتماعية وبذلك تتضاعف طاقته للكفاح من أجل الحرية واجتثاث صور الاضطهاد كلها من هذه الدنيا. ومن دون أن يرتجف صوته أو تطرف عيناه عرض عليه ثانية هذا الاقتراح الأخوي (لنفعل ذلك سوية سأتخذ القرار عينه وأمتثل له، لأبرهن لك على أنه ممكن. لنُقْسِم، كلانا، على إن لا نمس امرأة ثانية البتة، أيها الأخ) هل وفى الصيدلي بعهده؟ تذكر نظرة الوجوم في سيمائه، وصوته في تلك الليلة. ثم فكر، وحلم: (كان رجلاً ضعيفاً). اخترقت أشعة الشمس جفنيه المغمضتين، وأحرقت بؤبوءي عينيه. أما هو فلم يكن بالرجل الضعيف. فقد استطاع أن يفي بالعهد، حتى هذا الصباح. ذلك أن قوة الحجة والمعرفة كانتا بمنزلة سند ركين، مصدر قوة لما كان في البدء مجرد فكرة عابرة، أو بادرة رفاقية. ألم يكن في البحث عن اللذة الجنسية والخضوع للغريزة خطر على مَنْ انخرط في حرب من دون هوادة؟ أليس من الجائز أن تلهيه الدوافع الجنسية عن المثل العليا؟ إن الذي عذب "غال" في تلك السنين لم يكن إبعاد النساء عن حياته، بل فكرة أن أعداءه الرئيسين، الكهنة الكاثوليك، كانوا يفعلون ما كان فاعله تماماً، وإنْ لم تكن الأسباب في حالته، كما هو معروف، ظلامية، متأصلة في التحيز الخالص، كما هو الحال معهم، بل الرغبة في أن يجعل نفسه أقوى أو أكثر تحرراً من العوائق وأكثر استعداداً لهذه المعركة الرامية إلى التوحيد والتوفيق في ما بين ما كان هؤلاء أكثر من أية جهة أخرى قد ساعدوا على إحالته اعداءً دائمين: الأرض والسماء، المادة والروح، لم يكن قد أُغري قط على الإخلال بعهده – (حتى هذا اليوم). هكذا كان "غاليليو" يفكر أو يحلم. وعلى العكس من ذلك فقد آمن إيماناً جازماًَ بأن غياب النساء هذا من حياته قد تحول إلى رغبة ذهنية أكبر وقابلية متزايدة على الدوام، على الفعل والعمل. كلا: كان كاذباً على نفسه مرة ثانية. لقد كانت قوة الحجة قادرة على التغلب على الجنس حين كان مستيقظاً، لكن ليس عند النوم. ففي ليالي كثيرة العدد خلال تلك العوام، كانت أشكال أنثوية مغرية تتسلل إلى فراشه في اثناء نومه، وتلتصق ببدنه وتداعبه خفيةً. لقد حلم أو فكر أن تلك الرؤى كانت أعصى على المقاومة من النسوة اللواتي كنّ من لحم ودم. كما تذكر أنه طالما تبادل الغرام، مثل المراهقين أو الرفاق المحبوسين في السجون في أنحاء العالم كافة، مع تلك الصور الظلية غير الملموسة التي كانت شهوته تصوغها له صوغاً.
حلم أو فكر، وهو يتعذب: (كيف جاز لي أن أفعل ذلك؟). لِم قذف بنفسه على تلك الشابة؟ كانت تكافح لأبعاده، وقد ضربها. وإذا استبد به القلق، سأل نفسه إن كان قد ضربها حين كفّت عن المجاهدة لإبعاده وأخذت تتيح له أن يعريها عن ثيابها. ماذا حدث، يا رفيق؟ حلم أو فكر: (أنت لا تعرف نفسك، يا "غال"). كلا، لم ينبؤ دماغه بشيء ما. لكن آخرين قد تحسسوه ووجدوا فيه فضولاً وميولاً جامحة، بالغة التطور، وقلة براعة في الأمور التأملية والجمالية، وعلى العموم في كل شيء لا علاقة مباشرة له بالأشياء العملية والمهمات البدنية. كما لم يلحظ أحد قط أية غرابة مهما ضؤلت في الوعاء الذي يضم روحه. حلم أو فكر في شيء سبق أن فكر فيه: (لايزال العلم شمعة تومض ومضاً باهتاً في كهف واسع حالك الظلام).
بأية طريقة يمكن أن يغير هذا الذي حدث حياتَه؟ هل لايزال القرار الذي اتخذه في روما قائماً؟ أينبغي عليه أن يجدد أو يغير عهده بعد هذا الحادث؟ وهل كان حادثاً عارضاً؟ كيف يفسر علمياً ما حدث عند انبلاج فجر هذا الصباح؟ ومن دون أن يدري، كان يختزن في ردحه – كلا، في عقله، لأن كلمة (الروح) قد تلوثت بقذارات منسوبة إلى الدين – السنوات كلها التي ظن أنه قد اقتلعها من الجذور والطاقات كلها التي حسب انها قد وجهت نحو غايات أفضل من اللذة. وهذا التراكم الخفي قد تفجر هذا الصباح، أشعلته الظروف، أي ظروف العصبية والتوتر والخوف ومفاجأة الهجوم، والسرقة، وإطلاق النار،والقتول. هل كان ذلك هو التعليلَ الصحيح؟ آه لو استطاع أن يتفحص هذا كله، كما كان مشكلة تخص شخصاً آخر، وعلى نحو موضوعي، مع شخص معروف مثل "كوبي". ثم انه تذكر تلك المداولات التي كان عالم فراسة الدماغ يسميها (سقراطية)* وهما يتمشيان في منطقة الميناء في برشلونة وعبر متاهة (باريو غويتكو) فأحسّ بغصّات الحنين في فؤاده. كلا سيكون من غير المعقول ومن الغباء والسخف التمسكُ بالقرار المتخذ في روما. سيكون ذلك تمهيداً لسبيل تكرار ما حدث هذا الصباح في المستقبل، أو حتى تكرار شي أسوأ. فكر، أو حلم، بسخرية مُرّة: (لابد أن توطَّنَ نفسك على الزنا يا "غاليليو...) فكر في "جوريما". هل كائناً مفكراً؟ أم لعلها حيوان صغير مدجن إنها كدود، فانعة، قادرة على الاعتقاد بأن تماثيل (القديس أنتوني) تهرب من الكنائس وتعود إلى المغارات التي نحتت فيها. إنها مدرّبة مثل سائر خادمات البارون على العناية بالدجاج، والأغنام، واعداد الطعام بعلها، وغسل ملابسه وفتح ساقيها له فقط. فكر: (ربما ستستيقظ من سباتها الآن وتكتشف الظلم): فكر: (أنا من ظلمكِ) فكر: (لعلكَ قد صنعتَ لها معروفاً).
فكر في الرجال الذين هاجموه وسلبوا العربة والاثنين الذين قتلهما. هل كانا من رجال (المرشد)؟ وهل كان زعيمهم الرجل الذي كان قد لقيه في المدبغة في (كيماداس)، الشخص المسمى "باجو"؟ ألم يكن من الأكثر جوازاً أنه كان "باجو" وان هذا قد حسبه أحد جداسيس الجيش، أو تاجراً يتوق إلى غش جماعته وأنه أوصي بمراقبته، ,انه حين اكتشف أن لديه أسلحة أستلبها كي يجهز (كانودوس) بها؟ تمنى لو كان ذلك ما قد حدث، وان العربة المحملة بالأسلحة كانت في تلك اللحظة تماماً متوجهة إلى (كانودوس) تخبّ سريعاً لإمداد (الأنصار) وهم يتهيأون لمواجهة ما هو واقع لهم في القريب العاجل. لِمَ كان لزاماً على "باجو" الوثوق به؟ فكر: (لقد قتلت اثنين من الرفاق، يا غال"). كان مستيقظاً. تلك الحرارة مأتاها شمس الضحى، وتلك الأصوات جلجلة أجراس الغنم. وماذا لو وقعت البنادق في أيدي لا أكثر من خارجين على القانون حسب؟ كان يمكن أن يتعقبوه والدليل المرتدي الجلد، في الليلة السابقة في اثناء نقلهما الأسلحة من المزرعة سلمها "ايبامنيونداس" إليه: ألم يقل الجميع إن المنطقة تزخر بـ(الأنصار)؟ هل كان قد تصرف بعجلة، وكان طائشاً؟ فكر: (كان عليّ أن أفرغ حمولة الأسلحة وأجلبها إلى الداخل هنا. عندئذ ستكون قد مُتَّ وسيكونون قد استلبوها ومضوا بأية حال). استبدّت به الظنون. هل يعود إلى (باهيا)؟ أيواصل الذهاب إلى (كانودوس)؟ أيفتح عينيه؟ هل سينهض من أرجوحته الشبكية؟ وهل سيواجه الحقيقة آخر المطاف؟ كان لايزال يستطيع سماع أجراس الغنم وهي تجلجل النباح. والآن أضحى يسمع كذلك وقع خطوات وصوتاً بشرياً.
