في رحيل العلامة اللغوي الدكتور نعمة رحيم العزاوي
عدنان عبد النبي البلداوي
يعزّ عليّ ان اكتب هذه السطور مؤبناً من نذر نفسه لخدمة لغة القران الكريم، ورافدا علميا دائم العطاء ،ومجاهدا جادا في تصويب زلات القلم واللسان ،بعيدا عن المجاملة والتصنع، فهو إن عبّر لك عن مشاعره ، فالصدق كما هو في مضامين قلمه ..
وأينما يحاضر ويناقش ويعقب ويوثق، لاتفارقه هيبة العلماء وسِمَة البلغاء التي يرفدها اقتدار بلا تعال وسمو بلا غرور.
لقد شدّني أسلوب الفقيد منذ أول لقاء معه في مجالس بغداد الثقافية، لما في مضامين نصوصه من ومضات بيانية يؤنس بها المتلقي ويزيد من تعلقه بعبق الديباجة. حتى يُخيّل لكل من يقرأ مقالة له في النقد كأنه يقرأ نصاً مبدعاً لا توجيهاً نقدياً ، وهذا ما جبلت عليه مقدرته في بحوثه وشذرات تصويباته التي حظيت بنسيج أدبي قادر على استنهاض كوامن لذة المتلقي والأخذ به صوب دفء المفردات المنتقاة .. حتى إذا بلغت تلك اللذة مداها .. بثت نداها، لتفتح نوافذ عشق طبيعي لعمل يسمى ( النقد اللغوي) .
لقد استطاع الدكتور نعمة رحيم العزاوي رحمه الله ان يضع بنانه على مواطن التشويق في أجواء النحو وأساليب عرضه القديمة والالتواءات اللغوية غير الميسّرة .. لأنه أيقن أن الأسلوب الأدبي خير وسيلة للتحبيب والتقريب. مما زاده ذلك حباً وتقرباً للأدب والأدباء والشعر والشعراء ..و كنت عندما أحادثه في مجالس بغداد مستأنسا بآفاقه اللغوية يدهشني تواضعه الذي سرعان ما يظهر لك انه تواضع باقتدار، لأنه بطبيعته مُداف بالكم الهائل من مستلزمات التثقيف، وبالثقة المتميزة بالنفس، والصراحة في الرأي، ومطابقة القول والعمل.
وانه لمن دواعي الفخر والاعتزاز أن تحظى أروقة العلم ومجالس الأدب بعطاء العالم الفقيد ، ذلك العطاء الذي امتد حتى الى محتوى المناهج الدراسية المقررة التي حظيت هي الأخرى ببركة يراعه ، حتى طمعتْ بحسن تأليفه ، فاشرأبتْ صوب غمامه .. فكان لها نعم المجيب ، يرْأف بالنبتة اليافعة .. يرعاها رعاية الوالد.. يُبعد عنها ما لا تطيق .. يهيئ لها ما يناسب عمرها من مضامين ، وهو في ذلك اقرب الى عالم النفس الذي همّه الأول تحليل النفس الإنسانية لإمكان التعامل معها كما ينبغي ،وصولا الى هدف التقويم الأسمى.
إن مصيبة فقدك ياابا هيثم شديدة الوقع عميقة الأسى ،ولكن روحك الطاهرة ستبقى معنا تطوف في أروقة العلم وأجواء المجالس ، فسلا م عليك يوم ولدت ويوم رحلت ويوم تبعث حيا.
تعليق