هذا أنا
المكانُ مليءٌ بالأرقام , تُطالِعُكَ الأرقامُ من كلِّ الجهاتِ , لا شيءَ هنا غيرَ أرقامٍ صمّاء . تشعرُ بالجفافِ و الحنْقِ . حتى ذلك الموظفُ الصغير المُختبئُ خلفَ زجاجَتِهِ المصقولَة ليسَ بوسعكَ أنْ تتحدّثَ مَعَهُ دونَ أنْ تأخذَ رقمًا منْ مكنَة الأرقامِ , ثمّ عليْكَ أنْ تنْتظرَ معَ أولئك الطيبينَ القابعينَ في مقاعِدهمِ و كأنّهم أوثقوا إليْها . تتأمّلُ المشْهدَ بتفاصيلِه فيقفِزُ سؤالٌ منْ رأسِكَ , ينْتصبُ أمامَك , يضعُ عينيه بعيْنيك , و يصرخُ في وجْهكَ الأبلَه : " منْ أنت ؟ "
لا تُكلّفُ نفسَكَ عناءَ الإجابَة , بيدَ أنّ السؤالَ يُحْدِثُ دُويًّا هائلا في رأسِكَ الصغيرِ . تتناثرُ شظاياه الحادّة فتصيبُ إحداها جدارَ ذاكرتِكَ الهشّ . تُحدثُ الشظيّةُ شرخًا صغيرًا لا يفتأ يكبرُ بفعلِ التداعياتِ التي تَخرجُ مِنْه :
( في البَدءِ كُنْتَ رقمًا . كنْتم مئاتَ الملايينِ , تدافَعتم بقوّة و انطلقتم في شَهوةٍ عارمَة تَبْحثُونَ عَن الخَصْبِ و الحَياةِ , و تخبئون في أحجامكم المتناهية الصِّغر أحلامًا متورّمة . حدَثتْ مَجْزرَةٌ مليونيّة , ماتَ مئاتُ الملايينِ و بقيت أنت , كُنتَ الرقم الوحيد النّاجي منْ بينِ رُكامِ الأرقامِ الهالكة . أردتَ أنْ تخرجَ إلى الحياةِ لتشعرَ بالوجودِ ؛ غَيْرَ أنّكَ اصطدمْتَ بقانونٍ يقضيْ أنْ تمُرّ بتِسعَةِ أرقامٍ , أو سبعَةٍ على أقلّ تقدير .
قفزتَ منْ رقمٍ إلى آخر حتى انزلَقتَ فالتقَفتْكَ المُمرّضةُ , و أحاطَتْ مِعصَمكَ الصّغيرَ برَقمٍ عريضٍ يُميّزكَ عَن المواليدِ الآخرينَ . في قِسْمِ المواليدِ كنْتم تشابَهونَ حدّ التطابُقِ , و لمْ تحملوا بعدُ أسماءً تُميّزكم .
في البيتِ صُرتَ رقمَ أربعةٍ بينَ إخوتكَ . و في دائِرَةِ الأحوالِ المدنيّة وضعوا مُقابلَ اسمكَ رقمًا أطول مِنْهُ , تُعْرَفُ بِه بقيّةَ حياتِك , بوسْعكَ أنْ تُغيّر اسمك ؛ لكنْ ما منْ طريقَةٍ لتغييرِ رقمكَ إنْ لمْ يُعحبكَ . و لا شيءَ يَتمُّ في حياتِك و بعدَ مماتكَ بغيْرِ هذا الرقم . أيضًا أضافوكَ كرقمٍ جديدٍ إلى عددِ السكّان الذي لا يحتملُ مزيدًا من الأرقام .
دخلتَ المدرسَة فأضافوكَ كرقمٍ آخر . كبُرتَ و كبرتْ معك أرقامُك : ( عمركَ , طولكَ , وزنك .. ) و كلّما ذهبْتَ إلى مكانٍ التصقتْ بكَ الأرقام . توتّرتْ علاقتكَ بها , و صرتَ تسمعُ : " أنتَ صفرٌ إلى اليسار " كلّما أرادَ أحدُهم أنْ يحطّ منْ قيمتك .
أخطأ الموظف فوضعَ اسمكَ مقابلَ رقمِ أبيك المتوفى , و عندما أخبركَ أنّ رقمكَ يقول أنّك ميّتٌ لم تتعجبْ كثيرًا , تشعرُ بذلك .. فقط طلبتَ بعض الإيضاح ... أعلنَت الصحفُ عنْ رقمٍ شاغرٍ لإحدى الوظائف , تقدّمتَ فلمْ يقبل الرقمُ مواصفاتك . و كنتَ إذا استغرقتَ في النومِ تحلمُ بأرقامٍ صغيرَة تصعدُ سريرَك الخشبيّ و تأكلُ أطرافَه و أطرافَك ) ...
