تفكيك مصطلح (العلمانية)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرحمن السليمان
    مستشار أدبي
    • 23-05-2007
    • 5434

    تفكيك مصطلح (العلمانية)

    تفكيك مصطلح (العَلمانية)[1]
    الأستاذ الدكتور عبدالرحمن السليمان

    [align=justify]تمهيد:

    ترمي هذه المقالة إلى تفكيك مصطلح العلمانية في اللغة العربية والتأريخ له بتتبع مفاهيمه الأصلية في اللغات الغربية أولا، ثم برصد عملية إدخاله في العربية وتطوره وتطور مفاهيمه فيها ثانيا. ونستهل مقالتنا هذه بكلام للمرحوم عبدالوهاب المسيري من كتابه (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة):[2]

    "توجد في المعجم العربي ترجمات مختلفة لكلمة "سيكولار" و"لائيك" [كذا، وفي الحقيقة للمصطلحين الإنكليزي secularism والفرنسي laïcité]:

    1. "العِلمانية"( بكسر العين) نسبة إلى العِلم؛
    2. "العَلمانية"( بفتح العين) نسبة إلى "العَلم" بمعنى "العالم"؛
    3. "الدنيوية" أي الإيمان بأنها هي الحياة الدنيا ولا يوجد سواها؛
    4. "الزمانية" بمعنى أن كل الظواهر مرتبطة بالزمان وبالدنيا ولا علاقة لها بأية ماورائيات؛
    5. وتستخدم أحيانا كلمة "لائيك" ("لائيكي" و"لائيكية)، خصوصا في المغرب ولبنان، دون تغيير".

    إذن نحن هنا أمام مفهومين غربيين (secularism/laïcité) فسرا على أنهما مفهوم واحد ترجم إلى العربية بأربعة مرادفات ونقحر ليصبح عدد المقابلات العربية له خمسة.[3]وقد أثار نطق العامة والخاصة كلمة (علمانية) بكسر العين جدلا كبيرا. وفي هذا السياق ينقل المسيري قول فؤاد زكريا التالي، وما بين [] من عندي:

    "ولا شك في أن الربط بين العلمانية وبين معنى "العالم" أدق من الربط بينها وبين معنى "العِلم". ولو شئنا الدقة الكاملة لقلنا إن الترجمة الصحيحة للكلمة هي "الزمانية"، لأن الكلمة التي تدل عليها في اللغات الأجنبية، أي secular في الإنكليزية مثلا [كذا والصواب: secularism] مشتقة من كلمة [لاتينية] تعني القرن saeculum".[4] ويتضح من كلام فؤاد زكريا أنه يقترح اعتماد مصطلح "الزمانية" بدلا من العلمانية على المصطلح الإنكليزي اللاتيني الأصل secularism وليس على المصطلح الفرنسي اليوناني الأصل laïcité، ذلك لأن "الزمان" ليس من معاني هذا الأخير. وهو اقتراح غير صائب لأن معنى saeculum الأصلي المؤسس للمصطلح secularismهو "الدنيا" وليس "الزمان" كما سيتضح أدناه. وجاء في المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية في القاهرة ما نصه: "العَلماني: نسبة إلى العَلم أي العالم، وهو خلاف الديني أو الكهنوتي".[5] وكل المصادر اللغوية العربية على هذا القول أي على أن كلمة (العلمانية) تنسب إلى العالَم بفتح العين وليس إلى العِلم بكسرها، فلا داعي إلى الاستفاضة فيه لوضوحه التام. إنما نحن بحاجة إلى استبيان معاني المفاهيم الأصلية للمصطلحات الغربية التي يُعبّر عنها في كلمتنا (علمانية).

    1. المصطلح:

    إذن يُفهم من مصطلح (العلمانية) اليوم في العربية أنه "ترجمة" للمصطلحين الفرنسي (laïcité) والإنكليزي (secularism). ومن الضروري أن نعي جيدا أن هذين المصطلحين ليسا مرادفين من حيث المعنى التاريخي والدلالة في العصر الحديث. بكلام آخر: إن المصطلح الفرنسي laïcité ليس مرادفا للمصطلح الإنكليزي secularism. فهذان مصطلحان مختلفان من حيث الدلالة اليوم. فالأول يشير إلى الإيديولوجية العلمانية التي نشأت بعد الثورة الفرنسية. والثاني يشير إلى "الدنيوية" بشكل عام. والأول إيديلوجية حركية تقوم عليها دولة، والآخر تيار مدني إنسني عام غير ملتزم حركيا. وسنتوقف عند ذلك في محطة لاحقة. أما الآن فسنقتصر على النظر والتأمل في المفهوم الأصلي، أو بالأحرى المفاهيم الأصلية لمصطلح (العلمانية) كما جاءت في المصادر اللغوية الغربية، ثم نبحث في الاشتقاق اللغوي له في العربية، فنتتبع إدخاله في العربية وتعدد مفاهيمه فيها بهدف ضبط معاني مفاهيمه المتعددة.

    1.1. المفاهيم الأصلية القديمة لمصطلح (العلمانية):

    نميز في اللغات الغربية بين ثلاثة جذور اشتق منها مصطلحات كثيرة تشير كلها إلى معاني متقاربة نذكر هنا مصادرها الصناعية وهي: 1. laicism و2. secularism و3. profanism.

    الـ (Laicism): (قارن الإنكليزية: laicism؛ الفرنسية laïcisme؛ الألمانية Laizismus والهولندية laïcisme). هذا مصطلح مشتق من اليونانية λαϊκός أو laïkos نسبة λαός أو laos "الشعب". وعليه فإن laïkos يعني حرفيا "شعبي". وقد اكتسب هذا اللفظ مفهوما جديدا بعد نشوء الكهنوت النصراني بعد تنصر قسطنطين واعتبار النصرانية دين الإمبراطورية البيزنطية، فصار يستعمل للدلالة على عامة الشعب للتمييز بينهم وبين طبقة الكهنة الذين أصبحوا يشكلون الخاصة. وعليه فلم يعد laïkos هنا يعني "شعبي" فحسب، بل "عامِّي" أيضا، أي الشخص العامي الذي ليس بكهنوتي. وقد تمأسس الفرق بين عامة الشعب و"الرعاة" أو الكهنوت واتخذت العلاقة بينهما مسافة لا يمكن تجاوزها بعدما أصبح القيام بالأسرار الدينية مثل سر التعميد وسر الزواج وغيرهما مقتصرا على الكهنة المكرسين بـ "سر التكريس" (= ordinatio). واتخذت العلاقة، ابتداء من القرن الحادي عشر، بعدا آخر بحرمان الكهنوت من الزواج، بحيث أصبح الفرق بين "عامة المؤمنين" و"خاصة الرعاة" كبيرا جدا.

    إذن تعني laicism (ومنها الفعل laicize): "عَوْمَنة"، أي إخراج الشخص من طبقة الكهنة إلى طبقة العامة، أو المتاع (مثلا "الأرض") من ملكية الكهنوت إلى ملكية العامة. من ثمة تسميتهم الشخص العامي في الإنكليزية laic أو layman وكذا laity ضد الكهنوتي (= cleric)، وفي الفرنسية laïque، وفي الألمانية laieوفي الهولندية leekوley ومثله في سائر اللغات الأوربية. وعلى الرغم من أن هذه الألفاظ كانت تطلق على العامي الجاهل، إلا أنها كانت ولا تزال تستعمل في سياق إيجابي أيضا (كان كالفين يسمي قضاة المحاكم المدنية: juges laïcs أي "قضاة مدنيين" .. فالقضاة ليسوا "عامة").[6] وهذه المعاني في اللغات الغربية قديمة قدم المؤسسات النصرانية وليست مستحدثة. ويرد المعجم الإنكليزي التأثيلي مفهوم layman بمعنى الشخص العامي غير الكهنوتي في الإنكليزية إلى سنة 1432.[7] ويرد المعجم ذاته المفهوم الإنكليزي layman بمعنى الشخص العامي غير الكهنوتي في الإنكليزية إلى الفرنسية القديمة التي تكون فيها هذا المفهوم سنة 1330 كما يشير المصدر ذاته. وهذا كله يعود إلى اللاتيني laïcus المأخوذ بدوره عن اليونانية laïkos(λαϊκός) نسبة إلى λαός "شعب" كما تقدم.

    وعليه فإن هذا المعنى، معنى "العومنة" أي "جعل الشيء عاميا" بعكس الكهنوتي، يعود إلى بداية الحقبة النصرانية كما تقدم، ويعود اشتقاق الإنكليزيةLaicism والفرنسية laïcismeإلى الكلمة اليونانية λαός (laos) التي تعني "شعب"، "عامة"، أي عكس الكهنة. من ثمة صارت الكلمة تدل على القضايا الشعبية "الدنيوية"، بعكس الكهنوتية "الدينية". وقد اشتق من الكلمة اليونانية λαός (laos) المصطلحُ اليوناني (λαϊκισμός) أو laïkismόs "علمانية/عومنة"، وكذلك (λαϊκός) أو laïkos "علماني/عامّي" الذي هو ضد الكهنوتي (κληρικός) أو klyrikos. ونرجح نشوء هذا المصطلح في بيزنطة بعدما نادى قسطنطين بالنصرانية ديانة للدولة البيزنطية في القرن الرابع للميلاد، وهو القرن الذي عرف حضورا قويا للبطارقة والكنيسة في الحياة السياسية والاجتماعية للدولة البيزنطية.

    الـ (Secularism): (قارن الإنكليزية: Secularism؛ الفرنسية Sécularisme؛ الألمانية Säkularismus والهولندية Secularisme). تعني كلمة αἰών/aioonفي اليونانية، فيما تعني، "الأزل؛ الجيل؛ الزمان؛ الحقبة الزمنية؛ الدنيا". وما يهمنا هنا معناها الأخير "الدنيا". وقد جاءت في الأناجيل كثيرا بالمعنيين المتضادين: "الزمن الأزلي" (= السرمد) و"الزمن المؤقت" (= الحياة الدنيا)، تماما مثل الكلمة العبرية עלָם: /عُولَم/ التي وردت في العهد القديم بالمعنيين المتضادين "الزمن الأزلي" و"الزمن المؤقت" أو الحياة الدنيا.

    فنحن نجد עוֹלָם: /عُولَم/ بمعنى "الزمن الأزلي" في المزمور 45 الآية 7: כִּסְאֲךָאֱלהִים, עוֹלָםוָעֶד "عرشك يا الله إلى الأبد"، ونجدها بمعنى "الزمن المؤقت" أو الحياة الدنيا في سفر الجامعة الإصحاح 3 الآية 11: גַּםאֶת-הָעלָם, נָתַןבְּלִבָּם "وجعل حب الدنيا في قلوبهم"، لأن עלָם: /عُولَم/ ههنا تعني "العالم"، "الحياة الدنيا"، وليس "الأزل".[8]

    فقد جاءت كلمة αἰών/aioon بمعنى "الحياة الأزلية" في إنجيل متى الإصحاح 25 الآية 46: (فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ). فـ"حياة أبدية" هنا ترجمة لـ (ζωὴν αἰώνιον/zo’i aionion). وقد ترجمها مترجم الفولغاتا إلى اللاتينية بـ (vitam aeternam) أي "حياة أبدية" أيضا. كما جاءت كلمة αἰών/aioon بمعنى "الحياة الدنيا" في إنجيل متى الإصحاح 28 الآية 20: وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْر». فـ (انْقِضَاءِ الدَّهْر) هذه هي ترجمة لـ (συντελείας τοῦ αἰῶνος/sinteleias tou aioonos). وقد ترجمها مترجم الفولغاتا إلى اللاتينية بـ (consummationem saeculi). وكلمة (saeculi) ههنا ـ وهي مضاف إليه في اللاتينية ومرفوعها هكذا: saeculum، هي ما يهمنا هنا. فهي لا تحتوي على الاشتراك المعنوي الموجود في كلمة αἰών/aioonاليونانية التي تعني "الحياة الأزلية" و"الحياة الدنيا"، وهو الاشتراك الذي أخذته عن الكلمة العبرية עולם: /عُولمَ وهي من الأضداد في العبرية لأنها تحمل معنَيَيْ "الحياة الأزلية" و"الحياة الدنيا" .. فلقد ترجم مترجم الفولغاتا مفهوم "الحياة الأزلية" إلى (vitam aeternam) كما تقدم، بينما ترجم مفهوم "الحياة الفانية" بـ (consummationem saeculi). إذن لا تعني الكلمة اللاتينية "الزمان" و"القرن" فحسب، بل "الحياة الدنيا"، "الحياة الفانية" بالمفهوم الديني لهذا المصطلح كما يفهم منه في النصرانية والإسلام. وهذا باد بوضوح شديد من سياق الأناجيل فأقتصر على المثال التالي:

    رسالة يوحنا الرسول الأولى، الإصحاح الثاني، الآيات 15-18: 15لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ. 16لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ. 17وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ. 18أَيُّهَا الأَوْلاَدُ هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ. وَكَمَا سَمِعْتُمْ أَنَّ ضِدَّ الْمَسِيحِ يَأْتِي، قَدْ صَارَ الآنَ أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ. مِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ.

    فمفهوم الساعة الأخيرة (ἐσχάτη ὥρα/novissima hora) هنا يشير إلى اقتراب عودة عيسى عليه السلام بعد صلبه في المعتقد النصراني من أجل إنشاء "ملكوت السماء"، وهي ما يسمى في اللاهوت النصراني بـ "المجيء الثاني". وقد عبَّر الإنجيل عن المرحلة الزمنية التي تكون بين مجيء عيسى عليه السلام الأول وصلبه في المعتقد النصراني، وبين مجيئه الثاني فيما بعد لإنشاء "ملكوت السماء"، باللفظة اليونانية αἰών/aioonالتي ترجمها مترجم الفولغاتا إلى اللاتينية بـ saeculum، وهذه الأخيرة هي التي تهمنا الآن في سياق بحثنا في مصطلح (العلمانية). فهي تعني المرحلة الزمنية التي تكون بين مجيء عيسى عليه السلام الأول وبين عودته فيما بعد لإنشاء "ملكوت السماء"، أي "الحياة الدنيا". إذن تعني saeculum ـ بالضبط ـ "الحياة الدنيا"، وليس سواها، فنهمل ما سواها من معان ودلالات حمولية أخرى تحملها الكلمة، ونقتصر على معنى "الحياة الدنيا". ومما يزيد هذا المعنى بيانا كون ضد saecularis "العَلماني" بمعنى الشخص العامّي اللاكهنوتي، هو كلمة regularis التي يراد بها كل شخص خاضع لنظام ديني (= regula) معين ويعيش وفقا لقوانينه الداخلية مثل القساوسة والخوارنة وسكان الأديرة من رهبان وراهبات ومن كان بحكمهم.

