حكاية(مزمار الليل السحري)/بسمة الصيادي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بسمة الصيادي
    مشرفة ملتقى القصة
    • 09-02-2010
    • 3185

    حكاية(مزمار الليل السحري)/بسمة الصيادي

    مزمار الليل السحري
    حكاية لم تزل تحكى

    أراد المذياع أن يهدي الطفولة سلاما، وأن ينشد للأطفال نشيدا يغمرهم في عز خوفهم وتشردهم، لكنه اختنق بدموعه، وببكاء يعذب المدن والظلال،
    ولما رأى في ذهنه طفلا لعبته حفنة تراب، رضيعا حليبه ثرثرة وعود، ويتيما يداعب شعره الفراغ.. صمت ..ثم ترك الصور تحكي وتنشد أنينها ..
    لم تعد تشبع الخطابات بطونهم الجائعة، ولا عادت تعزيهم الشعارات ..!


    أنصت بعض الأهالي بصدق، تخيلوا عيون أطفالهم مغرورقة بدموع الفقد والحرمان والموت!
    لا زالت مدينتهم آمنة ..لكن هذا القدر الأسود يزحف على بطنه كأفعى تريد لو تتلوى بسمها تحت كل الأقدام .. ويمتد كموجة ضارية لم يعد يكفيها الشاطئ وما عادت التزمت بقوانين المد والجذر .. الحرب قطيع هائج له في الخبايا ألف عرين .. وسرب جراد ينهش الأخضر واليابس والياسمين المتفتح
    فوق غصون العمر ..واللؤلؤ الساكن في رحم البحر !


    قرروا تمزيق ثوب صمتهم البالي، وهدم أسوار الخوف، وإشعال قنديل يضيئ روحهم التي أكل منها الظلام، عسى ملامحهم التي شوهها النسيان تعود
    جميلة فلا تشيح المرآة بوجهها إذا ما وقفوا أمامها ..!


    "لن نشارك بقتلهم .. لن ننعيهم بجبننا ... لن يحتضر صراخهم على أبوابنا المغلقة .. لن يشيعهم السكوت ...! "
    -وماذا يمكننا أن نفعل ..؟ لا سلاح معنا لنقاتل ذلك العدو ..!
    -العدو سلاحه الظلام ..ونحن سلاحنا شعلة نور .. سنتحدى هذا الوحش الأسود.. سنتحداه !


    ولأن الفؤاد هو أغلى ما يملكه الإنسان .. حملوا قلوبهم التي كم تضررت !.. ونزلوا إلى الشارع ..في يد كل واحد منهم شمعة ودمعة
    طعنوا بالشموع عتمة الليل .. والنجوم تكاتفت فوق رؤوسهم لتكون خنجرا آخر !

    عمّ الصمت المكان ..وحدها الشموع كانت تحكي .. وتبوح بما يختلج بالروح ..
    والصمت كثيرا ما يغدر بصاحبه ..كل واحد أحس بانكساره .. بضعفه .. بشيء ما في داخله ضاع ..!

    وفجأة نزل الأطفال القاطنون في السماء، كأنغام تهادت على شفة ناي، تمايلوا مع ضوء الشمعة، رقصوا مع الدخان،
    كأنهم أطياف قزحية كسرت عتمة الليل وحلكة الحزن،
    كل المتظاهرين سمعوا بفؤادهم الغناء، ظن البعض أن هذا ما يسمى بمزمار الليل السحري، وآخرون صمتت جفونهم تلاحق تلك الألوان كيف تتراشق بالقبلات
    والابتسامات، ومنهم من أحس أن أناملا صغيرة مضيئة لامست أياديهم، وأن طفلة أسدلت شعرها الذهبي على أكتافهم، وأخرى متوردة الوجنتين
    داعبت أنوفهم بأنفها الصغير، وطبعت على خدودهم قبلة أرق من الندى، ثم توجت رؤوسهم بعقود ياسمين تحمل في عطرها أسرار الكون..

