البئر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • زوليخا موساوي الأخضري
    • 16-07-2011
    • 5

    البئر

    البئر
    يقف على حافة الكأس. نعم. أفهم اعتراضكم. يده هي التي تمسك بالكأس. يعي ذلك من خلال البرودة التي تتسرب إلى مسامه كخدر لذيذ، لكن يشعر كأنه واقف على حافة الكأس ينظر إلى ما بداخله كأنه ينظر في بئر عميقة.
    هكذا تحول كل شيء إلى فاجعة اسمها البئر.
    البئر: منظر جميل من الخضرة و الأزهار الريانة في مختلف الأشكال و الألوان. حديقة غناء تشبه الجنة. لماذا لا يكون ذلك إلا في كتب المقرر الدراسي؟
    يغمض عينيه.تتداخل الصور. يقلب الصفحة. الحفّار الأصفر، السقوط، المطر، الصرخة، الظلام، الألم ، البياض...
    هل انتهى كل شيء؟ تقريبا.
    هل ابتدأ كل شيء و لا شيء؟ تقريبا.
    في الحلم كان يحلم. نزل من القطار كي يدخن سيجارة. لكن الفيلم قد بدأ. جذبته الصور على الشاشة و كعادته نسي كل شيء. رحل القطار و بداخله كل أغراضه.
    بئر الطفولة في منزل جده. الطين. صلصال أصفر. رحلة مضنية للبحث عن الماء. الحفارون يقلبون شفاههم الوردية و يبسطون أكفهم الوردية علامة على قلة الحيلة. يهزون أكتافهم و يجلسون بتثاقل تحت الظل الشحيح للرمانة العجوز.
    الحفار ذو الأكف الوردية جاء من الصحراء- أصبح بلون الصلصال. يمسح عرقه الأصفر بكمه الأصفر.
    أدندن بلحن قديم هجم عليّ اللحظة مرفوقا بحنين طاغ لحجر أمي.
    و كأنني أسمع صوتي في بئر. كانت أمي تقول و هي تحكي حلمها لجارتنا. صوتي عميق و غامق. هل أحلم أم أني فعلا في بئر؟
    طعم الصلصال في فمي، رائحة الرطوبة في أنفي،العتمة تملأ عيني، ألم فظيع في ساقي و أطرافي متيبسة من البرد، كل هذاا تدل على أني في بئر.
    أنا في البئر إذن أنا لا أحلم. أنا موجود.
    هل سيعثر عليّ أحدهم؟ لماذا لا يسمعون صراخي؟ أريد أن أخرج من هذه العتمة. أخرج إلى الهواء الطلق. رغم أن للبئر فتحة مشرعة على السماء، أرى ومضات البرق تخترقها حين أرفع رأسي التي تؤلمني، فالظلام هنا موحش. ذلك الظلام الذي يسكن مع الخفافيش الأماكن المغلقة على أسرارها. و البئر أسرار. ألا يقولون سرك في بئر؟
    هل سأتحول إلى سرّ مدفون في هذه البئر؟
    ضحكة الحفار الصحراوي الأصفر. تظهر أسنانه البيضاء اللامعة في وسط صفرته. يحرك رأسه يمينا و يسارا:
    يا سيدتي، الكنز الذي إن كنا محظوظين و عثرنا عليه هنا هو الماء و لا شيء غيره.
    جدتي التي كانت دائما تؤمن أن أحدهم خبأ في البئر كنزا ، تزعج الحفار بأسئلتها التي لا تنتهي.
    هل تحولت إلى صحراوي أصفر، أبحث عن الكنز من أجل جدتي و غالبني النوم فنمت؟
    أيه! جدتي! قولي لهم أن يرموني بالحبال. أجل أجل سألفها على وسطي بقوة. لا تخافي قولي لهم ذلك فقط.
    ربما نسوا أنهم أنزلوني هنا. أسمع أصواتا هناك في الأعلى و صخبا.
    الأصوات كأنها تدور حول البئر. لا أميز كل ما يقولون:
    إنه هنا!
    ابحث عن الحبل يا صاحبي!
    اللعنة أنه فيضان!
    و ليلة هذي!
    الله! الله! الله!
    مسكين!!!
    تتشبث بي كلمة مسكين، تنفذ إلى أعماقي كنصل حاد.أشعر بالنزيف هناك في عمق الخاصرة، قرب الكلية أو أبعد قليلا.
    هويتي الجديدة: مسكين... و بئر.
    كل الناس يعيشون حياة واحدة و أنا أعيش حياتين. ما قبل و ما بعد البئر. كأن سيافا هوى بمقصلته على الخيط الرفيع الفاصل بينهما و شرخهما نصفين. كل واحد ذهب في اتجاه. أنا ما قبل البئر أشبه و لا أشبه أنا ما بعد البئر.
    كنت أنا فقط محاطا ببعض الشهادات: شهادة الميلاد، شهادة السكنى، شهادة مدرسية، أشهد أن لا إله إلا الله... فأصبحت أنا محاطا بكل هذا زائد شهادة مسكين و قصة البئر.
    أما يوسف فلم يعرفني أو لم يتعرف إليّ. وجدته هناك يتسلى بكواكبه الأحد عشر. إخوته منشغلون عنه في حبك دسائس أخرى.
    لا كواكب تسجد لي. الأمطار تغمرني إلى مستوى السرة. لم أعد قادرا على تحريك أطرافي السفلية.
    الأصوات تدور و تدور حول البئر. أين إخوتي؟ لماذا يهملونني؟ ألا دسائس لديهم غير البئر الذي رموني فيها؟
    سقط في البئر!
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    المشاركة الأصلية بواسطة زوليخا موساوي الأخضري مشاهدة المشاركة
    البئر