    ومن saeculum اشتق الفعل اللاتيني saecularisatio للتعدية وأداء معنى "عَوْمَنَ" أي جعل الشيء دنيويا بإخراجه من خاصِّية الكهنوت وملكيته إلى عمومية العامّة وملكيتها. وهو في الأصل مصطلح فني من مصطلحات الشريعة الكنسية الكاثوليكية للتدليل على أملاك الكنيسة التي كان الأمراء والملوك يغتصبونها ويخصصونها لاستعمالهم الخاص أو للاستعمال العام. وتشير المصادر إلى أن أول استعمال لمصطلح (saecularisatio) بهذا المعنى كان سنة 1648 بعد التوقيع على صلح وستفالن (Westphalen).[9] وهذا التاريخ مهم لأنه في الحقيقة كان بداية عملية الحد من سلطة الكنيسة وسلطة البابا وتحدي دعواه في ممارسة "القوة المطلقة" (plenitudo potestatis)، وهي العملية التي استمرت منذ صلح وستفالن (Westphalen) حتى قيام الثورة الفرنسية (1989-1799) التي استكملت عملية الحد من سلطة الكنيسة واغتصاب أملاكها بالكلية تقريبا.

    الـ (Profanism): (قارن الإنكليزية: Profanism؛ الفرنسية Profanement؛ الألمانية Profanismus والهولندية Profanisme). إن مصطلح profanism مشتق من اللاتينية profanus المتكون من fanumالتي تشير إلى المكان الذي يكرَّسه الكهنة للمعبد المقدس، ومن pro "قبل؛ أمام". وتشير اللفظة في أصلها القديم إلى كل ما يكون خارج المكان المقدس (= المعبد) ومخصصص للاستعمال العام، بما في ذلك كل ما يُخْرَج من المكان المقدس ويُدْخَل في الاستعمال العام مثل لحوم القرابين التي تقرَّب في المعبد ثم تعطى صدقة للناس خارجه. وهذا اللفظ قديم قدم الديانات وهو موجود في اللاتينية منذ بداياتها وفي الإنكليزية منذ استقلالها لغة جرمانية .. ومنه اشتق الفعل اللاتيني profanare للتعدية ليؤدي معاني مثل: "عَلْمَنَ" أي جعله دنويا، ومثل "حرَمَ" من القداسة، و"أخرج من الكهنوت" وجعله من العامة وبالجملة: إخراج الشخص من جملة المقدس وجعله عاميا، والشيء من الاستعمال الديني (مثلا الأرض/البناء) وتخصيصه للاستعمال الدنيوي. وكان أوائل النصارى يستعملون الصفة profanusللتدليل على الهراطقة والزنادقة وكل ما يعتبر من وجهة نظرهم نجسا. أما اليهود فيريدون به "التجديف" ذلك أن نطق اسم (يهوه) محرم على اليهود، لذلك يعتبرون التلفظ به ضربا منالـ profanismمما يدل على أن المراد بهذا الاستعمال أيضا على التجديف لأن التلفظ باسم (يهوه) تجديف في الشريعة اليهودية.[10]

    2.1. المفاهيم الأصلية الحديثة لمصطلح (العلمانية):

    عالجنا فيما سبق المفاهيم الأصلية القديمة للمصطلحات التي تشير إلى (العلمانية) من حيث هي إخراج الشخص من جملة المقدس وجعله عاميا، والشيء من الاستعمال الديني (مثلا الأرض/البناء) وتخصيصه للاستعمال الدنيوي. وهذا هو المعنى القديم للعلمانية بشكل عام، منذ القديم وحتى الثورة الفرنسية (1989-1799). وقد اصطلحنا على وضع مصطلح يدل على هذا المفهوم دلالة دقيقة، ألا وهو مصطلح (العَوْمَنة) أي جعل الشيء عامِّيا. وسنعالج هنا المفاهيم الأصلية الحديثة لمصطلح العلمانية، التي التي نشأت بعد الثورة الفرنسية. ونستعمل كلمة "حديثة" هنا بشيء من التوسع لأن عمر الثورة الفرنسية أكثر من قرنين، ولكنها تبقى علامة فارقة في تاريخ العلمانية، وحركة مؤسسة للإيديولوجية اللائيكية التي تبلورت في نهاية القرن التاسع عشر، أي يعد حوالي قرن من قيام الثورة الفرنسية.

    إن المفهوم الثاني الذي اكتسبته (العلمانية) هو مفهوم "الدنيوية" (secularism) الذي أدخله في الاستعمال سنة 1851 الإنكليزي جورج هوليوك (George Holyoake). لا يقصد هوليوك بالدنيوية هنا (العَوْمَنة) أي جعل الشيء عامِّيا، فهذا المصطلح قديم كما تقدم، بل يرمي به إلى الفصل بين الدين والمجتمع. ففي حين كان يفهم من المصطلح اللاتيني saecularisatio"عومنة" الأشخاص والمتاع بإخراجهم من المجال الديني إلى المجال اللاديني، ومن عالم الكهنة إلى عالم العامِّة، أصبح يفهم من مفهوم "الدنيوية" (secularism) الذي أدخله جورج هوليوك الحد من تأثير الدين على المجتمع والعلاقات الاجتماعية عموما. فالعومنة حالة محدودة نسبيا لأنها تتعلق بالكهنة وأملاكهم التي تُخرج من عالمهم الكهنوتي إلى المجتمع العلموتي عن طريق القهر والاغتصاب في أكثر الأحيان .. بينما "الدنيوية" (secularism) حركة أريد لها أن تكون شاملة لأنها ترمي إلى العكس من ذلك، أي إلى إخراج الكهنة وما إليهم من ديانة وشريعة وتعاليم وعبادة وأخلاق من المجتمع كليا إلى الكنائس والأديرة ومحاصرتهم فيها .. ولكن حركة جورج هوليوك لم تتبلور لتصبح حركة منظمة ذات أثر بعيد مثل اللائيكية الفرنسية، ولم تتبناها الحكومة البريطانية كما وقع في فرنسا، بل استحالت تيارا مدنيا عاما إلى جانب التيار الديني الحاضر بقوة في السياسة والمجتمع في بريطانيا، وساهمت إلى حد بعيد في علمنة شرائح كبيرة في المجتمع وخلق قيم جديدة اصطلح على تسميتها فيما بعد بالدين المدني (civil religion)، ولكن دون مأسسة العلمانية وأدلجتها وفرضها على الشعب كما حدث في فرنسا.

    أما المفهوم الثالث والأخير لمصطلح العلمانية فهو المفهوم الذي نشأ في فرنسا بعد الثورة الفرنسة بقرن تقريبا، وهو مفهوم الـ laïcité الذي يعود تأثيليا إلى اليونانية λαϊκός أو laïkos "شعبي؛ عامِّي" نسبة λαός أو laos "الشعب". إن أول ظهور لكلمةlaïcitéفي المعجم الفرنسي كان سنة 1871 كما يذكر معجم روبير.[11] وقد بدأت حركة اللائيكية هنا تتبلور في حركة ليئكة التعليم فقط لأن اللائيكية، من حيث هي إيدلوجية فرنسية حركية، تبلورت نهائيا بعد قانون فصل الدين عن الدولة الفرنسي الصادر سنة 1905. وأدت ليئكة التعليم هذه إلى إبعاد القساوسة والرهبان من التعليم الابتدائي الحكومي كليا. أما في سنة 1905 فقد اتخذ المصطلح بعدا سياسيا مؤسساتيا بإصدار قانون فصل الدين عن الدولة الشهير. من يومها واللائيكية الفرنسية تسيطر سيطرة تامة على مؤسستين تعتبران أهم ركيزتين لها وهما: الدولة والمدرسة (في تركيا: الجيش والمدرسة). فالمدرسة هي المكان التي يتم فيه تكوين الأجيال وأدلجتها وفق إيديولوجيات معينة يأخذ بها النظام السياسي القائم.[12]

    3.1. خلاصة:

    يتضح مما سبق:

    1. أن مفهوم (العلمانية/laicism) بمعنى جعل الشيء عاميا بعكس الكهنوتي (= "عَوْمَنة")، مفهوم قديم قدم المؤسسات الدينية النصرانية. وقد وُضع مصطلح "العلمانية" في العربية للدلالة على هذا المفهوم بالضبط وليس على غيره كما سنرى أدناه؛
    2. أن مفهوم (العلمانية/secularism) بمعنى "الدنيوية" مفهوم نشأ في إنكلترا في القرن التاسع عشر (1851)، وأن الترجمة العربية الدقيقة له هي "الدنيوية" وليس "الزمانية".
    3. أن مفهوم (العلمانية/laïcité) بمعنى "اللائيكية" مفهوم يدل على إيديولوجية ترمي إلى فصل الدين عن الدولة. نشأت هذه الإيديولوجية في فرنسا بعد الثورة الفرنسية بحوالي قرن من الزمان .. وقد أدخل هذا المفهوم في الاستعمال للدلالة على هذه الإيديولوجية في فرنسا سنة 1882.

    2. تاريخ مصطلح (العلمانية) في العربية:

    إذن تعني كلمة عَلم ـ بفتح العين ـ التي اشتق منها مصطلح (العلمانية) كما تقدم ـ "العالَم" كما تقدم أيضا. ويستوقفنا في هذه الكلمة تعريف المعجم الوسيط لها، وخصوصا قوله: (نسبة إلى العَلم أي العالم)، وبالتحديد قوله (أي العالَم) لتفسير كلمة (عَلْم) بفتح العين. فالمعجم الوسيط ومعه مجمع اللغة العربية في القاهرة يريان أنه من الضروري شرح كلمة (العَلْم) وتفسيرها للقراء بالجملة المضافة: (أي العالَم). وضرورة الشرح والتفسير للقراء يعنيان أن الكلمة المراد شرحها وتفسيرها تستعجم على جمهور القراء. ونحن لاحظنا استعجامها على الخاصة قبل العامة في مناسبات كثيرة .. وهذا يجعلنا نتساءل: هل كلمة (عَلْم) ـ بمعنى العالَم ـ عربية؟ وهل وردت (عَلْم) ـ بمعنى العالَم – في مصادر قديمة؟

    الجواب لا. ليست كلمة (عَلم) بمعنى العالم عربية، ولم ترد حسبما أفادنا به البحث والاستقصاء في مصادر ومعاجم قديمة[13]. فهي كلمة دخيلة في العربية من السريانية (ܥܠܡܐ: /عَلْما/) التي تعني فيها "العالَم"، "الدنيا". وألف المد في السريانية (عَلْما) هي أداة التعريف في السريانية لأن التعريف في السريانية يكون آخر الكلمة. [14] ومن الجدير بالذكر أن الجذر السامي /ع ل م/ يفيد في جميع اللغات السامية معاني "الدهر، الدينا، العالم، الزمن اللامتناهي"، إذ يجانس كلمة "العالم" عندنا كل من الكلمة العبرية: עולם: /عُولَم/ [وأصلها فيها: عالَم]، والكلمة الحبشية /عالَم/. فالكلمة السامية المشتركة التي تدل على العالم هي (عالَم) بفتح اللام كما وردت في العربية والعبرية والحبشية وكما تقدم أعلاه. أما (عَلما) فليست موروثا ساميا مشتركا بل هي كلمة سريانية دخلت العبرية كما يقر بذلك صاحب المعجم العبري التأثيلي بصريح العبارة[15]. كما أنها دخلت العربية أيضا ـ أو بالأحرى ـ وُظفت في العربية بعد 1800 لنحت كلمة العلمانية منها كما سيتضح لاحقا. والدليل الحاسم على ذلك هو أن (عَلم) بفتح العين ـ أي بمعنى العالَم ـ لا تستعمل في العربية بحد ذاتها، واستعمالها في العربية مقصور على كونها جذرا اشتق منه مصطلح (العلمانية) فقط.[16]

    ولمعرفة كيف دخلت هذه الكلمة السريانية اللغة العربية وتتبع ذلك نود أن نشير أولا إلى إن السريان نصارى يميزون، شأنهم في ذلك شأن سائر النصارى، بين خاصة الكهنة وعامَّة المؤمنين، بين الرعاة والقطيع .. وكانوا نقلة المعارف اليونانية في العصور الوسطى، وهم أقدم سابقة من العرب في الترجمة عن اليونانية بقرون. وبما أنهم نصارى لهم رهبان وكهنة ووثيقي الصلة باليونان، فقد انتقل مفهوم (العلمانية) بمعنى جعل الشيء عاميا بعكس الكهنوتي (= "عَوْمَنة") إليهم من اللاهوت النصراني المدون أكثره وقتئذ باللغة اليونانية،[17] مثلما انتقل إلى غيرهم من الأمم النصرانية[18]، ومنهم الفرنسيون (سنة 1330) والإنكليز (سنة 1432) كما يذكر المعجم الإنكليزي التأثيلي.[19] فعبروا عن المفهوم اليوناني laïkos(λαϊκός) نسبة إلى λαός "شعب" الذي نشأ مع تمايز الكهنوت المسيحي ابتداء من القرن الرابع الميلادي عن عامة الشعب، بـ ܥܠܡܝܐ: /عَلْمايا/ "عالَماني/عَلْماني" نسبة إلى ܥܠܡܐ: /عَلْما/ "عالَم"، وجعلوا يستعملون ܥܠܡܝܐ: /عَلمايا/ للدلالة على العالم والحياة الدنيا والعوام، وعرَّبوه ـ عند استعرابهم ـ إلى "عَالَماني" أولا ـ على أساس أن المكافئ الوظيفي والمعجمي والدلالي العربي للفظة السريانية ܥܠܡܐ: /عَلْما/ هو "العالَم" ـ ثم أدخلوا السرياني (ܥܠܡܐ: /عَلْما/) في العربية وعرَّبوه على "عَلم" ثانيا، لينحتوا منه "عَلْماني" بدلا من "عَالَماني" لخفة انذلاق هذه الأخيرة على لسان الجماعة.[20]ومن السريان انتقل هذا المعنى إلى العرب عن طريق الكتاب العرب النصارى الذين يتقنون السريانية مثل بطرس البستاني وغيره.[21] والدليل القاطع على ذلك استعارة العرب كلمة (عَلْم) بمعنى (العالَم) من السريانية كما تقدم أعلاه هو أن هذه الكلمة لم ترد في مصادر عربية مكتوبة قبل سنة 1800 ولا تستعمل في العربية – حتى يومنا هذا - خارج سياق كونها أصلا اشتق منه مصطلح (العلمانية) كما تقدم .. ثم اشتقوا منها كلمة (علمانية) على السماع لا على القياس لأن القياس اللغوي يقتضي نحت (عَلْمِية) ـ بفتح العين – وليس (عَلْمانية) بإضافة الألف والنون. ويبدو من لفظة (عالَمِيِّ) التي أوردها دوزي في معجمه (انظر أدناه) ثم وترجمها بـ laïque, séculierأن اللفظتين (عَالَماني) و(عَلْماني) لم تستقرا وقتها في العربية وأن (عالَمِيِّ) و(عَالَماني) اختفيا فيما بعد (بداية القرن العشرين؟) لصالح لفظة (عَلْماني).

