بنت

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أمين خيرالدين
    عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
    • 04-04-2008
    • 554

    بنت

    بنت..ولد..بنت


    لم يستطع محسن الصدّيق أن يلغي رغبته في أن يكون نسله كله من الذكور، رغم أن البنت أكثر حنانا على أهلها، وأنها تملك من القدرات ما يملكه الصبي، وأحيانا أكثر،

    ربما تكون هذه الرغبة متأصلة عنده منذ صغره حيث نشأ وحيدا مع خمس من أخواته، كنّ أكبر منه عمرا، كانت له الأفضلية عليهن في الكلمة الحلوة، والهديّة، والأكلة والسَفْرة.
    عندما تزوج كرّس الليلة الأولى من زواجه يدعو الله أن يكون نسله كلّه ذكورا.
    وبعد أسبوع من زواجه قرر أن يناقش الأمر مع زوجته هاله التي تشبه إلى حد كبير هيفاء وهبه، وربما تزيدها جمالا بقدّها الميّاس،، ،وعينيها الخضراوتين، وشعرها الحريري الطويل الذي يغطّي ظهرها ويزيد.
    اشتدّ النقاش بينهما فازداد عنادا وتمسكا برغبته، وطلب منها أن تبذل كل ما باستطاعتها كي تحقق له رغبته.
    قالت له
    "الأمر ليس بيدي، وأنت تعرف ذلك، إنها مشيئة الله، ويجب أن ترضى بما يبعثه رب العالمين"
    لكنه أصرّ على أن يكون أبناؤه ذكورا، يسدّون عين الشمس إن زاغت، ويستفزون ظلالهم إن طالت، وانه يحلم بأبناء أشداء كعنترة العبسي، وأقوياء كشمشون الجبار، وأغنياء أكثر من أي رئيس سلطة محلية!
    سكتت أمام إصراره وعناده، وللسكوت وضوحه ومعانيه، سكتت رغم عدم موافقتها، وعدم اقتناعها، كي تطفئ حربا عائلية قد تشتعل في الأسبوع الأول لزواجها، وقد تحرق كلّ شيء، حرب هي بالغنى عنه.
    وبعد أقلّ من سنة من زواج محسن الصّدّيق وهاله أنجبت له بنتا أكثر جمالا من أمّها، تقول للقمر، اذهب في إجازة مفتوحة، وأنا سأتكفّل بملء الفراغ الذي يتركه غيابك في عيون العُشّاق.
    عاتبها محسن الصديق على فعلتها، وقال إنها طعنته في ظهره بهذه المخلوقة الأنثى، وأنها خيّبت أمله، وخنقت أحلامه، وبدلا من أن يأخذ المولودة بين يديه ويبتسم لها، ويقبّلها، أو يحمد الله على سلامة زوجته، طرق الباب وخرج غاضبا يتمتم بكلمات مُغمغمة غير مفهومة.
    لكنه لم يزد عن ذلك، وفضّل ألاّ يعاتبها أو يتحدث معها، علّها تصلح خطأها في المرة القادمة، وظلّ يرميها بنظرات العتب والاحتجاج، نظرات حادة كالسكاكين، تقطع في لحمها، تنطلق من عينيه مشحونة ببركان من الغضب، تعلن عن وجودها كلما أقبل نحوها.
    وبعد أقلّ من سنة، أنجبت له بنتا ثانية، لا تقل في جمالها عن أختها، فأقسم أنه لن يزورها في المستشفى، ولن يبارك لها، ولن يساهم في تسمية البنت، وحين عادت هاله إلى البيت مع ابنتها، طلبت منه أن يختار لها اسما، واقترحت أن يسميها على اسم أُمّه، فردّ عليها:
    "سمِّها ما شئت، فهي ابنتك، ولست مسؤولا عن أحد".
    وحين قالت له "اتق الله في بناتك"
    قال: "أنا مؤمن وأتقي الله ولست بحاجة إلى من ينبهني،
    أجابته: كلامك، وما يبدو في عينيك، وعلى ملامحك لا يدل على الإيمان!
    استشاط غضبا وصرخ بها
    _ "لم يُخلق من يُعلمني الإيمان"
    وأقسم أنه سيطلقها إن هي أنجبت بنتا ثالثة!
    ولكونه رجلا مُنظّما، لا يُخْلف ميعادا، أنجبت زوجته بعد أقلّ من سنة بنتا ثالثة.
    قال: " إذا أرادت هاله أن تعود إلى البيت بدون ابنتها، فأهلا وسهلا، أما مع ابنتها الثالثة، فبيت أهلها أولى بها، ويتسع لها ولعشر بنات مثلها ومثل بناتها".
    عادت هاله مع بناتها الثلاث إلى بيت أهلها راضية بقدرها مهما كان كئيبا.
    وبعد شهر نسي محسن الصّدّيق ما قال، ولجأ إلى أصحاب الفضل يرجوهم إصلاح ذات البين مع زوجته، وإعادتها إلى البيت، وعندما عادت نسي قسمه وما قال عن عودتها إلى بيت أهلها، واستقبلها استقبال المحبين، لكنه تجاهل بناته، ولم يبتسم لواحدة منهن، فانطوين، رغم صغرهن،وعيونهن تشتعل حزنا.
    لكنه بعد أقل من شهر، حين كان جالسا في الظلمة، لا يراه أحد، ولا يرى أحدا، يكرّج حبات سبحته الحبة تلوى الأخرى، يردد مع نفسه "بنت..ولد.. بنت.. ولد..بنت" ولمّا لم يغير ترتيب العدّ، لم تتغيّر النتيجة النهائية، ولم يأت الصبي، تملكه اليأس والغضب فطلق محسن الصّدّيق زوجته بالثلاث!!!
    [frame="11 98"]
    لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

