عشقنامة ..أو..كتاب العشق

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يحي الحسن الطاهر
    أديب وكاتب
    • 20-03-2011
    • 111

    عشقنامة ..أو..كتاب العشق

    عشقنامة ..أو كتاب العشق
    قصة قصيرة
    يحى الحسن الطاهر
    مزيج من صباح ناعس تشقشق عصافيره البهيجة على فنن القلب ، غناء لذتها في فوضاها الحميمة مع قهوة داكنة الرعشة ، تتسلل الى أطرافك خدرا لذيذا يسخر من خمريات أبي نواس ، فتشهد ان لا عشق إلا لها ..ولا فناء إلا فيها وبها ،وتصلي حامدا ان جعلك العشق حواريا مذهول اللب مسكونا بأريج فتنتها التي تتقاطر من شرفة عينيها المطلتين على كون أحزانك المترامي الأطراف في أقصى أزقة روحك وحواريها البعيدة .. ، هكذا وصفتها إحدى موجات هلوساتي المجنونة ، ولكن مهلا ، للقلب أن يفترش النجوم مسهدا عل ألق نجمة بعيدة تباكر شاطئيه بأنثاه التي تتمشى حافية القدمين على مرمر الروح ..عارية إلا من النشوة التي تسكن سيمفونية الجسد لحنا يسكب قوارير عذوبته كغمامة حانية تحكي عشق الماء الى يابسة بعيدة مسكونة بجنيات الرمل في موطنها ( الأبيض ) بغرب السودان ، حيث شهد إحدى صباحات مارس المباركة كيف تسرب فتنة الأنوثة مرمر نعاسها وتستوطن أجساد البشر .
    بعضهم ذهل من هذا السر الكوني البديع، بعضهم أخذته عزة الحزن بإثم عدم التصديق، إذ كيف لهذه المدينة المنسية أن تزدهي بأجمل برهة فضت فيها ( الأنوثة ) مغاليق أسرار فتنتها الأخيرة هكذا بكل بشاشة وسحر؟
    كانت صرختها الأولى ، وهي للتو مولودة تلثغ بهاء أبجدية حضورها عبر شقوق الزمان ، كما أقسم من شهدوها، كانت خليطا رائعا من قهقهة حارقة كيدا وتشفيا على فناء زمان القبح الذي عمر ( أرض الفنانين) طويلا ملقيا عصا تسياره على رمال المدينة، وإيذانا بتاريخ سيادة الجنون العاشق والعشق المجنون.
    لم أك برهتئذ ، ألتحف حزني العريق ، كما هو حالي دوما ، بل –كنت – للغرابة ، أراهن على كيد زمانيتي العتيدة.. التي تسميني نبيا أضاع خاتم سليمان بهجته،واستعاضه لا مبالاة ممعنة في لا مبالاتها بأن تبالي بشيء أو بحي ، كنت أراهن على شدة بأس الزمان في تضييع ألق وسحر برهات العذوبة في نهر تعاسته الهادر كنت حينها أكتب الشعر استمناءا لعالم تستوطنه أنثاي..تلك التي تساقط ثمر أنوثتها جنيا من نخيل أحزاني الفارع الطول كقافية جاهلية .. المدبب الحواف كصراخ طفل جائع ، حين أتت هي .. غاب الشعر ( قلت لأحد أصدقائي مباهيا: هي قصيدتي التي حلمت بها كل قصائدي..وهاهي ذي تسطرها نبضات قلبي..فكيف أكتب شعرا؟ وقصيدتي تساكنني جسدي وعقلي؟ كيف..- بينما أتنفسها –ألفظها زفيرا من حبر ؟)..
    كانت ( الأبيض ) في ذاك الصباح المارسي تحشد كل فتنتها كي ترسم بذراري رمالها كرنفال احتفاءها ( قال بعضهم : ان النوارس التي تحلق في سماء ذاك اليوم لم يروا لها مثيلا في كثرتها وغرابة أصواتها التي لا يسمع منها بوضوح غير : نشهد ان لا عشق إلا أنت ،ان العشق والفناء فيك أنت ..لا جنون إلا بك ) حشدت الطبيعة كل مزاميرها..أتت أشجار السرو وهي تمايل أغصانها في دلال –تحاول جاهدة أن تضاهي تمايل جسد أنثاي ، كانت صغار الملائكة التي تتخفى في كنف الأغصان تغني في حبور ، فر أحدهم بشقاوة ومكر طفولي واستقر على صدري هامسا( نعم ..ما تظنه صحيح ..إنها هي..ليس ما بك هذيانا ..ولا هي ضلالات الشعر وتخاريف الشعراء..لا.. هي فعلا ولدت ..إلا تسمع صراخها ؟ إلا ترانا قد حشدنا نغنى بهاء الميلاد؟؟..).. احتشدت كل عناصر الجمال في مباهلة : أيها يكون برزخا مباركا يلملم ما تفرق منهم في جسدها وروحها.. كي يعيده إليهم بدلا عن ما استبدلوه من أطياف ترنو الى أصولها ، فالنسيم ، حاول برقته المعهودة أن يستضيف حلاوة الشهد ويعبق برحيق الورود خاصرته وهي تتمطى في فناء الريح ، خرير ينبوع يخالس النظر من مكمنه ، زعم ان يحاكي عذوبة صوتها وسلسبيل ضحكتها ، فاته ان الآف العصافير الضوئية الرقيقة، تركت حناجرها الفضية تسقط سهوا في حلق فتاتي، وسكنته فضاءا حفي الإقامة ، أما القمر ..