ثمّة شاشةٌ رقميّةٌ مُعلّقةٌ على الحائط , تضيءُ الشاشَةُ برقمٍ جديدٍ ؛ فيخرجكَ الجالسُ إلى جواركَ من تداعياتِ ذاكرتكَ بلكزةٍ خفيفة , يُشيرُ إلى الرقمِ في الشاشة و يقول : " هذا أنت " تنظرُ إلى الرقمِ الذي تحملُه في ورقةٍ صغيرَةٍ , ثمّ تقول دونما فرحٍ : " نعم , هذا أنا "
لا تُكلّفُ نفسَكَ عناءَ الإجابَة , بيدَ أنّ السؤالَ يُحْدِثُ دُويًّا هائلا في رأسِكَ الصغيرِ . تتناثرُ شظاياه الحادّة فتصيبُ إحداها جدارَ ذاكرتِكَ الهشّ . تُحدثُ الشظيّةُ شرخًا صغيرًا لا يفتأ يكبرُ بفعلِ التداعياتِ التي تَخرجُ مِنْه :
( في البَدءِ كُنْتَ رقمًا . كنْتم مئاتَ الملايينِ , تدافَعتم بقوّة و انطلقتم في شَهوةٍ عارمَة تَبْحثُونَ عَن الخَصْبِ و الحَياةِ , و تخبئون في أحجامكم المتناهية الصِّغر أحلامًا متورّمة . حدَثتْ مَجْزرَةٌ مليونيّة , ماتَ مئاتُ الملايينِ و بقيت أنت , كُنتَ الرقم الوحيد النّاجي منْ بينِ رُكامِ الأرقامِ الهالكة . أردتَ أنْ تخرجَ إلى الحياةِ لتشعرَ بالوجودِ ؛ غَيْرَ أنّكَ اصطدمْتَ بقانونٍ يقضيْ أنْ تمُرّ بتِسعَةِ أرقامٍ , أو سبعَةٍ على أقلّ تقدير .
قفزتَ منْ رقمٍ إلى آخر حتى انزلَقتَ فالتقَفتْكَ المُمرّضةُ , و أحاطَتْ مِعصَمكَ الصّغيرَ برَقمٍ عريضٍ يُميّزكَ عَن المواليدِ الآخرينَ . في قِسْمِ المواليدِ كنْتم تشابَهونَ حدّ التطابُقِ , و لمْ تحملوا بعدُ أسماءً تُميّزكم .
في البيتِ صُرتَ رقمَ أربعةٍ بينَ إخوتكَ . و في دائِرَةِ الأحوالِ المدنيّة وضعوا مُقابلَ اسمكَ رقمًا أطول مِنْهُ , تُعْرَفُ بِه بقيّةَ حياتِك , بوسْعكَ أنْ تُغيّر اسمك ؛ لكنْ ما منْ طريقَةٍ لتغييرِ رقمكَ إنْ لمْ يُعحبكَ . و لا شيءَ يَتمُّ في حياتِك و بعدَ مماتكَ بغيْرِ هذا الرقم . أيضًا أضافوكَ كرقمٍ جديدٍ إلى عددِ السكّان الذي لا يحتملُ مزيدًا من الأرقام .
دخلتَ المدرسَة فأضافوكَ كرقمٍ آخر . كبُرتَ و كبرتْ معك أرقامُك : ( عمركَ , طولكَ , وزنك .. ) و كلّما ذهبْتَ إلى مكانٍ التصقتْ بكَ الأرقام . توتّرتْ علاقتكَ بها , و صرتَ تسمعُ : " أنتَ صفرٌ إلى اليسار " كلّما أرادَ أحدُهم أنْ يحطّ منْ قيمتك .
أخطأ الموظف فوضعَ اسمكَ مقابلَ رقمِ أبيك المتوفى , و عندما أخبركَ أنّ رقمكَ يقول أنّك ميّتٌ لم تتعجبْ كثيرًا , تشعرُ بذلك .. فقط طلبتَ بعض الإيضاح ... أعلنَت الصحفُ عنْ رقمٍ شاغرٍ لإحدى الوظائف , تقدّمتَ فلمْ يقبل الرقمُ مواصفاتك . و كنتَ إذا استغرقتَ في النومِ تحلمُ بأرقامٍ صغيرَة تصعدُ سريرَك الخشبيّ و تأكلُ أطرافَه و أطرافَك ) ...
ثمّة شاشةٌ رقميّةٌ مُعلّقةٌ على الحائط , تضيءُ الشاشَةُ برقمٍ جديدٍ ؛ فيخرجكَ الجالسُ إلى جواركَ من تداعياتِ ذاكرتكَ بلكزةٍ خفيفة , يُشيرُ إلى الرقمِ في الشاشة و يقول : " هذا أنت " تنظرُ إلى الرقمِ الذي تحملُه في ورقةٍ صغيرَةٍ , ثمّ تقول دونما فرحٍ : " نعم , هذا أنا "
تعليق