غـُـربــَـــاءُ وَطــــــن..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سعاد ميلي
    أديبة وشاعرة
    • 20-11-2008
    • 1391

    غـُـربــَـــاءُ وَطــــــن..

    سعاد ميلي
    3-5-2011


    غـُـربــَـاءُ وَطــــن..




    [align=justify][align=justify]لمْ أكن أعرف أنّ قطرة ماء، تــُساوي ملايين الدقائق العمرية بيني وبين مدينتي المتجدِّدة في الغياب.. طبعا، هذا بعدما تم نفيي – عفوا – تعييني في جنة..الجحيم، من الحدود هناك إلى الحدود هنا.. قبَّــلـْـتُ قطرات عرق ثمينة من على جبيني المرهق تماما، وأنا حديث الوصول إلى ال..هنا..
    كنتُ يومها قد ترجـَّـلـْـتُ من سيارة * الـخـَـطـَّـافْ * الذي أقلـَّنـي من عوالمــي المضيئــة إلى
    * تـَـغْـبــَـالــْتْ *. مسافة مائة وسبعين دمعة بالتقريب، تتقيَّؤها رجلايَ اللتان بالكاد تحملاني من هول الخوف الذي غزا مشاعري حد التيه.. وكأني بها رحلة السندباد البرِّي إلى جزيرة الظلمات..
    نـُـقـِـلـْـتُ من الخيط الأخضر .. إلى الخيط الأبيض.. من بعض نخلات آنستني بداية إلى مساحة من القفـــــار استقبلنـي نهايــــة.
    وهو يودعني بنظرة مبهمة.. تتخللها مشاعر الشفقة، أمدَّنـِـي* الـخـَـطـَّـافْ *ببعض المعلومات البسيطة، لمساعدتي في الوصول إلى المكان الذي سيعانقني بيديه القاسيتين، كمعلِّم في مدرسة الحياة.
    أول من استقبلني ذهولي وخوفي اليابس، تغمرني عين الطبيعة العذراء، تؤرق أفكاري بتمرِّدها.. لا شيء غير طنين العتمــة.. ولا ضوء سوى حفيــــــف البيــــــاض و المجهــــــول.
    مرَّت ثلاث سنـــوات هـنـا.. هديــــــة لي نظيــــر سنـيـــــن الدراســـة والاجتهـــــــــــــــــــاد.
    بحثت عني في هذا المكان المتجذر في البداية، فوجدت فراغــــا بحجمــــي والسمـــــاء، ولكن علي الصمــود عساي أجد ولو بعض مظاهر الحضارة التي لفظتني، وجدت الهواء ولم أجد الماء، وتــاه عني خبز أمي.
    وأنا غارقٌ في الظلمة، لمسـَـتْ يدي الباردة يد طفل جميل، متـسخ تماما، لا يشبه تلاميذ الجبل في اللون أو الشكل، ( كأنني أعرفه، تساءلت في صمت) ترافقه ذبابة تشبه هذا المكان كلمة بلا معنى..

    ( صرخت في وجهه وأنا منفعل من تأثير اقتحامه لعزلتي وذكرياتي فجأة..)

    - ماذا تريد؟ ألم أقل لك أن تصطحب والدك معك؟ تغيبك المستمر عن المدرسة أريد له تبريرا مقنعا.. من والدك نفسه.

    ..................................................
    • * الخطاف* : سائق سيارة أجرة أو حافلة صغيرة غير رسمـــي .
    • * تغبالـــت* : قرية نائية خارج حدود * زاكورة* في المغــرب.
    .................................................. .


    - آسف معلمي، أبي مقعد تقريبا، اليوم جاء مع عكازه الذي ينوء بحمله، ويدي في يده تتحمل مرارة الباقي.. كل هذا قصد مقابلتك سيدي، فأنت المرآة التي نرى عبرها زيف الحياة، ووالدي هو الوجه الآخر للموت، لكن لا.. مازال في جعبته بعض من الشجاعة المحتضرة، إنه الآن تحت هذا الجبل المنكسر، بجانب شجرة عارية الأوراق، ينتظرنا..
    - ماذا؟ لـِــمَ لمْ تخبرني عن مرض والــــدك؟ ثم ما هذا الكلام الغامــض؟ إنك تتحدث أكبـــر من سنـك بكثير.
    - وهل كنت ستصدقني؟ ثم ما دخل سني ! هل للطفولة معنى في هذا المكان الغاضب من نفسه..؟ لا أظن.. ! الطفل كالكبير هنا.. يتحمل ثقل المسؤولية كذلك، ثم إنني حللت محل والدي المريض في الدكـَّـان، بعدما ازدادت حالته سوءا.. اليوم هو معافى تقريبا.. لأجلي يعيــش.. ورغم وحدتنا المريرة نبتسم للغد، لا أم ولا أخت لي، لا يوجد غيري وأبي، لكننا ننظر إلى ال..هنـاك.. عسى يوما نلتقي بمن نحب.. فهل أنا طفل حقـــا؟