فقد أقبل على استحياء من صحرائه البعيدة ، ليرى من يمكنه من الفوز باختلاس بعضا من لألاء وجهها وضياء وجنتيها، ضجت الكائنات بقلق من هوياتها العتيقة ..حاولت التسكع في هويات أخرى ..كي تصير مثل أنثاي ..القمر أشتهى لأشعته حرية الريح ..الماء هش وبش لعبير الأزهار وغناء الأطيار ..في فوضى الهوية تلك ..كانت ..هي وحدها..تبتسم في رأفة فقد علمت استحالة أن تنتجها عبقرية تحول ما..فحتى لو اجتمعن جميعا لن يستطعن لملمة ما تفرق فيها من مطلق الجمال في كيان واحد..فللقمر أن يختلس من الزهر غضارته وللنسيم أن يتزيأ بخرير المياه جسدا ورشاقة السرو ، لكنهم باخعين أنفسهم على آثار فتنتها قصصا ..فهي..خرافية العذوبة...أسطورية الألق... وبعشق الثعابين المقدس للتملص من جلودها العتيقة ...انزلقت الهويات فوق بعضها : فهاهو النسيم يئن من ثقل القمر ، وهاهي الوردة تتشكى من عنفوان الماء ، وهناك في البعيد سرادق عزاء نصبته الآف الطيور حزنا على فرار أعذب نوتاتها في سرنمة سرية الى همهمات فتاتي وهمسها .
    تعجبت إذ رأيت أبويها ( بشرا من طين ) يأكلون الطعام ويمشون في أسواق أبي جهل ...وأمدرمان ودهشت كيف ينجبان قصيدة ؟ وذهلت منها أكثر: كيف تفر من عاليات غيوم الشعر وتسكن أجساد البشر!!!
    نظرت الى مغيب ذاك اليوم..كانت الشمس للتو قد فرغت من تدبير أمر اختفاءها في جوف النهر الذي كان بدوره يرتب للقمر انعكاسه الفضي كدنانير بيضاء واهبة بهاءها السماوي ..كان يوما بديعا ..تزيت فيه الطبيعة بأبهى حللها وخرجت على الناس في زينة لم يألفوها من قبل .. الشمس قبل مغيبها كانت حيية خجول كعذراء في خدرها ..لم تكن كالمعتاد صارخة الحضور.. ..كأنها تقدم برهانا ساطعا على إلوهيتها الخفية وسطوتها على كل مافي الكون، التي تنمنمها منحوتات عبدة آمون ...لا ..أقسم جدي بلحية أبيه.. وبخط الشيب برأس أمه ..إنها كانت شفيفة كثلج يقبل على الذوبان ..الأزهار في أغصانها كانت تتمايل طربا على سيمفونيات لذة وثنية خفية، تتصاعد كبخار شاي من مسام أرض فرحة ..بوعد المطر ومجيء الزنابق ..وتفتح قرنفل الوقت على بشريات الميلاد ..حدثني جدي .. وفقاقيعا ملونة من فرح خفي تتراقص على وجنتيه ..التي سرح الزمان جداوله المتعرجة فيها ندوبا وتعاريج، تحاكي جروف نهر منسي يتشقق طينه نعناعا وبيادر قمح ..وكنت حينها دون الخامسة بقليل :
    ( حين ولدت أمك : كان القمر يلعب مع السحاب ( الاستغماية ) يطل من حيث لا تتوقعه الأنظار ..وكان السحاب خرافا ترعى في أعشاب السماء ما تستنبته كف الرحمن ، كنت أصلي المغرب حينها ..بينما يشرق في قلبي وعقلي فيض رحمات علوية ..سمعت تصايح النساء ..قدمت إحداهن ..بجسارة ..متحدية كل قوانين الذكورة الفجة في مجتمع القرية ..الى مجلسنا نحن الرجال .الى الديوان-ذلك الكنف الآمن لسطوتنا على النساء - كما كنا نسميه .قالت : صهيب ..صهيب ..صهيب : اليوم ولد ت زوجتك بنية ..أخشى عليها من كيد ( إخوة يوسف) حين ولدت لم تصرخ مثل جميع الأطفال ..اكتفت بابتسامة صغيرة أضاءت جنبات الغرفة ..حتى بهت الضياء الشاحب لمصباح ( الكيروسين ) خجلا من شدة سطوع ضياء عينيها قال جدي..يا ولدي ..لا تسلني كيف تراقص قلبي طربا حتى خشيت أن يقفز خارجا من حرزه الحريز في قفصي الصدري ....تناسيت بدوري كل قوانين خوفنا من الأنثى التي نسيج بها ذكورتنا كصدفة سميكة من غائلة فتنتهن..لا تتكسر قشورها إلا حين تستخفنا النشوة في الفراش ليلا فنبوح وقتها بما ننكره جهارا في الصباح ..جريت لاهثا حيث جدتك ترقد محتضنة برعما سماويا لزهرة من لحم ودم ..أسميتها ( آمنة ) لتأمن من عين جنيات القدر من جن وبشر ..كنت أستمع الى جدي وأنا مذهول اللب ..كيف يحكي ما سيأتي بعد أكثر من ثمانين عاما أو يزيدون؟ ..عجبت كيف يستدير الزمان كقرص عجين في يد ( دمشقي يجيد صنع الفطائر ) فهاهي ( الأبيض ) تشهد ما شهده جدي في مدينته القاطنة في الشمال قبل ما يزيد عن نصف قرن ....