هذا أنا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علي عكور
    عضو الملتقى
    • 04-08-2008
    • 18

    هذا أنا

    هذا أنا
    المكانُ مليءٌ بالأرقام , تُطالِعُكَ الأرقامُ من كلِّ الجهاتِ , لا شيءَ هنا غيرَ أرقامٍ صمّاء . تشعرُ بالجفافِ و الحنْقِ . حتى ذلك الموظفُ الصغير المُختبئُ خلفَ زجاجَتِهِ المصقولَة ليسَ بوسعكَ أنْ تتحدّثَ مَعَهُ دونَ أنْ تأخذَ رقمًا منْ مكنَة الأرقامِ , ثمّ عليْكَ أنْ تنْتظرَ معَ أولئك الطيبينَ القابعينَ في مقاعِدهمِ و كأنّهم أوثقوا إليْها . تتأمّلُ المشْهدَ بتفاصيلِه فيقفِزُ سؤالٌ منْ رأسِكَ , ينْتصبُ أمامَك , يضعُ عينيه بعيْنيك , و يصرخُ في وجْهكَ الأبلَه : " منْ أنت ؟ "
    لا تُكلّفُ نفسَكَ عناءَ الإجابَة , بيدَ أنّ السؤالَ يُحْدِثُ دُويًّا هائلا في رأسِكَ الصغيرِ . تتناثرُ شظاياه الحادّة فتصيبُ إحداها جدارَ ذاكرتِكَ الهشّ . تُحدثُ الشظيّةُ شرخًا صغيرًا لا يفتأ يكبرُ بفعلِ التداعياتِ التي تَخرجُ مِنْه :

    ( في البَدءِ كُنْتَ رقمًا . كنْتم مئاتَ الملايينِ , تدافَعتم بقوّة و انطلقتم في شَهوةٍ عارمَة تَبْحثُونَ عَن الخَصْبِ و الحَياةِ , و تخبئون في أحجامكم المتناهية الصِّغر أحلامًا متورّمة . حدَثتْ مَجْزرَةٌ مليونيّة , ماتَ مئاتُ الملايينِ و بقيت أنت , كُنتَ الرقم الوحيد النّاجي منْ بينِ رُكامِ الأرقامِ الهالكة . أردتَ أنْ تخرجَ إلى الحياةِ لتشعرَ بالوجودِ ؛ غَيْرَ أنّكَ اصطدمْتَ بقانونٍ يقضيْ أنْ تمُرّ بتِسعَةِ أرقامٍ , أو سبعَةٍ على أقلّ تقدير .

    قفزتَ منْ رقمٍ إلى آخر حتى انزلَقتَ فالتقَفتْكَ المُمرّضةُ , و أحاطَتْ مِعصَمكَ الصّغيرَ برَقمٍ عريضٍ يُميّزكَ عَن المواليدِ الآخرينَ . في قِسْمِ المواليدِ كنْتم تشابَهونَ حدّ التطابُقِ , و لمْ تحملوا بعدُ أسماءً تُميّزكم .

    في البيتِ صُرتَ رقمَ أربعةٍ بينَ إخوتكَ . و في دائِرَةِ الأحوالِ المدنيّة وضعوا مُقابلَ اسمكَ رقمًا أطول مِنْهُ , تُعْرَفُ بِه بقيّةَ حياتِك , بوسْعكَ أنْ تُغيّر اسمك ؛ لكنْ ما منْ طريقَةٍ لتغييرِ رقمكَ إنْ لمْ يُعحبكَ . و لا شيءَ يَتمُّ في حياتِك و بعدَ مماتكَ بغيْرِ هذا الرقم . أيضًا أضافوكَ كرقمٍ جديدٍ إلى عددِ السكّان الذي لا يحتملُ مزيدًا من الأرقام .

    دخلتَ المدرسَة فأضافوكَ كرقمٍ آخر . كبُرتَ و كبرتْ معك أرقامُك : ( عمركَ , طولكَ , وزنك .. ) و كلّما ذهبْتَ إلى مكانٍ التصقتْ بكَ الأرقام . توتّرتْ علاقتكَ بها , و صرتَ تسمعُ : " أنتَ صفرٌ إلى اليسار " كلّما أرادَ أحدُهم أنْ يحطّ منْ قيمتك .

