رجل من ذلك الزمن

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جودت الانصاري
    أديب وكاتب
    • 05-03-2011
    • 1439

    رجل من ذلك الزمن

    رجل من ذلك الزمن


    (صليب) كانت صاد العم دحّام شينا !!..فقد اكل الدهر على اسنانه وشرب ..فأضحى الهواء يخرج من بين شفتيه مبعثرا لا يلوي على شيء. .محركا شاربه الجاثم على شفته كسنبلة قمح فاتها موسم الحصاد من اثر التدخين.. وحتى العينين لم يفت دخانه الرخيص ان يمر بهما
    فكانتا مغرورقتين بالدموع طوال الوقت ... كان العم دحّام يشعر بالفخر وهو يحرك انامله الخشنة برتابة على صليب محفور على بدن بندقيته وكأنه وشم غجري يحكي للناظر: اسطورة قديمه
    بالفعل كانت البندقية القادمة من اعماق الزمن ..اسمها صليب فقد رأيت الصليب بأم عيني
    حين سمح لي مرة بلمسها وهو يلفها بين ذراعيه كحيوان خجول التجأ الى حضن امه....
    كنّا نقف على رؤوس اصابعنا متحلقين حوله ليرينا بيت النار او مكان رص العتاد....
    لم نكن لنصل حتى صدره ..فقد كنّا صغارا والرجل باذخ بالطول ..
    كان الاعجاب يغمرنا ونحن نتأمّل ذلك العملاق الصارخ الرجولة والنضج من اعلى شعره
    الاشيب حتى اخمص قدميه الكبيرتين ..
    نعم كان العم دحام طويلا كنخلة لم تستطع العواصف ان تثني من قامتها قيد انملة. .رغم
    الستين كما يدّعي هو.....لكن الواضح ان عمره كان اكبر بكثير فلم يكن يشعر بالزمن كالآخرين.
    فقد ذكر لنا مرة انه اصاب تركيّا بحجر وهرب ,حين ضرب الاخير كلبه العزيزالمسمى: (بارود)
    لأنه كان يجفل خيولهم إثناء الانسحاب بلونه الاسود..
    كان اثر العم دحام يتنامى داخل نفوسنا حتى تجاوز دور المعلمين ورجل الدين الذي كنّا
    مجبرين ان نصلي خلفه ,,وان نستمع لمحاضرته المكرره....
    بالمناسبة ..كان العم دحام يسمي رجل الدين بصاحب اليد الناعمة ...وحين يسترسل في
    التهكم كان يشبهه برجل الكعك ..وهل هؤلاء رجال مثلنا ؟...اقسم انني استطيع ان آكل
    اربعة مثله على الافطار...الظاهر كان يحبه جدا !!
    والغريب ان اغلب اهل القرية لم يكونوا على معرفة جيده بالرجل فقد كان قليل المرور
    بالقرية وعلاقاته محدودة حيث يقيم مع نعجاته في اطراف المراعي كطير بريّ شأنه
    شأن جميع(الغنّامة) في البلدان العربيه....
    كان الاعجاب والود متبادلين فحتى العم كان يصطنع العفوية في البحث عنّا فقد تعود الحديث
    معنا قضاء للوقت والتسلية ..كنا نحلّق حوله نقرأه كل يوم كقاموس قادم من بطن الزمن ...
    كان الكثير من الطلاب يراجعون المواضيع والواجبات المدرسية في المراعي طلبا للهدوء
    او الرعي لمن كانت لهم نعاج....فلم تكن الكهرباء قد وصلت قرانا بعد ,,, ولكنه كان يؤثر الحديث مع مجموعتنا فقط ..
    (اخشى ان الهيكم عن الدروس......)
    قالها وهو يتكئ على جنبه .....مصوبا بندقيته نحو الافق حيث قتل ذئبه الاول قبل ما شاء الله من السنين,,,,
    . يوم اصابه بطلقة واحدة بين عينيه ..على احدى الروايات فقد سمعنا روايات مختلفة مع تقدم العمر بمحدثنا العزيز ..........وقد كان الوقت مبكرا حيث ان عينيه كانتا
    تلمعان ذلك اللمعان المخيف...ثم يستلّ خنجره فيقلع نابيه واحدى عينيه وقبل ان نسأله عن السبب ,,قال وهو يضع قطعة من العشب في فمه.....النابان بعتهما لصائغ في بغداد حيث يكسوهما بالذهب او الفضة ويبيعهما تميمة تعلق على صدور الاطفال تحميهم من شرور الجن,,, اما العين فتترك حتى تجف وتلف بالجلد يحملها النواطير دفعا للنعاس. .طبعا والعهدة على الراوي. .العم دحّام
    لقد شاع استخدام كلمة العم (صليب)بين افراد المجموعة بإفراط حتى اصبحت سرنا الصغير
    كنّا نسمي بها كل ما هو جيد واصيل ,,,,فدرجة التسعين صليب ,,واستاذ الرياضة طبعا صليب,, وبالصاد القريبة من خانة الشين .
    وهكذا على طريقة العم دحّام....
    كانت امرأة طيبة يرحمها الله ,,قالها العم وهو يستل من حزامه كيس التبغ ووريقات شفافة
    وينفث الدخان بحسرة محدقا في الافق البعيد وكانه يستعيد ذكرى خجولة يقتات عليها كلما
    طالت به مسافات الشوق,,,, ,أتدرون ماذا فعلْتْ؟ ومن المؤكد انها لم تصنع الكانتاكي في
    ذلك المرعى البائس على رأي احد الاصدقاء ,,ابتسم إبتسامة خفيفة ثم اضاف ,,لقد باعت
    قردانها لتشتري لي بثمنه هذه البندقيه,,,,, فقد كانت تلاحظ حسرتي وانا انظر الى المحتفلين
    في الاعياد وهم يطلقون النار في الهواء من بنادقهم ,,حيث يختلط الدخان بتراب الدبكة
    بزغاريد الجميلات بملابسهن الحمراء الصارخة والاحذية البيضاءعلى عادة بنات الارياف,,, طبعا لم تكن باهتة ....
    كما ترونها الان فقد كانت لمّاعة كعيون ام غايب يرحمها الله,,,, واسترسل ..لم اتزوج بعدها
    فقد سمعت :ان المرأة تحزن عندما يتزوج زوجها حتى وهي في القبر!!
    يرن المحمول وعلى الشاشة رقم دولي ..وما ان فتحت زر الاجابة حتى صدحت طويلة كما
    الايام الخوالي ..بصادها المقلوبة شينا...(صلييييييييب)وعلى طريقة العم دحام
    لم تستطع العشرون عاما في السويد ان تقتلع العم دحام من صدر ذلك المغترب البعيد من رفاق الصبا ايام المراعي ..
    هو ايضا امسى دحّام كالجميع والذئب ينظر اليه من خلال زجاج إحدى المستشفيات الاوربية
    لوحده ,,لا دحّام ولا رفاق رعي ,,والاهم من كل ذلك لا صلييييييييب بالشين