* * *
عندما تلاقت أرتال قوات حملة الرائد "فبرونيودي بريتو" وحفنة النسوة من التابعات للمعسكر اللواتي كن يرابطن وراءها، عند مستوطنة (مولنغو) على بعد فرسخين من (كانودوس)، لم يكن قد بقي لديها حّمالون أو أدلاء. كان الأدلاء الذين استخدموا في (كيماداس) و(مونته سانتو) لتوجيه دوريات الاستطلاع قد ارتّدوا وأحجموا عن التعاون لحظة بلوغهم أكواخاً أُحرقت ولايزال الدخان يتصاعد منها، ثم اختفوا جميعاً فجأة في هابط الظلام، بينما كان الجنود الذين تهاووا على الأرض والمستلقون مستندين إلى أكتاف بعضهم يطيلون التفكير في الجراح وربما الموت الذي كان يتربّص بهم خلف قمم الجبال التي كانوا يستطيعون رؤيتها ممدة الحواف مقابل سماء زرقاء غامقة آخذة بالاسوداد.
بعد نحو ست ساعات، وصل الأدلاء الهاربون إلى (كانودوس) وهم يلهثون، ليستجدوا غفران (المرشد) بسبب خدمتهم الشيطان. أُخذوا إلى متجر آل "فيلانوفا" حيث استجوبهم "أبوت جواو" بأدق تفصيل عن الجنود القادمين ثم تركهم بيدي (الصغير المبارك) الذي كان يتولى مسؤولية تسلم الوافدين الجدد على الدوام. كان على الأدلاء أن يقسموا له بأنهم لم يكونوا (جمهوريين)، وأنهم لا يرضون بفصل الكنيسة عن الدولة أو الإطاحة بالإمبراطور "دوم بدرو" الثاني أو الزواج المدني أو المقابر البلدية أو النظام المتري، وأنهم سيرفضون الإجابة عن أسئلة تعداد وأنهم لن يعاودوا السرقة أو السكر أو المراهنة بالمال. بعد ذلك قاموا، هم بجرح لحمهم، بأمرٍ منه، جرحاً طفيفاً بسكاكينهم، ليقيموا الدليل على رغبتهم في سفح دمهم في محاربة (المسيح الدجال). عند ذاك تماماً اقتادهم إلى المعبد رجال مسلحون من خلال جمع من الناس أيقظهم من نومهم قبل قليل وصولُ الأدلاء فحيّوهم وصافحوهم اظهر (المرشد) عند الباب، فركعوا على ركبهم ورسموا إشارة الصليب، وحاولوا لمس ردائه وتقبيل قدميه. ومن فرط الانفعال، انفجر بعضهم ينتحب. وبدلاً من مجرد مباركتهم، انحنى (المرشد) وعيناه تحدّقان خلالهم إلى بعيد، كما فعل حين استقبل النخبة الجديدة، وأقامهم على أقدامهم وطفق ينظر إليهم واحداً واحداً بعينيه السوداوين المحتدمتين على نحوٍ ما كانوا لينسوه قط بعد ذلك طلب إلى "ماريا كوادرادو" والمؤمنات الثماني اللواتي يؤلفن جوقة الإنشاد المقدس - المرتديات أردية زرقاً وأحزمةً من الكتان أن يوقدن فوانيس معبد المسيح المبارك كما كن يفعلن كل مساء حين كان هو يرقى إلى البرج يسدي إشاراته. وبعد دقائق ظهر على السقالة بصحبة (الصغير المبارك) و (أسد ناتوبا) و(أم الرجال) ونساء (جوقة الإنشاد المقدس)، مجتمعين حوله، وإلى الأسفل كان رجال (كانودوس) ونساؤها مكتظين في ازدحام كثيف ومنبهرين انبهار التوقع، في الفجر الذي كان ينبلج، وهم يدركون أن تلك كانت مناسبة خاصة جداً. وكما كان الحال دوماً، تناول الأمر مباشرة فتحدث عن (الاستحالة)* وعن الأب والابن اللذين كانا اثنين وواحداً، وثلاثة وواحداً في (الروح القدس الإلهية). وبغية إيضاح ما غمض بيّن أن (بيلو مونته) يمكن أن تكون (القدس) كذلك. وبسبابته أشار في اتجاه سفح جبل (آفافيلا): (بستان الزيتون)**، حيث أمضى الابن) ليلة خيانة (يهودا) المؤلمة. وعلى مسافة أبعد قليلاً (سيرادي كانا برافا): (جبل الجماجم) حيث صلبه الأشرار بين سارقَيْن. ثم أضاف إن (الضريح المقدس) قائم على مبعدة ربع فرسخ في (كراجاو) بين صخور رمادية اللون حيث أقام مؤمنون مجهولون صليباً. ثم قدّم وصفاً تفصيلياً ودقيقاً للجمع الصامت والمتعجب جداً وقال إن أياً من شوارع (كانودوس) الضيقة كان بمنزلة (درب الصليب) حيث سقط المسيح أول مرة وأين لقي أمه، والموضع الذي قامت المرأة المخلَّصة، الخاطئة من قبل، بمسح العرق عن وجهه، والمرحلة التي ساعده (شمعون القوريني) فيها على حمل الصليب. وبينما كان يوضح أن وادي (ايبويراس) كان وادي (يهوشافات) سُمِعَ صوت إطلاقات نارية من الناحية الأخرى لقمم الجبل التي كانت تفصل (كانودوس) عن بقية العالم. ومن دون تسرع طلب (المرشد) من الجماهير – الممزَّقة بين سحر صوته وإطلاق النار – أن ينشدوا ترتيلاً كان قد وضعه (الصغير المبارك): اسمُهُ (في مدح الملاك). عندئذ فقط غادرت مجموعات رجال مع "أبوت جواو" و"باجو" المكان لتعزيز قوة (الأنصار) الذين سبق أن بدأوا مجابهة طليعة الرائد "فيرونيودي برتيو" في التلال السفحية لـ(مونته كامبايو).
وحين وصلوا جرياً ليرابطوا في الشقوق والأخاديد، وعلى الألواح الصخرية الناتئة من الجبل الذي كان جنودٌ ببزات حمر- زرق- وخضر يحاولون ارتقاءه كان هناك فعلاً رجال قد قضوا نحبهم في القتال. كان (الأنصار) الذين وضعهم "أبوت جواو" في الممر الذي كان على القوات الرئيسية أن تخترقه أرتالاً قد شاهدوهم يقتربون حين كانت السماء لاتزال مظلمة، وحين كان أغلبهم قد لبث في (انتشو داس بدراس) – التي كانت ثمانية أكواخ تقريباً محقها مشعلو النار عمداً – رأوا سرية مشاة بأمرة ملازم ممتط جواداً أرقط في مسيرة صوب (أوكامبايو). تركوهم يتقدمون حتى صاروا في موضع الانقضاض تقريباً، ثم بإشارة من "هوزيه فينانشيو" أمطروهم بوابل من رصاص القربينات والبنادق القصيرة وبنادق (المسكيتات) القديمة وكذلك بالحجارة والسهام المطلقة من أقواس النشاب، وبالشتائم – "كلاب"، "ماسونيين"، "بروتستانت". عند ذاك فقط أحس الجنود بوجودهم، فاستداروا على أعقابهم وولوا الأدبار، باستثناء ثلاثة جرحى أدركهم صغار (الأنصار) وقضوا عليهم وهم يتحاشون الرصاص، أما الحصان فأقعى وأوقع راكبه، ثم تدحرج الحيوان حَدْرَ منحدر الجبل وسط الصخور الوعرة فانكسرت أطرافه. تمكن الملازم من أن يلوذ ببعض الصخور الكبيرة وشرع يرد على النار بينما كان الحيوان رابضاً هناك، يصهل متألماً ساعات عدة في وقت استمر إطلاق النار.
تطاير الكثير من (الأنصار) إرباً إرباً. بقذائف (الكروي) التي شرعت تقصف الجبل بُعيد المناوشات الأولى، مسببة انهيارات أرضية ونثارات صخرية. وإذ أدرك "جواو الكبير" الذي كان مرابطاً جنب "هوزيه فينا نسيو" أن من الانتحار البقاء مجتمعين يصرخ فيهم أن تفرقوا كي لا تكونوا هدفاً متكتلاً. أطاعوه، وجعلوا يثبون من صخرة إلى صخرة، أو يزحفون على بطونهم بينما كان المشاة إلى الأسفل منهم يرتقون (أوكامبايو) في غمرة سحابة من الغبار وضجة صاخبة لأصوات الأبواق المنادية، وقد قُسَّموا إلى مجاميع قتالية بأمرة ملازمين وعرفاء ونواب عرفاء. وفي الوقت الذي وصل فيه "أبوت جواو" و"باجو" مع التعزيزات، كان هؤلاء قد بلغوا نصف مرقى الجبل. وعلى الرغم من خسائرهم الفادحة لم يسلم (الأنصار) الذين كانوا يحاولون إزاحتهم شبراً من الأرض. شرعت التعزيزات المزودة بالأسلحة النارية بإطلاق النار فوراً، مصاحبين العمليات بصيحات عالية. كان الذين لا يحملون سوى المناجل الطويلة والسكاكين، أو نوع القوس والنشاب الذي كان رجال الأراضي الخلفية يدخرونه لصيد البط والغزلان والذي كان "أنتونيو فيلانوفا" قد طلب من نّجاري (كانودوس) أن يصنعوا عشرات منه، يقتصرون على التجمع حول ذوي الأسلحة النارية ومناولتهم البارود أو تعبئة القربينات آملين من المسيح المبارك أن يستصوب السماح لهم أن يرثوا بندقية أو يقتربوا من العدو بما فيه الكفاية ليتمكنوا من الهجوم عزلاً بالايدي.