    - غريب أمرك يا بني، هيــَّا.. هيـــَّا معي لنقابل والدك.

    ( نزلنا من الجبل واقتربنا من ظل الأب النحيل، أحسست باختناق في صدري يزداد كلما اقتربت منه، كان ظهره لي، هممت أن اكلمه بلطف، أدار وجهه إلي ، فصدمت عندما رأيته، سألته بشدة: )

    - يا إلهــي.. ما هــذا ؟، إن لك نفــس ملامحي، نفس العينين المحدقتيـن في البيـــاض، إنـك.. إنـك أنــا.. إلا بفارق شعيرات بيضاء تهاجم بقوة مساحة السواد المتبقية من شعرك..

    ( لم يجبني وبدأ الضباب يخنق عيني ،أحسست بالمرارة، حاولت التكلم معه مرة أخرى.. لم استطع، استدرت إلى الطفل استفسر منه، فإذا بي أتبين مدى الشبه بينه وبين هذا الرجل / الظل .. النحيل.. عندها سمعت صوت حبيبتي.. من مكان ما سحيق في الذكرى.. تقول لي ):

    - لا تحزن يا عزيزي، سوف أنتظرك بلا ملل، أنا متأكدة بأنك ستعود لي يوما، سنتزوج وألــِــدُ لك "مصطفى" طفلنا الذي حلمنا به معا.. سنكون سعــــداء كأسرة متماسكــــــة.
    -
    ( اختفت ابتسامة حبيبتي، اختفى الطفل والظل الرجل، اختفت الشجرة، و وجدتني وحدي وسط فناء المدرسة، يكاد يلتهمني السكون، خرجت مني زفرة عميقة وأنا أهمس بذهول):

    - الحمد لله، اخـتــَـفـَـيــْــتُ، لا أحد غيــري والأمــل.


    [/align]
    [/align]
    التعديل الأخير تم بواسطة سعاد ميلي; الساعة 03-10-2011, 00:31.
    مدونة الريح ..
    أوكساليديا
  • مختار عوض
    شاعر وقاص
    • 12-05-2010
    • 2175

    #2
    عندما تشحن سعاد ميلي حروف أبجديتها بالسحر نكون على موعد مع نص مبدع كهذا.. إنها أديبة من نوع خاص تستطيع أن تختزل المعاني الكثيرة بلفظة واحدة.. انظر إليها وهي تعبر عن وحشة المكان الذي عُين فيه بطل نصها بلفظة "النفي"، وكيف أضافت الجنة للجحيم في تعبيرها : "هذا بعدما تم نفيي – عفوا – تعييني في جنة..الجحيم"، ثم وهي تجعل بطلها يستخدم الدمعة كوحدة لقياس المسافة: "مسافة مائة وسبعين دمعة بالتقريب"، أو يعبر عن حنقه وضيقه بالسير في هذا المكان الموحش (هذا عدا عما تبثه من صور رائعة تجعل نصها القصصي أشبه بقصيدة شعر): "مسافة مائة وسبعين دمعة بالتقريب، تتقيَّؤها رجلايَ اللتان بالكاد تحملاني من هول الخوف الذي غزا مشاعري حد التيه.. وكأني بها رحلة السندباد البرِّي إلى جزيرة الظلمات.."
    ولأن الأمثلة أكثر من أن تحصى فإنني أترك للقارئ الاستمتاع بها دون واسطة مني.
    على أن أهم ما يلفت القارئ في نصوص هذه المبدعة هو ذكاء أفكارها الذي يحترم ذكاء القارئ من خلال ما يفتح من نوافذ للضياء في عقله تاركة له مساحة هائلة من حرية التخيل والإبداع، وهو ما فعلته هنا - باقتدار - عندما راحت تصنع من حدث بسيط (لقاء بين المعلم وتلميذه المهمل) مجموعة من التشابكات تنقلت فيها عدسة قلمها بين مجموعة من العوالم التي أضاءت الكثير من الأبعاد لشخصية البطل ونفسيته وماضيه وأحلامه مما يجعلنا نتساءل ونجيب ولا نقنع إلا بأن نصيغ في داخلنا نصا ربما تكون مساحته أضعاف أضعاف ما سطرته مبدعتنا على الورق، لنفيق في النهاية على صوت بطلها (معلم المدرسة الابتدائية):
    "وجدتني وحدي وسط فناء المدرسة، يكاد يلتهمني السكون، خرجت مني زفرة عميقة وأنا أهمس بذهول: - الحمد لله، اخـتــَـفـَـيــْــتُ، لا أحد غيــري والأمــل"