    وقد أفضى بنا البحث والاستقصاء إلى أن أول معجم ثنائي اللغة قدم ترجمة عربية لكلمةlaïque الفرنسية هو "القاموس الفرنسي العربي" الذي وضعه القبطي إليوس بقطر عام 1828.[22] و لترجمة كلمةlaïque إلى العربية، استعمل بقطر الذي كان مطلعا على التراث العربي النصراني[23] في معجمه هذا مصطلحا من هذا التراث العربي النصراني، ألا وهو مصطلح (عَالَماني/عَلْماني) الذي أتى ترجمة مستعارة لـ (عَلْمايا) السرياني كما تقدم. وعندنا أن إليوس بقطر أولُ من أخرج مصطلح (عَالَماني/عَلْماني) من التراث العربي النصراني المخصوص بالنصارى العرب، وأدخله ـ باستعماله إياه ترجمة للمصطلح الفرنسيlaïqueـ في الاستعمال اللغوي العام للفصحى، ذلك لأن معجمه هذا أصبح مصدرا لجميع من استعمل مصطلح (عَالَماني/عَلْماني) من بعده، ومن أقدمهم بطرس البستاني في معجمه (محيط المحيط) الذي يعتبر أول معجم عربي (صدر سنة 1870) يقدم تعريفا للكلمة حيث ورد فيه ما نصه: "العَلْماني: العامِّي الذي ليس بإكليريكي".[24] وهذا تعريف مهم جدا لأنه أقدم تعريف ورد في مصدر عربي أصيل ولأن البستاني لا يقصد بحده هذا الإيديولوجية العلمانية الفرنسية (laïcité) التي تبلورت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أي بعد إصدار معجم البستاني بأكثر من عقدين تقريبا ـ فضلا عن العِلم! ـ بل المفهوم الأقدم للمصطلح كما تقدم وصفه، أي (laïcisme/العَوْمنة) أو جعل الشيء عاميا، وهو مصطلح نصراني بحت يدل على مفهوم نصراني بحت كما تقدم.[25]

    وعلى معجم إليوس بقطر المصري كل أصحاب المعاجم الثنائية التي أوردت مادة (عَالَماني/عَلْماني) بالعربية، وأقدمها معجم بارثلمي الصادر سنة 1935 (انظر Barthélemy A., 1935). وهذا معجم عربي (للهجات بلاد الشام) فرنسي، جاء فيه (عَلْماني) وترجمه بـ laïque, séculier. وكذلك رينهارت دوزي صاحب المعجم الشهير (تكملة المعاجم العربية)[26] الذي صدر سنة 1881 والذي جمع فيه أكثر الألفاظ التي أهملها أصحاب المعاجم العربية ومنها (عَلْماني)، حيث جاء فيه: (عالَمِيّ) ـ نسبة إلى العالَم بمد العين بألف المد وبدون نون – وترجمه بـ laïque, séculier، و(عَالَماني) ـ نسبة إلى العالَم بمد العين بألف المد ولكن بنون – وترجمه بـ laïque, séculier ثم (عَلْماني) ـ نسبة إلى العَلْم بفتح العين – وترجمه بـ laïque, séculier أيضا.[27] وقد أشار دوزي بعد معالجته هذه المادة إلى معجم إليوس بقطر مصدرا لكلمة (عَلْمانية). فالمصدر الذي اعتمد عليه دوزي ليس نصا عربيا بل معجم فرنسي عربي هو معجم إليوس بقطر، وهذا أمر مثير للغرابة بحد ذاته. وعلى نهج دوزي سار كل المعجميين اللاحقين مثل غزلان إدوارد (Gasselin Edouard:1886) في معجمه الفرنسي العربي[28]، وغيره، إلا أن هذا الأخير ـ وهو فرنسي مولود في الجزائر ـ كان أدق من الآخرين بترجمته laïque إلى العربية بـ "عامِّي"[29] وليس بـ "عَلْماني" ربما لأن التراث العربي النصراني الحاضر بقوة في الشرق، كان مجهولا في الجزائر آنذاك.

    3. العلمانية: المصطلح والمفاهيم

    يدل مصطلح (عَلْمانية) في العربية اليوم على ثلاثة مفاهيم أصلية: (أ) مفهوم "العَلْمانية" القديم (laicism)أي جعل الشيء عاميا بعكس الكهنوتي (= "عَوْمَنة")؛ و(ب) مفهوم "الدنيوية؛ الدهرية" (secularism) الذي نشأ في إنكلترا سنة 1851 و(ج) مفهوم الإيديولوجة العلمانية "اللائيكية" (laïcité) الذي أدخل في الاستعمال في فرنسا سنة 1882 للدلالة على هذه الإيديولوجية فيها. وقد سبَّب تداخل هذه المعاني الثلاثة ثم وهمهم في نطق (العَلْمانية) بكسر العين نسبة إلى العِلْم خلطا كبيرا في أذهان الناس، عامَّة وخاصّة .. والسبب الرئيسي لهذا الخلط الحاصل هو عدم التمييز بين المعاني الرئيسية الثلاثة التي اجتمعت في المصطلح (عَلْمانية) الذي اشتق، كما رأينا أعلاه، من كلمة دخيلة من السريانية وُظِّفت لوضع المصطلح العربي (عَلْمانية) في مفهومه الأول (= العَوْمَنة) لحاجة النصارى العرب إليه بسبب طبيعة لاهوتهم المميز بين طبقتين اثنتين هما طبقة الكهنة وطبقة العامة كما تقدم. وهذا المفهوم قديم قدم المؤسسات النصرانية كما تقدم. ثم حُمِّل مصطلح (العلمانية) معنَيَيْ "الدنيوية؛ الدهرية" (secularism) الذي نشأ في إنكلترا سنة 1851 و"اللائيكية" (laïcité) الذي أدخل في الاستعمال في فرنسا سنة 1882 .. فمصطلح العلمانية في العربية مصطلح مركب، وهو مركب كذلك في اللغات الغربية كما شاهدنا، لأنه فيها شاهد عيان على حركة فكرية غربية استغرق تبلورها قرونا عديدة، فمن الطبيعي أن تتراكم في مصطلحات تدل عليها ـ مثل secularism وlaicismوlaïcité ـ مفاهيم ومدلولات متعددة ومتشابكة أيضا. هذا من جهة. أما من جهة أخرى، فإن خلطا آخر يتمثل في نطق مصطلح (العَلْمانية) بكسر العين يجعلنا نتساءل عن أسباب نسبة أكثر العرب والمتحدثين بالعربية هذا المصطلح إلى العِلم بكسر العين (هكذا: عِلْمانية). لقد أدى هذا النطق الخاطئ للكلمة إلى الاعتقاد بأن العَلْمانية منهج علمي بامتياز. فكيف نشأ هذا الخطأ أصلا؟ وما علاقة العِلْم ـ بكسر العين بحركة العلمانية التاريخية في الغرب التي كانت تهدف أصلا إلى فك الاشتباك بين الكنيسة وبين كل ما سواها؟

    لا شك في أن أحد أسباب الخطأ في نطق (العلمانية) بكسر العين هو غرابة الكلمة من الناحية الصرفية أولا. فالكلمة ترجمة مستعارة لكلمة ܥܠܡܝܐ: /عَلمايا/ "عالَماني/عَلْماني" نسبة إلى ܥܠܡܐ: /عَلْما/ "العالَم" كما أبنا ذلك. فترجموها ترجمة مستعارة في العربية بإضافة النون وياء النسبة بعد ألف المد الأولى في /عَلمايا/ لتبدو كأنها مشتقة على وزن (روحاني) و(نفساني) وحتى (سرياني) .. ولما لم يكن في العربية (عَلْم) بمعنى العالم فإنهم قالوا أولا (عالَماني) .. ثم أسقطوا ألف المد الأولى من لفظ (عالَماني) وسكَّنوا لامه ليصبح (عَلْماني). ولا شك في أن اللفظة السريانية ܥܠܡܐ: /عَلْما/ "العالَم" كانت في مخيلتهم اللغوية عندما اختزلوا (عالَماني) إلى (عَلْماني). إذن كان الاختزال من (عالَماني) إلى (عَلْماني) "تكوينا رجعيا" (back formation) بسبب اللفظة السريانية ܥܠܡܐ: /عَلْما/ "العالَم" التي لعبت في هذه السياق ثلاثة أدوار صرفية ـ إن صح التعبير ـ هي:


    1. دور مباشر في تكوين مصطلح ܥܠܡܝܐ: /عَلْمايا/ "عالَماني/عَلْماني" نسبة إلى ܥܠܡܐ: /عَلْما/ "العالَم".
    2. دور غير مباشر في ترجمة مصطلح /عَلْمايا/ ترجمة حرفية إلى العربية "عالَماني/عَلْ ماني" وتكوينه فيها بعد إضافة النون وياء النسبة بعد ألف المد الأولى في /عَلمايا/؛
    3. دور مباشر في إعادة تكوين "عالَماني" إلى "عَلْماني".

    أما السؤال فيما إذا كان الدور الثالث الذي أدى إلى إعادة تكوين "عالَماني" إلى "عَلْماني" قد نشأ نتيجة للتكوين الصرفي الرجعي (back formation) أو لإدخال ܥܠܡܐ: /عَلْما/ "العالَم" في العربية، فنجيب عليه باعتقاد أن الخيارين وقعا: فمن جهة أدخلت ܥܠܡܐ: /عَلْما/ "العالَم" في العربية، ومن جهة أخرى أعيد تكوين "عالَماني" إلى "عَلْماني" بتأثير من الصفة ܥܠܡܝܐ: /عَلْمايا/ "عالَماني/عَلْماني". وأما السؤال عن أسبقية أحد الخيارين فهو سؤال لا قيمة له كبيرة في هذا السياق، فلا نشغل أنفسنا به. وعليه فإن الالتباس في نطق كلمة (علم) عائد إلى أن العربية لا تعرف اسما يركب هكذا سوى (العِلْم) ـ بكسر العين و(العَلَم) بفتح العين واللام معا. فـ (العَلْم) غير أصيل في العربية وهو سرياني دخل معاجمها الرسمية بداية القرن التاسع عشر ولم يتوطن فيها للدلالة على (العالَم) ولم يَشِعْ خارج مصلطح (العَلْمانية). لذلك لم تهضمه العين العربية إن جاز التعبير مما يجعل القارئ العربي يقرأ (علم) بالكسر على الدوام لأن اسما آخر غير العِلم لا يكاد يتبادر إلى الذهن عند النظر في (علم). وقد يكون النطق بالكسر مقصودا للترويج للعلمانية على أنها منهج علمي يدعو أتباعه ويحثهم على تحكيم العقل في كل شيء، وقد لا يكون الأمر كذلك. ومهما يكن، فإن الوهم في نطق (العلمانية) بكسر العين ثابت لا شك فيه، وإن الخطأ في نسبة (العلمانية) إلى العلم ثابت أيضا لا جدال فيه.