    لنا معشر الانصار مجد مؤثل *** بأرضائنا خير البرية احمدا
  • مهند العاقوص
    أديب وكاتب
    • 07-08-2011
    • 196

    #2
    آه ما أجمل الشليب
    لا أجيد فن النقد والتحليل وإلا لتحدثت مطولا
    أعجبتني القصة كثيرا فقد قلت فيها الكثير
    ربما كان بإمكانك تكثيفها قليلا
    أيقظت في الحنين للطفولة ولوطني
    تقبل اعجابي أستاذ جودت

    تعليق

    • جودت الانصاري
      أديب وكاتب
      • 05-03-2011
      • 1439

      #3
      [marq]السيد مهند,,السلام عليك
      سعيد بهذا المرور المبكر .....اما النقد واصوله ,,,فكل ما تستحسنه انت والاخوه القراء:فهو حسن
      انا اقول :النص الناجح هو ما حرك الاحساس في داخلنا والباقي كله كلام في سرك ...للدبه!!!
      دام التواصل[/marq]
      لنا معشر الانصار مجد مؤثل *** بأرضائنا خير البرية احمدا

      تعليق

      • محمد فطومي
        رئيس ملتقى فرعي
        • 05-06-2010
        • 2433

        #4
        طابت لي مرافقتك أستاذي خلال عقدين و أكثر من هذه القصّة.
        الوشم في الذّاكرة قبل أن يكون على جسد البندقيّة.
        تصوير مدهش حتّى أنّك أنسيتنا بأنّنا لسنا أمام بقايا و إنّما نحن أمام أحداث تدور زمن القراءة نفسه.
        نصّ يعلق بالوجدان و يلوّن بعضا من وقتنا الذي بدأت الرّداءة تكتسحه كقضاء.
        لكلّ منّا عمّه دحّام،بل كأنّ فطرة ما تملي على الصّغار و على الدّنيا على حدّ سواء أن تلاقيهم برجل يحمل مواصفات مختلفة و جذّابة و محيّرة قد تصلح يوما ما لحظات ذاكرة تساوي العمر.
        سعيد بمصافحتك أستاذ جودت.
        مودّتي.
        مدوّنة

