**** حكايا الفقر والظمأ ****
مهداة إلى ( الفقراء فقط ) ..عن الموت فى الصومال ..
.................................................. ....................................
اتمنى لو تصل يدى إليها ، لكن المرض و الإعياء والهزال يقفون حائلاً دون بلوغى تلك الأمنية بالرغم من أن المسافة بينى وبين عصاى التى أتوكأ عليها لا تزيد عن شبرين ، أحاول أن أذب الحشرات الطائرة عن وجهى وجسدى فلا أستطيع حراكا ، يعتصر الجوع مابقى من جسدى ، ويمتص الهجير ما تحت جلدى ،يقترب منى أكبر أولادى ، يحاول أن يبلل شفتى بقميصه المعروق ، فأروح فيما يشبه إغفاءة الموت .................................................. .................................................. ..
..إيه ياصاح ، أقسم لك أن اللحم يزور بيتنا مرتين فقط خلال العام ، وهذه إحداهما ، فهلا ناولتنى قطعة أخرى ، هكذا تحدثت ألى الرجل الموكل إليه توزيع الصدقات ..!
كان هو اليوم الأول من أيام شهر رمضان ، وهو بالطبع الشهر الوحيد الذى نأكل خلاله مرة أو مرتين حتى الشبع ، ولكنه رغم ذلك يظل الشهر الوحيد الذى نأكل فيه كل يوم على أية حال ، ففيه يطالنا بعض من الصدقات والنفحات من فاعلى الخير .
تحلقنا حولها قبل الموعد بأكثر من ساعتين فى إنتظار إنطلاق مدفع الإفطار ، وقبله بدقائق وزعت زوجتى أطباق الطعام فوق الـ ( ملاءة ) التى أعَدَتها لتكون بمثابة طبلية .
سال لعابنا لرائحة الطعام ، والتهمت أعيننا ما تملأ به زوجتنى الأطباق ، كان علىّ أن أوزع اللحم بالتساوى ، فحرصت على أن اعدل بين حجم كل قطعة وأخرى قدر إستطاعتى ، فكنت كلما وضعت قطعة أمام أحد أبنائى ، تابعها أخوته بعيونهم ، ووزنوها ( حجماً وكماً ونوعاً ) بقلوبهم ، وحسد كل منهم الآخر على ( نصيبه ) من اللحم ، ورأى فيما ( أخذ ) أقل مما ناله الآخرون ..!
......... وبالرغم من حيطتها وحذرها ، وتكتمها وسرية ما أقدمت عليه ، إلا أنه لا شئ هنا يخفى على أحد ، ولقد تعرضت زوجتى للنقد الشديد والحرج البالغ لقاء ما أقدمت عليه ، إذ بادرها إبننا الأكبر بقوله (أعرف أنك تخبئين بعض اللحم ، فهاته ودعينا نأكل اليوم قدر إتساع بطوننا )..
أسرعت إلى المطبخ وقد كست وجهها ملامح الحرج والغضب ، وعادت بعد قليل بباقى اللحم المسلوق ، والذى كانت تدخره للغد ، وكان علىّ أن أوزع باقى اللحم بطبيعة الحال ، ولقد تابعتنى نظرات الأبناء بنهم بالغ مع كثير من الشك والإستنكار وقد رأوا أننى إستأثرت لنفسى بقطعة لحم أكبر قليلاً ، ولا أنكر أننى قد فعلت ذلك عن عمد وإن حاولت أن يبدو الأمر عفوياً ..!
كان الشجار عادةً ماينشب بيننا اثناء الطعام ، ويستمر لساعات طوال ، أما اليوم فقد كان الطعام كافياً لملء البطون وسد الأفواه ، وقد أكلنا حتى التخمة ، وتحاشى كل منا الحديث مع الآخر نهائياً ..!
أسندت ظهرى إلى الجدار ، ومددت ساقى الوحيدة فى إسترخاء وتجشأت بصوت مزعج ، بينما قام أبننا الأكبر إلى الخارج ليشعل نصف السيجارة الذى يحتفظ به من أول أمس ، وهو يُطْلِق من مؤخرته صوتاً بغيضا ..!
.................................................. .
