غمرتها الفرحة عندما صدر قرار ترقيتها إلى مشرفة عامة على قسم العاملات في المصنع، أصبح همّها إصدار القوانين الخاصة بها والتي من خلالها تستطيع السيطرة على ضبط حركة سير العمل مع المراقبة الحازمة لكل مجريات الأمور في المصنع .
كانت حريصة أن لا تسمح بأيّ اختلاط بين العاملات والعمّال خاصّة لحظة الانصراف، لذلك تترأس جمعهن في ساحة المصنع وتسير في المقدمة عند إغلاق مزلاج الباب الكبير للمصنع، ثمّ تتجه كلّ عاملة نحو طريق بيتها.
تدخل غرفتها بهدوء، الصمت يلّف الجدران، تسير بعظمة السلطة باتجاه مرآتها لتخبرها بإنجازاتها اليومية، تشدّ المرآة على يدها: أنت السيدة المطلقة في المصنع، حافظي على حزمك لتسود هيبتك، قطّّبت جبينها: ما بالك يا مرآتي، لم تعودي ترددي لي،" أنت الأجمل" لم أسمع هذه العبارة منذ زمن، كنت تتغنين بها كلما طرق بابي خاطب، لتهمسي لي بغرور: تمهّلي سيأتي الأفضل هذا لا يستحق جمالك، مرت السنون وأنا انتظر الأفضل، لم يأت للآن، أبناء صديقاتي التحقوا بالجامعات.
باشرت الإشراف على عملهن، سمعت رقرقة ضحكاتهن، قالت بحزم : لا أريد سماع الثرثرات التافهة، اعملن بصمت! انتهى الدوام ورنّ الجرس معلنا انتهاء العمل، وسارت أمامهن كقائد ينطلق إلى الميدان.
كان هناك يستند إلى عامود الكهرباء يراقب جموع العاملات، رجل وسامته وضاءة، وابتسامته كشعاع اخترق دهاليزالعتمة في أعماق نفسها ،أسرعت إلى مرآتها، غبار السنين تناثر فوق إطارها، مسحتها بدقّة حتى تماوج بريقها.
همست المرآة : ابتسم لك اليوم، أطرقتْ خجلا.
ردّتْ حيرى: لكنّ الشباب ولّى.
: لا تخدعي نفسك بل ثقي بي، إنه شباب القلب.
: لكنه يصغرني بسنوات.
:الحبّ لا يعترف بالفوارق العمرية، وأنت ما زلت جميلة بل الأجمل، لكن انظري إلى يمينك، علب الأودية، فغرت فاها، لاحظي أنّ اسنانك تحتاج إلى ترميم، بوادر التجاعيد، وهذه النظارة الطبية !
: مرآتي العزيزة أرى الدنيا قد أضاءت ما حولي بنور الحب، وكل ما أشرت إليه مقدور عليه من خلال عمليات التجميل والعدسات اللاصقة،لكنّ ما يهمني شباب القلب.
بعد أيام انطلقت من باب المصنع وجموع العاملات الشابات تسير وراءها، رأته في المكان ذاته بطلته البهيّة، ابتسم وغمز بعينه التي يتماوج فيها بريق أخّاذ، ابتسامته كندى الفجر الذي أينع زهور نفسها العطشى لقطرة حبّ،التفتت إلى الخلف تناقصت أعداد العاملات همست لها نفسها: ليتهن لا يلاحظن! غذ ّت الخطى إلى المنزل واتجهت نحو المرآة جددت بريقها، شاورتها: اليوم ابتسم بعذوبة وغمز برقّة، أيكون عاشقا؟
ردت بحماس: لم لا ؟ لكن اهتمي بأناقتك أكثر، ملابسك لا تناسب موضة هذا الزمان، غيري لون شعرك، حاولي إخفاء خصلات الشيب، ارتدي البنطال الضيّق، فليكن كعب حذائك أكثر علوا، جددي مساحيق التجميل التي جفّت في أوانيها سمعت صدى النفس التواقة إلى همسة عشق: صدقتِِ، لا بدّ من إجراء تغييرات تجميلية ليعود للعمر بريق الربيع.