استمرت مدافع (كروب) تقصف أعالي الجبل، وقد تسببت الانهيارات الصخرية في إصابات بقدر ما سبب الرصاص. وفيما كان الغسق قد بدأ يحل تواً وشرعت الهامات المرتدية البزات – الحمر- الزرق والخضر- الزرق في اختراق خطوط الصفوة، أقنع "أبوت جواو" الآخرين أن عليهم أن ينسحبوا وإلا وجدوا أنفسهم محاصرين، كان عشرات من (الأنصار) قد ماتوا وأكثر من ذلك قد جرحوا. بدأ الذين استطاعوا سماع الأمر وإطاعته بالتقهقر، متسللين عن طريق السهل المعروف بـ(أوتابو لرنيو) متجهين صوب (بيلو مونته). كان عددهم أكثر بقليل من نصف الرجال الذين كانوا سلكوا هذا الطريق بالاتجاه المعاكس في الليلة السابقة وصباح هذا اليوم. أما "هوزيه فينانشيو" الذي كان واحداً من آخر المنسحبين، متكئاً على عصا وقد التوت ساقه المدّماة، فقد أصابته رصاصة في ظهره قتلته قبل أن يتمكن من رسم إشارة الصليب.
ومنذ فجر ذلك الصباح، لزم (المرشد) المعبد مستمراً في الصلاة تحيط به نسوة جوقة الإنشاد المقدس، و "ماريا كوادرا" و (الصغير المبارك) و (أسد ناتوبا) وجمع غفير من المؤمنين والذين كانوا يصلّون كذلك ويرهفون الأسماع، في الوقت نفسه، إلى الضجيج الواضح جداً أحياناً محمولاً إلى (كانودوس) على ريح الشمال. أما "بدراو" والأخوان "فيلانوفا" و "يواكيم ماكامبيرا" والآخرون الذين تخلفوا لأعداد المدينة للهجوم، فقد انتشروا في موازاة (فازا بارس) وجلبوا إلى شواطئه الأسلحة النارية والبارود والقذائف كلّها التي استطاعوا الحصول عليها، وحين لمح "ماكامبيرا" العجوز (الأنصار) يعودون من (مونته كامبايو) تمتم أن المسيح المبارك شاء إن يدخل الكلاب إلى مدينة القدس. لم يلاحظ احد من أبنائه أنه قد اختلط عليه إسما المدينتين.
لكنهم لم يدخلوا. فقد تقرر سير المعركة في ذلك اليوم عينه، قبل حلول الليل في سهل (أوتابو لرينو) حيث كانت قوات الأرتال الثلاثة للرائد "فبرونيودي بريتو" قد أخذت في تلك الآونة بالانتشار مع الأرض، وهي مدوّخة من التعب والفرح بعد أن شاهدت (الأنصار) يهربون من آخر مرتفعات الجبل، واستطاعت تقريباً التعرّف على الجغرافية المتباينة لسقوف القش والبرجين الحجريين العاليين لما عدّوه فعلاً المكافأة التي اكسبهم انتصارهم إياها – وهي على بعد أقل من نصف فرسخ. وبينما كان (الأنصار) الباقون على قيد الحياة لا يزالون يدخلون (كانودوس)- حيث اثار وصولهم القلق والأحاديث المنفعلة والنحيب والعويل والصراخ والصلاة المتلوّة بأعلى الأصوات – كان الجنود يتهاوون على الأرض فاتحين ستراتهم الحمر – الزرق والخضر- الزرق ورافعين طماق السيقان وقد بلغوا من فرط الإنهاك أنهم عجزوا عن أن يخبر بعضهم بعضاً كم كانت فرحتهم غامرة بدحرهم العدو. وفي اجتماع لمجلس الحرب قرر الرائد "فبردينو" وضباطه الأربعة عشرة أن يعسكروا في ذلك النجد الجبلي الأجرد، بمحاذاة غدير وهمي كانت خرائطهم تشير إليه باسم (سيبو ليانا) والذي سيسمونه في ذلك اليوم فصاعداً (لاغوا دو سانغ) – أي (غدير الدم)، كما تقرر شن الهجوم على عرين المتعصيين مع الضياء الأول من صباح اليوم التالي. لكن، بعد أقل من ساعة، وبينما كان الملازمون والعرفاء ونواب العرفاء ماضين في تفقد السرايا المتخدَّرة تعباً وإعداد قوائم بالقتلى والجرحى والمفقودين، وبينما كان جنود المؤخرة لا يزالون يصلون تباعاً، مختارين طريقهم بين الصخور إذ بهم يهاجمون. فقد انقضّ عليهم المرضى والمتعافون، الرجال والنساء، الشيب والشباب، أفراد الصفوة القادرون على القتال كلهم، وكأنهم انهيار ثلجي. كان "أبوت جواو" قد أقنعهم بوجوب الهجوم في الحال، الجميع سوية، إذ لن يكون هناك شيء اسمه "فيما بعد" إن لم يفعلوا ذلك. تبعته الجموع الهادرة، عابرين النجد كقطيع ماشية جافل. جاءوا مسلحين بصور المسيح المبارك والعذراء والجلالة كلها الموجودة في المدينة، ماسكين الهراوات والعصي والمناجل والمذاري والسكاكين والمدى الضخمة كلها الموجودة في (كانودوس)، وكذلك القربينات وبنادق الرش والبنادق القصار، وبنادق (المسكيت) القديمة و (المانليتشرات) التي غنموها في (أواوا). وبينما كانوا يطلقون الرصاص والقطع المعدنية والأسنّة والسهام والحجارة كانوا يطلقون صيحات الحرب، وقد تملكتهم تلك الشجاعة الطائشة التي كانت الهواءَ نفسه الذي تنشقه أهالي (السيرتاو) منذ يوم ولادتهم، وقد تضاعف الآن في نفوسهم جراء حبهم للرب وكرههم لأمير الظلام، ذلك الكره الذي أفلح القديس في تلقينهم إياه. لم يتيحوا للجنود وقتاً يستفيقون فيه من ذهولهم بمشاهدة ذلك الحشد الصائح الصارخ من الرجال والنساء، على حين غرة، وهم يجرون عبر السهل صوبهم كأنهم لم يكونوا قد اندحروا تواً. وحين أفاقهم الخوف وخضّهم فتيقظوا، ودفعهم إلى الانتصاب على أقدامهم والإمساك ببنادقهم آخر الأمر، كان الأوان قد فات. فقد جاءهم (الأنصار) من فوق، ومن أمام، ومن خلف وفيما بينهم، يطلقون النار عليهم، ويضربونهم بالسكاكين ويرجمونهم بالحجارة ويحرقونهم بالأسنّة، ويعضونهم بالأسنان وينتزعون بنادقهم عنوة وكذلك أنطقة الرصاص، وينتفون شعرهم ويقلعون عيونهم، وفوق ذلك كلّه يسبونهم بأغرب شتائم سمعوها في حياتهم. أفلح قلة منهم أولاً ثم آخرون أن يلوذوا بالفرار، مبهوتين منذهلين، وقد جُنّوا بهذا الهجوم الجنوني المفاجئ الذي بدا خارج نطاق ما هو بشري. وفي الظلال التي كانت تهبط في أثر كرة النار التي غطست تواً وراء قمم الجبال، تفرقوا فرادى أو جماعات بين تلال (أوكامبايو) السفحية التي سبق أن ارتقوها بجهد جهيد طوال اليوم الطويل – راكضين في الاتجاهات كلها، متعثرين، ساقطين، معاودين النهوض، ممزقين بزاتهم الرسمية أملاً في التخفي ومبتهلين أن يحل الليل أخيراً وأن يكون حالك السواد.