أستفقت لدقيقة أو نحوها ، دارت عيناى فى كل إتجاه ، الجميع ملقون على الأرض بدون حراك وهم أشبه بالهياكل العظمية و بعضهم على ما أظن قد فارق الحياة ، بينما معظمهم قد رأوا أنهم لابد وأن يدخروا قوتهم التى يظنون لساعة غوث قد تجئ ،!! ممددة هى بجوارى بلا حراك ، نعم تلك التى تشبه عود الذرة نحافة وتفوقه طولا ، إنها زوجتى ، طيبة القلب هى إلى حد كبير ، لكنها على قدر من الغباء وسؤ التقدير أكبر .....ولقد وافق أهلها على زواجنا مقابل أن أقوم بإطعامها وأرفع عن كاهلهم عبء الإهتمام بها ، أما الجالسة القرفصاء بجانب رأسها والتى تبدو ملامحها كطفلة فهى إبنتنا الكبرى ، وقد تجاوزت الثلاثين رغم ضآلة جسدها ، ولم يتقدم أحد لخطبتها حتى اليوم ، رغم أنها على قدر من الملاحة والفطنة ....... والنائمة هناك بجوار مدخل الخيمة ؟ نعم هى أيضاً إبنتنا الأصغر ، وهى مسالمة إلى حد بعيد ، وتستطيع أن تعرف منها أدق أسرار حياتنا لقاء ربع شطيرة أو قطعة من الحلوى، ولكنها تعرف تماماً عند أى حد تتوقف ، اما الملقى أحدهما تحت قدمى والآخر بجواره فهما ولداى التؤام ، وهما مطيعان إلى درجة كبيرة ، لكنهما فى ذات الوقت يتسمان بعناد شديد فيما يخص مطالبهما ، فإذا أصرا على أمر فالموت دونه .......
أما النائم فى حضن زوجتى والملتصق ( خراءه ) بمؤخرته فهو أصغر أبنائنا وأعتقد أنه ليس الأخير ، فتلك المنكودة زوجتى حبلى فى شهرها الخامس تقريباً كما أخبرتنى !!
نعم ..نعم ..ذلك الذى حاول أن يبلل شفتى بقميصه هو إبننا الأكبر ، وقد خارت قواه مثل الآخرين ، وكان يوماً ما يبيع القبعات لصالح أحد الأغنياء !
أما عنى فأنا أعرج لا عمل لى وأتقاضى شهرياً جنيهات قليلة من إحدى الجمعيات الخيرية تصلنى أحياناً وتضيع بين أيدى السارقين أحياناً أكثر.....!
تتداخل الذكريات وتتلوى الأحداث ، وعلى وشك أن أروح فى غيبوبة جديدة ، ولأننا فى شهر رمضان فذكريات تلك الأيام تعاودنى وتقفز إلى الصف الأول من ذاكرتى ...
لقد نمنا تلك الليلة وما تلاها من ليالى شهر رمضان ملء جفوننا شبعاً وطمأنينة !!
يا الله .....ما أبعد تلك الليالى عنا الآن ، فلم يعد باقياً منها سوى إجترارات محلاة بأمل مهيض ، حتى تلك الأيام البعيدة التى لم نجد فيها مايسد رمقنا كانت أيام رغد ورخاء وهناء مقارنة بما نحن فيه .!
.................
نال منا العطش والجوع على مدار أيام لا نعرف عددها قطعنا فيها مئات الأميال لنصل إلى هذا المخيم حتى أصبحنا غير قادرين على الحراك ، وأنه ليعجز أكثرنا عن ( هش ) الذباب والحشرات عن جسده .!
لم نعد نستطيع فتح أعيننا ، ولم يعد هناك ما نبصره سوى السراب ، ولم يعد يرى أى منا صورة الآخر سوى ضبابيات متماوجة وأشباحاً باهتة غير قادرة على الحراك إلا قليلا ..!
