ماذا يعني أن تسرق نصا ثقافيا وتدعيه لنفسك ..؟
عدنان عبد النبي البلداوي
لاشك في ان السارق يفتقر الى الالتزامات الأخلاقية والاجتماعية ، أي ان في سلوكه ومستواه العقلي شرخا قد اشتركت في تكوينه أحداث الطفولة وأسلوب التربية البيتية وتأثير البيئة مع عوامل أخرى قد تكون شخصية جدا ونفسية غير ظاهرة ، وتلك أمور معروفة قد خاض في تحليلها وتفسيرها الدارسون والباحثون في حقول علم النفس .
ومما هو معروف أيضا ان أكثر السرقات هدفها الرئيس هو المال الذي تغلب على سرقته طريقة معينة تؤمن الحصول عليه سرّا ، خوفا من حكم القضاء .. ولما كان ذلك السلوك غير الشريف يتم بهذه السرّية وذلك الحذر هربا من القوانين ، فمن الطبيعي ان تتم سرقة الكلمة بطرق متنوعة وبحرية تامة ، سرا وعلنا .. في الليل والنهار ..بالسطو الفوري حينا وبالسطو المرحلى حينا آخر..لاخوفا ولاحرجا ، لأنها سرقة أفكار منضدة على سطور ليس غير..!
ولأنها سرقة لاتحتاج إلى أدوات خاصة لكسر الأقفال أو اقتحام الموانع،لأن كل ما في الأمر هو ان يضع السارق اسمه بدلا من اسم صاحب النص المسروق ، ثم ينشره في إحدى الصحف والمجلات .
وعلى الرغم من انتشار هذه الظاهرة المذمومة في كل عصر وبنسب مختلفة ، فإن نسبة انتشارها في العصر الحديث بطرق رذيلة تعتمد الخداع والتضليل،أصبح خطرا يهدد حقوق وكرامة الكاتب المبدع ، وقد يصل الخطر الى ابعد من ذلك فيهدد صفاء ونقاء العقلية الأصيلة المبدعة في كل زمان ومكان ، لأن بعض السراق المعاصرين ما يزالون يتمتعون بحرّية غير محدودة ، حتى بلغت الحماقةعند احدهم ان يصدّر النص المسروق بصورته الشخصية .
ربما يكون هذا الصنف من السراق شاذا ومغرورا أو عابثا أو لاهيا وقد صدق القائل : إذا لم تستح فاصنع ما شئت....
لقد تحدث عن سرقة الكلمة او مايطلق عليه مصطلح ( السرقات الأدبية ) كثير من النقاد والباحثين القدامى وقسموها الى أنواع منها( النسخ وهو اخذ اللفظ والمعنى برمته من غير زيادة عليه ، والمسخ وهو إحالة المعنى الى مادونه ، والسلخ وهو اخذ بعض المعنى ..)
ومهما تعددت تلك الأنواع واختلفت الوسائل فالسارق عندهم مذموم ومتهم بالعجز والقصور، يقول طرفة بن العبد من العصر الجاهلي :
ولا أغير على الأشعار أسرقها عنها غنيت وشر الناس من سرقا
ومن النقاد القدامى قدامة بن جعفر بقوله( وسمعت ماقيل :إن من اخذ معنى بلفظه كان له سارقا ..وقد أطبق المتقدمون والمتأخرون على تداول المعاني بينهم ،فليس على احد فيه عيب إلا إذا أخذه بلفظه كله أو أخذه فأفسده وقصّر فيه عمن تقدمه وربما اخذ الشاعر القول المشهور ولم يبال ..)
أجل لم يبا ل ، وقد حدث ذلك فعلا وسلكه كثير من الشعراء والكتاب مما يتعذر ذكرهم في مقال موجز ، وكان عملا أساء الى حركة الإبداع الأدبي وانتهك حرمة كثير من النتاجات الشعرية والنثرية ، مما أثار غضب المخلصين لأدب أمتهم ، فاستنكروا ذلك اشد الاستنكار وحذروا الأجيال من خطر ذلك السلوك ، لكي يستمر العطاء الثقافي الأصيل النابع من موهبة الإبداع .ولكي تبقى الممتلكات الأدبية مصونة معززة بعيدة من عبث اللصوص..ولكي تتعزز مواقف النقاد الرادعة لهذه الظاهرة التي تهدد مبادئ الأخلاق وقواعد السلوك ، ينبغي تشديد الحماية وحراسة النصوص العلمية والأدبية ، ورد الاعتبار الى أصحابها وحرمان السارق من ممارسة أي عمل كتابي يمت الى الثقافة او الى الصحافة بصلة ، كردع لسلوكه الذي يؤكد انه ليس سلوكا مذموما وحسب ،بل هو بحاجة الى محلل ومختص بالأمراض النفسية والعقلية ، لأن الكاتب المتمكن والعاقل البصير والمفكر المبدع والشاعر الموهوب لايسطو ولايغتصب ولايدعي ماليس له به علم ، لأنه يعرف أصول البحث وقواعده التي تسمح لأي كاتب إذا وجد نص غيره واقتضى الحال ان يدرجه خلال سطور بحثه ان يضع النص بين قوسين ويشير في هامش الصفحة الى قائله ومصدره .