عجبت من ( ثعبانية الزمن : كيف يستدير رأسه كي يلثم ذيله ؟ في رقصة وثنية فيها كل طقوس السحر والغرابة.. وفتنة غموض نعومة الثعابين ) تلك كانت أمي..أما هذه فحبيبتي .وللعجب...فهي ابنتي..نعم ..ابنتي:لماذا تندهشون أيها السادة؟ من قال بأن الرجل لا يحبل؟ ألم أحملها في أحشائي حلما ..ألم تتكور في رحم تعاستي بشرى بالخلاص من إسار حزني العريق ووحدتي المجوفة كقاع بئر عميق ؟ هي ابنتي ..التي ولدتها من حنيني الى أروع رفيقة في الوجود لروحي شقيقة الأصيل ..ابنتي وزوجتي ..وأم أطفالي ..وأمي ..هي – ببساطة- عالمي الذي إليه أنتمي ..وبظله أحتمي ..هي كوثري ..وفراري مني ..إلي .. كانت تتكور بداخلي وعدا ..وكما تحبل النساء ويلدن أجنة مشوهة ..وحبلا زائفا في بعض الأحيان ..كانت كل من أنجبت غيرها من النساء كذلك ..ولدت الكثيرات قبلها ...كنت أحسبهن ( هي) جنيني المدهش الذي يكركر في داخلي نشيد ميلاده البهيج..حتى ولدت أخيرا ..بالطبع ..أعرفها كجوعي لها ..كعطشي لزلال قبلاتها ..وكرائحة كوثر عناقها ..كيف لا أعرف من استجن في أحشائي كل تلك السنوات ؟ منذ ميلادي كانت حياتي كلها ..بكل تعاساتها ..تمرينا لي ...تهيئة كي يحتمل قلبي المثقل بالحزن بهجة حضورها.
    لم تكد شمس اليوم التالي لميلادها تشرق على كون سعيد بهذا الحدث البهيج ، حتى بدأ كل شيء وكل حي يعرض أثواب فتنته في كرنفال غريب :فالطيور المحلقة في فضاء ذلك اليوم كانت ترقب في غبطة نادرة كيف تنخر زنابق العشق منسأة حزني العريق وتجعل- بما مكنتها العناية- من رمادها بيني وبين التعاسة ردما ..غاب نباح الكلاب ..سكنت الريح إلا من ترتيل خفي من مزمور سعيد يتمشي كسلا بين أغصان السرو وحشائش شواطئ القلب..القمر ..كان هادئ الزرقة..كان الجميع يحسبها ليلة القدر ..حتى نبههم جدها العارف ( سيف الدين ) صائحا :
    نحن لسنا بعد في شهر الصوم أيها الغفلة.. كما نحن لسنا في الليل بعد..إذ لا ليل لهذا اليوم..بل لا صباح ...ثم غمغم في سكون: مالي مضطرب هكذا على غير العادة؟ ماذا جرى لي؟ ..بعد تأمل واطراق مليي عرف ان لأمر حيرته صلة بميلادها ..كبر ثلاثا..وغاب في غفوة سعيدة رأى فيها.. كما يرى النائم:
    ( كنت ..كأني في أرض غريبة ..لم أر مثلها في البلاد ..كانت أشجارها تنبت ثمارا بديعة: فشجرة الليمون تلك ..بها ثمار تفاح ومانجو وكمثرى وجوافة وموز وبعض ثمرات يانعة من الأناناس ..عجبا ..كيف لشجرة واحدة أن تحمل كل تلك الفواكه في آن واحد ؟ كنت مستغرقا في حيرتي ..حتى صاح بي صائح من بعيد : إذا صفا القلب ..رأى ما لا يرى..كان الصوت يهدر داخلي كينبوع خفي لم أدر له مصدرا..حتى ولدت هذه الطفلة ...فحين اقتربت من أذنيها كي أتلو عليها الآذان مثلما اعتدنا ...سمعت ذات الصوت.. ولكنه كان في هذه المرة آتيا من فم الطفلة: أنا تلك الشجرة يا جدي .. تحوقلت ثلاثا...وأعذتها وذريتها من الشيطان الرجيم ).
    كان جميع من بمجلس (العارف سيف الدين) مطرقين من جلال وجمال ما يحكيه وقد ألجمت دهشة عظيمة ألسنتهم ..وحبستها في الحناجر.. كاظمين بهجة عميمة بحظوة أن يكونوا شاهدين على هذا البهاء البديع.
    سمع الجميع لغطا عظيما في الفناء الخلفي للمنزل ..كانت الأبقار والماعز والخراف تتصارع في أيها تناله حظوة أن يذبح قربانا يزف بين يدي اسمها ..سمعوا بصفاء كل غمغمة من خوار وثغاء ..كما اندهشوا كيف تجيء الآف الطيور من مهاجر بعيدة يحدوها فأل أن تكون أول من يذبح ابتهاجا:
    لم نعرف من قبل فداءا تذبح فيه الطير ...ولكن ما رأوه من أحداث جليلة جعل عقولهم مهيأة لكل استثناء مهما بلغت غرائبيته ..فمن كان يظن ...لوهلة..أن تستحم الآف البطاريق على شاطئ( الأبيض) الرملي الذي – كما يقول أسلافهم – كان يستحم بنهر كبير.. أطول من نهر النيل نفسه بالآف المرات ..ولكنه اختفى لأسباب لا يعلمها إلا العارفون.. الذين لا يبوحون بذلك السر، إلا لخلاصة خاصة الخاصة ورحيق ختام الأصفياء..كانت حيوانات الفقمة المرحة والدلافين تتقافز في بهجة غريبة وإغاظة لأسماك القرش التي كانت بالكاد تلجم غيظها لكونها التزمت – كما الجميع- الصوم في ذلك اليوم المبارك..( علمت فيما بعد.. لماذا تحب حبيبتي هذه الحيوانات أكثر من غيرها...فقد شهدت ميلادها ...بل وشاركت في الاحتفاء به بحبور لحظه الجميع....رغم أنف جغرافيا الفانين وغفلتهم ) وكما أتى ( الجن) بعرش بلقيس ..قبل أن يأتوه مسلمين أتى ( الحب) بكل كائنات الكون كي تشهد عرس الميلاد طائعين ..وان علت حواجبهم دهشة وذهول بديعين : كيف أنستهم أشواقهم عناء الرحلة الطويلة الى ( الأبيض ) حيث خيام الفرح قد نصبت من مرمر أحزان الفقراء.. وأشواق اليتامى ، وحشدت فسيفساء رمال المدينة بمزيج بهيج من حسرات هزائم العشاق وآمالهم ، وجدلت ضفائر مياه الينابيع من دموع الملتاعين ، عجبت الكائنات كذلك ..من هذا المكان الغريب ..الذي استضاف مرة واحدة والى الأبد.. الحملان وهي تتقافز على وقع ضحكات الذئاب المرحة .. ورأوا كيف تربت الأسود بحنان غامر على أعناق الغزلان ..أما النمور فقد كان أمرها عجبا: اختارت أن تلعب بهناءة لعبة التخفي والظهور مع الشياه والأغنام.. وكانت الأخيرة تسلك سبلها ذللا.. سادرة في غي لعبها الجميل مطمئنة القلب للحنان المباغت الذي أبدته النمور ..
    قال ابني الصغير (محمود) من مكمنه البديع في شفق أحلام حبيبتي وهي للتو طفلة:
    أبي ..لأمي ميزة ..وسكت ..حاولت أن أعرف ماهي ميزتها ..لكنه بإغاظة طفولية لم يخبرني ..كانت طفلتي الجميلة تشع من عينيها ضياءا بديعا يريني أطفالي الحلوين( ريم، إيمان والشقي اللاعب محمود) .. وهم يتكورون وعدا وبشرى في أحشائها الصغيرة..ضحكت حين رأيتهم ..وعرفت ان لا شقاء بعدها..عرفت بأنني مبارك وبأني أستطيع أن أبارك الآخرين.. لم تكن( ريم) الضاحكة دوما تبالي كثيرا بما اختلسته –سرا- من هوس أمها الخرافي بالمرح ..كانت فقط تضحك ..الى حد ان القابلة التي أشرفت على ولادة زوجتي كانت محتارة من هذه الفقاقيع الملونة من الضحك الصادرة من جوف الطفلة النائمة ...ضحكات من شفق الغيب ..فأمها للتو قد ولدت ..(إيمان)هي الأخرى كانت ممسكة بيدها الصغيرة بألوانها وفرشاتها ...ترسم في وجنتي أمها شوارعا للفرح ومدائنا تسكر وتفيق على هلوسات عشقي المجنون ..كانت القابلة تسكن قشعريرة خوفها الكلي السيطرة من هذا الحشد الكثيف لمخايل جمال الطفولة وطفولة الجمال التي تتمشى خالية الروح من إسار الطين في جسد الطفلة المدهشة ..هالتها كل تلك الصور الأثيرية لأطياف أطفالي الرائعين وهم يشهدون ولادة أمهم ..لم تدر ماذا تصنع ..أتكلم من كان في المهد طفلا؟ أم لعل عقلها خالطه جنون ما ..وما هذي الصور والأصوات التي تسمعها جيدا وتراها إلا محض هواجس وتخيلات وأوهام ؟ ذهبت القابلة الى أمي تحادثها ..وقبل أن تشرع في فك طلاسم ما يبدو عليها من حيرة عميقة..فاجأتها أمي ضاحكة:
    هل رأيت كم هم رائعون أطفال هذه المولودة الخرافية السحر ..أحفادي مدهشين أليس كذلك ؟
    عرفت القابلة حينها ان في الأمر سرا يتجاوز أفق إدراكها المحدود ، وان لهذه الطفلة شأنا فيما سيلي من الوقت ...وأقسمت ثلاثا ان لو شهدت ولادتهم لتخدمنهم مدى ما بقي في عروقها من دماء وفي قلبها من نبض واجف.
    كانت المولودة حينها تحرك يديها الصغيرتين، عبر الثقوب اللا مرئية في كريستال الزمان الشفاف كأحزان عذراء في ليلة زفافها لشخص بغيض ،كي تلاعب أطفالها الآتون على صهوات غمام عشقي المجنون ،مرة ، وكي تزجرهم مرات ، عن هذا الاندفاع المحموم للعبث الطفولي ..( محمود ) كان يتصنع – بعبثية وشقاوة – الهدوء طوال الوقت، بينما ينشغل سرا بمحاولة إضحاك أمه عبر غمزها بأصابعه الصغيرة على جنبيها ..لم تكف أمه عن الضحك ..الذي أدهش كل من كان بالغرفة لكونه يخالف مألوفهم ( فالأطفال ..عادة ..ما يأتون للحياة وهم يصرخون ..ويخرجون منها وهم يصرخ عليهم ) ولكن أن يضحك من ولدوا للتو ..فهذا لم يحدث إلا معها هي ..ألم أقل لكم كم هي مدهشة؟!