    لكني لم أستطع أن أحب ظالما
    [/frame]
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    فجرت بقصتك الكثير من التواريخ القديمة و الأقل قدما
    و بالطبع الحاجة إلى الولد قد لا تبدو ملحة هنا فى تلك القصة
    فليس فلاحا مثلا ينتظر العزوة و المساندة من الصبيان
    و ليس صاحب جاه يخشي عليه من عدم وجود ولد
    لم توضح لنا القصة كينونة هذا المحسن ، و ما يعنى الولد عنده ، و إصراره الكبير على انجابه
    لأن الحاجة هي الموجه و الباعث على التمني و الأمل
    و ربما هذا الأمر مرتبط بالقبيلة و العائلات من فلاحين و تجار !!

    استمتعت بأسلوبك الجميل أستاذي أمين
    كنت رائعا فى رسم المشهد !

    محبتي
    sigpic

    تعليق

    • أمين خيرالدين
      عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
      • 04-04-2008
      • 554

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
      فجرت بقصتك الكثير من التواريخ القديمة و الأقل قدما
      و بالطبع الحاجة إلى الولد قد لا تبدو ملحة هنا فى تلك القصة
      فليس فلاحا مثلا ينتظر العزوة و المساندة من الصبيان
      و ليس صاحب جاه يخشي عليه من عدم وجود ولد
      لم توضح لنا القصة كينونة هذا المحسن ، و ما يعنى الولد عنده ، و إصراره الكبير على انجابه
      لأن الحاجة هي الموجه و الباعث على التمني و الأمل
      و ربما هذا الأمر مرتبط بالقبيلة و العائلات من فلاحين و تجار !!

      استمتعت بأسلوبك الجميل أستاذي أمين
      كنت رائعا فى رسم المشهد !