من بعيد يصل إلى أسماعنا أزيز طائرة مقتربة من إتجاه العاصمة ، فنترقبها حتى إذا تصادف مرورها من فوقنا ، وكثيراً ماكانت تمُرُ ، حتى يشير إليها بأذرعتهم من تبقى لديهم فضل من قوة ، بما معناه ( هيه نحن هنا )..وتستجديها النفوس علها تسمع أو تعقل ، لكنها تستمر فى سيرها غير عابئة بنا ، تحمل فوق متنها أناساً من عالم آخر ..متجهون إلى عالم آخر .بينما عالمنا يموج بالألم والعذاب والشقاء والجوع والعطش والآلاف منا على وشك الموت ينتظرون وصول طائرات الإغاثة ، وهى عادة لاتصل ، وإن وصلت إحداها فهى لاتحمل مايكفى ، وفى الغالب هى لاتصل مُطْلقاً ، فالميلشيات المسلحة قد تسقطها أو تستولى عليها ..!
يغلِق الإعياء عيوننا ، بينما تظل مفتوحة آذاننا ومخيلاتنا على سراب ننتظره ....
تزحف زوجتى نحوى ، تحاول بجهد جهيد أن تربت على كفى حتى لا أروح فى غيبوبة ، لكنها سرعان ماتستسلم للإعياء فتترك جسدها لرهقه فيغزو الذباب وجهها وجسدها العارى ، تنسلخ الذكريات عن مخيلتى فأدور فى فراغ كبير ، وأروح فى غيبوبة وأنا أمنى نفسى بوصول طائرة على متنها بعثة تنقذ عائلتى من الموت المحقق!!
عندما نجحت إحدى طائرات الإغاثة فى الهبوط بالقرب من المنطقة المنكوبة بالجفاف ، ونجح طاقم لجنة الإغاثة فى الوصول إلى المخيم ، تم حصر أعداد الموتى ودفنهم فى مقبرة جماعية ..!
وجاء فى تقرير اللجنة أن إحدى الخيام وجد ت بداخلها اسرة كاملة وقد فارق كل أفرادها الحياة عدا شيخاً عجوزاً بدا متشبثاً بالحياة ، وقد حاول طاقم الإغاثة إنقاذه ، لكن يبدو أنه إطمأن لوصول البعثة التى ستنقذ أسرته فأقبل على الموت بصدر رحب ، يكسو الإرتياح ملامحه ..!!
مهداة إلى ( الفقراء فقط ) ..عن الموت فى الصومال ..
.................................................. ....................................
اتمنى لو تصل يدى إليها ، لكن المرض و الإعياء والهزال يقفون حائلاً دون بلوغى تلك الأمنية بالرغم من أن المسافة بينى وبين عصاى التى أتوكأ عليها لا تزيد عن شبرين ، أحاول أن أذب الحشرات الطائرة عن وجهى وجسدى فلا أستطيع حراكا ، يعتصر الجوع مابقى من جسدى ، ويمتص الهجير ما تحت جلدى ،يقترب منى أكبر أولادى ، يحاول أن يبلل شفتى بقميصه المعروق ، فأروح فيما يشبه إغفاءة الموت .................................................. .................................................. ..
..إيه ياصاح ، أقسم لك أن اللحم يزور بيتنا مرتين فقط خلال العام ، وهذه إحداهما ، فهلا ناولتنى قطعة أخرى ، هكذا تحدثت ألى الرجل الموكل إليه توزيع الصدقات ..!
كان هو اليوم الأول من أيام شهر رمضان ، وهو بالطبع الشهر الوحيد الذى نأكل خلاله مرة أو مرتين حتى الشبع ، ولكنه رغم ذلك يظل الشهر الوحيد الذى نأكل فيه كل يوم على أية حال ، ففيه يطالنا بعض من الصدقات والنفحات من فاعلى الخير .
تحلقنا حولها قبل الموعد بأكثر من ساعتين فى إنتظار إنطلاق مدفع الإفطار ، وقبله بدقائق وزعت زوجتى أطباق الطعام فوق الـ ( ملاءة ) التى أعَدَتها لتكون بمثابة طبلية .
سال لعابنا لرائحة الطعام ، والتهمت أعيننا ما تملأ به زوجتنى الأطباق ، كان علىّ أن أوزع اللحم بالتساوى ، فحرصت على أن اعدل بين حجم كل قطعة وأخرى قدر إستطاعتى ، فكنت كلما وضعت قطعة أمام أحد أبنائى ، تابعها أخوته بعيونهم ، ووزنوها ( حجماً وكماً ونوعاً ) بقلوبهم ، وحسد كل منهم الآخر على ( نصيبه ) من اللحم ، ورأى فيما ( أخذ ) أقل مما ناله الآخرون ..!