    حتى أن وشوشات وضحكات تناثرت هنا وهناك فانسحب الهواء البارد ليفرش الدفء أحاديثه الملونة ..
    كل طفل وشى بقصته، لا تلك المدمية المروعة، بل تلك الحنون.. عن الطائرة الورقية التي تحدت الجبال وطالت السماء،
    عن الدمية المشاكسة التي كانت ترفض أن تنام، عن الأرجوحة التي هدهدت لكل نسائم الربيع ..والعبير ... عن زورق الشمس
    الذي خرق البحار ليعثر على جزيرة الأحلام المفقودة .. عن الشبكة التي ظفرت بكل كنوز الأعماق .. عن حكايات الجدة والتثاؤب الأخير ..!
    ثم عاودوا العزف والرقص ..فتلك القلوب التي عاشت صقيع الحرب تحتاج إلى موسيقى تعيد إلى أرواحهم ما فقدت، وإلى إنسانيتهم ما كسر ..
    كم أضعفهم طفل يبكي فتلفه الأرض بحنانها لتمسح بمنديلها كل الدموع..! والآن أصبح هذا الطفل ماسح دمعتهم ومصدر صمودهم، ليحضن كل واحد فيهم شمعته فوق رصيف لم يكن إلا للأشباح ولقطط الخوف والخذلان، أصبحوا مصدر توحدهم وشعلة في كيانهم لا تخمدها رصاصات القتال ولا صمت الرماد ..
    لم يشعروا منذ وقت طويل أنهم حقا بشر .. لم يشهدوا قبلا قوس قزح يولد في الليل من دون مطر !



    التعديل الأخير تم بواسطة بسمة الصيادي; الساعة 25-08-2011, 03:27.
    في انتظار ..هدية من السماء!!
  • صالح صلاح سلمي
    أديب وكاتب
    • 12-03-2011
    • 563

    #2
    يااااه... واااه... ياسيدتي.. منذ ايام وانا اراقب متصفحي.. لعلي اجد ما يثير نشوتي. ويلامس انسانيتي.. التي تأكل الطعام , وتمشي في الاسواق, وتتزوج النساء. كلام من القلب وبلسان عربي ومشاعر عربيه .. بعيدا عن التحد يث والحداثه. كلام من الناس واليهم. ولاهو وقف على جمهرة مثقفي مشاعر, لان المشاعر لا يمكن ان تكون مثقفه, هي ملك للراعي في الصحراء, مثلما هي ملك لماركيز. لكن لطرق التعبير عنها ثقافات.. وثقافة التعبير هنا اعجبتني, فهي القادره على الوصول لأوسع جمهور. حقا ما كنت ابحث عنه منذ ايام..شكرا لك ايتها الكاتبه.

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      عودة على أنغام مزمار الليل السحري
      حكاية هي لم تزل تحكى
      و لكن أين تحكى .. و لمن ؟!

      بلغتك الرائعة التى تأخذ من المجاز الممكن و غير الممكن لتعطي للمشهد جمالا خاصا
      أصبح سمة من سمات ( بسمة الصيادي ) سواء كان العمل نثرا قصصيا أم نثرا شعريا

      استمتعت بما كان
      و عرفت حدود الحكاية
      و لم أسميتها حكاية و لم تكن قصة قصيرة
      إنها الأمانة التى تلتزمين بها
      و التى سوف تكون نبراسك فى قابل الأيام !

      شكرا لك بسمة الملتقى على تلك الحكاية
      و على هذه المتعة !!