    يقف على حافة الكأس. نعم. أفهم اعتراضكم. يده هي التي تمسك بالكأس. يعي ذلك من خلال البرودة التي تتسرب إلى مسامه كخدر لذيذ، لكن يشعر كأنه واقف على حافة الكأس ينظر إلى ما بداخله كأنه ينظر في بئر عميقة.
    هكذا تحول كل شيء إلى فاجعة اسمها البئر.
    البئر: منظر جميل من الخضرة و الأزهار الريانة في مختلف الأشكال و الألوان. حديقة غناء تشبه الجنة. لماذا لا يكون ذلك إلا في كتب المقرر الدراسي؟
    يغمض عينيه.تتداخل الصور. يقلب الصفحة. الحفّار الأصفر، السقوط، المطر، الصرخة، الظلام، الألم ، البياض...
    هل انتهى كل شيء؟ تقريبا.
    هل ابتدأ كل شيء و لا شيء؟ تقريبا.
    في الحلم كان يحلم. نزل من القطار كي يدخن سيجارة. لكن الفيلم قد بدأ. جذبته الصور على الشاشة و كعادته نسي كل شيء. رحل القطار و بداخله كل أغراضه.
    بئر الطفولة في منزل جده. الطين. صلصال أصفر. رحلة مضنية للبحث عن الماء. الحفارون يقلبون شفاههم الوردية و يبسطون أكفهم الوردية علامة على قلة الحيلة. يهزون أكتافهم و يجلسون بتثاقل تحت الظل الشحيح للرمانة العجوز.
    الحفار ذو الأكف الوردية جاء من الصحراء- أصبح بلون الصلصال. يمسح عرقه الأصفر بكمه الأصفر.
    أدندن بلحن قديم هجم عليّ اللحظة مرفوقا بحنين طاغ لحجر أمي.
    و كأنني أسمع صوتي في بئر. كانت أمي تقول و هي تحكي حلمها لجارتنا. صوتي عميق و غامق. هل أحلم أم أني فعلا في بئر؟
    طعم الصلصال في فمي، رائحة الرطوبة في أنفي،العتمة تملأ عيني، ألم فظيع في ساقي و أطرافي متيبسة من البرد، كل هذاا تدل على أني في بئر.
    أنا في البئر إذن أنا لا أحلم. أنا موجود.
    هل سيعثر عليّ أحدهم؟ لماذا لا يسمعون صراخي؟ أريد أن أخرج من هذه العتمة. أخرج إلى الهواء الطلق. رغم أن للبئر فتحة مشرعة على السماء، أرى ومضات البرق تخترقها حين أرفع رأسي التي تؤلمني، فالظلام هنا موحش. ذلك الظلام الذي يسكن مع الخفافيش الأماكن المغلقة على أسرارها. و البئر أسرار. ألا يقولون سرك في بئر؟
    هل سأتحول إلى سرّ مدفون في هذه البئر؟
    ضحكة الحفار الصحراوي الأصفر. تظهر أسنانه البيضاء اللامعة في وسط صفرته. يحرك رأسه يمينا و يسارا:
    يا سيدتي، الكنز الذي إن كنا محظوظين و عثرنا عليه هنا هو الماء و لا شيء غيره.
    جدتي التي كانت دائما تؤمن أن أحدهم خبأ في البئر كنزا ، تزعج الحفار بأسئلتها التي لا تنتهي.
    هل تحولت إلى صحراوي أصفر، أبحث عن الكنز من أجل جدتي و غالبني النوم فنمت؟
    أيه! جدتي! قولي لهم أن يرموني بالحبال. أجل أجل سألفها على وسطي بقوة. لا تخافي قولي لهم ذلك فقط.
    ربما نسوا أنهم أنزلوني هنا. أسمع أصواتا هناك في الأعلى و صخبا.
    الأصوات كأنها تدور حول البئر. لا أميز كل ما يقولون:
    إنه هنا!
