[mark=#78FAFF]
[align=justify]
عند مجمع بحرينٍ لا يلتقيان أحدهما عذب فرات والآخر ملحٌ أجاج تعيش فصيلتان متجاورتان من الأسماك..ففي البحر المالح تسكن فصيلة الأجاجيين وفي البحر العذب تسكن فصيلة الفراتيين.. تختلف الفصيلتان حول بعض القضايا وتتمايزان في بعض السمات ولكنهما تشتركان في تنفيذ حكم أصدرته غريزة البقاء يفرض على كل منهما البحث عن مصادر الرزق وتبادل زيارات العيش رغم الاختلاف.. وفي ليلة من ليالي العيش المشترك اجتمع صديقان أجاجيٌّ وفراتي على وليمة قوامها طُعمٌ أفلت من صنّارة الصيّاد..فأخذا يقتاتان على فتاته ويتجاذبان أطراف الحديث ..
قال الأجاجي مخاطبا صاحبه: إن في نفسي أمراً لطالما كتمته عنك احتراما لحقك المشروع في الاختيار ..وتقديراَ لحريتك المصونة في تحديد المسار ..أمّا وقد فاق إشفاقي عليك احترامي لك فلا مناص من نصحك وتنبيهك ..
اعلم يا صديقي أن بحركم العذب سينتهي بكم إلى منحدرٍ حاد ليصب بعد ذلك في هوّةٍ سحيقة على صخور العذاب وإني أخشى عليك مثل هذا المصير المشئوم والقدر المحتوم..فبادر بالدخول في بحرنا والاستيطان معنا لأننا فريقٌ من نوازل العذاب آمنون..فنحن أحفاد الحوت المقدس الذي جعله الله سببا في لقاء موسى عليه السلام بالخضر عند مجمع البحرين..
الفراتي : أقدّر غزيراً خوفك علي يا صديقي واهتمامك بما سيؤول إليه مصيري ولكن فلتعلم أن الأمر الذي طالما أخفيته عنّي هو ذاته الذي أخبرنيه أبي عن جدّي عن أسلافنا الأولين مع فارق وحيد وهو أننا الفراتيون نحن وحدنا الناجون..
الأجاجي: عجباً فمن نصدّق إذا أسلافنا أم أسلافكم ..وكيف السبيل إلى النجاة وهذه الحال؟
الفراتي: جميعنا يا صديقي نفكّر بشكل أفقيٍّ سطحي ولهذا السبب احتشدنا في مسارات متوازية لا تلتقي أبداً.. والأدهى من ذلك أن كلاًّ منا قد افترض الهلاك نهاية حتمية لكل مسارٍ ليس مساره..
الأجاجي: وما المخرج؟
الفراتي: هلمّ يا صديقي ننصب للفكر مساراً عمودياً موّحداً لا ينتهي إلاّ حيث تكون نجاتنا جميعاً ..
الأجاجي: وكيف ذلك ؟
الفراتي: فلنتفق أولاً على حقيقة مفادها أن العذاب لا يقع إلا على الأشرار..
الأجاجي: أوافقك بكل تأكيد..
الفراتي: إذا فلتعلم يا صديقي بأن الشر ليس بمكانٍ يحتوينا بل مكاناً نحتويه ..نزيده بخطايانا مساحةً ..وبتكرارها حجماً حتى يصبح ثقلاً يحبسنا دوماً في الأعماق..وأنّ الدّين الذي بُعث الأنبياء لإتمامه هو مكارم أخلاقٍ ..وحسن معاملة ..وبما أنّ كل كائن في الكون مكوّنٌ بقدرة الله ..وموجودٌ بمشيئته سبحانه.. فإن احترامنا لكينونته يكون تسبيحاً بحمد مكوّنه..
الأجاجي: فهمتك يا نظيري في الخلق وأخي في الدّين ..ولكن أخبرني أين سيكون اتجاه المسار بعد أن نتخفّف من ثقل الخطيئة..ونحسن فيما بيننا المعاملة..ويبدأ الشر فينا با لانحسار؟
الفراتي: سيكون طفواً بعكس اتجاه الثّقل ..وصعوداً نحو السطوح المتتالية..
الأجاجي: وهل بعد سطحنا هذا من سطوح؟
الفراتي: نعم يا صديقي فإن اليابسة ليست سوى أعماق تالية تغمرها أطنان الهواء ..وبيئة ما يزال سكانها قضيّة صراعٍ دائم بين تشبّث الأرض وجذب السماء ..
الأجاجي: وكيف يتكيّف الصاعدون مع تلك المواطن المضادّة لطبائعهم؟
الفراتي: إن التكيف شرط لازم من شروط البقاء يحققه تحوٌّل يطرأ ذاتياً مع كل ارتقاء..
الأجاجي: فأين ستكون النهاية؟
الفراتي: حيث كانت البداية..