كان جائزاً أن يموت الجميع وكان من الممكن ألا يبقى ضابط أو جندي مشاة واحد ليخبر العالم بقصة هذه المعركة التي سبق كسبها ثم خُسِرَت على حين غرة. كان كل ناجٍ من هؤلاء الرجال الخمسمئة المدحورين والجائلين هنا وهناك على غير هدى، والمساقين هنا وهناك من خوف وحيرة معرضاً للتعقّب والرصد والتطويق، لو كان المنتصرون يعرفون أن منطق الحرب يتطلب تدمير العدو تدميراً تاماً. بيد أن منطق صفوة المسيح المبارك لم يكن منطق هذه الدنيا. كانت الحرب التي كانوا يشنونها في ما يبدو، حرب العالم الخارجي، حرب ذوي البزات ضد ذوي الأسمال، وحرب ساحل البحر ضد الداخل، حرب البرازيل الجديدة ضد البرازيل التقليدية. كان جميع (الأنصار) مدركين أنهم مجرد ألعوبة في حرب لا زمان ولا قرار لها، حرب سرمدية، حرب الخير والشر، التي لّما تزل مستعرة منذ بدء الزمان. ومن أجل ذلك أتاحوا لخصومهم أن يهربوا، بينما كانوا ينتشلون أخوانهم الجرحى والموتى في ضوء المصابيح النفطية، أولئك الذين كانوا ممددين في النجد أو على منحدرات (أوكامبايو) متجهمين من ألمٍ أو من حبٍ للرب، في تجهم حُفِرَ على وجوههم (هذا إنْ كانت مدافع العدو الرشاشة قد أبقت على وجوههم لقد أمضوا الليل بكامله ينقلون الجرحى إلى دور الصحة في (بيلومونته) وجثث الموتى، بعد إلباسها خير الملابس ووضعها في التوابيت المسمّرة على عجل إلى حيث طقوس السهر على الموتى المقامة من أجلهم في معبد المسيح المبارك وكنيسة (سانتو أنتونيو). قرر (المرشد) ألاّ يُدْفَنوا حتى يجيء راعي الكنيسة من (كومبي) ليقيم قداساً على أرواحهم، فذهبت "الكساندرينيا" إحدى منشدات جوقة الإنشاد المقدس لاستقدامه.
وفي اثناء الانتظار، أعدّ "أنتونيو" اختصاصي الناريّات، عرضاً للألعاب النارية، ثم أقيم موكب. وفي اليوم التالي، عاد الكثير من (الأنصار) إلى موقع المعركة وجردوا الجنود من ملابسهم وتجهيزاتهم وتركوا جثثهم العارية كي تتعفن. وما إن عادوا إلى (كانودوس) حتى احرقوا سترات الجنود وسراويلهم وما احتوته جيوبهم كلها من عملة ورقية صادرة عن (الجمهورية) والسيكار وورق القمار المصور وخصلات شعر الزوجات والخليلات والبنات، وهي تذكارات عبسوا حيالها. لكنهم وضعوا البنادق والحربات والرصاص جانباً لأن "أبوت جواو" و"باجو" وآل "فيلانوفا" قد طلبوا منهم ذلك، ولأنهم أدركوا لزومها لو هجموا ثانية. وبما أن بعض (الأنصار) ظلوا يلّحون على وجوب تدميرها، اضطر (المرشد) إلى أن يطلب إليهم أن يضعوا بنادق الـ(مانليتشر) والـ(ونشستر) والمسدسات وصناديق البارود وأحزمة الرصاص وعلب الشحم كلها في عهدة "انتونيو فيلانوفا" أما مدفعا (كروب) فكانا لا يزالان عند سفح (أوكامبايو) في الموضع الذي كان يقصفان الجبل منه فأحرقوا جميع اجزائهما التي يمكن حرقها كالدواليب وعربتي المدفعين، ثم سحبت الماسورتان الفولاذيتان إلى (كانودوس) بواسطة جمع من البغال كي يتمكن الحدادون من إذابتهما. عثر رجال "بدراو" في (رانتشو داس يدراس)، التي كانت آخر موقع عسكر فيه الرائد "فيرونيودي بريتو" على ست نساء جائعات شعثاوات كنّ يسرن خلف الجنود ليطبخن لهم ويغسلن ثيابهم ويرقدن معهم، فأخذوهن إلى (كانودوس)، فأقصاهن (الصغير المبارك) قائلاً لهن إن أي شخص اختار بملء حريته أن يخدم (المسيح الدجال) لا يمكن أن يمكث في (بيلو مونته)، بيد أن خلاسيين اثنين من أفراد وعصابة "هوزيه فينانشيو"، حزينين لمقتله، أمسكا بأحداهن عند ضواحي (كانودوس) وكانت حاملاً، فبقرا بطنها بمنجل القصب واقتلعا الجنين ووضعا ديكاً حيّاً في موضعه، وهما مقتنعان بأنهما يسديان معروفاً لزعيمهما في الدنيا الآخرة.
* * *
ها هو يسمع اسم "كايفاس" يتردد مرتين أو ثلاثاً، منبثاً بين كلمات لا يفهمها، فيكافح لفتح عينيه. ها هي ذي زوجة "روفينو" منتصبة إزاء الأرجوحة الشبكية، مهتاجة تماماً، تحرك فمها، وتحدث ضجيجاً. كان الوقت وضح النهار الآن وكانت الشمس تصبّ أشعتها صباً في الكوخ عبر الباب والمنافذ الموجودة بين الركائز. إن الضوء يؤذي عينيه إلى حد يجعله يطرف ويفرك جفنيه وهو يقوم منتصباً على قدميه. صورٌ مشوشة فترى من خلال ماء لبني. وبينما يصفو دماغ "غاليليو" وتثبت صورة الدنيا أمامه يكتشف عقلهُ وعيناه أن تغييراً شاملاً قد حدث في الغرفة لقد أعيد النظام إليها باعتناء، فبدت الأرضية والجدران والأشياء متألقة ملتمعة، كأن شيء قد نظف فركاً وصقلاً. يدرك الآن ما تقوله "جوريما": ("كايفاس" آتٍ)، ("كايفاس" آتٍ). يلاحظ أن زوجة مقتفي الآثار قد أبدلت رداءها الذي كان قد قدّه لينفتح، وأنها ترتدي الآن بلوزة وتنورة غامقتي اللون وأنها عارية القدمين وخائفة وبينما يحاول أن يتذكر أين سقط مسدسه في ذلك الصباح، يحدّث نفسه ألاّ داعي للارتياع، وأن الرجل القادم هو الدليل المرتدي الجلد الذي أخذه إلى "ايبا منونداس غونكالفس" وأعاده إلى هنا مع الأسلحة، وهو الشخص الذي يحتاج إليه حصراً في هذه اللحظة. ها هو المسدس، إزاء حقيبته الصغيرة، تحت صورة عذراء (لابا) المعلقة بمسمار. يلتقطه، وبينما يخطر بباله أن لا رصاصات أخرى باقية فيه، يشاهد "كايفاس" عند مدخل الكوخ.
يتعجل قائلاً بالإنكليزية، ثم ينتقل إلى البرتغالية، بعد أن أدرك غلطته: (لقد حاولوا قتلي. لقد سرقوا الأسلحة. لابد لي من الذهاب لرؤية "ايبا منونداس غونكالفس" من فوري). يقول "كايفاس": (صباح الخير) رافعاً إصبعين يمسّ بهما قبعته المكسيكية عريضة الحافة ذات سيور الزينة المحيطة بها، من دون أن يرفعها وهو يحيي "جوريما" على نحو كان له في نفس "غال" وقع الرزانة السخيفة. ثم يلتفت "كايفاس" نحوه ويومئ كما فعل ويكرر القول: (صباح الخير). يجيب "غال": (صباح الخير) شاعراً بالسخف وهو مُبْق المسدس في يده. يحشره عند خصره، بين السروال والبطن، ويخطو خطوتين باتجاه "كايفاس" ملاحظاً الارتباك والخجل والحرج اللذين استبدا بـ"جوريما" عند وصول الدليل. إنها واقفة في مكانها من دون حراك، تحملق في الأرضية، غير عارفةٍ ما عليها أن تفعله بيديها.
