صدى السنين
قصة قصيرة
بعد سنة التقيا ، عادت أليه روح الشباب ونضارته ، بعد أن ودع رأساً أبيضا وأبدله بالسواد ، وهي لازالت جناح كسير عود ذوى، وقلب توسدته الحسرات، قد أذلها الزمان، فهرمت قبل أوانها ، هو كالنحلة يدور من زهرة لأخرى، وهي لازالت رقماً مجهولا في سجل دائرة الرعاية الاجتماعية ، ..
تلبدت في عينيها سحباً من غيوم وهموم لدهر ما أنصفها ، كان لقائهما صدفة، مرا في طريق واحد نظرا إلى بعضهما، هو على شفتيه ابتسامة منتصر ، وهي مطرز وجهها بهموم السنين ، تلاقت أعينهما: أَعرفها...؟ ، أَعرفته...؟ ، هذا بعلم الغيب . سنة مرت منذ أن أعطوها الأذن بالعيش وحدها ، قرأت تقرير الموظف المسئول ، وهي تتمعن صياغته للحروف، تتهجى بانكسار :
تحجرت مآقي العيون تجمدت
العواطف ، وغادر النبض في كل شريان ،
أصبح ذلك المسجى أمامي مادة يلفها الصمت كأي جماد ،
لكنها مادة قابلة للتفسخ والانحلال ....
غلف تقريره بمظروف وأعطاه للمرأة التي كانت تقف أمامه معقودة اللسان ، ثمة ابتسامة على شفتيه تتسع و حدقتي عينيه الغائرتين لم تعرف سراً لها ، أعلنت المرأة بصوت بدا كأنه صافرة إنذار أشاع في المكان رهبة ودوي ، لقد تهيئ القطار لبدء رحلة الوحدة ، تلفع داخلها بالسواد قبل أن يكتسي جسدها به، مسكت يد أبنتها الصغيرة، التي ظلت تساؤل نفسها، ما سر هذا التجهم في وجه أمها وهذا الصراخ ، لم تعي ان رحلة من الدلال قد انتهت ورحلة أخرى بعلم الغيب ستبدأ، الرجل يداعب تلك الفتاة ، يحاول أن يشيع في داخلها نوعاً من الأمان ينسيها جو الحزن القاتم. الموظف استعجله ليزف إليه خبر استلامه لوثيقة صكوك غفرانه ، فلولا القدر كان سابقاً له، لكان هو الفاعل مع سبق الإصرار والترصد ، ثمة ابتسامة توشح بها وجهه، طردت غيوم الحزن المتلبدة عليه امطر الجميع بنظراته ،وهو يمعن بتلك الأوراق ، ولولا رهبة المكان لتقبل تهاني هذه الجموع، ووزع الحلوى بهذه المناسبة السعيدة ، اكتفى بالدعاء، نال مآربه دون أن يكون عرضة لاتهام أو شك ، انتهت رحلة عذاباته واستسلم لنشوى الفوز . لم تنسى فضولها وهي في قمة حزنها ، فسألته وهي تمسح بقايا دمع على الخدود، أكانت مريضه ، قال باقتضاب :_أنها عدالة السماء، نطق تلك الكلمات وتركها في حيرتها . وقعت على أوراق استلام بضاعتها ، وتوارت من المكان، ظل يتابعها بنظراته ، شيعها بنظرة كادت أن تفر بها عينيه من محجريهما ، تحسر ثم شطت به الأفكار آه ما ألذها من فاكهه، إن حان قطافها لي،
أربعة أشهر وسأعطي عنقي لها مذعناً، لتضع فيه الأغلال ، وتوقعني على وثيقة استسلام مهين. أنتفض من مكانه وكأن زوجته قرأت أفكاره فخرجت من تلك اللفافة الموميائية ،( وضع يديه حول عنقه ) أبعدي عني أنا لم أحلم بامرأة غيرك...! .قفزت إلى ذاكرته صحيفة الصباح اليومية ، عند الفطور لا يسمع شيئاًَ مما تقول، لكنه يعرف أن ثمة كلام يدور من خلال هذه الاستمرارية في الحركة الميكانيكية الدائبة لفمها دون انقطاع ،دوي نحل أو طنين ذباب ، يتبرم بكلام أشبه بالحسرة المخنوقة وما أن تسأله عما يخبئ تحت طي اللسان ، تراه يجدُ في أيجاد عذر، لكن خير عذر هو أن لا شيء ، صمت مطبق ونظرات منكسرة ، يزدرد بقايا من طعام على مضض ثم يقوم ، تقوده أقدامه إلى أشلاء سيارات محطمة ، يصرخ بأعلى صوته ،يحطم زجاج السيارات بقضيب حديدي،يطلق كل طاقاته الكامنة ، ثم يستسلم لبكاءٍ أشبه بالنحيب ...ينهار يفرغ كل شحناته.ثم يذهب لعمله.....
في هذا اليوم أحتفل بالذكرى السنوية الأولى للتحرر من قيوده موت زوجه فأشعل شمعة، وجددت هي العهد لزوجها بالوفاء لذكراه فأشعلت أعواد البخور ....
