نصف شيطان
كان نصف إنسان عاجزاً عن العطاء , وكنت نصف إنسان عاجزاً عن الحياة..!
كنصف ملاك بدأت انتحاري معه .. وله , منذ سبعة أعوام . وأنا لا أدري أيّ ذرةٍ كيميائيّة في هذا الكون وفي ذلك العالم المجهول المتواري خلف أبصارنا وإدراكنا , كوّنت جيناً قادراً على إتلاف حياة !!
كنت في التاسعة عشرة حين زار والداه بيتنا لخطبتي , وبين صالحين أفنيا عمرهما في العناية بابنهما المريض دون تذمّر , وبإيمانٍ مطلقٍ بقدر عائلتهما الصّغيرة , وبين كافرين نجسين يتصيّدان حاجة النّاس للمال , تأرجحت صورتهما أمام روحي الذّبيحة , وأختي تذوي وتبدأ بالتّلاشي كغبار أجنحة الفراش حين تداعبها الأصابع , وقد سقطت مريضةً في بيت يعجز فقره عن علاجها .
نصف قديسة ألقيت بحياتي إلى الفناء الدّنيا , لأسمو بروحي وأنا أتلقّف ابناً لأبوين قتلهما الخوف من الرّحيل دون أن يتركا سنداً لولدهما الوحيد .. ولوهلة ..كنت مؤمنة بقبولي على بعد مأساةٍ من قداسةٍ مطلقة , لكنّ مهري ما حسم موافقتي فقذفت نصف إنسانيّتي إلى درك المادة وأنا أبيع شبابي , على الرّغم من أنّي بذلك منحت فرصةً لأختي للشّفاء , ولبقيّة إخوتي للمضيّ في درب الحياة وقد عبّدته لهم بقار أيّامي ... ربما كنت قد استرديت بذلك جزءاً من نصف أخلاقي الذي تسربل بالسّواد .
وبدأت الحياة تهزأ بي حين قرر حماي التاّجر الكبير أن يقيم حفلة عرسٍ كبيرة لابنه الوحيد , فرحاً ضاحكاً تارة , مطلقاً العنان لدموعه تارةً أخرى , وأعتقد أنّه وفي قرارة نفسه كان يحتفل نكايةً بالحياة وبمن رفضوا تزويج بناتهم لعاجز .
كان ضئيلاً ضامراً , عاجزاً تماماً عن تحريك أطرافه أو أيّ عضلةٍ في وجهه , لا ينطق ولا يستجيب بأيّ إشارة لأيّ شيء .
كنت أرتجف في ثوبي الأبيض الذي هصر أضلعي مصلوبةً إلى جانب صمته في جنازتي, والنّاس يرقصون ويهتفون , كوثنيّين يزفّون ضحية إلى المذبح .
أيّ جنونٍ ؟!! وأيّ ذلّ ؟!! جميعهم مدركون أنّه ليس بزفاف وإنّما جرّ ممرضة إلى مدفن..
آه كم احتقرتهم وكرهتهم , وكم كنت بحاجة لمن ألقي عليه حقدي على نفسي .
سرت خلف كرسيه المدولب إلى جهنّمي وأنا ألتقط أنفاسي لاهثة , وقد أفرغت معظم الحنق الذي كان بداخلي .
وضعوه على السّرير وقامت والدته بتبديل ملابسه , وتدحرجوا من أمامي دون أن ينطق أحد ولو بكلمةٍ واحدة , فأنا أدرك تماماً كلّ ما يتوجّب عليّ القيام به .
كان بمجرد أن وضعت والدته رأسه على الوسادة أسلم للنّوم , فجلست قربه أجهش بالبكاء وأنا أمزّق ثوبي .
في الأسابيع الأولى كانت حماتي تعوده يوميّاً , وأنا أتعلّم كيف أطعمه وألبسه وأغسله, لكنّي كنت أتركه ينام وحده وأنام أنا في غرفةٍ أخرى , وقد اطمأننت إلى أنّ أكثر كابوسٍ كان يؤرّقني لم يكن يحدث , فقد كان هادئاً تماماً ولم تكن تجتاحه أيّ نوبات جنون أو غضب كما تخيّلت , حتى أنّه لم يكن يفتقد والديه , وبدأت أوقن بأنّه لا يدرك أصلاً هويّة النّاس حوله .. أو هذا ما اعتقدت .. .
ومضيت في سنيّ تصحبني الوحدة والليالي الباردة , وجسدٌ حفظت تفاصيله , وحتى عدد الأشعار التي تتبعثر بخيبة على ذراعيه , التي عبثاً كنت أدلّكها على أمل غبيّ بأن تنتفض مرّة .
مضيت أضناني اشتياقي إلى صوتي نابضاً بالحياة , والصّمت يجتثّ روحي يوماً بعد يوم .