يؤشر "غاليليو" إلى الخارج ويسال: (هل شاهدت ذينك الرجلين الميتين هناك في الخارج؟ كان هناك آخر معهما، الرجل الذي فرّ بالأسلحة. لابدّ أن أتحدث مع "ايبامينونداس"، لابد أن أخطره. خذني إليه). يقول "كايفاس" من دون الاستفاضة بكلمات زائدة: (رأيتُهما). ثم يلتفت إلى "جوريما" الواقفة حيث هي كما كانت، مطأطئة الرأس، مشدوهةً، تثني أناملها كما لو كان فيها تشنج. (لقد جاء الجنود إلى "كيماداس". أكثر من خمسمئة. إنهم يبحثون عن أدلاّء ليوصلوهم إلى "كانودوس". وكل من يأبى استئجارهم إياه يأخذونه عنوة. لقد جئت لأُحضر "روفينو). تجيب "جوريما" متعلثمة، من دون أن ترفع رأسها: (إنه ليس هنا، فقد ذهب إلى "جاكو بيتيا"). يخطو "غال" خطوة أخرى تدنيه من الوافد الجديد حتى أنه مسّه فعلاً: (جنود؟ أهي قوات حملة الرائد "بريتو" قد وصلت؟). يومئ "كايفاس، قائلاً: "إنهم بصدد إقامة عرض. إنهم مصطفّون بتشكيلات في الساحة الرئيسة. لقد وصلوا بقطار الصباح). يتساءل "غال" لِمَ لَمْ يُفاجَأ الرجل، على ما يبدو، بمنظر الجثتين خارج الكوخ حين قدم، لِمَ لا يسأل أية أسئلة بشأن ما حدث، كيف حدث؟ ولماذا لا يزال هنا، جدَّ هادئ، جدّ جامد، لا يعبّر عن أي شيء، ينتظر – ينتظر ماذا؟ ثم يحدّث نفسه ثانية: إن القوم في هذه الأصقاع غريبون، غامضون، لا يُسْبُرُ غورهم، يذكرونه بالصينيين والهندوستانيين. إن "كايفاس" رجل نحيف جداً، كله عظام، جلده برونزي، وعظما خديه ناتئان، وعيناه دكناوان، كالخمرة، تثيران البلبلة لأنهما لا تطرفان أبداً، وصوته غريب عليه تماماً لأنه نادراً ما كان يفتح فاه طيلة الرحلة التي سافر بها معه ذهاباً وإياباً وهو جالس بجانبه. كما أن سترته وسرواله الجلد، المقوّيين بالسيور كذلك عند المقعد والساقين، وحتى الصندل الجبلي، تبدو كلها جزءاً من جسمه، جلداً متيناً إضافياً، أو قشرة، لماذا بلبل قدومُه "جوريما" إلى هذا الحد؟ هل بسبب ما حدث بينهما قبل بضع ساعات؟ يظهر الكلب ذو الشعر الصوفي من مكان ما ويثب، ويطفر مرحاً ولعباً عند قدمي "جوريما". وفي تلك اللحظة، يلاحظ "غاليليو غال" أن جميع الفراخ قد اختفت من الغرفة. يقول، وهو يمسّد شعره الأشعث: (شاهدتُ ثلاثة منهم فقط. لقد أخذ الذي هرب السلاحَ معه. لابدّ من إخبار "ايبامينونداس" بذلك بأسرع ما يمكن فلربما كان في ذلك خطر عليه. هل يمكنك أن تأخذني إلى مزرعته؟). يقول "كايناس": (لم يعد موجوداً هناك، فقد سمعته البارحة يقول إنه على وشك أن يغادرها قاصداً "باهيا"). يقول "غال": (ذلك صحيح). لا مهرب من ذلك، فلسوف يضطر هو الآخر إلى العودة إلى (باهيا). يفكر: )هاهم الجنود. إنهم قادمون بحثاً عن "روفينو" ولسوف يجدون القتيلين، ولسوف يعثرون عليّ). عليه بكل بساطة أن يترك المكان وينفض عن نفسه هذا الكسل، هذا النعاس الذي استبدّ به. لكنه لا يتحرك. يتمتم كما لو كان يتحدث إلى "كايفاس" مع أنه يكلم نفسه في الواقع: (ربما كانوا من أعداء "ايبامنونداس" – رجال الحاكم "لويز فيانا" ورجال البارون. لماذا لم يجيء "الحرس القومي"، إذن؟ هؤلاء الرجال الثلاثة ما كانوا من الدرك. ربما كانوا قطاع طرق أرادوا السلاح للنهب والسلب، أو للبيع). لا تزال "جوريما" واقفة من دون حراك مطأطئة الرأس. أما "كايفاس" فلا يبعد عنه إلا بمسافة أقل من ثلاثة أقدام، دائم الهدوء والسكينة والجمود. وأما الكلب الصغير فيثب هنا وهناك، لاهثاً. يقول "غال" وهو يفكر عالياً: (ثم أن هناك شيئاً غريباً حول هذه القضية برمتها). ثم يحدث نفسه: (يجب علي أن أختبئ بعيداً حتى يرحل الجنود، ثم أعود إلى "سلفادور") – معتقداً في الوقت نفسه أن قوات حملة الرائد "بريتو" باتت هناك فعلاً على بعد أقل من كيلو مترين، وأنها ستتوجه إلى (كانودوس) وتقضي، من دون شك، على حركة التمرد والعصيان التي حسب أنه رأى فيها أو ودّ أن يرى فيها بذور ثورة. (إنهم لم يكونوا يبتغون السلاح فقط. لقد قصدوا قتلي كذلك، ما في ذلك ريب. وهذا ما لا افهمه البتة. من عساه يبغي قتلي هنا في "كيماداس"؟).
-(أنا، سيدي)، هكذا يسمع "كايفاس" "يقول بالصوت نفسه الذي لا نبرة له وهو يحسّ فجأة بنصل المدية على حنجرته. بيد أن أفعاله الانعكاسية كانت لا تزال سريعة جداً، وهكذا أفلح في إمالة رأسه خلفاً والخطو بضع مليمترات بعيداً، تماماً في لحظة انقضاض الرجل المرتدي الجلد عليه، فتخطئ مديته مرماها بدل الأنغراز في حنجرته، وتجرحه إلى الأسفل، من جهة اليمين، حيث ملتقى رقبته وكتفه، مما أثار في جسمه شعوراً بالبرودة والاندهاش أكثر من الإحساس بالألم. يسقط أرضاً. ها هو يتحّسس الجرح، ويلاحظ أن الدم يتدفق من بين أصابعه. يفتح عينيه على سعتهما، ويحملق مبهوراً في الرجل المرتدي الجلد، ذي الاسم التوراتي، الذي لم تتغير تعابير وجهه حتى تلك الآونة، ماعدا بؤبؤي عينيه المعتمين سابقاً والملتمعين جداً الآن. إنه ماسكٌ المدية المدّماة بيده اليمنى ومسدساً صغيراً ذا مقبض لؤلؤي باليسرى يميل فوقه ويصوّبه نحو رأس "غاليليو" وإذ يفعل ذلك، يقدم له ما يشبه الإيضاح: (إنني فاعلٌ هذا بموجب أوامر من العقيد "ايبامنونداس غونكالفس" يا سيدي. كنت أنا الفارس الذي انطلق بالأسلحة صباح هذا اليوم. أنا قائد الرجلين اللذين قتلتهما). يجأر "غاليليو غال" وقد غدا الألم في حنجرته مبَّرحاً: ("إيبامنونداس غونكالفس"). يقول "كايفاس" بما يحاكي نبرة اعتذارية نوعاً ما: (إن به حاجة إلى جثة انكليزية). وفي اثناء ذلك يضغط على الزناد، ويحس "غال" الذي كان قد أمال رأسه تلقائياً إلى جانب، بشعور حارق في فكّه وشعره، وآخر موحٍ بأن أذنه تقطع. يفلح في التمتمة: (إني اسكوتلندي وأنا أكره الإنكليز)، حاسباً أن الطلقة الثانية ستصبه في الجبهة أو الفم أو القلب وأنه سيفقد الوعي ويموت ذلك أن الرجل المرتدي الجلد يشرع برفع يده ذات المسدس ثانية. لكنّ ما يراه الآن هو برقٌ، أو مُضْطَرَبٌ، حين تنقضّ "جوريما" على "كايفاس" وتمسك به وتوقعه أرضاً. يتوقف عن التفكير بعد ذاك. وإذ يكتشف في ذاته قوة لا عهد له بها ينهض على قدميه ويقذف بنفسه هو الآخر على "كايفاس" وهو يحسّ إحساساً مبهماً بأنه ينزف دماً ويتّقد ألماً وقبل أن يستطيع التفكير ثانية، أو يحاول إدراك ما قد حصل، ما الذي أنقذه، يهوي بأخمص مسدسه، بآخر ما تبقى من قوته، على الرجل المرتدي الجلد، الذي لا تزال "جوريما" ممسكة به. وقبل أن يشاهده يهوي فاقد الشعور يدرك أن "كايفاس" لا ينظر إليه في أثناء دفاعه عن نفسه من ضربات المسدس بل إلى "جوريما" وأنه ليس ثمة كرهٌ أو غضب، بل تبلّد لا يُسْيَر غوره في بؤبؤيه الغامقين بلون الخمرة، كما لو أنه غير مستطيع أن يفهم ما فعلته "جوريما" وكما لو أن حقيقة كونها هي التي قذفت بنفسها عليه وثنت ذراعه، متيحةً لضحيته بذلك النهوض على قدميه، كان شيئاً لم يستطع تصوره، ولا يمكن أن يحلم به أبداً. لكنْ حين يُسْقط "كايفاس"، الذي وهن جسمه وتورم وجهه جراء الضربات وتغطى بدمه أو دم "غال"، المديةَ أرضاً وكذلك مسدسه الصغير، فيلتقطه "غال" ويوشك أن يطلق النار، تعود "جوريما" فتوقفه عند حدّه، وتمسك بيده، تماماً مثلما أمسكت بيد "كايفاس" من قبل، وتصرخ على نحو هستيري.
