العُـــــــــرْسُ
سبعة أيّام والطبّل والمزمارُ لا يكفّان عن الدقّ والنفخ . سبعةُ أيّام والحضور لا يكفّون عن الرّقص والغناء .دعوتني ا شكرا ا ها قد جئتُ وقلبي ماء ونار .دعوتني ا لم أنم البارحة . شغلني أمر الحضور وأمر الخطبة التي سألقيها بالمناسبة ."دف...دف..."والمزمار ينفذ إلى معدتي ويسبح في دمي ."دف ... دف..."
-أحبّكَ ا كم أحبّكَ ا
قلتُ:" أنا ؟ا
-أحبُّكَ حتَّى النُّخاع ا أحبُّكَ ا أحبُّكَ اأحبُّكَ ...لا يمكنك أن تتصوّر َ كم أحبُّكَ
-أنا ؟ا عجبا ا
- أحبُّ الأرض التي تطؤها قدماك . أحبُّ الغيمة التي تظلّكَ .أحبُّكَ ا فلتصدّق ...
- منذ متى ؟ ولم ؟
- تشاغل عنّي . والعرس طال فالبيعة إيَّاك أبايعُ .
- يا إلهي ا شيء لا يطاق ... البارحة أرقتُ ... كنت أفكِّرُ في الخطاب الذي سألقيه على مسمعك
... مضى الصَّوتُ خافتا يتردّد في أرجاء مجهولة الحدّ :"أحبُّكَ ...أحبُّكَ ... أحبُّكَ ..."طغى الصَّوت الخافت والصّدى على جلبة الطّبل والمزمار والحكاية جرّ رجليه متّجها نحوي ... ابتسم ففاحت من فيه رائحة الزّئبق المخلوط بالملح ...دسّ في يدي اليمنى خاتم التَّوقيع ... وغمرني بسيل من الشّتائم يداعبني بها :"يا قذر ...يا نذل ...يا مشبوه ... يا جاحد ..." استدار يجرُّ رجليه تاركا الخاتم في يدي وهو يبتسم ويقول بصوته الرّقيق العليل الذي لا يكاد يسمع :"يا وغد ... يا فرنك ...يا بولس ... ياهوذا ... يا بشه ...لا ... م...و...ح ...."
قرّبت الخاتم من أنفي المزكوم على الدَّوام وجعلتُ أشمُّهُ وأعيدُ شمَّهُ وأكرر ذلك متكلّفا الإعجاب به ... يا أسفي لم ينتبه أحد إليَّ ... هممتُ أن أهمز من يقف إلى جانبي لأنبّهه إلى إعجابي بالخاتم المرجاني ... تشاغل عنّي ولم يعرني اهتماما ... ألححتُ عليه... ألححت عليه...زحمته...التفت إليّ وابتسم وقال لي على سبيل الدّعابة :" يا حلُّوف ...ياحلُّوف ...أمازلت هنا ا " قهقهت متظاهرا بمُمَاشاته في دعابته ."دف... دف" والمزمار يرقص على الإسفلت ويزمِّر ... شممت الخاتم : " ماء ورد لا عرق " .ألقيت السّلام على الحاضرين ... لم أنتبه إلى ردودهم ...وقفت وحيدا فأحسست بانفلات نفسي منِّي ...ساحت نفسي على الإسفلت ...تملَّكني الرُّعب واحمرَّ وجهي خجلا ...تطلَّعتُ إلى الحاضرين فبدا لي ألاَّ أحد قد تفطّن إلى ذلك ...انحنيت برفق والتقطت أكثرها وأعدته إلى فمي وضممتُ شفتيَّ ومسحت البقيّة برجليَّ ... ضحك الحاضرون ... قهقهوا بفجاجة ... اعتقدوا أنَّني أرقص ...
-أحبُّك...لماذا لا تصدِّق ؟ا أنصحك بالانسحاب ...