    ومع وضوح الخطأ في نسبة (العَلْمانية) إلى (العِلْم) ونطقها بكسر العين وضوحا لا يماري فيه أحد، فإن هذا الخطأ شائع شيوعا يدعونا إلى النظر والتأمل في الأسباب التي من شأنها أن تكون وراء هذا الخطأ وشيوعه المثير للاستغراب، وإلى طرح السؤال التالي: هل العلمانية منهج علمي؟ بالطبع هذا السؤال غير دقيق ولا يصح طرحه بهذه الصيغة. العلمانية حركة فكرية غربية أدت في نهاية المطاف إلى الحد من سلطة الكنيسة وإخراج الديانة النصرانية من الحياة السياسية والاجتماعية العامة. وقد استغرق تبلور العلمانية في الغرب قرونا عديدة، واختلف تطورها من دولة لأخرى، ومن سياق لآخر. وسنحاول – قبل الإجابة على سؤالنا أعلاه - حد هذا الحركة العلمانية كما تعرِّفه المصادر الغربية التي حاولت حده. ونقتصر في حدنا للمصطلح على المفهوم الثالث والأخير له، أي "اللائيكية" (laïcité) الذي أدخل في الاستعمال في فرنسا سنة 1871، ذلك لأن مفهوم "العَلْمانية" (laicism) القديم أي جعل الشيء عاميا بعكس الكهنوتي (= "عَوْمَنة") وكذلك مفهوم "الدنيوية؛ الدهرية" (secularism) الذي نشأ في إنكلترا سنة 1851 مفهومان نصرانيان يتعلقان بالديانة النصرانية ومؤسساتها الكهنوتية والدينية ولا يمكن – بحال من الأحوال - سحبهما على السياق الإسلامي لأنه لا كهنوت في الإسلام. ويستفاد من هذين المصطلحين، بشكل عام، إخراج الشخص أو الشيء من خاصة الكهنوت إلى عمومية العلموت بجعله عامّيا دنيويا كما تقدم مرارا، بينما تنادي اللائيكية الفرنسية بفصل الكنيسة عن الدولة بإخراج الكنيسة من الحياة السياسية الاجتماعية في الدولة كليا وعدم السماح للكهنة بممارسة أي دور خارج جدران الكنائس. فـ "العومنة" (laicism) وكذلك "الدنيوية؛ الدهرية" (secularism) هما عملية تحرر من سلطة الكهنة الذين أصبحوا ـ بعد تنصر قسطنطين وجعله النصرانية دينا رسميا لبيزنطة ـ جزءا لا يتجزأ من "الدنيا" (saeculum)، بينما اللائيكية الفرنسية (laïcité) عملية عكسية الآلية لأنها تهدف إلى تحرير المجتمع من الكنيسة. وهذا يعني أن العلمانية ـ سواء أكانت عملية تحرر ذاتية من سلطة الكنيسة والكهنة أو عملية حركية لتحرير السياسة والمجتمع من سلطة الكنيسة والكهنة ـ حركة متصلة اتصالا وثيقا بالديانة النصرانية لأنها عملية فك اشتباك طوعي أو قسري عنها. ولاستيعاب هذه النقطة ينبغي العودة إلى بداية نشوء النصرانية وانتشارها في الدولة الرومانية التي كانت قائمة وقتها. فكانت النصرانية ـ قبل تنصر قسطنطين في القرن الرابع وجعله النصرانية دين الدولة في الدولة البيزنطية، ديانة مضطهدة. وقد فرض الاضطهاد الروماني على النصرانية نوعا من البراجماتيكية التي نجد صداها في المقولة الشهيرة التي ينسبها الإنجيلي متى (إنجيل متى الإصحاح 22 الآية 21) إلى المسيح عليه السلام: "فقال لهم: أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله". وهذا يعني فصلا تاما بين الديانة النصرانية المغلوب على أمرها آنذاك، وبين الدولة الرومانية الغالبة. إلا أن الحالة تغيرت بعد تنصر القيصر قسطنطين وجعله النصرانية ديانة الدولة البريزنطية. فحدث بعد ذلك تداخل كبير بين الديانة النصرانية ممثلة بالكنيسة والكهنة من جهة، والسياسة والمجتمع وما إليهما من جهة أخرى. فأصبح الكهنة النصارى يمارسون وظائف دنيوية لم يكونوا يمارسونها قبل تنصر قسطنطين، ثم أحكموا سيطرتهم على كل ما له علاقة بالمجتمع. فأتت الحركة العلمانية الأولى (laicism/secularism) التي عبّرنا عنها بـ (العَوْمنة)، وهي الحركة التي يحدها معظم بل كل مؤرخي العلمانية تقريبا على أنها عملية تحرر من سلطة الكنيسة، بدأت في اللحظة التي بدأ التداخل فيها بين الكنيسة والمجتمع أي بعد تنصر قسطنطين وجعله النصرانية دين الدولة الرسمي، وهو التداخل الذي بلغ أوجه عندما أصبح البابا يطالب بما سمي وقتها بـ "القوة المطلقة" (plenitudo potestatis). إذن بدأت حركة العلمانية الأولى في الوقت الذي سيطرت فيه الكنيسة على السياسة والاجتماع ابتداء من أواخر القرن الرابع للميلاد، ولا يمكن ـ مهما حاولنا ـ فصل الحركة العلمانية الأولى (laicism/secularism) والتالية (laïcité) عن الديانة النصرانية. بل إن العلمانية لا يمكن فهمها قط دون فهم تاريخ النصرانية والكنيسة في الغرب. ولا يمكن لغير النصراني أن يعتنق مبادئ العلمانية وأن يتذوق لطائفها لأن تداخل الكنيسة بالسياسة والمجتمع هو الذي يبرر نشوء العلمانية في الغرب النصراني آنذاك وتطورها فيه. وهذا التداخل بين النصرانية والكنيسة والسياسة والمجتمع هو تداخل سببي لا يمكن تجاهله عند الحديث في العلمانية، وهو الذي حدا بالفيلسوف الماركسي الفرنسي إرنست بلوخ (Ernst Bloch) إلى اعتبار الإلحاد العلماني منتجا نصرانيا بامتياز، وهو الذي يفسر مقولته الشهيرة: "فقط المسيحي الحقيقي يمكن أن يكون ملحدا ممتازا، وفقط الملحد الحقيقي يمكن أن يكون مسيحيا ممتازا".[30]لذلك يحد فردناند بويسون (Ferdinand Buisson) العلمانية الفرنسية في مقالة له بعنوان laïcité "اللائيكية" على أنها حركة تسعى إلى (أ) تحقيق الفصل بين المجالات المختلفة للأنشطة العمومية في المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية والعلمية إلى سائر المجالات التي كانت – نتيجة لغموض الرؤية في الماضي - منصهرة في بوتقة واحدة؛ و(ب) تحقيق استقلالية هذه الأنشطة العمومية عن العامل الديني الذي لم يعد عاملا موحدا للمجتمع.[31] ويقصد بقوله "غموض في الرؤية" خضوع سائر الأنشطة العمومية لسلطة الكنيسة ورؤيتها. فالفصل بين هذه الأنشطة من جهة وتحقيق استقلاليتها عن الكنيسة من جهة أخرى هما لب اللائيكية الفرنسية. وقد مأسس اللائيكيون الفرنسيون الفصل والاستقلالية سنة 1905 عندما أقروا قانون "فصل الكنيسة عن الدولة" (Séparation des Églises et de l'État). لذلك سنقصر حديثنا من الآن فصاعدا على "اللائيكية" (laïcité) الفرنسية التي استحالت إيديلوجية تشمل جميع معاني التحرر من الكنيسة ومن كهنوتها وتحرير الدولة والمجتمع منها ومنهم. وهي الإيديلوجية العلمانية التي يسميها عبدالوهاب المسيري (العَلْمانية الشاملة)[32]، وهي المقصودة على الدوام في خطاب العلمانيين العرب.

    بعد تبيين معنى العلمانية بإيجاز شديد، وعدم وجود أية علاقة بين الربط الخاطئ بين (العلمانية) وبين (العِلْم) ونطقها بكسر العين، نعود إلى سؤالنا من جديد: هل العلمانية منهج علمي؟

    رأينا أن أعلاه أن العلمانية حركة تهدف إلى التحرر من سلطة الكنيسة على السياسة والمجتمع. من المؤسسات الاجتماعية الأنظمة التعليمية التي كانت سائدة في الغرب قبل عصر التنوير والثورة الفرنسية. كانت تلك الأنظمة خاضعة ـ بدرجات متفاوتة ـ لسلطة الكنيسة. وكانت الكنيسة تعارض أي حركة علمية أو نشاط علمي أو اكتشاف علمي يخالف قناعات الكتاب المقدس (العهدين القديم والجديد) وكذلك أعمال آباء الكنيسة وكبار لاهوتييها. وقد أدت معارضة الكنيسة هذه إلى وقوع مآس كثيرة في التاريخ الأوربي، ليست "قائمة الكتب المحرَّمة" (Index librorum prohibitorum) التي تحتوي على الكتب المحرم على الكاثوليك قراءتها (ألغيت هذه القائمة رسميا سنة 1966)، وليست محاكم التفتيش فيما بعد إلا بعض مظاهرها المأسوية. وقد أدى ذلك إلى منع لكتب الفلاسفة والعلماء الذين طوروا رؤى تختلف عن رؤية الكنيسة، كما أدى إلى تحريق محجموعات كثيرة من البشر والكتب بسبب اختلاف الرؤى. وليست واقعة صدام نيقولاس كوبرنيكوس (مات 1543) وتلميذه جاليليو جاليلي (مات سنة 1642) مع الكنيسة بخصوص ما قالا به من لامركزية الأرض في الفلك إلا فيضا من غيض. ولعل هذا الصدام هو الذي جعل من جاليليو جاليلي ومن "أستاذه" نيقولاس كوبرنيكوس أسطورتين .. فجاليليو جاليلي ونيقولاس كوبرنيكوس عالمان غربيان يحتلان مكانة خاصة في الذاكرة الغربية، ويرى فيهما الكثيرون ثائرين كبيرين واجها لاعقلانية الكنيسة الكاثوليكية آنذاك ليؤسسا بمواجهتهما تلك لثورة علمية كبيرة في الغرب. ومما زاد في أهميتهما أن أعداء الكنيسة الكاثوليكية التقليديين من علمانيين ولادينيين وأنسنيين ودنيويين ودهريين ولائيكيين جعلوا منهما رمزين يمثلان انفتاح العقل وإشراقه مقابل تزمت الدين وانغلاقه .. فاستغل العلمانيون واللائيكيون الغربيون جاليليو وكوبرنيكوس استغلالا كبيرا في ثورتهم على الكنيسة الكاثوليكية التي اضطرت سنة 1983 إلى الاعتذار رسميا لجاليليو جاليلي وذلك على الرغم من أن البحث العلمي اليوم أثبت أن مرد سمعة جاليليو وكوبرنيكوس إنما هو إلى جرأتيهما في مواجهة الكنيسة الكاثوليكية، وليس إلى إسهامهما العلمي .. ونحن لا نقصد هنا النيل من جاليليو جاليلي ومن "أستاذه" نيقولاس كوبرنيكوس، ما نريد أن نطرحه هنا انعدام وجود أي سبب مقنع لذلك الحماس الذي يدب في أوصال اللائيكيين العرب الذين يستشهدون على العرب والمسلمين بعظمة جاليليو جاليني في مواجته تزمت الدين (اقرأ: الكنيسة الكاثوليكية!)، وشجاعة "أستاذه" كوبيرنيكوس في جرأته على الطعن في صحة رواية العهد القديم التي تذهب إلى أن الرب أوقف الشمس عن الدوران حول الأرض دورة كي يدوم النهار أربعا وعشرين ساعة فيتمكن يشوع من تقتيل أعدائه تقتيلا (انظر سفر يشوع، الإصحاح العاشر) .. والمشكلة تكمن في أن الشمس ـ حسبما أثبت العلم ـ ليست هي التي تدور حتى تتوقف عن الدوران، بل الأرض، مما يثير الريبة في رواية التوراة. فالاستشهاد على المسلمين بأهمية جاليليو وكوبيرنيكوس واستغلال موقف الكنيسة منهما وبطولتهما في سبيل العلم كل ذلك يُفهم على أنه دعوة مبطنة إلى محاربة ما يتوهمونه على أنه "كنيسة إسلامية" وتقليم أظافرها مثلما قلمت الثورة الفرنسية أظافر الكنيسة الكاثوليكية ..

    وهذا كله كلام لا يستقيم لأسباب كثيرة أهمها: (1) أن كلام جاليليو جاليلي و"أستاذه" نيقولاس كوبرنيكوس قبله موجود بحذافيره في رسالة "تذكرة في علم الهيئة" لنصير الدين الطوسي المتوفي سنة 1274[33] و(2) أن جاليليو جاليلي و"أستاذه" نيقولاس كوبرنيكوس درسا في جامعة بودوا في إيطاليا التي أسست سنة 1222. يقول الأستاذ ميشيل ليزينبرغ في كتابه "تاريخ الفلسفة الإسلامية"، عند شرحه لنظام الطوسي الفلكي ومقارنة نظام كوبيرنيكوس الفلكي به: "وهكذا نرى أن نظام كوبيرنيكوس الفلكي يتطابق مع نظام الطوسي الفلكي ويلتقي معه حتى في التفاصيل الدقيقة. إن الفرق الوحيد بينهما هو أن كوبيرنيكوس يجعل الشمس وليس الأرض في المركز. ولا يشك منظرو العلم الذين يُعَوَّل عليهم اليوم في أن كوبيرنيكوس عرف نظام الطوسي الفلكي [وانتحله!] .. بل يختلفون فيما بينهم في كيف [والتوكيد للكاتب] عرف كوبيرنيكوس نظام الطوسي الفلكي".[34] يقول: إن العلماء اليوم لا يختلفون عن انتحال كوبرينيكوس لنظام الطوسي الفلكي .. بل يختلفون في الكيف .. ونحن لا ندري كيف فات الكاتب وهؤلاء العلماء أن جاليليو جاليلي و"أستاذه" نيقولاس كوبرنيكوس درسا في جامعة بودوا في إيطاليا التي أسست سنة 1222، وأن جاليليو درّس بها أيضا، وأن العلوم التي كانت تدرس في جامعة بودوا هي العلوم الإسلامية .. وهي العلوم التي كان يدرّسها عرب مسلمون وعرب نصارى ومستعربون .. إذن المشكلة، مشكلة العلاقة بين العلم والدين مشكلة لاهوتية نصرانية لا شأن للإسلام والمسلمين بها، ولا يجوز عكسها على واقع إسلامي لم يكن يعرف هذه المشلكة لا من قريب ولا من بعيد .. وفي الاستشهاد بكوبرنيكوس وجاليلي على المسلمين – والحالة هذه – مزايدة مبعثها الجهل بالتاريخ أولا ثم الابتلاء بداء الملكية أكثر من الملك .. فهذا حديث سبقهما إليه أحد علماء المسلمين ـ وهو نصير الدين الطوسي ـ بثلاثة قرون على الأقل .. وحسب علمنا لم يطارد نصير الدين الطوسي أحد بسبب اكتشافه العلمي الرائد، ولم تدنه "الكنيسة الإسلامية" ـ التي يُراد بمثل هذا الاستشهاد أن يُفترض وجودها افتراضا تمهيدا لترسيخ وجودها في الأذهان والإقرار بوجودها في نهاية المطاف ..