    أخطأ الموظف فوضعَ اسمكَ مقابلَ رقمِ أبيك المتوفى , و عندما أخبركَ أنّ رقمكَ يقول أنّك ميّتٌ لم تتعجبْ كثيرًا , تشعرُ بذلك .. فقط طلبتَ بعض الإيضاح ... أعلنَت الصحفُ عنْ رقمٍ شاغرٍ لإحدى الوظائف , تقدّمتَ فلمْ يقبل الرقمُ مواصفاتك . و كنتَ إذا استغرقتَ في النومِ تحلمُ بأرقامٍ صغيرَة تصعدُ سريرَك الخشبيّ و تأكلُ أطرافَه و أطرافَك ) ...

    ثمّة شاشةٌ رقميّةٌ مُعلّقةٌ على الحائط , تضيءُ الشاشَةُ برقمٍ جديدٍ ؛ فيخرجكَ الجالسُ إلى جواركَ من تداعياتِ ذاكرتكَ بلكزةٍ خفيفة , يُشيرُ إلى الرقمِ في الشاشة و يقول : " هذا أنت " تنظرُ إلى الرقمِ الذي تحملُه في ورقةٍ صغيرَةٍ , ثمّ تقول دونما فرحٍ : " نعم , هذا أنا "
  • انورخميس
    أديب وكاتب
    • 08-11-2008
    • 104

    #2
    ومن منا ليس رقما ..

    بل إنك لا تستطيع أن تسير فى الشارع آمنا ..

    إلا إذا كنت تحمل هويتك التى تحمل رقمك..

    يا عزيزى كلنا أرقام!!

    فلا تنزعج..


    نص جميل راقنى كثيرا المرور به

    استاذ على ..

    كل التحية
    التعديل الأخير تم بواسطة انورخميس; الساعة 09-09-2011, 05:45.
    http://anwarkamess.maktoobblog.com/

    تعليق

    • ريما ريماوي
      عضو الملتقى
      • 07-05-2011
      • 8501

      #3
      اهلا بك يا 2440 معنا هاهنا ههههههه
      وسعيدة لتنشطك من جديد ايها المسجل القديم,
      ونعم الأرقام أصبحت أهم من اسمائنا,
      يسلموا الأيادي تحياتي.


      أنين ناي
      يبث الحنين لأصله
      غصن مورّق صغير.

      تعليق

      • احمد بن خالد
        عضو الملتقى
        • 27-08-2011
        • 21

        #4
        الفكرة جميلة و مثيرة لنقطة هامة فى حياتنا فعلا ..
        قصة محببة .. تحياتى ..
        شابٌ أدماهُ مجتمعٌ أدناهُ أعلاهُ حتى سماه ، فبائساً يائساً صاح : فاكس ..

        تعليق

        • علي عكور
          عضو الملتقى
          • 04-08-2008
          • 18

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة انورخميس مشاهدة المشاركة
          ومن منا ليس رقما ..


          بل إنك لا تستطيع أن تسير فى الشارع آمنا ..

          إلا إذا كنت تحمل هويتك التى تحمل رقمك..

          يا عزيزى كلنا أرقام!!

          فلا تنزعج..



          نص جميل راقنى كثيرا المرور به

          استاذ على ..


          كل التحية
          أهلا بك أستاذ أنور

          نعم نحن مجرد أرقام أو أرقام مجرّدة ..

          تحية تليقُ بك .

          تعليق

          • علي عكور
            عضو الملتقى
            • 04-08-2008
            • 18

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
            اهلا بك يا 2440 معنا هاهنا ههههههه
            وسعيدة لتنشطك من جديد ايها المسجل القديم,
            ونعم الأرقام أصبحت أهم من اسمائنا,
            يسلموا الأيادي تحياتي.
            مرحبا بك أستاذة ريما
            و أهم من ذواتنا أيضًا ..

            تحيّة تليقُ بك .

            تعليق

            • علي عكور
              عضو الملتقى
              • 04-08-2008
              • 18

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة احمد بن خالد مشاهدة المشاركة
              الفكرة جميلة و مثيرة لنقطة هامة فى حياتنا فعلا ..
              قصة محببة .. تحياتى ..

              الأستاذ أحمد

              مرحبا بك
              ثم إنني سعيدٌ و قد
              أعجبك النصّ .

              تحية تليقُ بك .

              تعليق

              يعمل...
              X