-..................................أْ
-خذْ بقيَّتَكَ الباقية وارحل
-.....................؟ا
تساءلت عن جدوى بقائي والحال أنَّ الحموضة توشك أن تذهب بأسناني ولساني ... تشاغلت عن الخاتم ... الحمد لله ... ابتلعت ما كان بفمي من ملح ودم .غنَّيتُ صوتين لم يسترعيا اهتمام أحد .
...اقترب منِّي باسما ورائحة الزّئبق تفوح من فيه وقال لي :" الآن أصبح لك خاتمك الخاص... لم يكن لأحد غيري أن ينجح في الوصول به إليك .صفِّق للعريس ."
نظرت إلى المنصّة كان العريس وسيما قلت في نفسي كالحائر "لماذا انهزم إذن ؟لماذا عاد الجيش ليلا بعد أن فقد نصف عدده ؟ لماذا خابت الطَّلقة الأولى ؟...كانت الأنوار مشعَّة .يا إلهي كشفوني ا ." قالت لي وللمرَّة الأولى أحبُّك ...خذْ بيدي ...خذ إليك يدي ...لا تخف كلُّ شيء على مايرام من التَّمام ... سلِّمني الخاتم وأنا سأقوم بالواجب ..." تملَّكتني رعدة حينما تذكَّرت طعم الملح والدَّم في فمي فزممت شفتيَّ بقوَّة ..."أهلا يا عريس ...مبروك يا عريس ...بالبركة واليمن يا عريس ..." لوَّحت بيدي اليمنى والخاتم قلت في نفسي " عصفوران بحجر واحد ...أحيّيه وأريه الخاتم الأرجواني " ...أعدت الخاتم الأرجواني إلى جيبي ...أخرجته .شممتُه ..."ماء ورد لا عرق... "
اقتربت منِّي مرَّة أخرى وقالت لي ثانية "أريد أن أسمع صوتك ...قل شيئا ... لا تحفل بالأهميّة والتَّفاهة ..."أنكرتُها وغمزتُها طالبا منها أن تتركني الآن ... أشرت بيدي اليمنى والخاتم إلى العريس... سمعت صدى صوت " عيب والله عيب ...ليس هذا مقام ذاك ..." بكت وذهبت فأحسستُ بوطأة الملح والدّم في فمي وتأكَّدت من ذهاب جزء من لساني وبعض أسناني
-اقترب منّي وهو يجرُّ رجليه جرّا وابتسم كعادته وقال لي ورائحة الزئبق تفوح من فيه :" أحبُّكَ ...ألا تصدّق ...طيب ...لا تصدِّق أحدا ...أشهد الله على قولي ...أحبُّك بكلِّ سيّئاتك ,بكلّ أخطائك..."ثمَّ استدار وولَّى يجرُّ رجليه وسمعته يردّد كلاما لم أفهمه :" يا لك من سامق وراء حجا نون ......"وفجأة هدأت الحركة وكفَّ الضَّاربون والعازفون عن الضَّرب والعزف وصاح الوزير :"يا ناس ...يا حضور ...خاتم العريس ...خاتم العريس سرق ..."…اندلقت نفسي من فمي وساحت على الإسفلت ... دست عليها بقدميّ ورقصت ... رقصت ... وزممت شفتيَّ ...ورقصت ...رقصت والنَّاس من حولي يتصايحون :"افتحوا فمه ...فتِّشُوا جيوبه ..." قفزت ...قفزت فوق السُّور ...وأطلقت ساقيّ للرِّيح ... كان يلاحقني وهو يجر رجليه جرّا ...يكاد يدركني .
قالت لي :"يا صاحب اللّسان المرجاني ...أحبُّك ...اركض ...اركض ...سأكون معك ... سأشاركك عشاءك الأخير
...اركض..." "دف...دف..." من أمر قلبي أن يدقّ بهذه السُّرعة ؟ا الطّبل والمزمار فجَّرا معدتي وأمعائي وكنت أجتهد في تذكُّر ما حفظته من الخطبة ....
تعليق