      تقديري و احترامي
      sigpic

      تعليق

      • بسمة الصيادي
        مشرفة ملتقى القصة
        • 09-02-2010
        • 3185

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة صالح صلاح سلمي مشاهدة المشاركة
        يااااه... واااه... ياسيدتي.. منذ ايام وانا اراقب متصفحي.. لعلي اجد ما يثير نشوتي. ويلامس انسانيتي.. التي تأكل الطعام , وتمشي في الاسواق, وتتزوج النساء. كلام من القلب وبلسان عربي ومشاعر عربيه .. بعيدا عن التحد يث والحداثه. كلام من الناس واليهم. ولاهو وقف على جمهرة مثقفي مشاعر, لان المشاعر لا يمكن ان تكون مثقفه, هي ملك للراعي في الصحراء, مثلما هي ملك لماركيز. لكن لطرق التعبير عنها ثقافات.. وثقافة التعبير هنا اعجبتني, فهي القادره على الوصول لأوسع جمهور. حقا ما كنت ابحث عنه منذ ايام..شكرا لك ايتها الكاتبه.
        وهل نملك غير رصيد المشاعر؟
        لو نفقد إنسانيتنا نصير كائنات من بخاار وضباب
        ردك سيدي ثري جدا ورائع إلى أبعد حد
        سعيدة ان النص المتواضع نال إعجابك ولامس روحك النقية
        شكرا لك من القلب
        كل الود
        في انتظار ..هدية من السماء!!

        تعليق

        • بسمة الصيادي
          مشرفة ملتقى القصة
          • 09-02-2010
          • 3185

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
          عودة على أنغام مزمار الليل السحري
          حكاية هي لم تزل تحكى
          و لكن أين تحكى .. و لمن ؟!

          بلغتك الرائعة التى تأخذ من المجاز الممكن و غير الممكن لتعطي للمشهد جمالا خاصا
          أصبح سمة من سمات ( بسمة الصيادي ) سواء كان العمل نثرا قصصيا أم نثرا شعريا

          استمتعت بما كان
          و عرفت حدود الحكاية
          و لم أسميتها حكاية و لم تكن قصة قصيرة
          إنها الأمانة التى تلتزمين بها
          و التى سوف تكون نبراسك فى قابل الأيام !

          شكرا لك بسمة الملتقى على تلك الحكاية
          و على هذه المتعة !!

          تقديري و احترامي
          على ما يبدو سيدي ربيع
          أن الشموع انطفأت ..
          والأطفال مكانهم ليس بهذا العالم المظلم !
          من يكسر مزمار الليل يا ترى؟
          ويصر على جعلنا خيالات عابرة لا ترى، لا تشعر ، ,,,
          لا أدري!!!!
          شكرا من القلب ربيعنا
          في انتظار ..هدية من السماء!!

          تعليق

          • مصطفى الصالح
            لمسة شفق
            • 08-12-2009
            • 6443

            #6
            عزفت على أوتار رمزية منفتحة على أفق الخيال والتأويل بطريقة سلسة شاعرية هادئة

            رغم الموج الهادر في أعماقه جاء النص مغريا بالعوم

            لم أستسغ فصل الجملة الواحدة وكتابتها في سطرين.. انقطاع المعنى قبل نهاية السطر

            دمت مبدعة

            تحيتي وتقديري
            [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

            ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
            لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

            رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

            حديث الشمس
            مصطفى الصالح[/align]

            تعليق

            • ربيع عقب الباب
              مستشار أدبي
              طائر النورس
              • 29-07-2008
              • 25792

              #7
              عودة على أنغام مزمار الليل السحري
              حكاية هي لم تزل تحكى
              و لكن أين تحكى .. و لمن ؟!
              sigpic

              تعليق

              • بسباس عبدالرزاق
                أديب وكاتب
                • 01-09-2012
                • 2008

                #8
                نص قزحي بجدارة

                ممتع و محلق و نغم المزمار الليل يتهادى مع نافذة القمر

                نص أعجبني كثيرا، شاعرية و عمق و توظيف أكثر من رائع للبراءة لقصد إيصال الفكرة بفنية عالية المستوى


                تقديري و احتراماتي أستاذة بسمة الصيادي
                السؤال مصباح عنيد
                لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                تعليق

                يعمل...
                X