    sigpic

    سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
    yahia.change@gmail.com
    http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
    https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25791

    #2
    لنرى رأي الزملاء فى هذا النص الثري باللغة
    و جمال الألفاظ و المعاني
    و إن حمل بعض أخطاء !!

    إلي الملتقى العام .. هيا بنا إلي هناك قبل أن تتجمد من برد كانون !!
    sigpic

    تعليق

    • ريما ريماوي
      عضو الملتقى
      • 07-05-2011
      • 8501

      #3
      نعم نص حافل بالصور البلاغية الجميلة,
      استمتعت وأنا أقرأ ولكنه قد طال كثيرا,
      لي عودة بإذن الله لاستكماله, الهفوات
      البسيطة يمكن معالجتها بسهولة لكن
      هذا لا ينفي قوة النص, والقلم يجري
      بانسياب.

      شكرا لك.. تحياااتي.


      أنين ناي
      يبث الحنين لأصله
      غصن مورّق صغير.

      تعليق

      • يحي الحسن الطاهر
        أديب وكاتب
        • 20-03-2011
        • 111

        #4
        عزيزتي ريما ريماوي..
        جميل ما كتبت ..أرنو الى المزيد من قلمك الرشيق..لك مودتي في الخالدين وسلامي الحميم لروحك العذب

        sigpic

        سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
        yahia.change@gmail.com
        http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
        https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan

        تعليق

        • آسيا رحاحليه
          أديب وكاتب
          • 08-09-2009
          • 7182

          #5
          هو نص من السودان ..؟
          طبيعي إذا أن يكون بهذه القوّة و السحر ..
          سأقرأ مرّات و ربما أعود .
          تقديري.
          يظن الناس بي خيرا و إنّي
          لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

          تعليق

          • سمية البوغافرية
            أديب وكاتب
            • 26-12-2007
            • 652

            #6
            أرى اللغة بكل جمالها وألقها ترقص فرحا بهذا الحفل الذي أقمته له هنا أستاذ يحيى الحسن الطاهر
            حقيقة واحة مددهشة رائعتك هذه... تقتضي كثيرا من الصفاء الذهني ليغتنم منها القارئ ويثمل من سحر لغتها وصورها الإبداعية
            لذا أسجل مروري وألفت اتنباه بقية الأعضاء إلى هذا الكنز بين أيدينا.
            واشكر أستاذنا ربيع على سوقه إلى ملتقى القصة
            كما أشكرك حضرتك على هذه الباقة الإبداعية الجميلة التي تمازج فيها الشعر والنثر بتناغم يشد الاتنباه
            تقديري

