أحبكم....وكفى
التقيا على بُعْد.......وعن بُعد أبعد من المحيطات وأقرب من المسافات، نمَتَ كل أسباب الاحترام المتبادل والثقة والصداقة النظيفة، رأت فيه مصباً لكل أوجاعها، تفرحه بما يفرحها وتبثه أحزانها، كطفلة تلجأ إلى أبويها حين تصفعها الحياة بالواقع وبما تخبئه من مرارة الأيام
قالت له مرة وهي تستذكر آلامها:
حين جاء يطلب يدي ... كنت في السادسة عشرة من العمر ، لم أدرك معنى الزواج بعد ... ولم تتفتح عيني على متاهات الحياة ومطبّات الأيام، ولم أفقه بعد معادن الناس... جاء يأخذني بكل ضجيج الطبل والزمر ووسائل الإشهار الذي يرضي غروري وغرور كل الناس.
رايته فارسا على حصان ابجر، اختطفني من نفسي ومن أحلامي ومن مراهقتي ومن شبابي ومن السهر مع ضوء القمر
طرت معه مثل طفلة بريئة فرحة بلعبة كانت ككل البنات تحلم بها، رحت أسابق الفرح والخيال والأمنيات، وأبني لي أحلاما وردية، وقصورا من سعادة في عالم علوي بنيته من لبنات أحلامي.
ومن اللحظة التي ركبت وراءه على حصانه الأبجر وأنا خلفه حتى الآن..
لم أر بسمته لأنه لم يلتفت إلى الخلف.. ولم أحس بيده تضغط على يدي لأنه لم يستدر نحوي ليراني، ورغم جمالي الطبيعي الذي فاضت به الطبيعة، لم أسمع منه كلمة حلوة، كأنه ابتلع صوته كشهرزاد حين انقطعت عن الكلام،
وحين ترجّل عن حصانه الأبجر، غاص بعيدا في عوالم لا يرى فيها غير سويداء النفس.
قبل أيام فقط سمعت حشرجة، حين نطق قائلا:
"أترغبين أن نخرج سويّا؟"
يااااااااااااااااه بعد عقدين من العمر أخيرا نطقها!!!
لم اصدق أذني، فركتهما حتى احمرّتا، وأغمضت عيني وفتحتهما، وفركتهما حتى احمرّتا أيضا وغرزت أظافري في لحمي حتى نزفتُ... لأتأكد أنني لا أحلم
سألت نفسي "أسمعتِ ما سمعتُ؟ أأنت يقظة ؟ أم أنك تحلمين ؟
سألتها أكثر من مرة، فنهرتني بصوت فيه رائحة فرح، كأنها تخاف أن تضيع منها فرحة السؤال وقالت:
" يقظة أنا وألف يقظة "
سألته إن كان جادا؟ وإن كان بوعيه؟ وبكامل قواه العقلية؟
همهم ونعمم
سألته أن يعيدها،
رفض أن يعيدها واضحة جلية دون نصب أو رفع!
دون تردد، وافقت!
وافقت خوفا من أن يتراجع، أو كما يقولون قبل أن يلحس بُحْصَتَه التي بقّها
وافقت لأن عرضه مغْرٍ، فريدٌ، نادرٌ، قد لا يتكرر ولا يكون منه اثنان!
لكنه استدرك قبل أن تتملكني رعشة الفرح وسحب عرضه، وراح يبرر انسحابه بحجة أنه نسي موعده مع صاحب عمله، وولي نعمتنا، والمتحكم بلقمة عيشنا، والذي نعيش من خيره والذي...والذي...
قلت : كفى لا حاجة إلى كل هذه التبريرات ... يكفي أنك نطقت، ولو لمرة واحدة، بعبارة تريح النفس، وتنعش النبض... حتى لو تبخّرت في الفضاء
أخذني البكاء، فانطويت على نفسي،ورحت أداري عن عيونه دموعي التي بللت خدودي، حتى لا يشمت بي أكثر، وأداري عيوني عن عيوني حتى لا أرى الجرح يفقأ عيوني،وبلعت الغصة كما بلعت النوم والخيبة والجوع وبرودة الفراش و الليل وكل ما يناديني أو أناديه...
وتركته....
ودخلت غرفة الأولاد مدارية عن عيونهم الغضب المتفجر، والدمع المترقرق في عيوني، ورحت أحضنهم الواحد بعد الآخر ، من غير ان يعرفوا شيئا، لم أستطع إيقاف الدموع وهي تغسل خدودهم، أو أخفي احمرار عيوني عن عيونهم.
وحين سألوا عن سبب بكائي لم أستطع ان أقول أكثر من
"أحبكم ..وكفى"
تعليق