    ابحث عن الحبل يا صاحبي!
    اللعنة أنه فيضان!
    و ليلة هذي!
    الله! الله! الله!
    مسكين!!!
    تتشبث بي كلمة مسكين، تنفذ إلى أعماقي كنصل حاد.أشعر بالنزيف هناك في عمق الخاصرة، قرب الكلية أو أبعد قليلا.
    هويتي الجديدة: مسكين... و بئر.
    كل الناس يعيشون حياة واحدة و أنا أعيش حياتين. ما قبل و ما بعد البئر. كأن سيافا هوى بمقصلته على الخيط الرفيع الفاصل بينهما و شرخهما نصفين. كل واحد ذهب في اتجاه. أنا ما قبل البئر أشبه و لا أشبه أنا ما بعد البئر.
    كنت أنا فقط محاطا ببعض الشهادات: شهادة الميلاد، شهادة السكنى، شهادة مدرسية، أشهد أن لا إله إلا الله... فأصبحت أنا محاطا بكل هذا زائد شهادة مسكين و قصة البئر.
    أما يوسف فلم يعرفني أو لم يتعرف إليّ. وجدته هناك يتسلى بكواكبه الأحد عشر. إخوته منشغلون عنه في حبك دسائس أخرى.
    لا كواكب تسجد لي. الأمطار تغمرني إلى مستوى السرة. لم أعد قادرا على تحريك أطرافي السفلية.
    الأصوات تدور و تدور حول البئر. أين إخوتي؟ لماذا يهملونني؟ ألا دسائس لديهم غير البئر الذي رموني فيها؟
    سقط في البئر!
    نص أقل مايقال عنه أنه عميق عمق البئر
    رؤية كبيرة للواقع المر الذي نعيشه كلنا
    الكأس يشبه البئر
    نص أدخلني الجب ولم أخرج منه لأني من هذا الوطن الذي يرزح تحت وطأة البئر .
    ربما آخذ على النص أنه وصف ( شفاه الحفارين بالوردية ) وهذا مؤكد لايجوز لأن شفاه ( الحفارين) غالبا ماتكون رمادية ومزرقة ومغبره لشدة الغبار وقلة الأوكسجين.
    رأي يقبل الصواب والخطأ لك أن ترميه وراء ظهرك أو تأخذ به وتعدل
    الحفارون عادة يكونون مغبري الوجوه والشفاه وأيديهم متربة لحد الجفاف فعلا وبعيدين عن الوردية والتورد
    نص جميل ومثقل بالجراح وفيه جمل إستثنائية ومتفردة سيدي الكريم
    أحببته لشدة قسوته
    شكرا لك
    ودي الأكيد واحترامي

    أكره ربيع

    أكره ربيع فاجأني ربيع حين كنت ساهمة بملامح وجهه يرمقني عميقا أحسست بالجليد يقتحم جسدي، فارتعشت مذعورة، وعيناه الثاقبتان تخترقان قفصي الصدري المحموم كتنور مسجور، وأنا أتفحص تلك القسمات الحادة، التي..... !! كم كان عمري حين أنجبته خالتي خمسة سنين؟ غضة طرية كورقة وردة لم تتفتح أوردتها بعد! أذكر أني كنت في المرحلة التمهيدية لا
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • موسى الزعيم
      أديب وكاتب
      • 20-05-2011
      • 1216

      #3
      جميل هذا الاتكاء على النص القرىني في قصة يوسف
      البئر موجودومحفور في ذواتنا النص عميق عمق الذات العربية تاريخياً وجاف جفافها هذه الايام
      النص جعلني انضحمن بئر ذكرياتي القديمة
      عشت مع كل كلمة فية
      لك مودتي واتقديري

      تعليق

      يعمل...
      X