            تعليق

            • محمد سلطان
              أديب وكاتب
              • 18-01-2009
              • 4442

              #7
              ( حين ولدت أمك : كان القمر يلعب مع السحاب ( الاستغماية ) يطل من حيث لا تتوقعه الأنظار ..وكان السحاب خرافا ترعى في أعشاب السماء ما تستنبته كف الرحمن ، كنت أصلي المغرب حينها ..بينما يشرق في قلبي وعقلي فيض رحمات علوية ..سمعت تصايح النساء ..قدمت إحداهن ..بجسارة ..متحدية كل قوانين الذكورة الفجة في مجتمع القرية ..الى مجلسنا نحن الرجال .الى الديوان-ذلك الكنف الآمن لسطوتنا على النساء - كما كنا نسميه .قالت : صهيب ..صهيب ..صهيب : اليوم ولد ت زوجتك بنية ..أخشى عليها من كيد ( إخوة يوسف) حين ولدت لم تصرخ مثل جميع الأطفال .............)

              هذه الفقرة أكدت لي أنني أمام كاتب بكل معاني الكلمة.....

              ذكرتني بروائع أمير تاج السر.. والطيب صالح

              لا أبالغ أن قلت أنني أمام السودان القادم بقوته, كما تنبأت له منذ أن وعيت على القراءة وعرفت مداركي الأدب..

              لذا أكتفي بالصمت.. القصة استشعرتها ملخص رواية..
              أنصحك بفعلها.. أرجوك

              محبتي
              صفحتي على فيس بوك
              https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

              تعليق

              • يحي الحسن الطاهر
                أديب وكاتب
                • 20-03-2011
                • 111

                #8
                محمد سلطان
                سمية البوغافرية
                آسيا رحاحليه
                ريما ريماوي
                ربيع عقب الباب
                لن أقول – كما تجري الأحوال عادة- شكرا على هذه الكلمات وعلى مرورك الأنيق ....ومثل هذه العبارات المستهلكة ، ولكني أقول لكم جميعا- ولكل من تداخل حول هذه الكتابة –التي قد يسميها البعض قصة –ما يلي:
                ليس لي شرف كتابتها –حقا – لم أكتبها بمعنى انني جلست ...وفكرت ..لا ..كانت الكتابة تتداعى أمام ناظري ...وكل اسهامي كان نقلها الى الورق!! كنت أرى الحروف في الفضاء الممتد أمام عيناي ...صدقني: أنجز كل هذا النص من واقع حلم ..حلمت صغيرتي ( ريم) ذات التسعة أعوام بهذه المشاهد ...وحكت لي حلمها في اليوم التالي ..وحدث الأمر بكل بساطة ...جلست أمام جهاز الكومبيوتر بدون أي تصميم في أن أكتب شيئا ...على العكس: كنت مطالبا بانجاز ترجمة ( كما هو عملي الروتيني المعتاد) فجأة راح كل هذا الدفق من الصور والأخيلة ينبجس ...يتراقص أمام عيناي..لم تكن لي قدرة على ايقاف هذا الشلال الهادر من الشجون المتلبسة صورا من شقوق ذاكرتي وثقوبها ...هكذا كان حالي ..هنالك نص آخر ...سأنشره بعد حين ...كتب ايضا من حكاية ...حلم من (أبنتي ريم ) سأنشره اليوم بعد أن أفرغ من بعض النصوص التي أترجم حاليا...لكم مودتي في الخالدين

                sigpic

                سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
                yahia.change@gmail.com
                http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
                https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan

                تعليق

                • شيماءعبدالله
                  أديب وكاتب
                  • 06-08-2010
                  • 7583