        فلكُ القصّة القصيرة

        تعليق

        • جودت الانصاري
          أديب وكاتب
          • 05-03-2011
          • 1439

          #5
          الاستاذ محمد تحيه
          وكل عام وانت بالف خير
          اسعدني مرورك العذب هذا
          دام الود والتواصل اخي المبدع
          لنا معشر الانصار مجد مؤثل *** بأرضائنا خير البرية احمدا

          تعليق

          • سالم وريوش الحميد
            مستشار أدبي
            • 01-07-2011
            • 1173

            #6
            الأستاذ جودت ،
            الذكريات لايمكن أن تتنزع من ذاكرة الأنسان بسهولة خصوصا أذا كانت ذكريات مميزة ، وكم من أحداث عالقة في أذاهننا لانستطيع نسيانها أوتناسيها حلوة كانت أم مرة ، لأنها وشمت في أعماق الذاكرة ، حكيت الكثير عن عم دحام ، ولم يكن دحام هذا غير الرابط الذي أوصلنا الى نهاية الأنسان في الغربة ، وحيدأ فريداً بلا أصدقاء ولاأحبه ينهشه المرض ، دحام كان يجد من يتعاطف معه ، وينصت له ، اما المغترب فلن يجد من يواسي غربته ومكابداته وإن وجد فهو أيضا غريب ويبحث عما يبحث عنه صاحبه .. راقني ماقرأت تحياتي
            على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
            جون كنيدي

            الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

            تعليق

            • جودت الانصاري
              أديب وكاتب
              • 05-03-2011
              • 1439

              #7
              السيد سالم
              احييك تحيه كبيره
              واشكر مرورك واعجابك بالنص
              ودام التواصل اخي العزيز
              لنا معشر الانصار مجد مؤثل *** بأرضائنا خير البرية احمدا

              تعليق

              • ريما ريماوي
                عضو الملتقى
                • 07-05-2011
                • 8501

                #8
                استاذ جودت انا لا احب رحلة الذكريات كثيرا
                احب التطلع الى المستقبل اكثر, لذلك تأخرت
                في قراءة قصتك الجميلة هذه, والحمد لله أنني
                عدت فتحمست وقراتها لأنها اعجبتني جدا, و
                اعتقد كل شخص فينا ما زال في ذاكرته عم
                دحام ساهم في قصصه ببناء شخصيتنا
                الحالية وتكويننا.
                يسلموا الايادي اعجبني ما قرات, مودتي
                وتقديري, تحياتي.


                أنين ناي
                يبث الحنين لأصله
                غصن مورّق صغير.

                تعليق

                • جودت الانصاري
                  أديب وكاتب
                  • 05-03-2011
                  • 1439

                  #9
                  المبدعه ريمه احييك
                  انا ايضا متابع لما تكتبين وتجيدين
                  لست محترف كما تعلمين ,,فانا اعبر عمّا يدور في خاطري شعرا,,واود ان تبدي رايك فيه ذات يوم علّه يحوز رضاك
                  اما القصه فاكتب احيانا
                  بالنسبه لهذا النص :اجد المراد فيه ليس دحّام وانما المغترب البعيد حيث يموت وبين شفاهه كلمات الطفوله
                  كفانا الله شر الغربه ما دام بيدنا (صليييييييييب)
                  دام تواصلنا
                  لنا معشر الانصار مجد مؤثل *** بأرضائنا خير البرية احمدا

                  تعليق

                  • ريما ريماوي
                    عضو الملتقى
                    • 07-05-2011
                    • 8501

                    #10
                    نعم أخي لولا أن دحام قد أثر به كثيرا
                    لما بقي في فكره كما هو باق في أفكارك,
                    وكم من أشخاص مروا بحياتك سويعات وما
                    زالوا مطبوعين في ذاكرتك لعمق تأثيرهم
                    فيك, وأعتقد دحام من هذا النوع, وهدفك
                    صحيح طبعا فالمغترب يبقى حاملا وطنه
                    وناسه في عقله وقلبه مهما غاب.
                    وان شاء الله بقرأ شعرك أيضا, لكن أنا
                    يتعبني البكاء على الأطلال كثيرا,أحب أي
                    شيئ فيه فرح ومرح ويكفينا حزنا,
                    مودتي وتقديري, تحياتي.
                    التعديل الأخير تم بواسطة ريما ريماوي; الساعة 07-09-2011, 19:02.