    خاتمة:

    نستنتج مما تقدم أن مصطلح (عَلْمانية) وُضِعَ في العربية أولا للدلالة على: (أ) مفهوم (العَلْمانية) القديم أي جعل الشيء عاميا بعكس الكهنوتي (= "عَوْمَنة"). ثم حُمِّل مصطلح (العَلْمانية) في العربية: (ب) مفهوم "الدنيوية؛ الدهرية" (secularism) الذي نشأ في إنكلترا سنة 1851، و(ج) مفهوم الإيديولوجة العَلْمانية "اللائيكية" (laïcité) الذي أدخل في الاستعمال في فرنسا سنة 1871 للدلالة على هذه الإيديولوجية فيها.


    ثم حُمِّل المصطلح لدى أكثر الناس معانٍ أخرى مثل (الإلحاد). وتحميل أكثر الناس مصطلح العَلْمانية معنى (الإلحاد) هو عملية تأويلية معنوية مماثلة لتحميل العَلْمانيين العرب مصطلح العلمانية معنى (العِلْم) بكسر العين .. فمثلما يؤوِّل العَلماني العربي العَلمانية على أنها منهج علمي ويسحب تجربة الصراع بين العلماء الغربيين والكنيسة الغربية على الإسلام ليرتكب بذلك خطأ منهجيا تاريخيا ـ ذلك أن الإسلام لم يعرف في تاريخه صراعا بين أهل النقل والعقل يمكن أن يقارن، ولو بنسبة ضئيلة جدا، بالصراع المرير بين أهل العلم والنقل في الغرب قبل عصر النهضة فيه ـ فكذلك يؤوّل المتلقي العربي ـ حتى المثقف ثقافة عالية ـ العَلْمانية على أنها إلحاد وكفر وهرطقة غربية .. فالعربي لا يثق كثيرا بالعَلْمانية، سواء أكان يعرف تاريخها ومفاهيمها الأصلية أم لا، وذلك لأسباب لا يتسع المقام هنا لذكرها. من تلك الأسباب: التنوع النسبي داخل تجربة العَلمانية الغربية، منذ نشأتها وحتى اليوم، وخصوصا التمايز المعروف بين عَلْمانيتين اثنتين، واحدة بمثابة تيار مدني إنسني عام يدعو إلى التحرر من هيمنة الكنيسة دون إلغائها (يسميها عبدالوهاب المسيري: "العلمانية الجزئية")، نجدها في كل دول الغرب بدرجات متفاوتة. وأخرى بمثابة إيديولوجية سياسية حركية (يسميها عبدالوهاب المسيري: "العلمانية الشاملة") تقوم عليها الدولة، نجدها في فرنسا وتركيا فقط .. ففرنسا وتركيا هما الدولتان الوحيدتان اللتان تطبقان العلمانية تطبيقا شموليا يهدف إلى إلغاء دور الدين كليا من المجتمع .. لذلك يطلق خصوم هذا التيار عليه اسم (اللادينية) بامتياز. بل إن الأتراك استعملوا هذا المصطلح برهة للدلالة على هذه الإيديولوجية العَلْمانية قبل استعارتهم الكلمة الفرنسية layk وكذلك laiklik لأنها أقل إثارة لمشاعر المسلمين الأتراك من "لاديني" (ladini) التي استعملوها في بداية القرن العشرين.[35] ولعل رمي أكثر العرب والمسلمين علمانيي العرب بالإلحاد ناتج عن كون معظم العلمانيين العرب ـ على الأقل من نقرأ لهم ـ من أتباع الإيديولوجية العلمانية الفرنسية، وهي العَلمانية الشاملة التي تدعو إلى فصل الدين عن الدولة بالقوة، وإخراج الدين كليا من الحياة العامة. فلقد أخفق أتباع التيار العلماني واللائيكي العربي إخفاقا كبيرا في استقراء التراث الإسلامي استقراء يمكنهم من تطوير العقلانية الحاضرة بقوة فيه بدلا من استيراد إيديولوجية علمانية فرنسية متطرفة تطرفا له ما يبرِّره تاريخيا في الغرب، ولكن ليس له ما يبرِّره عند العرب والمسلمين، لا في الماضي ولا في الحاضر.

    وعليه فإنه يبدو مما سبق بجلاء ألا علاقة بين مصطلح العَلْمانية وبين العِلْم، مهما كانت تلك العلاقة ضئيلة. ونحن لا نشك في أن خلط هذه المفاهيم كلها في كلمة (عَلْمانية) ثم نقطها بكسر العين للإيحاء بأنها من العِلْم أو أنها منهج علمي، إنما هو خلط مثير للاستغراب وربما الشبهة، لأنه يهدف إلى ترسيخ مصطلح لا تستسيغه البيئة العربية الإسلامية بأساليب غير طبيعية .. وقد يفيدنا البحث في المجلات التي كانت تصدر ما بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين ـ مثل المقتطف والمقطم وغيرهما ـ في استقراء عملية التوسع الدلالي الذي شهده آنذاك مصطلحُ (العَلْمانية) ليشمل معنَيَيْ "الدنيوية" (secularism) واللائيكية (laïcité) .. في أثناء ذلك نقترح تمييز المفاهيم الثلاثة المجتمعة في كلمتنا (عَلْمانية) بثلاثة مصطلحات مختلفة كما يلي:

    1. قصر استعمال مصطلح (العَلْمانية) للدلالة على المفهوم القديمlaicism/laïcisme الذي يعني "جعل الشيء عاميا" فقط (ويرادفه في هذا المعنى: مصطلح "عَوْمَنة" الذي اخترعناه لشرح المفهوم الأصلي)؛
    2. استعمال مصطلح "الدنيوية" للدلالة على مفهوم الـ secularism الذي نادى به جورج هوليوك سنة 1851. (ويرادفه في هذا المعنى: مصطلح "الدهرية")؛
    3. استعمال اللفظ المنقحر "لائيكية" للدلالة على "الإيديولوجة العلمانية" الفرنسية laïcitéالذي أدخل في الاستعمال في فرنسا سنة 1871. (ويرادفه في هذا المعنى: "اللادينية").
    [/align]

    ************


    مراجع بالعربية


    بطرس البستاني (1987).محيط المحيط. مكتبة لبنان، بيروت.
    برنارد لويس (2009). أين الخطأ: التأثر الغربي واستجابة المسلمين. ترجمة د. محمد عناني، الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة.
    رفاعة الطهطاوي (1993). تخليص الإبريز في تلخيص باريز. القاهرة. الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة.
    عبدالله البستاني (1927). البستان. مجلدان المطبعة الأمريكانية. بيروت.
    عبدالوهاب المسيري (1423/2002). العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. دار الشروق. مجلدان.
    المعجم الوسيط . إصدار مجمع اللغة العربية في القاهرة سنة 1965. مجلدان.


    مراجع باللغات الأجنبية

    Barthélemy A. (1935). Dictionnaire arabe–français. Paris. 2 tom.
    BAUBÉROT, Jean (1996)."Genèse du concept de laïcité en occident", in: M. Bozdémir (dir.), Islam et laïcité. Approches globales et régionales, Paris 1996, pp. 13-26.
    Berger P.L. (1990). The Sacred Canopy, New York.
    Brockelmann C. (1925). Syrische Grammatik met Paradigmen, Literatur, Chrestomathie und Glossar. Berlin. Reuther & Reichard.
    Brockelmann C. (1928). Lexicon Syriacum. Hale. Sumptibus M. Niemeyer.
    Buisson Ferdinand(1982-1987). Dictionnaire de pédagogie et d'instruction primaire (deux éditions, en 1887 et en 1911). – Réédition: Alcan, Paris, 1929.
    Buisson Ferdinand, La foi laïque : extraits de discours et d'écrits, 1878-1944, Latresne (Gironde): le Bord de l'eau, collection « Bibliothèque républicaine », 2007, 297 p.
    Chadwick O. (1975). The Secularization of the European Mind in the 19th Century. Cambridge 1975.
    De Ley H. (2007). Secularisme & Religie. Cursusmateriaal van prof. dr. em. Herman De Ley. http://www.flwi.ugent.be/cie/RUG/deley33.htm
    Dozy R. (1881). Supplement aux Dictionnaires Arabes. II tom. Leyde.
    Ellious Bocthor (1828-1829). Dictionnaire français-arabe. Revu et augmenté par Caussin de Caussin de Perceval. Paris (3° édition, 1864).
    FREYTAG, G. W(1830-1837). Lexicon Arabico-Latinum praesertim ex Djeuharii Firuzabadiique et aliorum Arabum operibus adhibitis Golii quoque et aliorum libris confectum. Halis Saxonum: C.A. Schwetschke et filium.
    Gasselin E. (1886). Dictionnaire Français-Arabe (Arabe vulgaire - Arabe grammatical). Paris, Ernest Leroux Editeur. 2 tom.
    Goshen-Gottstein M.H. (1970). A Syriac-English Glossary etc. Otto Harrassowitz. Wiesbaden.
    Kazimirski A. (1860). Dictionnaire arabe–français. Paris, Maisonneuve et Larose, 2 vol.
    Klein E. (1987). A Comprehensive Etymological Dictionary of the Hebrew Language for the Readers of English. New York.
    Koehler L. & Baumgartner W. (1953). Lexicon in Veteris Testamenti Libros. Leiden.
    Lane E. W. (1863-93). Arabic-English Lexicon ... VIII vols. London.
    Leezenberg Michel (2008). Islamitische Filosofie. Een Geschiedenis. Bulaaq, Amsterdam.
    Le Grand Robert de la Langue Française. Montréal; 1985.
    Lewis B. (1988). The political language of Islam. Chicago.
    Ragep F.J. (1993). Nasir al Din al-Tusi's Memoir on Astronomy (al-tadhkira fi ilm al-hayya). II vols. New York/Berlin: Springer

    **********

    الحواشي:

    [1] صدرت هذه المقالة في مجلة (ترجمان) التي تصدرها مدرسة الملك فهد العليا للترجمة في طنجة التابعة لجامعة عبدالمالك السعدي في تطوان، المغرب. (مجلة ترجمان، المجلد 20، العدد 1، أبريل 2011، الصفحة 11-54).
    [2] عبدالوهاب المسيري (1423/2002). المجلد الأول، الصفحة 61.
    [3] وهذه الظاهرة، ظاهرة وجود مرادفات مصطلحية عربية متعددة إزاء مفهوم غربي واحد، من معضلات الثقافة العربية المعاصرة العويصة، وهي السبب في تشتت جهد الدارسين وكذلك في الكثير من الخلافات بين المثقفين. من ثمة الدعوة المتكررة إلى ضرورة ضبط المصطلح قبل الحديث في مدلولاته. انظر: Alsulaiman A., 2009).) صفحة 83 وما يليها.
    [4] عبدالوهاب المسيري (1423/2002). المجلد الأول، الصفحة 61.

    [5] المعجم الوسيط. (مادة علم، صفحة 624).
    [6] هيرمان ديلاي: "العلمانية والدين" De Ley Herman, 2007))، الصفحة 1-2.
    [8] أو "الأبدية" كما توهم مترجم العهد القديم إلى العربية الذي ترجم العبارة גַּם אֶת-הָעלָם, נָתַןבְּלִבָּם بـ "وَأَيْضًا جَعَلَ الأَبَدِيَّةَ فِي قَلْبِهِمِ" ليجعل مجمل الآية غير واضح. انظر Klein E. (1987) مادة עולם (صفحة 473).
    [9] هيرمان ديلاي: "العلمانية والدين" De Ley Herman, 2007))، الصفحة 2.