                  #9
                  حياك أستاذنا القدير يحيى الحسن الطاهر
                  وكلي شكر للأستاذ ربيع وهو ينقل هذه الرائعة للعام
                  فقد زخرت هذه القصة في حافظة (الوورد) لدي من ولادة أولى لها هنا
                  وقد تتوجت بها من سموك كأجمل هدية ممكن أتلقاها بفخر واعتزاز ..
                  لغة وبلاغة ساحرة وسرد مميز وثراء يأخذنا بعين الدهشة من إعجاب
                  أتصدق لو قلت لك أني كلما اشتقت أقرأ ما يغني ذائقتي ببديع قول آتي إلى حافظتي وهديتي الثمينة (على الوورد)كي أستجم من عناء ما أنا فيه لبهو حروفك الزاخرة الموسرة وارتشف عبير حرف من بين غصون خضرة مع أولادك وهم بنشوة فرح وكأني التقط لهم صورة لامثيل لها مؤطر في ذاكرتي الحزينة لتضفي لها المسرة (حفظ الله أولادك وأهلك جميعا)
                  لأن النص صادق ومعبر وموحي بالجمال
                  ذاك الجمال الذي نحاول دفنه وسط أحزان كبيرة تدور حولنا ولكن مع الطفولة وروعتها لاشيء يئد الجمال
                  ولاشيء يضاهي سعادة الأطفال وانظمام الأسرة في هذه الأجواء الدافئة الحميمية .
                  يمكن القول حسب وجهة نظرك أنها كحلم أو خيالات طفلة جسدتها أنت وعزفت على مفاتح (الكيبورد)كي تضع لنا الصورة بأجملها من حيث لاتشعر
                  وأقول كل ماهو ارتجالي ومباشر على الهواء الطلق دون رتوش يأتي بالروعة وياتي بإحساس صادق يمتزج حلاوة وعذوبة لم نتذوقها في أي وقت فهي جديدة كمولودة ننتشي بها فرحا ونجتمع حولها أسرة واحدة ..
                  فأتت الصور والمعاني بقمة العذوبة والذائقة التي سمت وتسللت إلى أسماعنا بصوت عذب لانمله ..
                  صدقني لا أبالغ فيما ذهبت إليه
                  وعلى شدة تواضعي وبساطتي التي أفخر بها يقال عني:
                  لا يعجبني إلا ماهو مميز جدا جدا (لايجبني العجب ) وأفخر بذلك ...
                  كل التحية والتقدير لسموك وحرفك

                  تعليق

                  • أحمد عيسى
                    أديب وكاتب
                    • 30-05-2008
                    • 1359

                    #10
                    نصٌ ثقيل .. ميزته لغة جذلة ثرية لغوياً ووصف بديع

                    قرأته مرة لكني لم أرتوي
                    والصور البديعة لا زالت في مخيلتي

                    خيام الفرح قد نصبت من مرمر أحزان الفقراء.. وأشواق اليتامى ،
                    ترسم في وجنتي أمها شوارعا للفرح ومدائنا تسكر وتفيق على هلوسات عشقي المجنون
                    ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                    [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                    تعليق

                    • يحي الحسن الطاهر
                      أديب وكاتب
                      • 20-03-2011
                      • 111