مضيت أقارع التصحّر الزّاحف في فراشي والذي بدأ يحيلني إلى نصف إنسان فعلاً , إلى أن استيقظت ذات صباح مذهولة من دفء يغمرني , منبعث من جسد ضئيل ضامر, غفوت قربه دون أن أشعر , نظرت إليه .. فكانت تلك أول مرّة أرى فيها وجهه .. يا إلهي.. لم أكن قد تنبّهت إلى جمال ذلك الوجه وبراءته ! كان ينظر إليّ بعينيه التي لطالما تجاهلتها , فجزعت من نقائها , وركضت خارجة من الغرفة التي بتّ أنام فيها دائماً .
لكني كنت بحاجة لأكثر من مجرد دفء , وجسدي يلح عليّ لإطفاء جموح ورغبات تشلّ تفكيري , لم تكن تجتاحني منذ بضع سنوات .
ورحت أبحث عن اكتمال إنسانيّتي دون أن أنتبه إلى أني بدأت أخلع نصفها الآخر المتبقي لي وأنا أكتسي قسوة العريّ المبتذل أمامه في كلّ وقت , وقربه في السرير , وحتى وأنا أغسله ودموعي تنزلق فوق جسده الأبكم .
وفي غفلة عن روحي أطلقت رصاصة إلى روحه , بعد أن أتممت انتحاري حين وقفت أمامه ذات ليل مجنون , وهو متقوقع فوق كرسيّه ورحت أصرخ كالمجنونة وأناأقطّع ملابسي :
سئمت .. سئمت .. لم أعد أحتمل .. مجنونة أنا .. ماذا فعلت بنفسي .. أتمنى أن أموت في هذه اللحظة أو تموت أنت أيّها العاجز .. يا نصف الإنسان الأبله .. أتوق لزوج حقيقي يضمّني .. يقبلني .. يشعرني بأنوثتي ويطفئ رغباتي .
واشتعلت فجأة .. أحرقتني دمعة ملتهبة شقت طريقاً أحمر في وجهه النحيل , وتسمّرت أمام عينين أذهلني بريقهما , ولم أعد أرى سواهما , عينان أضاء نورهما المكان , فائتلق أمامي وميض إنسان . نظرت إلى نفسي .. فلم أجدها وقد تعرّيت من البقية الباقية من إنسانيتي .. لم أجد حتى نصف إنسان .. وجدتني .. نصف شيطان .
كان نصف إنسان عاجزاً عن العطاء , وكنت نصف إنسان عاجزاً عن الحياة..!
كنصف ملاك بدأت انتحاري معه .. وله , منذ سبعة أعوام . وأنا لا أدري أيّ ذرةٍ كيميائيّة في هذا الكون وفي ذلك العالم المجهول المتواري خلف أبصارنا وإدراكنا , كوّنت جيناً قادراً على إتلاف حياة !!
كنت في التاسعة عشرة حين زار والداه بيتنا لخطبتي , وبين صالحين أفنيا عمرهما في العناية بابنهما المريض دون تذمّر , وبإيمانٍ مطلقٍ بقدر عائلتهما الصّغيرة , وبين كافرين نجسين يتصيّدان حاجة النّاس للمال , تأرجحت صورتهما أمام روحي الذّبيحة , وأختي تذوي وتبدأ بالتّلاشي كغبار أجنحة الفراش حين تداعبها الأصابع , وقد سقطت مريضةً في بيت يعجز فقره عن علاجها .
نصف قديسة ألقيت بحياتي إلى الفناء الدّنيا , لأسمو بروحي وأنا أتلقّف ابناً لأبوين قتلهما الخوف من الرّحيل دون أن يتركا سنداً لولدهما الوحيد .. ولوهلة ..كنت مؤمنة بقبولي على بعد مأساةٍ من قداسةٍ مطلقة , لكنّ مهري ما حسم موافقتي فقذفت نصف إنسانيّتي إلى درك المادة وأنا أبيع شبابي , على الرّغم من أنّي بذلك منحت فرصةً لأختي للشّفاء , ولبقيّة إخوتي للمضيّ في درب الحياة وقد عبّدته لهم بقار أيّامي ... ربما كنت قد استرديت بذلك جزءاً من نصف أخلاقي الذي تسربل بالسّواد .
وبدأت الحياة تهزأ بي حين قرر حماي التاّجر الكبير أن يقيم حفلة عرسٍ كبيرة لابنه الوحيد , فرحاً ضاحكاً تارة , مطلقاً العنان لدموعه تارةً أخرى , وأعتقد أنّه وفي قرارة نفسه كان يحتفل نكايةً بالحياة وبمن رفضوا تزويج بناتهم لعاجز .
كان ضئيلاً ضامراً , عاجزاً تماماً عن تحريك أطرافه أو أيّ عضلةٍ في وجهه , لا ينطق ولا يستجيب بأيّ إشارة لأيّ شيء .