ولعل في دراسة الباحثين في علم النفس لهذه السلوكيات يمكنهم التوصل بدقة أكثر وشمولية أوسع الى الدوافع النفسية او الأسباب الأخرى الكامنة ، ثم بعد ذلك الوصول الى وسائل العلاج الكفيلة بالقضاء على هذه الظاهرة التي ان تركت على حالها قد تضرب بنتائجها قدرات ومواهب الأجيال ، ولايعني ذلك ان الجهود المبذولة للحد من هذه الظاهرة تقتصر على مجموعة من المحللين والدارسين من المتخصصين والمتابعين ، بل هي أيضا من صلب العمل الدؤوب لرؤساء تحرير الصفحات الثقافية الذين يتمتعون بخلفيات ثقافية متميزة تكشف بمجهرها كل غث وسمين وتحد من مساعي من يحاول خداع القراء بإدعاء ما ليس له..
ولابد من الإشارة أيضا إلى ان من مستلزمات قطع الطريق أمام لصوص الكلمة هي أن يتعاون القارئ الجاد المخلص في الكشف عن النص المسروق خلال تواصله ومتابعاته الثقافية، وإخبار جهة النشر لاتخاذ اللازم ، ضمانا لحقوق صاحب النص الحقيقي.
وفي الختام أقول لسارق الكلمة أينما يكون: إذا كنت مسلوب الموهبة والقدرة على الكتابة المتميزة، فتش عن مهنة أخرى تحفظ بها ماء وجهك (ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه)
عدنان عبد النبي البلداوي
لاشك في ان السارق يفتقر الى الالتزامات الأخلاقية والاجتماعية ، أي ان في سلوكه ومستواه العقلي شرخا قد اشتركت في تكوينه أحداث الطفولة وأسلوب التربية البيتية وتأثير البيئة مع عوامل أخرى قد تكون شخصية جدا ونفسية غير ظاهرة ، وتلك أمور معروفة قد خاض في تحليلها وتفسيرها الدارسون والباحثون في حقول علم النفس .
ومما هو معروف أيضا ان أكثر السرقات هدفها الرئيس هو المال الذي تغلب على سرقته طريقة معينة تؤمن الحصول عليه سرّا ، خوفا من حكم القضاء .. ولما كان ذلك السلوك غير الشريف يتم بهذه السرّية وذلك الحذر هربا من القوانين ، فمن الطبيعي ان تتم سرقة الكلمة بطرق متنوعة وبحرية تامة ، سرا وعلنا .. في الليل والنهار ..بالسطو الفوري حينا وبالسطو المرحلى حينا آخر..لاخوفا ولاحرجا ، لأنها سرقة أفكار منضدة على سطور ليس غير..!
ولأنها سرقة لاتحتاج إلى أدوات خاصة لكسر الأقفال أو اقتحام الموانع،لأن كل ما في الأمر هو ان يضع السارق اسمه بدلا من اسم صاحب النص المسروق ، ثم ينشره في إحدى الصحف والمجلات .
وعلى الرغم من انتشار هذه الظاهرة المذمومة في كل عصر وبنسب مختلفة ، فإن نسبة انتشارها في العصر الحديث بطرق رذيلة تعتمد الخداع والتضليل،أصبح خطرا يهدد حقوق وكرامة الكاتب المبدع ، وقد يصل الخطر الى ابعد من ذلك فيهدد صفاء ونقاء العقلية الأصيلة المبدعة في كل زمان ومكان ، لأن بعض السراق المعاصرين ما يزالون يتمتعون بحرّية غير محدودة ، حتى بلغت الحماقةعند احدهم ان يصدّر النص المسروق بصورته الشخصية .