    [10] ورد اسم /يهوه/ اسمَ علم للإله المعبود بحق في اليهودية. ولأن لفظ /يهوه/ محرم على اليهود فإن أحدا لا يعرف كيف كان يلفظ، لذلك ينطق اليهود بدلا عنه في أثناء تلاوة التوراة أحد لفظين اثنين هما: השם = /هاشِّم/ أي "الاسم" أو אדני = /أدوناي/ أي "السيد، الرب". أما في أدبيات الكتاب المقدس فيشار إليه بـ Tetragrámmaton من اليونانية Τετραγράμματο أي "الأحرفالأربعة".وأما نطق الاسم بـ جهوفا (Jehovah)، فهو نطق يفترض أن /يهوه/ هو مضارع الفعل הוה = /هوى/ "كان" في العبرية، وهو الافتراض المبني بدوره على الآيتين الثالثة عشرة والرابعة عشرة من سفر الخروج في التوراة حيث جاء فيهما: וַיּאמֶר אֱלהִים אֶל-משֶׁה אֶהְיֶה אֲשֶׁר אֶהְיֶה: /النقحرة: وَيُومِر إِلُوهِيم إِلْ مُوشِه إِهْيِهْ أَشِرْ إِهْيِهْ (ehyeh ašer ehyeh)/ "فقال الإله لموسى: [تقول لهم إن اسمي:] إِهْيِهْ أَشِرْ إِهْيِهْ".
    [11] انظر معجم روببر الكبير للغة الفرنسية. (Le Grand Robert)، المجلد 5، الصفحة 915. ويذكر جان بوبريوت في "ولادة مصطلح اللائيكية في الغرب" أن أول ظهور للمصطلح كان في معجم صدر في أجزاء واكتمل سنة 1887، وضعه الفرنسي الحائز على جائزة نوبل فرديناند بويسون (Ferdinand Buisson, 1982-1987). انظر (BAUBÉROT, Jean, 1966)، صفحة 13. وهذا يناقض ما جاء في معجم روبيرت الكبير وهو أهم مرجع للغة الفرنسية.
    [12] وهذا ما يفسر حدة الموقف الفرنسي من حجاب المسلمات في المدارس الفرنسية، بينما لا يشكل ذلك مشلكة على الإطلاق في المدارس البريطانية على سبيل المقارنة.
    [13] لم ترد كلمة (علم) بفتح العين بمعنى (العالم) في المصادر العربية القديمة لأنها كما تقدم مستعارة من السريانية. وأول معجم عربي أوردها هو محيط المحيط للبستاني (1870) كما تقدم. وقد وردت كلمة (علم) بفتح العين بمعنى (العالم) أيضا في (المعجم العربي اللاتيني) لفرايتاغ FREYTAG, G., 1830-1837).(Wحيث جاء في مادة (علم): عَلم: creatae, mundus. وأوردها هكذا من بعده كازيميرسكي في معجمه العربي الفرنسي (Kazimirski A., 1860). انظر مادة (علم)
    [14] يلاحظ أن أداة التعريف في الآرامية الفصيحة وكذا في السريانية القديم هي ألف المد وتكون آخر الكلمة. والسريانية مثلها في ذلك مثل الحميرية التي تجعل أداة التعريف ـ وهي النون - في آخر الكلمة أيضا (مثلا: ذهبن = الذهب)
    [15] انظر (Klein E.: 1987) مادة עולם (صفحة 473).
    [16] وهذا بيان آخر للمتخصصين في اللغات السامية وفقهها: لو كانت السريانية (ܥܠܡܐ: عَلْما) من الموروث السامي المشترك لكان مقابلها العبري من ذوات السيغول (حركة عبرية ممالة نحو الكسر)، ذلك أن كل كلمة سريانية على وزن /فَعلا/ يجانسها تأثيليا في العبرية /فِعِل/ بإمالة الفاء والعين نحو الكسر، ويجانسها في العربية /فعل/ على وزن كلب (قارن العربية /كلب/ والسريانية /كلبا/ والعبرية كِلِب). وهذا دليل صرفي وتأثيلي على عدم كينونة الكلمة السريانية (ܥܠܡܐ: عَلْما) من الموروث السامي المشترك وأنها أي (عَلم) في العربية دخيلة من السريانية.
    [17] لن نشغل أنفسنا ههنا بالبحث في السؤال عما إذا كانت لغة الأناجيل – وبالتالي النصرانية – الأولى هي اليونانية أم السريانية، لأنه سؤال غير مهم في هذا السياق فضلا عن أن الإجابة عليه ستزيد من تعقيد الحديث في هذه المصطلحات فوق ما هو معقد.
    [18] هذه الحقيقة اللغوية التاريخية نبّه عليها أيضاً المستشرق المعروف برنارد لويس في كتابه "أين الخطأ" (في الفصل الخامس "العلمانية والمجتمع المدني"، إذ قال، بعد استعراض جذور هذا المفهوم في الثقافة المسيحية ووجه الاختلاف بينها وبين الثقافة الإسلامية، ما يلي: "ولكن انتشار التأثير الغربي اعتباراً من القرن التاسع عشر جعل المسيحيين الناطقين بالعربية - والذين كانوا كثيراً ما يتلقون تعليمهم في المدارس الغربية، والذين كانوا أكثر انفتاحاً على الأفكار الغربية - يضطلعون بدور رئيسي في نقل هذه الأفكار. فكان أن قدَّم المعجمُ العربيُ المسيحيُ جانباً مهماً من المفردات الجديدة التي أسهمت في تشكيل العربية المعاصرة. وكان من المصطلحات المسيحية التي شاع استعمالها مصطلح "عالماني" التي تحوّلت فيما بعد إلى "عَلَماني"، وتعني حرفياً: ما له علاقة بالعالم، أي دنيوي. وأصبحت الكلمة مرادفة لمصطلح: الزمني، وغير الديني، وغير الكنسي جميعاً. وابتدعت في وقت لاحق كلمة دخيلة مترجمة هي "روحاني" المشتقة من "روح" للدلالة على المعنى المضاد. ومن عهد جدّ قريب، نسي الناس أصل كلمة "عالماني" واشتقاقها المسيحيَّيْن، وحرّفوها في النطق إلى "عِلماني" المشتقة من "العِلم". وأسيء فهمها إذ أصبحت تشير إلى مذهب مَن يزعمون وجود تعارض بين العلم البشري والتنزيل الإلهي". (برنارد لويس 2009 ص 159). مع الشكر الجزيل للباحث المصري الزميل أحمد الأقطش الذي أضاف هذه الحاشية المهمة إلى هذه المقالة.
    [19] انظر: http://www.etymonline.com/index.php?term=lay.
    [20] انظر بشأن مادة (ܥܠܡܐ: عَلْما) كلا من: Goshen-Gottstein M.H. (1970) صفحة 58؛ وBrockelmann C. (1928) مادة ܥܠܡܐ وكذلك Brockelmann C. (1925) المختارات الأدبية (Chrestomathie) وكذا مادة ܥܠܡܐ في المسرد.
    [21]جاء أيضا في الصفحة 3 من كتاب "لغة الإسلام السياسية" للمستشرق برنارد لويس (Lewis B., 1988) بخصوص دخول مصطلح "علمانية" في الاستعمال ما نصه:"في القرن التاسع والقرن العشرين، وتحت تأثير الأفكار والمؤسسات الغربية، نشأت مصلحات جديدة في الإسلام للدلالة على مفهوم تيار الدنيوية، في اللغة التركية أولا، ثم في العربية ثانيا. ففي التركية استعمل المصطلح "لاديني" [ladini] أولا، ثم غيّر فيما بعد إلى "لايك"[layk] المستعار من اللغة الفرنسية. أما في العربية فقد أخذ القوم الكلمة عن الاستعمال اللغوي للنصارى العرب. فلقد اشتق النصارى العرب، في استعمالهم اللغوي المخصوص بهم[والتوكيد لي] كلمة "عَلماني"" [‘alamani] من "عَلم"، ثم أعيد تشكيل الكلمة لتصبح "عِلماني" [‘ilmani] من "عِلم".
    [22] عنوان المعجم بالفرنسية: Ellious Bocthor (1828-1829), Dictionnaire français-arabe. Revu et augmenté par Caussin de Caussin de Perceval. Paris (3° édition, 1864). [23]انظر الحاشية رقم 17.
    [24] انظر بطرس البستاني (1987)، ص 62. مادة (علم). وقد يكون البستاني اعتمد أيضا على كتاب رفاعة الطهطاوي (رفاعة الطهطاوي:1993)
    [25] ومن المثير للانتباه أن عبدالله البستاني صاحب معجم (البستان – صدر سنة 1927) ـ وهو مثل معجم محيط المحيط لبطرس البستاني حجما ومادة، ذكر العلم بفتح العين بمعنى العالم ولم يذكر (علماني). وهذا مثير للتأمل لأنه يعني أن اللفظة في سنة 1927 لم تكن موطنة في العربية .. عبدالله البستاني (1927). مادة (علم).
    [26] صدر معجم دوزي سنة 1881، وهي السنة التي يؤرخ فيها لتاريخ ظهور المصطلح الفرنسي laïcité (لائيكية). وهذا التاريخ مهم جدا أهمية هذا المعجم، ذلك لأن الهولندي رينهارت دوزي جمع في معجمه العربي الفرنسي أكثر الألفاظ العربية التي لم ترد في المعاجم العربية ليس لأن المعاجم العربية أهملت تلك الألفاظ سهوا بل لأن تلك الألفاظ لم تكن تدخل في منظومة الكلام الفصيح كما كان أهل المعاجم يفهمونه ويعملون به. ومن هذا الكلام الذي لم يدخل في منظومة الكلام الفصيح كما كان أهل المعاجم يفهمومه: نصوص الأدب الشعبي شبه العامي (مثل سيرة عنتر وسيرة بني هلال الخ.) والنصوص العربية التي كتبها النصارى واليهود وأتباع الديانات والفرق الأخرى في موضوعات مخصوصة بدياناتهم وتاريخهم الخ. وكان هؤلاء الكتاب لا يلتزمون بقواعد اللغة العربية كما كان المسلمون يلتزمون بها لأسباب معروفة، بل كانوا يكتبون العربية كما ينطقونها تقريبا. ونصوصهم ـ في هذا السياق ـ كنز لغوي غني لدراسة تطور اللهجات العربية في العصور الوسيطة. ولا يشذ عن هذا القول إلا كتاب قليلون مثل الاغوي اليهودي مروان بن جناح القرطبي والأديب موسى بن عزرا وغيرهما. ونظرا للخصوصية والمميزات اللغوية الكثيرة لتلك النصوص ولغاتها، فقد أطلق عليها في الأوساط البحثية المخصوصة بها تسميات مثل Judaeo-Arabic (العربية اليهودية) وكذلك Christian Arabic (العربية النصرانية). من علامات هاتين العربيتين أنهما كانتا تكتبان بالكتابة االعربية والعبرية والسريانية واليونانية واللاتينية، وأنه لا إعراب فيهما ولا تمييز بين (هم/هن) .. وفي الحقيقة إن معجم دوزي أعلاه ـ وهو أشهر من نار على علم في سياق هذه الدراسات – يجمع أكثر الألفاظ الواردة في النصوص المكتوبة في (العربية اليهودية) وفي (العربية النصرانية). إن كثيرا من تلك المفردات المخصوصة بديانتي النصارى واليهود وسننهم وفقههم ليس من العربية بل من لغاتهم الأصلية وخصوصا العبرية والآرامية/السريانية (مثل علم ـ بفتح العين)، توطن في العربية التي كانوا هم يستعملونها والتي لم يعالجها أصحاب المعاجم العربية إما لأنها لم تكن فصيحة برأيهم لأن معايير الفصاحة عند المعجميين العرب التقليديين جد معقدة، أو لأنهم لم يطلعلوا عليها لأن أكثر تلك النصوص كان مدونا بكتابة غير عربية كما تقدم.
    [27] انظر Dozy R., 1881))، المجلد الثاني صفحة 165. مادة (علم).
    [28] انظر غزلان إدوارد (Gasselin Edouard, 1886) مادة Laïque.
    [29] أضاف الباحث المصري الأستاذ أحمد الأقطش إلى هذا البحث هذه المعلومة المهمة: (ويظهر مِمَّا كتبه رفاعة الطهطاوي (رفاعة الطهطاوي 1993 ج. 2 ص. 256) في الفصل الثاني عشر تحت عنوان "دين أهل باريس" أنه ترجم الفرنسيةlaïque إلى "العامة" في مقابل القساوسة. يقول: "ومن الخصال الذميمة: أن القسيسين يعتقدون أنه يجب على العامة أن يعترفوا لهم بسائر ذنوبهم ليغفروها لهم، فيمكث القسيس في الكنيسة على كرسي يُسمّى كرسي الاعتراف". وهذا هو المعنى الأصليّ للكلمة الفرنسية. والطهطاوي ذو ثقافة إسلامية، لذلك استخدم كلمة "العامة" - ومفردها "عامّي" - لتدلّ على عموم المنتسبين إلى الديانة الكاثوليكية مِمَّن ليسوا في السلك الكهنوتي. ومثل هذه الدلالة ليس لها وجود في الدين الإسلامي كما هو معلوم لعدم وجود كهنوت أصلا). وقد يكون غزلان إدوارد اطلع على كتاب الطهطاوي واستساغ مصطلحه أكثر من "علماني".
    [30] هيرمان ديلاي: "العلمانية والدين" De Ley Herman, 2007))، الصفحة 12.

    [31] هيرمان ديلاي: "العلمانية والدين" De Ley Herman, 2007))، الصفحة 3.
    [32] عبدالوهاب المسيري (1423/2002). المجلد الأول، الصفحة 61.
    [33] انظر Ragep F.J. (1993).

    [34] انظرLeezenberg M. (2008) صفحة 305.
    [35] انظر برنارد لويس (Lewis B., 1988)، صفحة 3.
    عبدالرحمن السليمان
    الجمعية الدولية لمترجمي العربية
    www.atinternational.org
  • د. م. عبد الحميد مظهر
    ملّاح
    • 11-10-2008
    • 2318

    #2
    أخى العزيز الأستاذ الفاضل د. عبد الرحمن السليمان

    تحية رمضانية طيبة ، وكل رمضان و أنت و الأسرة بكل خير

    أولاً: دراسة ممتازة و لك كل التقدير لهذا الجهد الرائع ، و كلى أمل أن تجد من يقرأها و يتأملها فى عالمنا العربى ، و خصوصاً أن من يكرر كلمة "عالمانية أو علمانية" لا يهتم كثيراً بتاريخ حياة هذا المصطلح و انتقاله من بيئة ثقافية و اجتماعية نشأ فيها إلى بيئة مخالفة وما حدث من تعدد للمعنى فى تاريخ حياة المصطلح ، و يعمم نتائج فهمه للمعنى الذى ارتضاه من خلال تبنيه أحد المفاهيم التى عرضتها حضرتك فى دراستك التأصيلية للمصطلح.

    ثانياً: هناك دراسة مطولة عن "العلمانية" عرضت فى جزء مختصر منها لبعض المعانى مثل التى جاءت فى دراسة حضرتك، ولكن تعريفها لم يكن شاملاً متقصياً مثل بحث حضرتك و لكنها حاولت الـتأسيس عليها لربطها باحتياجات الأمة العربية ، و مؤلفها قال أنه يتطلع إلى تلقى ملاحظات الأخوة لتضمينها فى كتاب يتضمن دراسته المنشورة على الرابط

    http://www.albadell.net/includes/print.asp?id=7583

    وربما يستفيد صاحب هذا البحث من دراسة حضرتك التأصيلية.

