[BIMG]http://www.radio-canada.ca/nouvelles/ressources/images/2007/normales/e/en/070305enfant-triste-pleurs_n.jpg[/BIMG]
ضياع
انتحى زاوية من الساحة و جلس فيها القرفصاء منطو ...مطأطئ الرأس...صخب و هرج و مرج ...و أطفال يلعبون في الأروقة ...تجمع آخرون حول النصب التذكاري الذي يحمل العلم في قمته...يرددون أنشودة بالإنجليزية كانوا بصدد حفظها في القسم...ركض آخرون في الساحة مندفعين و كأنهم يثأرون لصمت في القسم دام ساعتين...
و هو هنا منزو وحده...لم يعد طفلا ليعدو كما يعدون...و يركض و يفتكّ لمجةَ صديق له...لا...كل هذا لم يعد يعنيه...
يا فادي ألم تعدني بلعب الغميضة في الساحة ذات يوم؟
نظر إليها...كانت صديقة المقعد رنا...
أردفت قائلة : مالك يا فادي ..لنقتسم لمجتي لأني أرى أنك لم تأت بالخبز المحشو بالجبن كالعادة...
نظر إليها في إعياء...قال رائفا بحالها:
لا يا رنا لقد أكلت جيدا في الصباح و لست جائعا...
ابتعدت رنا بعد محاولات باءت بالفشل لتخرج صديقها فادي من وحدته...هي لا تفهم...فمنذ أيام و هو على هاته الحالة...
أحس بوجع في بطنه: آه نعم هو لم يأكل منذ غداء الأمس...ترقرقت دمعتان على وجنتيه و هو يذكر الجو المشحون في المنزل بين أمه و أبيه الذي يأتي متأخرا كل ليلة تفوح منه رائحة الكحول...و أمه التي لم تعد تحتمل تصيح في وجهه غير آبهة بولديها النائمين...و كم من مرة كان يقوم فزعا ليسأل ما الأمر على إثر سماع صراخ أبيه وهو يقول كلاما لا يريد أن يتذكره...كان يعود للفراش و هو يرتعش خوفا ...ثم لا يفتأ أن يذهب إلى سرير أخته الصغيرة التي استيقظت مذعورة و يحاول أن يهدئ من روعها...
وبالأمس نادته أمه بعد أن عاد من المدرسة و قالت له في كثير من الألم. سننفصل أنا و أبوك و ستعيشان معي هنا في بيتنا هذا...أما أبوك فسيذهب لحال سبيله.
كانت كلمات أمه كوقع الصاعقة عليه ...صاح بكل قواه: لا ...لا يا أمي ..أرجوك لن أعيش بدون أبي ..لااااااااااا
و جرى إلى غرفته و ارتمى على حافة السرير يبكي و يردد: لا..لا..لا..أرجوكما لا..لا..
ثم ما لبث أن نام...
استيقظ و هو يحس بجسمه منهكا...لم يعرف السبب من أول وهلة و لكن سرعان ما تذكر الخبر المفجع...انتظر أباه ليفسر له...لينفي هذه الفاجعة....ليقول له إن أمك تمزح معك...ليقول له أنا أحبكما جدا يا فادي و لن أترككما مهما حصل...تمنى أن يسمع هذا من أبيه.
دخل الأب على غير عادته باكرا و كان صاحيا هذه المرة...هرع إليه فادي يمسك بأطراف سرواله باكيا...سأله : هل صحيح ما قالته أمي؟
و لم ينف أبوه و اكتفى بأن قال: نعم و ستعيش مع أمك...هذه هي الحياة يا فادي...و...
لم يستمع فادي إلى باقي الحديث...بل خرج مسرعا للشارع عله يتنفس هواء غير الهواء...عله يسمع كلاما غير الكلام...
و اليوم هاهو في ساحة المدرسة يفكر في مصيبة حلت به و بأخته الصغيرة...ما ذنبه حتى يعيش محروما من أبيه...لااااااااااا....لقد كان أبوه كل حياته...و أمه طبعا...كانا ينحتان شخصية الطفل ذي الحادية عشر سنة...ويكملانها...و الآن كيف ستكون حياته الصغيرة بدون أبيه...و في المدرسة من سيستلم جائزته آخر كل سنة....المدرسة؟ و ما لزوم المدرسة الآن و قد أصبح يتيما لا أب له....
دق جرس الدخول إلى الأقسام...اصطف الجميع أمام قاعات الدراسة...نظر فادي إلى أصدقائه...ثم إلى المعلمة و هي تستحثه للدخول...
و دون أن يدري سحبته رجلاه خارج المدرسة...ترك محفظته في القسم...لم يعد لها لزوم...فالحياة في الشوارع لا تحتاج كتابا و لا كراسا ولا قلما.
منيرة الفهري
تعليق