ما تمليه علينا أفكارنا وما نستقبله من العالم الذي يحيط بنا يجعل المتأمل يقف برهةً من أين أُتيّ .. وبعدها ينظر هل يجلب الفكر سقماً ؟ أم جاء له بالطيبِ آمراً ؟ هل أخذ ذهنه هذا الفِكر وشرد ؟ هل جائته عصرةٌ في قلبه على أثرها اهتم بالغم ولم يزِد ؟
ربما يجلب الفِكر سقماً عند الإفراط في المباح وكثرةِ المزاح على انبطاح , ربما أسرف في الجماع وظن أنه المتاع , أو زاد في بطنه طعاماً على طعام فنام بالليل وبالنهار قام , هذه مباحات ورثت أمراضاً واضحات ما بالك وهذه الأفكار سليمة حلالاً لا شئ فيها فالمزاح الصادق قليله محبوب , وجماع الزوجة وملك اليمين حلال , والطعام والشراب الطيب حلال فماذا لو كانت أفكاراً أصلها سقيم ومنبتها خبيث لئيم لا تأمر بمعروفٍ ولا تنهى عن منكر تمنع الخير وتامر بالسوء أكنت تعهدها ؟ من عاش فيها لم يرى النور ولا أحب الوسط من الأمور تجده على الخلق متعاليا وللأخيار متجنباً ومجافيا هذا الذي إن رجينا أن يبرأ اجتنبناه ودعونا له مولاه أن يجنبنا شره وأن يجنبه شر نفسه وأن يسلم الناس من مكره وكيده رأيناهم بأفكارهم يبطشون وبها يشطحون وعلى ربهم يتجرأون أما سمعت عمن قال " أنا ربكم الأعلى وهذه الأنهار تجري من تحتي .. ماذا كانت نهايته ؟ كان هو العبد الأدنى وسارت الأنهار من فوقه ... أما رأيتم من قال وقال .... فليعتبر الراصد وليُقلب الافكار ! .
لها جذورٌ ممتدة ومتشعبة في داخل الأعماق فهذه الأفكار تربط الكل بالجميع لا تتوقف عند مؤمنٍ أو فاسق , الكل عند هذه الأفكار سواسيه يأتينا بها عند الغضب العارم أو يرينا إياها فيما يرى النائم كأن المفهوم والمعلوم يبدو كالطلاسم فلا نرى الشئ على ما هو عليه , ونظن ظن السوء , لا يرى من توارى بتلك الأفكار وتمسك بها إلا عيوب غيره , ولا يرى غيره إلا أعداء نجاحاته وخصوم إبداعاته , بالله إن رأيت أحدهم أيقظه من نومه وأشر عليه بأن يطفئ نار الغضبه بماء القربى وإن جائتك يوماً مثل هذه الأفكار وأحسست بأنها تسري بين خلايا دماغك فلا تتمسك بها واطردها كما يُطرد المغبون من مجالس الذكر واجعل في عقلك مستقراً للراحة ومكمنا للطمأنينة والهدوء ولا تجعل فيه للملعون مسكناً ولا مستقرا وتحداه فإن بدى لك منه قوة فاعلم أنك أنت الذي تضعف أمام ضعفه .
تأتينا كالهواجس نتيجة الوساوس من كل اتجاه - من النفسِ وتزيينها الأهواء , ومن الدنيا العارية التي تُبدي أكثر مما تستر , التارك لنفسه تسير خلف المثير يضيق عليه الخناق فيغتم من الوفاق ويخطئ الطريق ويتنازل عن السباق , تراه مكبوباً على اللذة يتتبع أهوائه الحسية فالصبح من العُباد وبالليل لأهوائه منقاد , هذا فليحذر تمام الحذر فاليوم في نعمةٍ يراها كدر ! أتخلو بمحارم الله فتنتهك وتفرح بالمعصية حينما تقول هيت لك ؟ يالك من هاوي من فوق جبلك متردياً على عقبك , يا هذا.. من رأى بعين الحق لم يترك للمعصيةِ مجالاً لتتجمل , ولدواعيها تجلد وتحمل , فإن وقع فيها كان كمن حام ووقع , تذهب اللذة ويبقى الهم ويمرض الجسم على أثر ذلك ولا يسلم . . . فالحذار الحذار اليوم فسحة وغداً هناك نار .
عندما نخلو بأنفسنا في السحر الأخير ونستلم الأفكار تلو الأفكار فلم يرى الذهن سوى الأخيار ويتعهد الحق ويستلمه ويعزم عليه إذا ما طلع النهار , فهذه والله لبنة الأفكار وجلسة الأبرار من أدام عليها استيقظت كوامنه وقامت فرائسه وعاش سعيداً ومات حميدا , يفكر في معالي الأمور وينتظر خيرات الأجور تجده في الظلمة كهالةِ النور يتخفى في النهار فلا تراه , ويحِّن بالليل إلى مولاه , أفكاره كالطير في الأوكار تغدو في الفضاء منطلقه تسبح الله وتشاهد سر خلقه وتتأمل بديع صنعه تفكر فيما خلق وتتفكر في العلق وتسير في الأرض بأمر الله , أفكاره على الشرع معروضه وأوامر الشارع عليه مفروضه يدور مع الرحى أينما دارت ليس لآراء الرجال عليه سبيل ليس له عند من تتبعوا خيالاتهم وقياساتهم دليل , هذا والله ينتظره خطب عظيم جليل , يصعب وصفه ويعجز عنه التشبيه والتأويل , كلامه في الدنيا كالبلسم للأدواء , والنظر إليه يورث الطُهر والصفاء , هذا خلت أفكاره من المكاره والأضغان , وصفى لخالقه الإله المنان , فأورثه حكمةً في فعل ورشدٍ في بيان.
هذا معرض الأفكار فلينتقي اللبيب ويشير على ما يناسبه ... وليضع عنه جانباً ما يكدِّر عيشه ويذهب طيباته .. والله المستعان وعليه التكلان
الفِكر السقيم
أفكارٌ شيطانيه
أفكار الأهواء
أفكار الأبرار
هذا معرض الأفكار فلينتقي اللبيب ويشير على ما يناسبه ... وليضع عنه جانباً ما يكدِّر عيشه ويذهب طيباته .. والله المستعان وعليه التكلان
تعليق