يقول "غال" بالإنكليزية بعد أن لم تبق لديه أية قوة للمنازلة: (لا تخافي. لابد لي أن أرحل من هنا، إذ أن الجنود قادمون. ساعديني يا امرأة، على امتطاء البغل). يفتح فاه ويغلقه مرات عدة، موقناً بأنه على وشك الانهيار إلى جنب "كايفاس" الذي يبدو أنه آخذٌ بالتململ. وإذ يتلوّى وجهه من جهدٍ وإذ يلاحظ بأن الشعور بالاكتواء في رقبته قد ساء وان عظامه وأظافر أنامله وشعره تؤذيه الآن كذلك، يسير مجتازاً الكوخ، متعثراً بالحقائب والأثاث، متجهاً صوب وهج النور الأبيض الذي هو الباب، وهو يفكر: (ايبامينونداس غوفكالفس"). ثم يفكر: (إني جثة إنكليزية).
* * *
وصل راعي الكنيسة الجديد في (كومبي) "دوم يواكيم" إلى البلد عصر يومٍ غائمٍ منذرٍ بهبوب عاصفة، من دون أن تطلق ألعاب نارية أو تدق أجراس. ظهر في عربة يجرها ثور، ومعه حقيبة كبيرة متحطمة ومظلة صغيرة تدرأ عنه المطر والشمس. كانت رحلته طويلة، من (بانفالاس)، في (برنامبوكو)، حيث كان راعي الكنيسة مدة سنتين. وفي الشهور التالية لاكت الألسن قصةً مفادها أن مطرانَهُ قد أبعده لأنه كان قد تمادى في جرأته مع حبيبة قاصر. أوصله أهالي البلدة الذين التقاهم عند مدخل (كومبي) إلى ساحة الكنيسة وأروه دار الأبرشية الآيل إلى السقوط حيث كان الراعي قد عاش في الزمن الذي كانت (كومبي) لايزال لديها راعي كنيسة. لقد أمسى المبنى الآن هيكلاً فارغاً ذا جدران بلا سقف، استُخْدِمَ مجمعاً للقمامة وملاذاً للحيوانات السائبة. ذهب "دوم يواكيم" إلى داخل الكنيسة الصغيرة لـ (نوسا سينيورا كوسنكاو) وصنع لنفسه مناماً بجمع المقاعد الصالحة للاستعمال وتمدد هناك لينام كما هو. كان شاباً يافعاً، قصيراً، محنيَّ الكتفين قليلاً ذا كرش صغير وسيماءٍ من المرح حبيبته إلى الناس منذ بدء البداية. ولولا رداؤه وحلق شعره لما عدّه أحدٌ رجلاً ذا تعامل نشيط مع عالم الروح. إذ تكفي مرافقته مرة واحدة فقط في مناسبة اجتماعية لأدراك ولعه بأمور هذه الدنيا (خاصةً النساء) بما يعدل أو يزيد عن اهتمامه الآخر ففي أول يوم وصل جعل (كومبي) ترى أنه قدر على الاختلاط مع أهالي البلدة كأنه واحد منهم، وأن محضره لا يتضارب) بأية صورة رئيسية مع أعراف السكان وعاداتهم. لقد تجمعت جميع الأسر في (كومبي) تقريباً في ساحة الكنيسة للترحيب به عندما فتح عينيه بعد أن نام بضع ساعات مريحة. كان الليل قد حل والسماء قد أمطرت ثم صحت، وكانت الصراصر تصوّت في غمرة الرطوبة الدافئة، وكان ثمة عدد لا يحصى من النجوم في السماء. بدأ التعارف، واصطفت النسوة في رتل طويل يقبلّن يده، وتقدم الرجال رافعين قبعاتهم المكسيكية تحيةً له، مدمدمين بأسمائهم وبعد وقت قصير حسب ، أوقف الأب "يواكيم" عملية تقبيل اليد، موضحاً بأنه يتضور جوعاً وعطشاً وعندها أقيم احتفال يذّكر، على نحو ما، بوقفات الصليب خلال (أسبوع الآلام)، وأخذ القس يزور البيت بعد البيت ويُعطى أفضل اللحوم التي يمكن لرب البيت أن يقدمها. وحين انبلج الفجر، كان صاحبنا لا يزال ساهراً في إحدى الحانتين الموجودتين في (كومبي) يعبّ (البراندي) مع الكرز الحامض ويعقد مباراة في الأغاني الشعبية مع المنشد" ماتياس" دي تافارس". بدأ القس بأداء وظائفه من فوره، مرتلاً القداس، ومعمداً الأطفال المولودين حديثاً، ومنصتاً لاعتراف البالغين، ومؤدياً آخر طقوس المحتضرين، ومزوّجاً المخطوبين منذ أمد قريبٍ، أو أولئك الذين كانوا متعايشين بلا عقد وأرادوا الظهور بمظهر الاستقامة أمام الله. ونظراً لسعة الأصقاع التي كان عليه أن يرعاها، كان كثير الترحال. كان نشيطاً، بل حتى منكراً لذاته حين تأزف ساعة أداء واجباته راعياً للكنيسة أنا الأجور التي كان يتقاضاها عن خدماته الكثيرة فكانت متواضعة. ولم يكن ليهتم إن أجّلَ الناسُ الدفع أو لم يدفعوا شيئاً البتة. ذلك لأنه من بين السيئات الرئيسية، كانت السيئة التي لا مكان لها لديه هي الجشع. أما عن السيئات الأخرى، فلا أقل من أنه كان ينهمك فيها جميعاً من دون تمييز. كان يتقبل شواء الجدي الريّان الذي يتقدم به إليه صاحب مزرعة ما بالامتنان والابتهاج الدافئين نفسيهما اللذين يتقبل بهما لقمة السكر الخام التي يدعوه فلاح فقير لمشاركته إياها. كما أن حلقه لم يكن ليميز بين (البراندي) المعتق وشراب (الرُّم) الخام الحارق للحلق والمخفَّف بالماء الذي كان الشرابَ المعتادَ في أوقات الشحة. أما بالنسبة إلى النساء فلم يكن ثمة صنف يعافه: الشمطاوات ذوات العيون الدبقة، والصبايا الخرقاوات اللواتي لم يبلغن سن الرشد، والنساء اللواتي ابتلتهن الطبيعة بالثآليل* أو الشفاه المشقوقة أو البّلَة. لم يكن ليتعب من إطرائهن ومغازلتهن والإلحاح عليهن للمجيء لتزيين مذبح الكنيسة: فيمرح ويصحب معهن، ويحتقن وجهه، ويمسّهن متودداً كما لو كان ذلك من أكثر الأمور طبيعية في العالم. إن حقيقة كونه رجلاً يرتدي ثوب الكهنوت جعلت الآباء والأزواج والأخوة يعدونه غيرَ مُنْتَمٍ إلى أي من الجنسين، فتسامحوا مستسلمين حيال وقاحات راعي الكنيسة هذه. ولو كان أي من الذكور قد تجرأ إلى هذا الحد لامتشقوا سكاكينهم في الحال. ومع هذا تنفسوا الصعداء حين عقد الأب "يواكيم" علاقة دائمة مع "الكساندرينيا كوريا" الفتاة التي بقيت عزباء لأنها كانت تستنبئ مكامن الماء.