    تحيتي وعظيم تقديري لإبداعك الراقي أستاذة سعاد ميلي الرائعة.

    تعليق

    • سعاد ميلي
      أديبة وشاعرة
      • 20-11-2008
      • 1391

      #3
      شكرا لك أستاذي القدير و العزيز مختار عوض لقد كنت صادقا في إحساسك بالنص.. وردك كان ناضجا تماما..
      و لكن أختلف معك صديقي المبدع أ مختار عوض ^_^.. في نقطة ذكرتها وهي بلسانك خاصة قولك: ( ...(لقاء بين المعلم وتلميذه المهمل.......)....
      .......................
      في الحقيقة لم يكن المعلم والتلميذ منفصلين عن بعضهما البعض .. بل العكس تماما.. كلاهما الشخص نفسه ومعهما الأب كذلك..وهذه هي النقطة التي غابت عنك زميلي القدير.. و لا أمانع من إضاءة هذه النقطة دون الدخول في التفاصيل.. وهذا كي أفسح المجال لأراء أخرى قد تفيدني حقا.. و طبعا أنا سوف أكون جد متفهمة حتى لمن لم يحب قصتي البسيطة بساطة الحياة والعميقة عمق الماء.. ^_^
      بالنسبة للنقطة التي اختلفت معك فيها صديقي المبدع القدير مختار عوض فإنني أقول بإيجاز:
      الطفل والأب والمعلم هما دائرة الغربة.. غربة الذاكرة ..غربة الوطن..غربة العلم.. غربة الروح.. الدائرة هي حقا: غربة الغربة.. وهنا وانطلاقا من هذه الدائرة.. يفتح النص الباب للاتجاه السردي مع ما يتخلله من النبض الشعري دون التأثير على الاتجاه الأول بل مساعدته على الدخول إلى الأعماق الإنسانية.. التي تصب في الاتجاه الوجودي والاتجاه النفسي والفلسفي وحتى الاتجاه الصوفي حيث أن التأمل هو أول باب للإيمان والإيمان ليس الإيمان الديني فحسب ولكن هو الإيمان في المعتقد الفكري والحياتي انطلاقا من تجربة المبدع كذات فردية وتلاحمها مع الذات الجماعية ومع المكان والزمان...و النص هو وحده يغرق في بحر الكون أو يكون بداية الانطلاقة إلى عالم ما بعد المدى...


      شكرا لك بحجم الوجدان وتحيتي ومودتي التي لا تبلى سيدي القدير
      مدونة الريح ..
      أوكساليديا

      تعليق

      • مختار عوض
        شاعر وقاص
        • 12-05-2010
        • 2175

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة مختار عوض مشاهدة المشاركة
        على أن أهم ما يلفت القارئ في نصوص هذه المبدعة هو ذكاء أفكارها الذي يحترم ذكاء القارئ من خلال ما يفتح من نوافذ للضياء في عقله تاركة له مساحة هائلة من حرية التخيل والإبداع، وهو ما فعلته هنا - باقتدار - عندما راحت تصنع من حدث بسيط (لقاء بين المعلم وتلميذه المهمل) مجموعة من التشابكات تنقلت فيها عدسة قلمها بين مجموعة من العوالم التي أضاءت الكثير من الأبعاد لشخصية البطل ونفسيته وماضيه وأحلامه مما يجعلنا نتساءل ونجيب ولا نقنع إلا بأن نصيغ في داخلنا نصا ربما تكون مساحته أضعاف أضعاف ما سطرته مبدعتنا على الورق، لنفيق في النهاية على صوت بطلها (معلم المدرسة الابتدائية):