قصة قصيرة
بعد سنة التقيا ، عادت أليه روح الشباب ونضارته ، بعد أن ودع رأساً أبيضا وأبدله بالسواد ، وهي لازالت جناح كسير عود ذوى، وقلب توسدته الحسرات، قد أذلها الزمان، فهرمت قبل أوانها ، هو كالنحلة يدور من زهرة لأخرى، وهي لازالت رقماً مجهولا في سجل دائرة الرعاية الاجتماعية ، ..
تلبدت في عينيها سحباً من غيوم وهموم لدهر ما أنصفها ، كان لقائهما صدفة، مرا في طريق واحد نظرا إلى بعضهما، هو على شفتيه ابتسامة منتصر ، وهي مطرز وجهها بهموم السنين ، تلاقت أعينهما: أَعرفها...؟ ، أَعرفته...؟ ، هذا بعلم الغيب . سنة مرت منذ أن أعطوها الأذن بالعيش وحدها ، قرأت تقرير الموظف المسئول ، وهي تتمعن صياغته للحروف، تتهجى بانكسار :
تحجرت مآقي العيون تجمدت
العواطف ، وغادر النبض في كل شريان ،
أصبح ذلك المسجى أمامي مادة يلفها الصمت كأي جماد ،
لكنها مادة قابلة للتفسخ والانحلال ....
غلف تقريره بمظروف وأعطاه للمرأة التي كانت تقف أمامه معقودة اللسان ، ثمة ابتسامة على شفتيه تتسع و حدقتي عينيه الغائرتين لم تعرف سراً لها ، أعلنت المرأة بصوت بدا كأنه صافرة إنذار أشاع في المكان رهبة ودوي ، لقد تهيئ القطار لبدء رحلة الوحدة ، تلفع داخلها بالسواد قبل أن يكتسي جسدها به، مسكت يد أبنتها الصغيرة، التي ظلت تساؤل نفسها، ما سر هذا التجهم في وجه أمها وهذا الصراخ ، لم تعي ان رحلة من الدلال قد انتهت ورحلة أخرى بعلم الغيب ستبدأ، الرجل يداعب تلك الفتاة ، يحاول أن يشيع في داخلها نوعاً من الأمان ينسيها جو الحزن القاتم. الموظف استعجله ليزف إليه خبر استلامه لوثيقة صكوك غفرانه ، فلولا القدر كان سابقاً له، لكان هو الفاعل مع سبق الإصرار والترصد ، ثمة ابتسامة توشح بها وجهه، طردت غيوم الحزن المتلبدة عليه امطر الجميع بنظراته ،وهو يمعن بتلك الأوراق ، ولولا رهبة المكان لتقبل تهاني هذه الجموع، ووزع الحلوى بهذه المناسبة السعيدة ، اكتفى بالدعاء، نال مآربه دون أن يكون عرضة لاتهام أو شك ، انتهت رحلة عذاباته واستسلم لنشوى الفوز . لم تنسى فضولها وهي في قمة حزنها ، فسألته وهي تمسح بقايا دمع على الخدود، أكانت مريضه ، قال باقتضاب :_أنها عدالة السماء، نطق تلك الكلمات وتركها في حيرتها . وقعت على أوراق استلام بضاعتها ، وتوارت من المكان، ظل يتابعها بنظراته ، شيعها بنظرة كادت أن تفر بها عينيه من محجريهما ، تحسر ثم شطت به الأفكار آه ما ألذها من فاكهه، إن حان قطافها لي،
أربعة أشهر وسأعطي عنقي لها مذعناً، لتضع فيه الأغلال ، وتوقعني على وثيقة استسلام مهين. أنتفض من مكانه وكأن زوجته قرأت أفكاره فخرجت من تلك اللفافة الموميائية ،( وضع يديه حول عنقه ) أبعدي عني أنا لم أحلم بامرأة غيرك...! .قفزت إلى ذاكرته صحيفة الصباح اليومية ، عند الفطور لا يسمع شيئاًَ مما تقول، لكنه يعرف أن ثمة كلام يدور من خلال هذه الاستمرارية في الحركة الميكانيكية الدائبة لفمها دون انقطاع ،دوي نحل أو طنين ذباب ، يتبرم بكلام أشبه بالحسرة المخنوقة وما أن تسأله عما يخبئ تحت طي اللسان ، تراه يجدُ في أيجاد عذر، لكن خير عذر هو أن لا شيء ، صمت مطبق ونظرات منكسرة ، يزدرد بقايا من طعام على مضض ثم يقوم ، تقوده أقدامه إلى أشلاء سيارات محطمة ، يصرخ بأعلى صوته ،يحطم زجاج السيارات بقضيب حديدي،يطلق كل طاقاته الكامنة ، ثم يستسلم لبكاءٍ أشبه بالنحيب ...ينهار يفرغ كل شحناته.ثم يذهب لعمله.....
في هذا اليوم أحتفل بالذكرى السنوية الأولى للتحرر من قيوده موت زوجه فأشعل شمعة، وجددت هي العهد لزوجها بالوفاء لذكراه فأشعلت أعواد البخور ....
تعليق