روي عن الأساطير أن قابلية "الكساندرينيا" العجيبة بانت حين كانت لا تزال صبية يافعة، في عام الجفاف الأعظم، حين كان سكان بلدة (كومبي) يتلّمسون حفر ألابار في كل مكان، وقد استبد بهم اليأس من شحة الماء، فتقسّموا زمراً، وكانوا يقومون من الفجر يومياً بالحفر في كل موضع كان فيه زرع كثيف من قبل، ظانّين أن ذلك كان دليلاً على وجود الماء في باطن الأرض. كما كان النساء والأطفال يقومون بنصيبهم في هذا العمل المضني. لكن التراب المرفوع لم يظهر أية علامة على الرطوبة، وكل ما وجدوه في قيعان الحفر كان طبقات أخرى من رمل أميل إلى السواد أو صخر جلمود. حتى جاء يوم انبرت "الكساندرينيا
فيه بدفقٍ من كلمات حماسية، كأنها كانت تُمْلى عليها إملاءً في وقت لا يكاد يكفي لإخراجها لمقاطعة زمرة أبيها لتخبرهم بأنهم بدلاً من أن يحفروا حيث كانوا فإن عليهم أن ينقّبوا في موضع أبعد، عند بدر الممر المؤدي إلى (مساكارا). لم يحفل بها أحد. لكن الصبية الصغيرة ظلت تلح، ضاربة الأرض بقدميها، وملوّحة بيديها كمن أوحي إليه. قال والدها: (حسن. سنحفر حفرة إضافية واحدة فقط). ثم مضوا ليختبروا إلهامها في الرحاب المسطحة لحصى مصفرّ حيث يتفرع الدربان المؤديان إلى (كارنيبا) و (مساكارا). وفي يوم الحفر الثاني، بعد أن اقتصر مجلوبُ حفرهم على كتل يابسة من التراب والحجارة، بدأت ألوان الطبقة التحتية من التربة تتحول إلى الأغمق وتُرى علاماتُ الرطوبة. وأخيراً وفي غمرة انفعال الجميع، ظهرت قطرات من الماء. ثم اكتُشِفَتْ ثلاث آبار أخرى على مقربة من المكان. وبفضلها خفّت على (كومبي) بالقياس إلى البلدات الأخرى الوطأةُ التي ألحقتها بها سنتان من الشقاء والموت بالجملة. ومنذ ذلك اليوم صارت "الكساندرينيا كوريا"، موضع إجلال وفضول، وصارت شيئاً آخر كذلك في عيون والديها: مخلوقاً حاولا الكسب من قدرتها في الحدس باستيفاء أجر من المستوطنات والأهالي المجاورين لقاء تحسّس المواضع التي ينبغي عليهم الحفر فيها ليجدوا الماء. بيد أن مواهب "الكساندرينيا" لم تكن مهيأة للبيع والشراء فقط، كانت الصبية تخطئ أكثر مما تصيب. وكثيراً ما كانت تقول، بعد الاستشمام هنا وهناك بأنفها ذي الطرف المرفوع: (لا أدري. لا شيء ينبئني). لكنْ لا تلك الخيبات ولا أخطاؤها، التي كانت ذكرى نجاحاتها تمحوها على الدوام، كانت لتطمس الشهرة التي أحاطت بها وهي تنمو وتكبر. لقد جعلتها مواهبها، بصنعتها عّرافة لمكان الماء مشهورة، لكنْ شقية. إذ ما إنْ عُرِفَ أنها كانت تملك المقدرة حتى قام سدٌّ من حولها عزلها عن الناس. فالصغار الآخرون ما كانوا ليشعرون بالارتياح معها، كما أن البالغين لم يعاملوها مجرد صبية صغيرة عادية. كانوا يحملقون فيها، يلقون عليها أسئلة غريبة حول المستقبل أو الحياة بعد الممات، ويحملونها على الركوع عند أسَّرة المرضى في محاولة لإبرائهم بقدرات عقلها. كانت مساعيها لأن تكون مجرد امرأة مثل سائر النساء بلا جدوى. وكان الرجال ينأَون عنها بإجلال، على الدوام، ولم يكونوا ليدعوها إلى الرقص في الأعياد ولا يسمَّعونها أغاني الغرام، ولم يكن أحد منهم ليحلم يوماً أن يتخذها زوجة، فكأنَّ الوقوع في غرامها كان سيمسي تدنيساً. حتى وصل راعي الكنيسة الجديد إلى البلدة فحين يتعلق ألمر بالنساء لم يكن الأب "يواكيم" بالرجل الذي يسمح لنفسه أن تخشى هالةً من القداسة أو الشعوذة. إن "الكساندرينيا" قد جاوزت الآن العشرين من العمر. كانت طويلة ونحيفة ولها الأنف الغريب نفسه والعينان اللتان لا تستقران نفسيهما. وكانت لاتزال تعيش مع والديها على خلاف شقيقاتها الأربع الأكبر سناً اللواتي صار لهن أزواج وبيوت تخصهن. وبسبب الإجلال الديني الذي كانت توحي به، والذي عجزت عن تبديده بالرغم من سلوكها البسيط المستقيم، كانت حياتها موحشة. ونظراً لأن هذه الابنة العزباء لآل "كوريا" نادراً ما كانت تخرج إلا لحضور قداس الأحد، ولأنها لم تكن تُدْعى إلا القليل جداً من الاحتفالات الخاصة (حيث كان الناس يخشون أن يكون حضورها المشوب بهالة من الخوارق مثيراً للكآبة في الأعياد)، فقد مرّ وقت طويل قبل أن يتعرف عليها راعي الكنيسةالجديد. لابد أن غراماً قد ب>ا بطيئاً وتدريجياً تحت أشجار التفاح (الملاوي) كثيف القمة في ساحة الكنيسة أو في شوارع (كومبي) الضيقة حيث كان يلتقي القسُّ القميء والعرّافة بمكامن الماء، ثم ينصرف كلٌّ إلى شأنه بينما كانت عيناه الجريئتان، الحيويتان، المثيرتان تتملاّها من عاليها إلى سافلها في حين كانت البسمة البريئة على وجهه تجعل هذا التفحص أقل فظاظة. ولابد أنه كان أول من تكلم، ربما متسائلا عن احتفال البلدية في الثامن من كانون الأول*، أو عن سبب عدم مشاهدته إياها في الصلوات أو عن قصتها مع الماء. ولابدّ أنها أجابته عن ذلك النحو السريع، المباشر، الصريح الخاص بها، محملقة فيه دون خجل. وهكذا لابد أن توالت لقاءات عَرَضية، ثم أخرى أقل عرضية، حيث الكلام المجاوز للثرثرة حول الحوادث المحلية والعصابات والمفارز السّيارة والمعارك والغراميات وتبادل الأسرار، إلى الملاحظات الجريئة المكّارة الي لابد أنها نمت الصورة شيئاً فشيئاً.
والواقع أن كل أهالي (كومبي) شرعوا في أحد الأيام اللطيفة يعلقون ماكرين على التغيّر الذي طرأ على "الكساندرينيا" التي كانت مجرد واحدة من بنات الأبرشية غير المهتمات بشؤون الكنيسة، ثم غدت على حين غرة أكثر من مثابرة ومواظبة. كان يمكن مشاهدتها، في الساعات الأولى من كل صباح، تنظيف مقاعد الكنيسة مما عَلِقَ بها من غبار، وترتب المذبح وتكنس مدخل الباب. ثم صارت تشاهد في دار الأبرشية التي أصبح لها بمساعدة أهالي البلدة سقفٌ وأبواب ونوافذ مرة ثانية. لقد أصبح واضحاً إن ما بينهما قد تجاوز التقبيل والقهقهة في اليوم الذي ولجت "الكساندرينيا" بخطىً ثابتة الحانة التي كان الأب "يواكيم" قد تخفّى فيها مع رهط من الأصدقاء عقب حفل تعميدي، يعزف القيثارة ويشرف الخمرة، وهو سعيد كالقُبّرة. وما إن دخلت حتى صمت. منعت إليه، وقالت بنبرة مازحة: (إنك آتٍ معي الآن لأنك قد شربت ما يكفي). ومن دون أن ينبس ببنث شفة، تبعها إلى الخارج.