        "وجدتني وحدي وسط فناء المدرسة، يكاد يلتهمني السكون، خرجت مني زفرة عميقة وأنا أهمس بذهول: - الحمد لله، اخـتــَـفـَـيــْــتُ، لا أحد غيــري والأمــل"

        مبدعتنا القديرة الأستاذة
        سعاد ميلي
        أعيد اقتباس الجزء الأخير من قراءتي لقصتك الرائعة راجيا أن تعيدي قراءته ليتأكد لك أن هذه القراءة لم تبتعد عما رمى إليه نصك من أن اللقاء المتوهم بين المعلم والتلميذ المهمل لم يكن إلا إبحارا في ذاكرة هذا المعلم، وإن كنت - كما يفترض في القراءة النقدية - آليت ألا أُقيّد النص مفضلا أن أجعله مفتوحا على أكثر من قراءة وقابلا للنظر إليه من أكثر من زاوية من زوايا الرؤية..
        تقبلي - مبدعتنا القديرة - كل الود والتقدير.

        تعليق

        • سعاد ميلي
          أديبة وشاعرة
          • 20-11-2008
          • 1391

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة مختار عوض مشاهدة المشاركة
          مبدعتنا القديرة الأستاذة
          سعاد ميلي
          أعيد اقتباس الجزء الأخير من قراءتي لقصتك الرائعة راجيا أن تعيدي قراءتها ليتأكد لك أن هذه القراءة لم تبتعد عما رمى إليه نصك من أن اللقاء المتوهم بين المعلم والتلميذ المهمل لم يكن إلا إبحارا في ذاكرة هذا المعلم، وإن كنت - كما يفترض في القراءة النقدية - آليت ألا إقيد النص مفضلا أن أجعله مفتوحا على أكثر من قراءة وقابلا للنظر إليه من أكثر من زاوية من زوايا الرؤية..
          تقبلي - مبدعتنا القديرة - كل الود والتقدير.

          صديقي الالقدير أ مختار.. لك مني باقة من الوجدان الخالص.. و الله جميل ردك الآن كزهرة اللوز أو أبعد.. وطبعا اتفق معك ان نترك للمتلقي نافذة الى ما وراء المدى.. و ربما قد يأتي بعدنا من يخالفنا الرأي او يتفق معنا ^_^
          لك مني كل الاحترام والتقدير سعدت بصداقتك ونقدك الذي أضاء لي نقطة في هذياني مما جعلني انطق نقدا ههه لك مني كل الود اخي النبيل جدا..

          مدونة الريح ..
          أوكساليديا

          تعليق

          • مختار عوض
            شاعر وقاص
            • 12-05-2010
            • 2175

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة سعاد ميلي مشاهدة المشاركة
            صديقي الالقدير أ مختار.. لك مني باقة من الوجدان الخالص.. و الله جميل ردك الآن كزهرة اللوز أو أبعد.. وطبعا اتفق معك ان نترك للمتلقي نافذة الى ما وراء المدى.. و ربما قد يأتي بعدنا من يخالفنا الرأي او يتفق معنا ^_^
            لك مني كل الاحترام والتقدير سعدت بصداقتك ونقدك الذي أضاء لي نقطة في هذياني مما جعلني انطق نقدا ههه لك مني كل الود اخي النبيل جدا..
            ... وسعادتي بالولوج في عالم إبداعك، ثم نقاشنا حول هذا الإبداع لا يفوقها إلا سعادتي بتوثيق عرى صداقتنا..
            تقدير يليق.

            تعليق

            • سعاد ميلي
              أديبة وشاعرة
              • 20-11-2008
              • 1391

              #7



              http://souadmili-milodi.maktoobblog.com/1611751
              رابط القصة في مدونة الشاعرة التشكيلية القاصة سعاد ميلي
              التعديل الأخير تم بواسطة سعاد ميلي; الساعة 04-11-2011, 23:11.
              مدونة الريح ..
              أوكساليديا

              تعليق

              يعمل...
              X