كنت أرتجف في ثوبي الأبيض الذي هصر أضلعي مصلوبةً إلى جانب صمته في جنازتي, والنّاس يرقصون ويهتفون , كوثنيّين يزفّون ضحية إلى المذبح .
أيّ جنونٍ ؟!! وأيّ ذلّ ؟!! جميعهم مدركون أنّه ليس بزفاف وإنّما جرّ ممرضة إلى مدفن..
آه كم احتقرتهم وكرهتهم , وكم كنت بحاجة لمن ألقي عليه حقدي على نفسي .
سرت خلف كرسيه المدولب إلى جهنّمي وأنا ألتقط أنفاسي لاهثة , وقد أفرغت معظم الحنق الذي كان بداخلي .
وضعوه على السّرير وقامت والدته بتبديل ملابسه , وتدحرجوا من أمامي دون أن ينطق أحد ولو بكلمةٍ واحدة , فأنا أدرك تماماً كلّ ما يتوجّب عليّ القيام به .
كان بمجرد أن وضعت والدته رأسه على الوسادة أسلم للنّوم , فجلست قربه أجهش بالبكاء وأنا أمزّق ثوبي .
في الأسابيع الأولى كانت حماتي تعوده يوميّاً , وأنا أتعلّم كيف أطعمه وألبسه وأغسله, لكنّي كنت أتركه ينام وحده وأنام أنا في غرفةٍ أخرى , وقد اطمأننت إلى أنّ أكثر كابوسٍ كان يؤرّقني لم يكن يحدث , فقد كان هادئاً تماماً ولم تكن تجتاحه أيّ نوبات جنون أو غضب كما تخيّلت , حتى أنّه لم يكن يفتقد والديه , وبدأت أوقن بأنّه لا يدرك أصلاً هويّة النّاس حوله .. أو هذا ما اعتقدت .. .
ومضيت في سنيّ تصحبني الوحدة والليالي الباردة , وجسدٌ حفظت تفاصيله , وحتى عدد الأشعار التي تتبعثر بخيبة على ذراعيه , التي عبثاً كنت أدلّكها على أمل غبيّ بأن تنتفض مرّة .
مضيت أضناني اشتياقي إلى صوتي نابضاً بالحياة , والصّمت يجتثّ روحي يوماً بعد يوم .
مضيت أقارع التصحّر الزّاحف في فراشي والذي بدأ يحيلني إلى نصف إنسان فعلاً , إلى أن استيقظت ذات صباح مذهولة من دفء يغمرني , منبعث من جسد ضئيل ضامر, غفوت قربه دون أن أشعر , نظرت إليه .. فكانت تلك أول مرّة أرى فيها وجهه .. يا إلهي.. لم أكن قد تنبّهت إلى جمال ذلك الوجه وبراءته ! كان ينظر إليّ بعينيه التي لطالما تجاهلتها , فجزعت من نقائها , وركضت خارجة من الغرفة التي بتّ أنام فيها دائماً .
لكني كنت بحاجة لأكثر من مجرد دفء , وجسدي يلح عليّ لإطفاء جموح ورغبات تشلّ تفكيري , لم تكن تجتاحني منذ بضع سنوات .
ورحت أبحث عن اكتمال إنسانيّتي دون أن أنتبه إلى أني بدأت أخلع نصفها الآخر المتبقي لي وأنا أكتسي قسوة العريّ المبتذل أمامه في كلّ وقت , وقربه في السرير , وحتى وأنا أغسله ودموعي تنزلق فوق جسده الأبكم .
وفي غفلة عن روحي أطلقت رصاصة إلى روحه , بعد أن أتممت انتحاري حين وقفت أمامه ذات ليل مجنون , وهو متقوقع فوق كرسيّه ورحت أصرخ كالمجنونة وأناأقطّع ملابسي :
سئمت .. سئمت .. لم أعد أحتمل .. مجنونة أنا .. ماذا فعلت بنفسي .. أتمنى أن أموت في هذه اللحظة أو تموت أنت أيّها العاجز .. يا نصف الإنسان الأبله .. أتوق لزوج حقيقي يضمّني .. يقبلني .. يشعرني بأنوثتي ويطفئ رغباتي .
واشتعلت فجأة .. أحرقتني دمعة ملتهبة شقت طريقاً أحمر في وجهه النحيل , وتسمّرت أمام عينين أذهلني بريقهما , ولم أعد أرى سواهما , عينان أضاء نورهما المكان , فائتلق أمامي وميض إنسان . نظرت إلى نفسي .. فلم أجدها وقد تعرّيت من البقية الباقية من إنسانيتي .. لم أجد حتى نصف إنسان .. وجدتني .. نصف شيطان .
تعليق