حين قَدِمَ القديس* إلى (كومبي) أول مرة، كانت "الكساندرينيا كوريا" قد مضت على سكناها في دار الأبرشية سنوات عدة. في البدء كانت قد استقرت هناك لترعى الأب "يواكيم" بعد أن جُرِحَ في بلدة (روزايو) حيث كان قد حوصر في فقم تبادل النيران بين عصابة "جواو الشيطان" ومفرزة الشرطة التابعة للرائد "جيرالدو" ماسيدو" الشهير بكنية (مطارد العصابات). وبعد ذلك أقامت هناك، ثم صار عندها ثلاثة أطفال كان الناس يشيرون إليهم على أنهم أولاد "الكساندرينيا" لا أكثر، ويذكرونها على أنها "راعية" "دوم يواكيم". كان لها بمجرد حضورها تأثير مهدئٍ على حياة القس ولو أنه لم يغير من عاداته شيئاً – كان أهالي البلدة يستدعونها حين يغدو القس نفسه مشكلة بعد أن يفرط في الشراب. وما أن تظهر حتى يهدأ دائماً حتى وإن كان ثملاً غاية الثمل. ولعل هذا كان أحد أسباب تقّبل أهالي البلدة علاقتهما من دون جلبة مفرطة. وحين جاء القديس إلى (كومبي) أول مرة كانت "الكساندرينيا" مقبولة لدى أهالي البلدة حتى أن والديها وأخواتها كانوا يزورونها في دار الأبرشية ويسمّمون كل طفل من أطفالها بالحفيد أو الحفيدة أو بنت الأخت أو ابن الأخت من دون أن يشعر بعدم الارتياح البتة. ولذلك حين قام الرجل الطويل النحيف ذو العينين البراقتين والجدائل (الناصرية)* المنسدلة انسدالاً، والمرتدي رداءً كهنوتياً طويلاً متهدلاً ذا لون أرجواني غامق، بانتقاد الرعاة السيئين، كان الوقع أشبه بانفجار قنبلة في موعظته الأولى، من على منبر كنيسة (كومبي) حيث كان الأب "يواكيم" قد أتاح له صعوده، مبتسماً ابتسامة عذبة. ران صمتٌ جنائزي على صحن الكنيسة المزدحم. لم ينظر أحد إلى "دوم يواكيم" الذي كان قد اتخذ موضعاً له في الصف الأمامي. لقد فتح عينيه فازاً فَّزةً عنيفة تقريباً، وهو جالس هناك دون أدنى حراك، محملقاً إلى أمام مباشرة، إلى تمثال المصلوب أو إلى مذلَّته هو. كما لم ينظر أهالي البلدة إلى "الكساندرينيا كوريا" التي كانت جالسة في الصف الثالث. وعلى خلاف "دوم يواكيم" كانت هذه تتملى الواعظ بكل رزانة وقد شحب وجهها شحوب الأموات. والظاهر أن القديس قد جاءا إلى البلدة. بعد أن تحدث إليه أعداء العشيقين، قال أشياء فظيعة، بوقار ومباشرة، وبصوت تردَّد على الجدران الرقيقة والسقف المقعّر. ضد أولئك الذين أختارهم الرب، والذين تحولوا إلى أذناب للشيطان، على الرغم من ترهبنهم ولبسهم أردية الكنهوت. لقد ذم جميع خطايا الأب "يواكيم" من دون رحمة: العار الذي الحقه قساوسة رعايا الرحمن الذين، بدل أن يكونوا قدوة في الرصانة، صاروا يعبّون (براندي) القصب حدَّ الهذيان، عدم لياقة أولئك الذين، بدلَ الصومِ والتقتير، يحشون معدهم من دون أن ينتبهوا إلى أنهم يعيشون محاطين بأناس لا يكادون يجدون ما يكفيهم من الطعام وفضيحة أولئك الذين نسوا عهد الطهارة الذين قطعوه على أنفسهم ووجدوا لذتهم في النساء اللواتي لم يرشد وهنٍ روحياً، بل ألقوا، بدل ذلك، بمصائرهن إلى الضياع وذلك بتسليم أرواحهن البائسة إلى إبليس جهنم. وحين تجرأ سكان البلدة أخيراً بإلقاء نظرة على قسَّهم من زاوية عيونهم، شاهدوه لايزال جالساً هناك، لايزال يحملق أماماً على نحو مباشر وقد أحمّر وجهه حمرة البنجر. إن الذي قد حدث – وهي واقعة ظلت حديثَ البلدة أياماً عدة – لم يمنع (المرشد) من مواصلة وعظه في كنيسة (نوسا سنيورادا كونسيكاد) مدة مكوثه في (كومبي)، أو حين عاد ثانية بعد أشهر برفقة رهط من الصفوه، أو في مناسبات أخرى في السنوات التالية. كان الفرق هو غياب الأب "يواكيم" عادةً عند إلقاء تلك المواعظ التالية. أما "الكساندرينيا" فلم تكن تغيب كانت هناك على الدوام في الصف الثالث، بأنفها ذي الطرف المرفوع، تستمع إلى نواهي القديس ضد ثراء الدنيا وضروب الإسراف فيها وإلى دفاعه عن عادات التقشف وحضّه على إعداد الروح للموت من خلال التضحية والصلاة. شرعت العرّافة السابقة بمكامن المياه بإظهار حماسة دينية متنامية، فأخذت تشعل الشموع في المحاريب المعقودة في الشوارع وتقضي أوقاتاً طويلة على ركبتها قبالة المذبح في وضع تركيز عميق، وتنظيم نشاطات للشكر والعرفان، وصلوات عامة، وصلوات تسبيح، وتاسوعيات. كما ظهرت في أحد الأيام وقد غطت رأسها بمنديل أسود وعلقت حرزاً يحمل صورة المسيح المبارك على صدرها، وقد شاع عدم حدوث أي شيء يغضب الله بين الأب "يواكيم" وبينها على الرغم من أنهما واصلا العيش تحت سقف واحد. وحين كان سكان البلدة يتجرأون بالاستفسار من "دوم يواكيم" عن "الكساندرينيا" كان يغّير الموضوع. كان يبدو مبلبل الفكر. ومع أنه استمر في العيش حياة سعيدة، فأن علاقاته بالمرأة التي كانت تشاركه سكنه وكانت أم أطفاله تغيرت، كانا، أمام الثاني في الأقل في منتهى الأدب حيال بعضهما، مثل شخصين لا يكادان يعرف أحدهما الآخر. لقد أثار (المرشد) مشاعر لا يمكن تحديدها في نفس راعي الكنيسة. هل كان يخشاه، يحترمه، يحسده، يتأسّى له؟ الحقيقة أنه كلما قدم القديس إلى البلدة، كان الأب "يواكيم" يفتح الكنيسة له ويعترف له، ويناوله العشاء الرباني، وكان طيلة بقائه في (كومبي)- مثالاً للاعتدال والإخلاص.
وحين رحلت "الكساندرينيا كوريا" مع القديس ضمن اتباعه، في آخر زيارة له، متخلية عن كل شيء كانت تملكه، كان "يواكيم" الشخص الوحيد في البلدة الذي لم يبدُ عليه الاستغراب.
* * *
الهوامش
*(المينهوت)= نبات يستخرج من جذوره نشاءٌ مغذ.(المترجم)
*(الكلب الاكبر)= مجموعة كواكب في الفلك، ولكن المقصود بها هنا جهنم. (المترجم)
*السُّد = مرض اعتام عدسة العين.(المترجم)
*فراسة الجمجمة أو الدماغ- دراسة شكل الجمجمة بوصفه مظهراً دالاً على الشخصية والملكات العقلية.(المترجم)
**"برودون"(1809-1865) صحفي فرنسي. و"باكونين"(1814-1876) من الفوضويين الروس.(المترجم)
*المخْلعة= أداة تعذيب قديمة يمط عليها الجسم. والمقيدة= أداة تعذيب خشبية ذات ثقوب تقيد فيها رجلا (أو رجلا ويدا) المذنب. (المترجم)
*العُشْر= عشر الغلّة أو المال، يدفع إلى الكنيسة بخاصة.(المترجم)
*(قان) = احد أسماء الشيطان.(المترجم)
(بعلزبول) = في التوراة رئيس الشياطين. (المترجم)
* المِشكال = اداة تحتوي على قطع متحركة من الزجاج الملون ما أن تتغير أوضاعها حتى تعكس مجموعة لا حصر لها من الأشكال الهندسية المختلفة الألوان.(المترجم)
*مثل صوت الخنزير.(المترجم)
*الجمجمة= الموضع الذي صلب فيه المسيح، أو أي تمثال للمسيح المصلوب.(المترجم)
*التاسوعية = في المذهب الكاثوليكي تستمر تسعة أيام.(المترجم)
*استخدام تعبير (الأخ) هنا بالمعنى الديني، أي كناية عن الراهب أو القس.(المترجم)
*في الرواية ترد كلمة (باغونتشوس) للإشارة إلى مناصري (المرشد). لم أترجمها إلى (متمردين) تجنباً لدلالتها السلبية ولا إلى (ثوار) لدلالتها الايجابية. وخلصت إلى استخدام (الأنصار) الحيادية.(المترجم)
*الجُلَّ = غطاء مزركش لسرج الدابة.(المترجم)
*فودان، مفردها فادن = أداة مؤلفة من خيط في طرفه قطعة رصاص يسبر بها غور المياه أو تمتحن استقامة الجدار.(المترجم)
*الطوّالتان = رِجْلان خشبيتان يُعَدُّ المشي بها ضرباً من البراعة.(المترجم)
*ورد الكتاب بالفرنسية.(المترجم)
*المدرع = حيوان لرأسه وجسمه درع من الصفائح العظمية الصغيرة.(المترجم)
*نستخدم هذه الكلمة المركبة للإشارة إلى اعضاء (حزب باهيا للحكم الذاتي) الذي مر ذكره.(المترجم)
*المتسوّطون = الضاربون أنفسهم بالسوط تقرباً إلى الله.(المترجم)
**المطهر = موطن تطهر فيه نفوس الأبرار بعد الموت بعذاب محدد الأجل (المترجم)
*"باكونين" (1814-1876) من الفوضويين الروس.(المترجم)
*"مونتسكيو"(1689-1755) سياسي وفيلسوف ومحام فرنسي.(المترجم)
*(الكولوسيوم)= مدرج روما القديم، لعله أشهر الأماكن السياحية فيها.(المترجم)
*نسبة إلى الفيلسوف الإغريقي "سقراط" – المترجم
*(الاستحالة) في المسيحية= استحالة خبز القربان وخمره إلى جسد المسيح ودمه.(المترجم)
**هنا يشبه (المرشد) مواقع في (بيلو مونته) أو (كانودوس) بمواقع وإشارات وردت في الإنجيل مثل (بستان الزيتون) الذي صلى فيه المسيح قبل صلبه، و(جبل الجماجم) أو (جبل الجلجلة) الذي كان مصلب الآخرين قبل صلب المسيح فيه، و(شمعون القوريني) أو سمعان القيرواني) وهو الشخص الذي ساعد المسيح في حمل الصليب في (درب الصليب)،، و(وادي يهوشافات) وهو وادٍ
*مفردها (ثؤلول)= نتوء جلدي متقرن.(المترجم)
*الثامن من كانون الأول = عيد مريم العذراء، عيد الحبل بلادنس.(المترجم)
*المقصود به هنا هو (المرشد).(المترجم)
*نسبة على بلدة (الناصرة) في فلسطين.(المترجم)
تعليق