      محبتي

      أستاذنا جميعا
      ربيع عقب الباب
      الفار الذي أردتُه أن يولد من رحم الجبل ليس فلاحا ينتظر العُزوة
      وليس ذا جاه أو مال يخاف زوالَه بعد زوالِه
      إنما هذا المحسن غير المحسن والصدّيق غير الصدّيق
      ما هو إلاّ من يدّعي التقوى والتديّن ويتنكّر لأبسط بديهيات الإيمان
      هذا هو فأري الذي اردت أن ابصقه من بطن الجبل
      ولكن
      النص- أيّ نصٍ -حين يتمدد مستريحا على الشاشة يصبح مُلك القارئ
      له حرية فهمه ووتفسيره كحرية قراءته
      وفي كافة الحالات يشرف النص
      شكرا استاذنا
      واحترامي
      امين
      [frame="11 98"]
      لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

      لكني لم أستطع أن أحب ظالما
      [/frame]

      تعليق

      • إيمان الدرع
        نائب ملتقى القصة
        • 09-02-2010
        • 3576

        #4
        لكنه بعد أقل من شهر، حين كان جالسا في الظلمة، لا يراه أحد، ولا يرى أحدا، يكرّج حبات سبحته الحبة تلوى الأخرى، يردد مع نفسه "بنت..ولد.. بنت.. ولد..بنت" ولمّا لم يغير ترتيب العدّ، لم تتغيّر النتيجة النهائية، ولم يأت الصبي، تملكه اليأس والغضب فطلق محسن الصّدّيق زوجته بالثلاث!!!
        للأسف زميلي الغالي وأخي أمين خير الدين :
        لا زال هذا النموذج يرتع في مجتمعاتنا ..
        لازال يتوارى من سوء ما بشّر به ..وهو كظيم ..
        لم يدخل عمق الإيمان إلى قلبه ، ولم يتغيّر
        ومازال يكرّ سبحته على نفس الرؤى العقيمة ، وكأنه في عصر الجاهليّة مقيم ..
        شكراً أيها الأديب المبدع على نصّ أهدى إلينا عيوب مجتمعنا ، بأسلوبٍ معبّر، جميل، واقعيّ .
        أهديك أحلى أمنياتي ، وتحيّاتي

        تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

        تعليق

        • أمين خيرالدين
          عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
          • 04-04-2008
          • 554

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
          لكنه بعد أقل من شهر، حين كان جالسا في الظلمة، لا يراه أحد، ولا يرى أحدا، يكرّج حبات سبحته الحبة تلوى الأخرى، يردد مع نفسه "بنت..ولد.. بنت.. ولد..بنت" ولمّا لم يغير ترتيب العدّ، لم تتغيّر النتيجة النهائية، ولم يأت الصبي، تملكه اليأس والغضب فطلق محسن الصّدّيق زوجته بالثلاث!!!
          للأسف زميلي الغالي وأخي أمين خير الدين :
          لا زال هذا النموذج يرتع في مجتمعاتنا ..
          لازال يتوارى من سوء ما بشّر به ..وهو كظيم ..
          لم يدخل عمق الإيمان إلى قلبه ، ولم يتغيّر
          ومازال يكرّ سبحته على نفس الرؤى العقيمة ، وكأنه في عصر الجاهليّة مقيم ..
          شكراً أيها الأديب المبدع على نصّ أهدى إلينا عيوب مجتمعنا ، بأسلوبٍ معبّر، جميل، واقعيّ .
          أهديك أحلى أمنياتي ، وتحيّاتي
          إيمان الدرع
          ايتها الأخت الكريمة
          1) رحم الله الوالدة وأسكنها فسيح جنانه ولكم من بعدها طول البقاء
          2)قلوبنا ومشاعرنا واحاسيسنا ترافقكم في محنة الوطن
          وكما يقولون عندنا "الله يقلط إلّي فيه الصالح"
          3) مرورك وكلماتك ووجودك وأنت ترافقين النصّ يسعدني ويملؤني اعتزازا وفخرا وإحساسا بأن نصّي يحظى بشرف قراءتك
          لك ليس الشكر فحسب
          لك الدعاء بالبقاء وللوطن بالسلامة
          [frame="11 98"]
          لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

          لكني لم أستطع أن أحب ظالما
          [/frame]

          تعليق

          يعمل...
          X