    ودمت لمنهجية العلم منارة

    و تحياتى

    تعليق

    • عبدالرحمن السليمان
      مستشار أدبي
      • 23-05-2007
      • 5434

      #3
      [align=justify]أخي العزيز د. عبدالحميد مظهر،
      حياك الله أجمل تحية وكل عام وحضرتك والأسرة الكريمة بخير.
      شكرا جزيلا على قراءتك المقالة وأمنيتك بأن يقرأها المثقف العربي غير المؤدلج ويتدبرّ ما جاء فيها. والحق يقال إني ما كتبتها إلا بعدما لمست لبسًا لدى أكثرية المثقفين ثقافة ممتازة من العرب في فهم مصطلح (العَلمانية).
      وشكرا جزيلا على الرابط، وعسى أن أتمكن من التواصل مع كاتب المقالة.
      وبارك الله فيك وجعلك منارة علم تضيء في ظلام هذه الأمة.
      وتحية طيبة عطرة.[/align]
      عبدالرحمن السليمان
      الجمعية الدولية لمترجمي العربية
      www.atinternational.org

      تعليق

      • عبدالرحمن السليمان
        مستشار أدبي
        • 23-05-2007
        • 5434

        #4
        [align=justify]إتمامًا للفائدة وإحاطًة بالموضوع، أضيف إلى المقالة أعلاه هذه الحاشية التي كنت وضعتها بعد الانتهاء من كتابة المقالة، لصلتها الموضوعية بها:[/align]
        المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحمن السليمان مشاهدة المشاركة

        [align=justify]اعلم أن إن تقسيم جمهور المؤمنين عند النصارى إلى خاصة وهم الكهنوت، وعامة وهم الجمهور العامي، تقسيم موجود في كل الديانات والملل التي فيها كهنوت وكهنة.

        ولقد لاحظنا في الموضوع الدائر في معرفة معتقدات "الموحدين الدروز" أن الدروز يقسمون، شأنهم في ذلك شأن النصارى، جمهورهم إلى خاصة وعامة، وأنهم يسمون الخاصة "العقال" والعامة "الجهال". وهذه التسمية ذات مغزى، فنصارى اليونان يسمون الجهال "علمانيين" ـ بفتح العين ـ نسبة إلى العالم، ولم يكن لهذه الكلمة معنى سلبي في الأول، إلا أنها سرعان ما اكتسبت معنى سلبيا، فصارت كلمة "علماني" ـ بمعناها الأصلي لا الحالي ـ تدل من هو عكس الكهنوتي في المستوى، أي الجاهل .. فالتسمية أصبحت فيما بعد تشنيعا، إلا أن التقسيم "عقال" لا يجهلون و"جهال" لا يعقلون عند الدروز مباشر، وسلبي، ومنذ البداية.

        وعليه فلدينا في تراثنا اللغوي العربي الأصلي ثلاث مقابلات ــ أو مكافئات مصطلحية وظيفية كما يقال في علم المصطلح ــ لكلمة "عَلماني" بالمفهوم اليوناني النصراني الأصلي، أي بمعنى "عكس الكهنوتي"، وهي:

        1."العلماني": وهذه كلمة من التراث اللغوي النصراني العربي، وهي ترجمة مستعارة ومركبة وفق قالب الكلمة السريانية ܥܠܡܝܐ: عَلمايا "عالماني/علماني" نسبة إلى ܥܠܡܐ: عَلما "عالم".

        2."العامة": وهذه كلمة من التراث اللغوي العربي العام، استعملها بهذا المعنى المخصوص معجميو المغرب العربي وكذلك رفاعة الطهطاوي في كتابه "تلخيص الإبريز في وصف باريز".

        3."الجهال": من التراث اللغوي الدرزي، ذلك أن الدروز يقسمون جمهورهم إلى "عقال" وهم الكهنة و"جهال" وهم العامة.

        [/align]
        عبدالرحمن السليمان
        الجمعية الدولية لمترجمي العربية
        www.atinternational.org

        تعليق

        • عبدالرؤوف النويهى
          أديب وكاتب
          • 12-10-2007
          • 2218

          #5
          [align=justify]أستاذنا وأخونا العزيز الدكاترة عبدالرحمن السليمان


          لقد أضفت إلى معلوماتى الكثير والكثير ،ووقفت بى عند شط الأمان ،فأدركت ما تفعله بنا الترجمات الخاطئة وما تحدثه من سوء فهم وبلبلة وعدم وعى بتاريخية المصطلحات ونشأتها ،وكمّ التدليس الذى ينتقل من جيلِ إلى جيل ،حتى يصبح حقيقةً غير قابلة إلى التكذيب..بل تصير الحقيقة القاطعة التى لايمكن مخالفتها .

          ولا أنسى كمّ المصطلحات القانونية التى تُرجمت من لغات كالفرنسية والإنجليزية والإيطالية والألمانية ،بعيداً عن تاريخية نشأتها ومدلولاتها فى واقعها ،مما أدى إلى سوء فهم .


          عاطر شكرى وتقديرى ومودتى
          [/align]

          تعليق

          • عبدالرحمن السليمان
            مستشار أدبي
            • 23-05-2007
            • 5434

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرؤوف النويهى مشاهدة المشاركة
            [align=justify]أستاذنا وأخونا العزيز الدكاترة عبدالرحمن السليمان

            لقد أضفت إلى معلوماتى الكثير والكثير ،ووقفت بى عند شط الأمان ،فأدركت ما تفعله بنا الترجمات الخاطئة وما تحدثه من سوء فهم وبلبلة وعدم وعى بتاريخية المصطلحات ونشأتها ،وكمّ التدليس الذى ينتقل من جيلِ إلى جيل ،حتى يصبح حقيقةً غير قابلة إلى التكذيب..بل تصير الحقيقة القاطعة التى لايمكن مخالفتها .

            ولا أنسى كمّ المصطلحات القانونية التى تُرجمت من لغات كالفرنسية والإنجليزية والإيطالية والألمانية ،بعيداً عن تاريخية نشأتها ومدلولاتها فى واقعها ،مما أدى إلى سوء فهم .

            عاطر شكرى وتقديرى ومودتى
            [/align]
            [align=justify]
            أستاذي الفاضل المحامي عبدالرؤوف النويهي،

            أجمل تحية.


            كرمك يغمرني، وثناؤك على أخيك محسوبك وسام يزدان به. وسعادتي عظيمة أن قدمت لك هذه المقالة معلومات إضافية. والحق يقال إن لحضرتك وللدكتور العزيز حكيم عباس والأستاذ الكريم محمد رندي الفضل في كتابتها، ذلك أن النقاش الغني معكم قبل سنتين من الآن هو الذي أوحى لي بوضع هذه المقالة التي رجوت لها أن تسد ثغرة معرفية لدينا.


            ومشكلة المصطلح العائم من أعوص مشاكل الثقافة العربية المعاصرة، ولا شك في أننا بحاجة إلى ضبط العديد من المفاهيم ذات الحمولات الثقافية المؤسساتية مثل (العلمانية) و(فصل الدين عن الدولة) و(الديموقراطية) و(الليبرالية) و(الأصولية) و(الدستور) و(القانون المدني) و(الأحوال الشخصية) و(الحداثة) والعديد العديد من المصطلحات المماثلة. وضبط المفاهيم الذي أدعو إليه ضروري جدا لفهم المصطلح أولا، ثم لفهم المفاهيم التي يدل عليه المصطلح ثانيا. وهذا شرط جوهري للتفاعل الحضاري والتلاقح الثقافي، إذ كيف يمكن لنا أن نتفاعل مع تيار فكري وثقافي وعلمي ونحن لا نفهم مصطلحاته ولا مفاهيمها الفكرية والثقافية والعلمية بالضبط؟


            مرورك أسعدني، فشكرا جزيلا وتحية طيبة مباركة.
            [/align]
            عبدالرحمن السليمان
            الجمعية الدولية لمترجمي العربية
            www.atinternational.org

            تعليق

            • عبدالرحمن السليمان
              مستشار أدبي
              • 23-05-2007
              • 5434

              #7
              حاشية في غاية الأهمية!
              تعريب مصطلح "العلمانية" يعود للقرن العاشر الميلادي وأبعد!

              [align=justify]فلقد جاء في الصفحة 92 من كتاب مصباح العقل* لساويرس ابن المقفع المتوفي سنة 987 ميلادية ــ وكان ساويرس ابن المقفع هذا، أو "أبى البشر ساورى ابن المقفع" كما كان يعرف في المصادر الإسلامية، حبرا قبطيا مارس، فيما مارس، وظيفة كاتب الدولة أيام حكم الأسرة الإخشيدية ــ ما نصه:

              ((التزويج مختلف عندنا، لأن للكنهة شروطا ذكرها الكتاب؛ وهي ألا يتزوجوا بأرملة ولا مطلقة ولا زانية. وليس للكاهن أن يتزوج، بعد امرأته الأولى، بغيرها؛ هذا بإجماع النصارى؛ إلا ما ابتدعه طيماثوس الجاثليق من إطلاقه للنسطورية التزويج، بعد امرأته الأولى، بما شاء، واحدة بعدة واحدة، ولو بلغ ذلك سبعة، وكذلك إبراهيم البطريق، صاحب نوبة)).

              ((والكاهن هو الأسقف والقس والشماس. إلا أنهم مختلفون في أمر آخر؛ لأن الشماس يمكنه أن يتزوج بعد الشماسية، ولا يمكن للأسقف والقس أن يتزوجا بعد الأسقفية والقسيسية، إلا عند الطائفتين اللتين ذكرتهما، أعني طيماثوس الجاثليق وإبراهيم البطريق، فإنهما أجازا ذلك للقس والشماس، كما ذكرت آنفا)).

              ((وقد رأى المتقدمون بعد ذلك رأيا في الأساقفة. أما المصريون فرأوا أن يكون الأسقف، بالإسكندرية خاصة، بتولا لم يتزوج في حال علمانيته. وأما النسطورية والسريان فرأوا ألا يكون الأسقف البتة ممن تزوج قبل أسقفيته. وأما النوبة فأمرهم على الرسم الأول)) ا.ه.

              وهذا حسب علمنا أقدم ورود لمصطلح (العلمانية) بالعربية. وهو من التراث العربي المسحي كما ذكرنا مرارا في مقالتنا المرسومة بعنوان (تفكيك مصطلح العلمانية)، مع التنبيه إلى أن المفهوم المراد منها ههنا هو مفهوم الـ Laïcisme/Laicism أي "العومنة" عكس الكهنوتية؛ وهو مفهوم ظهر مع مأسسة الكهنوت في الديانة النصرانية كما أبنا في مقالتنا المفصلة في تاريخ المصطلح. فابن المقفع يستعمل (علمانية) ههنا مقابل (أسقفية) أي الكهنوتية، هكذا دونما شرح، مما يعني بداهة أنه يفترض أن القارئ يدرك معناها وأنه ليس أول كاتب استعملها، وأن ديوان النصوص المسيحية العربية الذي يرى النور شيئا فشيئا يجب أن يحتوي على نصوص أقدم من نص ابن المقفع جاء فيها هذا المصطلح السرياني الأصل كما أبنا بالدليل القاطع والبرهان الساطع.

              أما مفهوم "الدنيوية" للدلالة على الـ secularism الذي نادى به جورج هوليوك سنة 1851 (ويرادفه في هذا المعنى: مصطلح "الدهرية")، والمصطلح المنقحر "لائيكية" للدلالة على "الإيديولوجة العلمانية" الفرنسية laïcité الذي أدخل في الاستعمال في فرنسا سنة 1871 (ويرادفه في هذا المعنى: "اللادينية")، اللذان يؤديهما في العربية أيضا مصطلح (العلمانية)، فهما مفهومان حديثان نسبيا (ظهرا سنة 1851 وباطراد سنة 1871) كما لاحظنا في المقالة.

              وعليه فإن تعريب مصطلح "العلمانية" يعود للقرن العاشر الميلادي كما يبدو من كتاب ابن المقفع الذي يعبر أقدم مصدر ورد فيه هذا المصطلح، وليس للقرن الثامن عشر أو التاسع عشر كما كنا نعتقد قبل اليوم!!![/align][align=justify]
              ــــــــــــــــــــ

              المصدر: ساويرس ابن المقفّع. كتاب مصباح العقل . سلسة التراث العربيّ المسيحيّ 1. تقديم وتحقيق خليل سمير، القاهرة، 1978 . مقدّمة الناشر (ص 5-71) – متن الكتاب (ص 3-104) .

              [/align]
              عبدالرحمن السليمان
              الجمعية الدولية لمترجمي العربية
              www.atinternational.org

              تعليق

              • فيصل كريم
                مـستشار في الترجمة المرئية
                • 26-09-2011
                • 386

                #8
                أثابكم الله أستاذنا الفاضل د. عبد الرحمن السليمان خير الثواب على هذا المقال البحثي الموسع وجزاكم أسمى جزاء على جهدكم المنير حيال شرح هذا المصطلح شرحا لغويا وتاريخيا مستفيضا، وهو ما مكنني من فهم الدلالات الحقيقية لمفهوم العلمانية فهما دقيقا لا لبس فيه. واعتقد من خلال فهمي لدلالات المصطلح، أن مفهوم "العَلمانية" ما هو إلا نتاج واقعي تمخض بعد صراع طويل مع الكنيسة في أوروبا. وإذا ما ابتعدنا قليلا عن الجانب اللغوي المحض، فإن ما يحير المرء هو تأثير ظهور البروتستانتية في أوروبا على تطبيق العلمانية. فيبرز لنا -بطريقة أو بأخرى- أن الدول التي طبقت مفهوم "العلمانية الشاملة" تطبيقا كاملا كانت الكاثوليكية المذهب الغالب عليها كفرنسا ومن تأثر بالموجة الفكرية للثورة الفرنسية. بينما بالمقابل، طبقت الدول التي تمذهبت بالبروتستانتية، والتي لم تلغ الدين من كافة مناحي الحياة، العلمانية المعتدلة (أو كما يصفها المسيري رحمه الله بـ"العلمانية الجزئية"). مثل إنجلترا والولايات المتحدة لاحقا. وقد لاحظت هذه النقطة عند ترجمتي للسلسلة الوثائقية Clash Of Worlds حيث ذكر المؤرخون الإنجليز بوضوح مسألة عودة الحياة الدينية في إنجلترا ونهوضها من جديد وتأثيرها بقضية الصراع مع العالم الإسلامي. وهو ما أعطى بعدا دينيا للنزاع بخلاف ما كانت تزعمه بريطانيا من نشر الديمقراطية وانفتاح الأسواق التجارية العالمية.