......... وبالرغم من حيطتها وحذرها ، وتكتمها وسرية ما أقدمت عليه ، إلا أنه لا شئ هنا يخفى على أحد ، ولقد تعرضت زوجتى للنقد الشديد والحرج البالغ لقاء ما أقدمت عليه ، إذ بادرها إبننا الأكبر بقوله (أعرف أنك تخبئين بعض اللحم ، فهاته ودعينا نأكل اليوم قدر إتساع بطوننا )..
أسرعت إلى المطبخ وقد كست وجهها ملامح الحرج والغضب ، وعادت بعد قليل بباقى اللحم المسلوق ، والذى كانت تدخره للغد ، وكان علىّ أن أوزع باقى اللحم بطبيعة الحال ، ولقد تابعتنى نظرات الأبناء بنهم بالغ مع كثير من الشك والإستنكار وقد رأوا أننى إستأثرت لنفسى بقطعة لحم أكبر قليلاً ، ولا أنكر أننى قد فعلت ذلك عن عمد وإن حاولت أن يبدو الأمر عفوياً ..!
كان الشجار عادةً ماينشب بيننا اثناء الطعام ، ويستمر لساعات طوال ، أما اليوم فقد كان الطعام كافياً لملء البطون وسد الأفواه ، وقد أكلنا حتى التخمة ، وتحاشى كل منا الحديث مع الآخر نهائياً ..!
أسندت ظهرى إلى الجدار ، ومددت ساقى الوحيدة فى إسترخاء وتجشأت بصوت مزعج ، بينما قام أبننا الأكبر إلى الخارج ليشعل نصف السيجارة الذى يحتفظ به من أول أمس ، وهو يُطْلِق من مؤخرته صوتاً بغيضا ..!
.................................................. .
أستفقت لدقيقة أو نحوها ، دارت عيناى فى كل إتجاه ، الجميع ملقون على الأرض بدون حراك وهم أشبه بالهياكل العظمية و بعضهم على ما أظن قد فارق الحياة ، بينما معظمهم قد رأوا أنهم لابد وأن يدخروا قوتهم التى يظنون لساعة غوث قد تجئ ،!! ممددة هى بجوارى بلا حراك ، نعم تلك التى تشبه عود الذرة نحافة وتفوقه طولا ، إنها زوجتى ، طيبة القلب هى إلى حد كبير ، لكنها على قدر من الغباء وسؤ التقدير أكبر .....ولقد وافق أهلها على زواجنا مقابل أن أقوم بإطعامها وأرفع عن كاهلهم عبء الإهتمام بها ، أما الجالسة القرفصاء بجانب رأسها والتى تبدو ملامحها كطفلة فهى إبنتنا الكبرى ، وقد تجاوزت الثلاثين رغم ضآلة جسدها ، ولم يتقدم أحد لخطبتها حتى اليوم ، رغم أنها على قدر من الملاحة والفطنة ....... والنائمة هناك بجوار مدخل الخيمة ؟ نعم هى أيضاً إبنتنا الأصغر ، وهى مسالمة إلى حد بعيد ، وتستطيع أن تعرف منها أدق أسرار حياتنا لقاء ربع شطيرة أو قطعة من الحلوى، ولكنها تعرف تماماً عند أى حد تتوقف ، اما الملقى أحدهما تحت قدمى والآخر بجواره فهما ولداى التؤام ، وهما مطيعان إلى درجة كبيرة ، لكنهما فى ذات الوقت يتسمان بعناد شديد فيما يخص مطالبهما ، فإذا أصرا على أمر فالموت دونه .......
أما النائم فى حضن زوجتى والملتصق ( خراءه ) بمؤخرته فهو أصغر أبنائنا وأعتقد أنه ليس الأخير ، فتلك المنكودة زوجتى حبلى فى شهرها الخامس تقريباً كما أخبرتنى !!