ربما يكون هذا الصنف من السراق شاذا ومغرورا أو عابثا أو لاهيا وقد صدق القائل : إذا لم تستح فاصنع ما شئت....
لقد تحدث عن سرقة الكلمة او مايطلق عليه مصطلح ( السرقات الأدبية ) كثير من النقاد والباحثين القدامى وقسموها الى أنواع منها( النسخ وهو اخذ اللفظ والمعنى برمته من غير زيادة عليه ، والمسخ وهو إحالة المعنى الى مادونه ، والسلخ وهو اخذ بعض المعنى ..)
ومهما تعددت تلك الأنواع واختلفت الوسائل فالسارق عندهم مذموم ومتهم بالعجز والقصور، يقول طرفة بن العبد من العصر الجاهلي :
ولا أغير على الأشعار أسرقها عنها غنيت وشر الناس من سرقا
ومن النقاد القدامى قدامة بن جعفر بقوله( وسمعت ماقيل :إن من اخذ معنى بلفظه كان له سارقا ..وقد أطبق المتقدمون والمتأخرون على تداول المعاني بينهم ،فليس على احد فيه عيب إلا إذا أخذه بلفظه كله أو أخذه فأفسده وقصّر فيه عمن تقدمه وربما اخذ الشاعر القول المشهور ولم يبال ..)
أجل لم يبا ل ، وقد حدث ذلك فعلا وسلكه كثير من الشعراء والكتاب مما يتعذر ذكرهم في مقال موجز ، وكان عملا أساء الى حركة الإبداع الأدبي وانتهك حرمة كثير من النتاجات الشعرية والنثرية ، مما أثار غضب المخلصين لأدب أمتهم ، فاستنكروا ذلك اشد الاستنكار وحذروا الأجيال من خطر ذلك السلوك ، لكي يستمر العطاء الثقافي الأصيل النابع من موهبة الإبداع .ولكي تبقى الممتلكات الأدبية مصونة معززة بعيدة من عبث اللصوص..ولكي تتعزز مواقف النقاد الرادعة لهذه الظاهرة التي تهدد مبادئ الأخلاق وقواعد السلوك ، ينبغي تشديد الحماية وحراسة النصوص العلمية والأدبية ، ورد الاعتبار الى أصحابها وحرمان السارق من ممارسة أي عمل كتابي يمت الى الثقافة او الى الصحافة بصلة ، كردع لسلوكه الذي يؤكد انه ليس سلوكا مذموما وحسب ،بل هو بحاجة الى محلل ومختص بالأمراض النفسية والعقلية ، لأن الكاتب المتمكن والعاقل البصير والمفكر المبدع والشاعر الموهوب لايسطو ولايغتصب ولايدعي ماليس له به علم ، لأنه يعرف أصول البحث وقواعده التي تسمح لأي كاتب إذا وجد نص غيره واقتضى الحال ان يدرجه خلال سطور بحثه ان يضع النص بين قوسين ويشير في هامش الصفحة الى قائله ومصدره .
ولعل في دراسة الباحثين في علم النفس لهذه السلوكيات يمكنهم التوصل بدقة أكثر وشمولية أوسع الى الدوافع النفسية او الأسباب الأخرى الكامنة ، ثم بعد ذلك الوصول الى وسائل العلاج الكفيلة بالقضاء على هذه الظاهرة التي ان تركت على حالها قد تضرب بنتائجها قدرات ومواهب الأجيال ، ولايعني ذلك ان الجهود المبذولة للحد من هذه الظاهرة تقتصر على مجموعة من المحللين والدارسين من المتخصصين والمتابعين ، بل هي أيضا من صلب العمل الدؤوب لرؤساء تحرير الصفحات الثقافية الذين يتمتعون بخلفيات ثقافية متميزة تكشف بمجهرها كل غث وسمين وتحد من مساعي من يحاول خداع القراء بإدعاء ما ليس له..
ولابد من الإشارة أيضا إلى ان من مستلزمات قطع الطريق أمام لصوص الكلمة هي أن يتعاون القارئ الجاد المخلص في الكشف عن النص المسروق خلال تواصله ومتابعاته الثقافية، وإخبار جهة النشر لاتخاذ اللازم ، ضمانا لحقوق صاحب النص الحقيقي.
وفي الختام أقول لسارق الكلمة أينما يكون: إذا كنت مسلوب الموهبة والقدرة على الكتابة المتميزة، فتش عن مهنة أخرى تحفظ بها ماء وجهك (ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه)
تعليق