[/align]
[/mark]
[align=justify]
عند مجمع بحرينٍ لا يلتقيان أحدهما عذب فرات والآخر ملحٌ أجاج تعيش فصيلتان متجاورتان من الأسماك..ففي البحر المالح تسكن فصيلة الأجاجيين وفي البحر العذب تسكن فصيلة الفراتيين.. تختلف الفصيلتان حول بعض القضايا وتتمايزان في بعض السمات ولكنهما تشتركان في تنفيذ حكم أصدرته غريزة البقاء يفرض على كل منهما البحث عن مصادر الرزق وتبادل زيارات العيش رغم الاختلاف.. وفي ليلة من ليالي العيش المشترك اجتمع صديقان أجاجيٌّ وفراتي على وليمة قوامها طُعمٌ أفلت من صنّارة الصيّاد..فأخذا يقتاتان على فتاته ويتجاذبان أطراف الحديث ..
قال الأجاجي مخاطبا صاحبه: إن في نفسي أمراً لطالما كتمته عنك احتراما لحقك المشروع في الاختيار ..وتقديراَ لحريتك المصونة في تحديد المسار ..أمّا وقد فاق إشفاقي عليك احترامي لك فلا مناص من نصحك وتنبيهك ..
اعلم يا صديقي أن بحركم العذب سينتهي بكم إلى منحدرٍ حاد ليصب بعد ذلك في هوّةٍ سحيقة على صخور العذاب وإني أخشى عليك مثل هذا المصير المشئوم والقدر المحتوم..فبادر بالدخول في بحرنا والاستيطان معنا لأننا فريقٌ من نوازل العذاب آمنون..فنحن أحفاد الحوت المقدس الذي جعله الله سببا في لقاء موسى عليه السلام بالخضر عند مجمع البحرين..
الفراتي : أقدّر غزيراً خوفك علي يا صديقي واهتمامك بما سيؤول إليه مصيري ولكن فلتعلم أن الأمر الذي طالما أخفيته عنّي هو ذاته الذي أخبرنيه أبي عن جدّي عن أسلافنا الأولين مع فارق وحيد وهو أننا الفراتيون نحن وحدنا الناجون..
الأجاجي: عجباً فمن نصدّق إذا أسلافنا أم أسلافكم ..وكيف السبيل إلى النجاة وهذه الحال؟
الفراتي: جميعنا يا صديقي نفكّر بشكل أفقيٍّ سطحي ولهذا السبب احتشدنا في مسارات متوازية لا تلتقي أبداً.. والأدهى من ذلك أن كلاًّ منا قد افترض الهلاك نهاية حتمية لكل مسارٍ ليس مساره..
الأجاجي: وما المخرج؟
الفراتي: هلمّ يا صديقي ننصب للفكر مساراً عمودياً موّحداً لا ينتهي إلاّ حيث تكون نجاتنا جميعاً ..
الأجاجي: وكيف ذلك ؟
الفراتي: فلنتفق أولاً على حقيقة مفادها أن العذاب لا يقع إلا على الأشرار..
الأجاجي: أوافقك بكل تأكيد..
الفراتي: إذا فلتعلم يا صديقي بأن الشر ليس بمكانٍ يحتوينا بل مكاناً نحتويه ..نزيده بخطايانا مساحةً ..وبتكرارها حجماً حتى يصبح ثقلاً يحبسنا دوماً في الأعماق..وأنّ الدّين الذي بُعث الأنبياء لإتمامه هو مكارم أخلاقٍ ..وحسن معاملة ..وبما أنّ كل كائن في الكون مكوّنٌ بقدرة الله ..وموجودٌ بمشيئته سبحانه.. فإن احترامنا لكينونته يكون تسبيحاً بحمد مكوّنه..
الأجاجي: فهمتك يا نظيري في الخلق وأخي في الدّين ..ولكن أخبرني أين سيكون اتجاه المسار بعد أن نتخفّف من ثقل الخطيئة..ونحسن فيما بيننا المعاملة..ويبدأ الشر فينا با لانحسار؟
الفراتي: سيكون طفواً بعكس اتجاه الثّقل ..وصعوداً نحو السطوح المتتالية..
الأجاجي: وهل بعد سطحنا هذا من سطوح؟
الفراتي: نعم يا صديقي فإن اليابسة ليست سوى أعماق تالية تغمرها أطنان الهواء ..وبيئة ما يزال سكانها قضيّة صراعٍ دائم بين تشبّث الأرض وجذب السماء ..
الأجاجي: وكيف يتكيّف الصاعدون مع تلك المواطن المضادّة لطبائعهم؟
الفراتي: إن التكيف شرط لازم من شروط البقاء يحققه تحوٌّل يطرأ ذاتياً مع كل ارتقاء..
الأجاجي: فأين ستكون النهاية؟
الفراتي: حيث كانت البداية..
[/align]
[/mark]
تعليق