نعم ..نعم ..ذلك الذى حاول أن يبلل شفتى بقميصه هو إبننا الأكبر ، وقد خارت قواه مثل الآخرين ، وكان يوماً ما يبيع القبعات لصالح أحد الأغنياء !
أما عنى فأنا أعرج لا عمل لى وأتقاضى شهرياً جنيهات قليلة من إحدى الجمعيات الخيرية تصلنى أحياناً وتضيع بين أيدى السارقين أحياناً أكثر.....!
تتداخل الذكريات وتتلوى الأحداث ، وعلى وشك أن أروح فى غيبوبة جديدة ، ولأننا فى شهر رمضان فذكريات تلك الأيام تعاودنى وتقفز إلى الصف الأول من ذاكرتى ...
لقد نمنا تلك الليلة وما تلاها من ليالى شهر رمضان ملء جفوننا شبعاً وطمأنينة !!
يا الله .....ما أبعد تلك الليالى عنا الآن ، فلم يعد باقياً منها سوى إجترارات محلاة بأمل مهيض ، حتى تلك الأيام البعيدة التى لم نجد فيها مايسد رمقنا كانت أيام رغد ورخاء وهناء مقارنة بما نحن فيه .!
.................
نال منا العطش والجوع على مدار أيام لا نعرف عددها قطعنا فيها مئات الأميال لنصل إلى هذا المخيم حتى أصبحنا غير قادرين على الحراك ، وأنه ليعجز أكثرنا عن ( هش ) الذباب والحشرات عن جسده .!
لم نعد نستطيع فتح أعيننا ، ولم يعد هناك ما نبصره سوى السراب ، ولم يعد يرى أى منا صورة الآخر سوى ضبابيات متماوجة وأشباحاً باهتة غير قادرة على الحراك إلا قليلا ..!
من بعيد يصل إلى أسماعنا أزيز طائرة مقتربة من إتجاه العاصمة ، فنترقبها حتى إذا تصادف مرورها من فوقنا ، وكثيراً ماكانت تمُرُ ، حتى يشير إليها بأذرعتهم من تبقى لديهم فضل من قوة ، بما معناه ( هيه نحن هنا )..وتستجديها النفوس علها تسمع أو تعقل ، لكنها تستمر فى سيرها غير عابئة بنا ، تحمل فوق متنها أناساً من عالم آخر ..متجهون إلى عالم آخر .بينما عالمنا يموج بالألم والعذاب والشقاء والجوع والعطش والآلاف منا على وشك الموت ينتظرون وصول طائرات الإغاثة ، وهى عادة لاتصل ، وإن وصلت إحداها فهى لاتحمل مايكفى ، وفى الغالب هى لاتصل مُطْلقاً ، فالميلشيات المسلحة قد تسقطها أو تستولى عليها ..!
يغلِق الإعياء عيوننا ، بينما تظل مفتوحة آذاننا ومخيلاتنا على سراب ننتظره ....
تزحف زوجتى نحوى ، تحاول بجهد جهيد أن تربت على كفى حتى لا أروح فى غيبوبة ، لكنها سرعان ماتستسلم للإعياء فتترك جسدها لرهقه فيغزو الذباب وجهها وجسدها العارى ، تنسلخ الذكريات عن مخيلتى فأدور فى فراغ كبير ، وأروح فى غيبوبة وأنا أمنى نفسى بوصول طائرة على متنها بعثة تنقذ عائلتى من الموت المحقق!!
عندما نجحت إحدى طائرات الإغاثة فى الهبوط بالقرب من المنطقة المنكوبة بالجفاف ، ونجح طاقم لجنة الإغاثة فى الوصول إلى المخيم ، تم حصر أعداد الموتى ودفنهم فى مقبرة جماعية ..!
وجاء فى تقرير اللجنة أن إحدى الخيام وجد ت بداخلها اسرة كاملة وقد فارق كل أفرادها الحياة عدا شيخاً عجوزاً بدا متشبثاً بالحياة ، وقد حاول طاقم الإغاثة إنقاذه ، لكن يبدو أنه إطمأن لوصول البعثة التى ستنقذ أسرته فأقبل على الموت بصدر رحب ، يكسو الإرتياح ملامحه ..!!
تعليق