بعد أيام ابتسم وغمز ولوّح بيده، أشرق الأمل في نفسها، أسرعت خجلة لتختفي في جوف الزقاق، التفت خلفها ثمّ تساءلت: لا أحد يتبعني، أين اختفى؟ فتحت باب البيت حدّقت في مرآتها، سألتها المرآة : ما بك؟
ردّت بعبارة أشرقت بالأمل: اليوم لوّح بيده لكنه لم يتبعني، لم يكلمني!
سرحت بخيالها إلى ما سيكون من لقاءات، من همسات حبّ، وأغرقت نفسها في الحلم الجميل، وخالت نفسها ترتدي فستان الزفاف المتوهج باللآلىء البراقة، شغّلت آلة التسجيل، ترّنم صوت المطربة: " مستنياك ...." وتمايلت تراقص خياله، انتشى القلب وحلّقت الروح في متاهات العشق الورديّة، في المصنع تتهامس العاملات: لعلّه كهل يدق الأبواب، طمأنت نفسها مرآتي تقول: لم لا يكون شابا "الحب لا يعترف بالفوارق العمريّة".
حبّها له فاق كلّ تصور، حلمها به شلّ تفكيرها، أغرقها في متاهته، اللقاء أضحى ضرورة، لكن متى وكيف ستبدأ الحكاية !! سوف تنتظره هنا عند المنعطف تحت شجرة الكينا، وهنا ستحكي وتحكي وتعقد ميثاق الهوى، اختبأت بين أغصان الشجرة النائمة بوهن على كتف الزمن، سمعت وقع خطىً، أطلت من بين الأغصان لتفاجئه، رأته قادما، يده تعانق يدها.
دوّامة ريح عاصف أغبشت عينيها بضباب كثيف واقتلعتها من مكانها وأوقفتها وجها لوجه أمام المرآة، بكت بدمع غزير، تناولت زجاجة عطرها وحطّمت بها المرآة وفي ثورة غضبها صاحت باكية: خدعتِني ببريقك، أقبل وبرفقته شابّة من عاملات المصنع، يتهامسان، يتقاربان، يتمايلان، ضحكهما جلجل في الآفاق، غرقا في بوتقة الهوى، سخرت مني حين أقنعتني أنّ حبّا يأتي في خريف العمر، الربيع يأتلف الربيع وينصهر فيه، بكت وبكت وأغرقت أواني المساحيق بدمعها.
لملمت شظايا المرآة :أعذريني يا مرآتي الكسيرة، الذي كان حلما برّاقا ممتعا، مرّ على قلب ما عرف إلا الوحدة والحزن، مرّ كطيف شفيف أمطره بوابل من السعادة فأزهر ياسمينا، لا تغضبي مني لكنك خدعتني بأحلامي، مرّ أمام ناظري وعشقته، لوعلم أنّ كل كلمة حبّ فكّرت بها أو همست بها هي له، لو أدرك مدى شوقي وحنيني إليه ما توارى عند المنعطف، دائما الأشياء الجميلة يختزلها الزمن فهي كزهورالربيع البريّة تجف مع أول لفحة من حرارة الشمس، لكنّي احتفظت بهمسات خيالي كأروع قصة حب، لو قابلته لقلت له : سيظل حبي لك وأحلامي معك أجمل ذكرى لما بقّي من عمري، لن أنساك ما حييت !!
استكانت حين سمعت نشيج بكاء نظارتها الطبية: سامحيني أنا التي أوهمتك بابتسامته وغمزعينه وتلويحة يده التي كانت لفتاته التي على يمينك وجعلتك تتعذبين تحت سياط الوهم، لكني قلت لك أكثر من مرة صححي مجال الرؤية في نظارتك الطبية، لأنك تعانين من انحراف بصريّ.
تعليق