                والحقيقة أن لدي ذكرى معينة بمسألة المفاهيم التي يعمل بعض مثقفينا العرب على تسويقها لنا سواء بنية حسنة أو مغرضة. حيث حضرتُ محاضرة أو بالأحرى مناظرة بجامعة الكويت في منتصف التسعينات حول المفهوم الذي يناقشه الدكتور عبدالرحمن السليمان. وكانت بين د. شفيق ناظم الغبرا وأحد المفكرين الإسلاميين (لا يحضرني اسمه). وكان الأخير غير موفقا بشرح المفهوم شرحا منهجيا وعلميا، واكتفى بالقول أن المفهوم يعنى بفصل الدين عن الدولة أو السياسة كما يفهمه عامة الناس بهذه البساطة. بينما أخذ الدكتور شفيق الغبرا يستفيض ويسترسل حول أن هذا التصور للمفهوم غير واقعي، وأن الأصل بالعَلمانية هو العِلم. وشرع يضرب الأمثال ومن أهمها حالة جاليليو جاليلي الذي اتهم بالهرطقة بعد إعلان اكتشافه (المنقول على كل حال وليس بمستحدث). ولا شك أن طالب علم صغير مثلي آنذاك شعر بشيء من الانبهار والحيوية من طرح الدكتور الغبرا، لالتزامه المنهج العلمي بالتوصيف. ولكن الإبهار العلمي لا يؤدي بالضرورة للوصول إلى الحقيقة الموضوعية التي نسعى إليها جميعا دون تحريف أو تشويه، وهذا ما تعلمته كتجربة شخصية لاحقا.

                ولا أعلم بالحقيقة إن كان هذا البحث العلمي القيم يتوافق أو يتعارض مع الكتاب الذي ألفه الدكتور سفر الحوالي بعنوان "العلمانية". واعتقد أن هذا الكتاب يلتزم المنهج العلمي بالبحث وفهم الدلالات التاريخية والاجتماعية والسياسية والدينية لمفهوم العلمانية في أوروبا النصرانية، ومدى واقعية انطباقها على مجتمعاتنا الإسلامية. ولكن الكتاب يبني منهجه على أساس عقائدي خلاصته أن العلمانية لهي نوع حديث من أنواع الشرك بالله. ولا أعلم مدى اتفاق الدكتور الفاضل عبد الرحمن السليمان أو اختلافه مع هذه النتيجة.

                وأثني الشكر للأستاذ الفاضل د. عبد الرحمن السليمان لهذا الجهد الكبير والمنير بطرح تصوره اللغوي العلمي لتفكيك مصطلح "العلمانية").
                اقتراح بسيط: أتمنى أن تضاف التعديلات والتحديثات المعلوماتية التي يربو بها الدكتور عبد الرحمن إلى متن البحث بمكانه المناسب، حتى لا يفوت القاريء الذي قد لا يقرأ بقية الردود المعلومات المضافة القيمة. كما هي حالة اكتشاف التعريب الأسبق لكلمة "العلمانية" بمفهومها الإكليركي في القرن العاشر الميلادي على يد ساويرس ابن المقفع، بدلا من الاعتقاد أن ذلك تم في القرن التاسع عشر عبر المعاجم المختلفة.





                تصميم سائد ريان

                تعليق

                • عبدالرحمن السليمان
                  مستشار أدبي
                  • 23-05-2007
                  • 5434

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة فيصل كريم مشاهدة المشاركة
                  فيبرز لنا -بطريقة أو بأخرى- أن الدول التي طبقت مفهوم "العلمانية الشاملة" تطبيقا كاملا كانت الكاثوليكية المذهب الغالب عليها كفرنسا ومن تأثر بالموجة الفكرية للثورة الفرنسية. بينما بالمقابل، طبقت الدول التي تمذهبت بالبروتستانتية، والتي لم تلغ الدين من كافة مناحي الحياة، العلمانية المعتدلة (أو كما يصفها المسيري رحمه الله بـ"العلمانية الجزئية"). مثل إنجلترا والولايات المتحدة لاحقا.


                  أخي العزيز الأستاذ فيصل كريم

                  السلام عليكم

                  آسف على هذا التأخر في الرد، فأنا لم لا أتابع مواضيعي العلمية لأن الردود عليها نادرة ربما بسبب طابعها التخصصي. ورأيت أم معظم الناس يكتفون بالقراءة وهو أمر أتفهمه.

                  فرنسا وتركيا هما الدولتان الوحيدتان في العالم اللتان طبقتا الأنموذج العلماني الشامل. أما الدول الأخرى ـ الكاثوليكية والبروتستانتية ـ فهي تطبق الأنموذج العلماني الجزئي.

                  وحسب الرسائل التي استلمتها من زملاء متخصصين في الموضوع فإن هذا التفكيك للمصطلح هو الأشمل في العربية، ولا يوجد غيره بهذا التفصيل، وهو ما يفسر نشر المقالة في مجلات علمية متخصصة كثيرة وانتشارها في الشبكة. وأنا ما كتبتها إلا بعدما بحثت كثيرا عن تفسير مقنع للمصطلح وما وجدت شيئا يطمئن إليه العقل.

                  وقد أدخلت حاشية ابن المقفع في المتن وستصدر المقالة قريبا ضمن كتاب لي بالعربية يحتوي على دراسات مماثلة.

                  تحياتي العطرة مع دعائي.
                  عبدالرحمن السليمان
                  الجمعية الدولية لمترجمي العربية
                  www.atinternational.org

                  تعليق

                  • فيصل كريم
                    مـستشار في الترجمة المرئية
                    • 26-09-2011
                    • 386

                    #10
                    سلمت لنا يا دكتورنا الفاضل عبد الرحمن السليمان مفكرا وعالما. والحق إنني عندما تأملت أفكار المقالة اعتمدت عليها كمصدر مهم لبعض مواضيعي الشخصية. وقد ساهمت قدر استطاعتي بنشر نص المقالة من واجهة الجمعية الدولية لمترجمي العربية، حيث تظهر بها رموز الأغريقية واللغات الأخرى بوضوح، وذلك على حسابي في الفيسبوك والتويتر.

                    تقبل أطيب تحية






                    تصميم سائد ريان

                    تعليق

                    • د. م. عبد الحميد مظهر
                      ملّاح
                      • 11-10-2008
                      • 2318

                      #11
                      الأستاذ الكريم د. عبد الرحمن السليمان

                      تحية طيبة

                      فى محاولة لزيادة الفهم لمصطلح العلمانية من حيث التطبيق أود أن أسأل..

                      هل للعلمانية موقف أبستمولوجي من العالم؟

                      بمعنى أن العلمانية تقدم نظرية للمعرفة مغايرة للنظرية التي تقدمها الأديان، وبالتالي فإنه من زاوية نظرية المعرفة نكون أمام موقفين :

                      00- موقف علماني
                      00- وموقف غير علماني أو لنقل موقف إيماني من حدود ومجالات المعرفة

                      و العلمانية كموقف معرفي ستعلمن كل شيء في المجتمع..

                      تعلمن الإنتاج، والاستهلاك، والاستثمار،والتعليم، والإعلام، والصحة، والسياحة، والفنون ... الخ، أي أنها تعلمن طرفي المجتمع المادة والإنسان، من زاوية أن الاثنين هما في الجوهرمادة، ويخضعان لقواعد التنظيم، والترشيد، والتقييم نفسها.

                      واستكمالا لهذا البحث ومن منطق نظرية المعرفة تنظيرا وتطبيقا أود أن أسأل:

                      هل هناك علاقة بين التشريع والتقنين و بين مفهموم العلمانية سواء كانت جزئية أو كلية؟

                      وهل هناك علاقة بين العلمانية و أسس الفلسفة الوضعية التى تعتمد على العقل فقط فى وضع التشريع و استخراج القوانين فى مجالات الحياة الاجتماعية و السياسية؟


                      وماموقف العلمانية من الدساتير التى تعتمد على النصوص الدينية كمصدر للتشريع ؟


                      ودمت متألقاً
                      التعديل الأخير تم بواسطة د. م. عبد الحميد مظهر; الساعة 06-04-2013, 19:57.

                      تعليق

                      • عبدالرحمن السليمان
                        مستشار أدبي
                        • 23-05-2007
                        • 5434

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة فيصل كريم مشاهدة المشاركة
                        سلمت لنا يا دكتورنا الفاضل عبد الرحمن السليمان مفكرا وعالما. والحق إنني عندما تأملت أفكار المقالة اعتمدت عليها كمصدر مهم لبعض مواضيعي الشخصية. وقد ساهمت قدر استطاعتي بنشر نص المقالة من واجهة الجمعية الدولية لمترجمي العربية، حيث تظهر بها رموز الأغريقية واللغات الأخرى بوضوح، وذلك على حسابي في الفيسبوك والتويتر.

                        تقبل أطيب تحية

                        سلمك الله أخي الأستاذ فيصل كريم، وشكر لك جهدك في نشر المقالة.
                        تحياتي الطرة مع دعائي لك بالتوفيق.
                        عبدالرحمن السليمان
                        الجمعية الدولية لمترجمي العربية
                        www.atinternational.org

                        تعليق

                        • عبدالرحمن السليمان
                          مستشار أدبي
                          • 23-05-2007
                          • 5434

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة د. م. عبد الحميد مظهر مشاهدة المشاركة
                          الأستاذ الكريم د. عبد الرحمن السليمان

                          تحية طيبة

                          فى محاولة لزيادة الفهم لمصطلح العلمانية من حيث التطبيق أود أن أسأل..

                          هل للعلمانية موقف أبستمولوجي من العالم؟

                          بمعنى أن العلمانية تقدم نظرية للمعرفة مغايرة للنظرية التي تقدمها الأديان، وبالتالي فإنه من زاوية نظرية المعرفة نكون أمام موقفين :

                          00- موقف علماني
                          00- وموقف غير علماني أو لنقل موقف إيماني من حدود ومجالات المعرفة

                          و العلمانية كموقف معرفي ستعلمن كل شيء في المجتمع..

                          تعلمن الإنتاج، والاستهلاك، والاستثمار،والتعليم، والإعلام، والصحة، والسياحة، والفنون ... الخ، أي أنها تعلمن طرفي المجتمع المادة والإنسان، من زاوية أن الاثنين هما في الجوهرمادة، ويخضعان لقواعد التنظيم، والترشيد، والتقييم نفسها.

                          واستكمالا لهذا البحث ومن منطق نظرية المعرفة تنظيرا وتطبيقا أود أن أسأل:

                          هل هناك علاقة بين التشريع والتقنين و بين مفهموم العلمانية سواء كانت جزئية أو كلية؟

                          وهل هناك علاقة بين العلمانية و أسس الفلسفة الوضعية التى تعتمد على العقل فقط فى وضع التشريع و استخراج القوانين فى مجالات الحياة الاجتماعية و السياسية؟


                          وماموقف العلمانية من الدساتير التى تعتمد على النصوص الدينية كمصدر للتشريع ؟


                          ودمت متألقاً
                          صديقي الرائع الدكتور عبدالحميد بن مظهر،

                          أسئلتك مركزة وتهدف إلى استخراج ما خبئ بين متاهات هذا المصطلح المؤسساتي.

                          في مصطلح (العلمانية) كما تبلور في الثقافة الغربية ثلاثة مفاهيم تهدف كلها إلى فصل الدين عن المجتمع وتحرير المجتمع من رجال الدين. وزادت خاصة العرب على مصطلح (العلمانية) مفهوم (العلِمية) دون حد مقبول لها، وزادت عليه عامة العرب مفهوم (الإلحاد).

                          وليس للعلمانية ـ حسب علمي ـ موقف إبستيمولوجي من العالم، لكنها مأسست، هي والتيار الإنسني الغربي، لحركة فكرية ترفض الماورائيات وكل ما لا يثبته العقل في الماديات. وبلغت في ذلك مبلغا صار المسيحي المتدين في الغرب يمارس التقية في دينه كي لا يهزأ منه عامة الناس الذين يرفضون الغيبيات.

                          تحياتي الطيبة.
                          عبدالرحمن السليمان
                          الجمعية الدولية لمترجمي العربية
                          www.atinternational.org

                          تعليق

                          • د. م. عبد الحميد مظهر
                            ملّاح
                            • 11-10-2008
                            • 2318

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحمن السليمان مشاهدة المشاركة
                            صديقي الرائع الدكتور عبدالحميد بن مظهر،

                            أسئلتك مركزة وتهدف إلى استخراج ما خبئ بين متاهات هذا المصطلح المؤسساتي.

                            في مصطلح (العلمانية) كما تبلور في الثقافة الغربية ثلاثة مفاهيم تهدف كلها إلى فصل الدين عن المجتمع وتحرير المجتمع من رجال الدين. وزادت خاصة العرب على مصطلح (العلمانية) مفهوم (العلِمية) دون حد مقبول لها، وزادت عليه عامة العرب مفهوم (الإلحاد).

                            وليس للعلمانية ـ حسب علمي ـ موقف إبستيمولوجي من العالم، لكنها مأسست، هي والتيار الإنسني الغربي، لحركة فكرية ترفض الماورائيات وكل ما لا يثبته العقل في الماديات. وبلغت في ذلك مبلغا صار المسيحي المتدين في الغرب يمارس التقية في دينه كي لا يهزأ منه عامة الناس الذين يرفضون الغيبيات.

                            تحياتي الطيبة.
                            أخى العزيز د.د. عبد الرحمن السليمان

                            تحية طيبة

                            اشكرك على ما تفضلت به، وجميل أن نتناقش فى الفكر و أصول مصطلحاته و انعكاسات تطبيقاته.

                            و لذلك فعادة ما أحاول فهم العلاقة بين فكرة العالمانية و التطبيق فى الغرب ، ومن هنا الأسئلة..

                            ما أسس التشريع فى مؤسسات التشريع فى دول الغرب ؟

                            فالفلسفة الوضعية فى الغرب ترى أن العقل البشرى كاف وحده لإكتشاف القوانين التى تحكم السلوك البشرى؟

                            فما موقف المشرع الغربى من الاعتماد على نصوص دينية فى التقنين للحياة الاجتماعية والاقتصادية؟

                            و دمت راقيا
                            التعديل الأخير تم بواسطة د. م. عبد الحميد مظهر; الساعة 08-04-2013, 21:27.

                            تعليق

                            يعمل...
                            X