                    أنين ناي
                    يبث الحنين لأصله
                    غصن مورّق صغير.

                    تعليق

                    • انورخميس
                      أديب وكاتب
                      • 08-11-2008
                      • 104

                      #11
                      أخى جودت..

                      أروع ما قرأت لك..

                      ففى رأيى أن القصة لها ثلاث أشكال..

                      الفكرة البطلة..

                      أو أن يكون الأسلوب هو البطل..

                      أو أن تكون قصة عادية بأسلوب عادى ولكن بنائها محكم..

                      أنا شخصيا أفضل الشكل الأول..

                      لأنه القادر على جذب القارئ..

                      أى أن تكون الفكرة هى المحور ويدعمها الاسلوب والبناء..

                      هذا ما تميزت به قصتك..

                      فلذلك أجدها الأجمل..

                      كل التحايا اللائقة بك
                      http://anwarkamess.maktoobblog.com/

                      تعليق

                      • رزان محمد
                        أديب وكاتب
                        • 30-01-2008
                        • 1278

                        #12
                        قرأت قصتك مرة، وعدت لها من جديد ولم أكتب التعليق من المرة الأولى، فحديث الغربة ذو شجون
                        قصة مرسومة بدقة، نحجتْ بالتمسك بالقارئ من السطر الأول إلى آخر سطر.
                        أكثر ما أعجني في رسم الشخصية هو اختيار المواقف التي سلطتَ عليها الضوء لترسم ملامحها، وطريقة عرضها. والخاتمة الموشاة بخيطي مرارة الاغتراب وشجن الحنين..
                        لابد أن دحام شخصية حقيقية وليست فقط واقعية، فقد أحسست بها، ورأيتها كما لو كنت صادفتها يومًا ما....هذا الانسان، ابن القرية، البادي الخشونة ولكنه يخفي قلبا رقيقًا بين ضلوعه ويتمتع بالوفاء لأبعد درجة فدحام الذي لم يتزوج بعد زوجته التي وفت له في حياتها ولم تتوانَ أن تبيع ماتملكه من ذهب كي تحقق له حلمًا قرأته يلتمع في عينيه كلما رأى بندقية بين يدي أصحابه، هو نفسه دحام الذي لم يستطع أن ينتزع دحام القروي من بين جنبيه رغم مرور عشرين عامًا على الغياب، ظل وفيا له مخلصا لكل طباعه وأشيائه ...

                        تقديري.
                        التعديل الأخير تم بواسطة رزان محمد; الساعة 08-09-2011, 15:58.
                        أراها الآن قادمة خيول النصر تصهل في ضياء الفجر
                        للأزمان تختصرُ
                        وواحات الإباء تفيء عند ظلالها الأقمار تنهمرُ
                        وأقسم إنها الأحرار تنتصرُ
                        سيكتب مجدها ألقا نجوم الدهر والقدرُ
                        بلى؛ فالله لايغفو ..يجيب دعاء مضطرٍ بجوف الليل
                        للمظلوم، والمضنى
                        فيشرق في الدجى سَحَرُ
                        -رزان-

                        تعليق

                        • جودت الانصاري
                          أديب وكاتب
                          • 05-03-2011
                          • 1439

                          #13
                          السيد انور احيي مرورك المميز هذا بتحيه وزهره
                          اسمك لوحده له وقع خاص في نفسي وحتى لو لم تخط حرفا واحدا(لحاجة في نفس يعقوب)
                          ملاحظاتك الجميله ابهرتني بحق وهي دليل على حسن اطلاع
                          لك الود وجميل التواصل
                          لنا معشر الانصار مجد مؤثل *** بأرضائنا خير البرية احمدا

                          تعليق

                          • جودت الانصاري
                            أديب وكاتب
                            • 05-03-2011
                            • 1439

                            #14
                            السيده رزان تحياتي
                            اصبت في كون الشخصيه حقيقيه فانا برايي الشخصي : ان الواقع قد يكون اجمل بكثير من الخيال وخصوصا اذا تم تسويقه
                            بطريقه جيده ,,,,وعموما جميع شخصياتي من الواقع عدا بعض التغيير احيانا في الاسماء دفعا للاحراج
                            اشكر هذا المرور العذب
                            ودام التواصل
                            لنا معشر الانصار مجد مؤثل *** بأرضائنا خير البرية احمدا

                            تعليق

                            يعمل...
                            X