                      #11
                      كما وعدتكم أصدقائي...هذه قصتي الجديدة
                      ما لم تقله الموجة
                      ليس الآن أرجوك...فأنا متعبة بعض الشيء..هكذا ابتدرت الموجة حديثها للنورس الذي كان يحاول –في تصميم تعرفه كل النوارس – إقناعها بأن تتدافع عاليا وتهبط كي تسمح له باللعب، ولأن هذا ما يجيده الموج ..من ناحية أخرى ، أليس هو ابن السحاب؟ إلا يحن إلى الفرار من مستقره الأرضي إلى هناك ، حيث طفولته غماما يحلق في أجواز الفضاء ؟ مزدهيا بنقائه الشفاف، وهاهو الآن متدثرا بالطين، ومليئا بكل ما يلقي في جوفه من قمامة وأوساخ، جثث وطحالب، تاريخ من شهية افتراس كائنات تسكن جوفه السحيق.. كأحزان اليتامى في ليلة شتوية تزمجر فيها الريح مرددة صدى فحيح أمعائهم الخاوية . ... حاول النورس أن يثير أشجان الموجة إلى مواطنها البعيدة، ويذكرها بما هي فيه من بؤس راهن لا يسمي الأعالي موطنا...
                      لا..قالها الكاتب: هذه ليست بداية جيدة للقصة، فلأكتب حول القمر، وهذا الحزن الذي يلفه كل مساء وهو يطالع من صحرائه البعيدة، صبية القرية وهم يتقافزون بمرح، وتكركر فقاقيع ضحكاتهم البهيجة عاليا.. حتى تلامس أخاديده العميقة ، التي حفرتها أزاميل أحزانه الطويلة ،كانوا يضحكون بكل سعادة بينما تنهشه قوارض عزلته القاسية ، ويتذكر طفولته ، وكم كان شقيا حينها ... كان يطارد الخراف التي يشكلها السحاب ، وهي ترعى في أعشاب السماء ، تتقافز بمرح سعيد ، وهي تطالع الفتيات اللاتي تشكلهن مجموعة أخرى من السحب ، وكان هو جزلا بكل تلك الحفاوة ، الآن لا يرى سوى الريح تركض في سهوبه الفسيحة ، وهؤلاء الصغار الذين يتقافزون ، وهذا الكاتب الذي يطارد بهوس محموم ما يتجول في مخيلته من أطياف متسللة عبر شقوق ذاكرته المجهدة ..
                      لا ...لا تبدو هذه أيضا، الافتتاحية التي أحب ، أشعل لفافة من التبغ، وراح يذرع الغرفة جيئة وذهابا عل هذه الحالة التي قرأ إنها كثيرا ما تتلبس الكتاب العظام ، تكون شفيعا له في أن يستنسل من مخياله المكدود، استهلالا رائعا يلف فسيفساء الصور المتلاحقة لشخوص قصته ، في نسيج منتظم ، يعطي لقصته ( عنها-بالطبع- عن فتاته السمراءـ.. تلك التي تتمشى على مرمر نعاسه كل ليلة حافية الروح إلا من النشوة... ) حيويتها كقصة ، ولكن ماذا يفعل بكل هذا الضجيج الذي يصدره الصبية ، وهدير الموج وصياح النسور ، وبخاصة صياح النسور الذي يذكره أشجانا قديمة ، يحاول دوما إبعادها عن ذاكرته فتمعن في إلحاحها كهذا الطارق اللعين على باب غرفته.
                      حسنا-همهم في ارتياح كبير- على الأقل أدرك الآن: إن هنالك موجة ..ونورس..وقمر ...وبعض الصبية ، ثم هنالك هي-أعني –حبيبتي السمراء ..سمع طرقا صاخبا على باب الغرفة ..
                      تفضل –قالها بصوت عال كي يغطي بحدته، ما يدور في داخله من فوضى الأصوات الصاخبة..قبل أن أفتح الباب أرجو أن أذكركم جميعا -يا من ستقرؤون هذه القصة فيما بعد – قال وهو يحدق في أفق لامنظور في جمع من القراء ، تذكروا جيدا ما كنا بصدده: هذه القصة تدور عن حبيبتي- كما قلت لكم ، وهنالك قمر وصبية ونورس يجادل في موج البحر .. هل اتفقنا؟ لا تنسوا ذلك ..حسنا دعونا إذن نرى من الطارق...وسنعود لنرى كيف نشرع في هذه القصة..اختفى الطرق الآن ..هل مل الطارق، هل استغرقت كثيرا من الوقت لأستجيب..أخبروني أنتم ، فأنا كنت منشغلا كما تعلمون في تتبع كل هذا الضجيج ، ولكن ..لا بأس ..سيعود الطارق حتما ..حسنا ما رأيكم في هذه الافتتاحية لقصتنا:
                      كان يجلس بجوارها ..وكانت الشمس في أصيل ذلك اليوم ، تشعر ببعض اللهيب في داخلها وترنو إلى البحر ، وهي تتمنى أن تذوب في جوفه علها تلطف أحشائها بمياهه الباردة ، كانت فتاته ترنو إليه وهي متعجبة من صمته البليغ، الذي بقدر ما يمتد، بقدر ما تحس بشغف وفضول أكثر ، قال وهو يشير إلى الموج:
                      أنظري حبيبتي..أنظري للماء،
                      فجأة سمع طرقا مرة أخرى على باب الغرفة ، ذهب سريعا في هذه المرة كي لا يدع للطارق فرصة للغياب تعثر في طريقه إلى الباب ، بأثاث الغرفة ، التي كانت –كما هي دوما – مليئة بفوضى عارمة: هنالك أوراق تتبعثر في كل أرجائها ، بعض أجهزة كومبيوتر قديمة تناثرت أشلائها في كل مكان ، أطباق طعام بها بعض البقايا، أكواب القهوة والشاي ، وبعض من فتافيت أحزان وحدته العريقة .. على الطاولة الوحيدة بالغرفة ، يتطاير غبارها الكثيف في كل أرجاء المكان .. فكر: ينبغي أن أجد وقتا لإعادة تنظيم كل شيء هنا أو لم لا أشرع في ذلك الآن؟...أين قرأت هذه الجملة: الأنثى روح المكان ؟.. نسى إن هنالك طارقا بالباب وطفق يلملم الإطباق..يرفع الوسائد الملقاة على أرضية الغرفة، يزيح بعضا من غبار أشجان وحدته العالقة بقماشها القديم.. ثم فجأة تذكر: هنالك شيئا ما دفعني إلى مغادرة طاولة الكتابة..ماهو ..آه ..كم أنا غريب..كنت أنتوي إعداد كوب من الشاي ..ولكن ..يا للتعاسة ..لقد نفد كل ما لدي قمر..لا بل أقصد شاي ..لا أدري ماذا أصابني الليلة ..وحدها صورة أمه المعلقة على جدار الغرفة وهي تبتسم برضا صوفي ساحر لم ير مثله إلا في وجهها كانت تشع روحا من الدفء في الغرفة ، وقد كتب تحتها بخطه الطفولي –حين كان ما يزال تلميذا يتعثر بين أسنان السين وحواف الحاء ، نقاط الشين ، وذلك التجويف المهيب للعين ، كتب ما أملته عليه ذات مساء غائم:
                      كن كالنخيل مرتفعا ...بالطوب يلقى فيرمي أطيب الثمر..
                      نظرت فتاته إلى الماء وهمست:
                      ماذا ..لا أرى شيئا ...أليست مجرد ماء؟
                      لا ..أنظري جيدا ..ليست فقط ماء..أنظري..
                      صاح أحد الصبية في رفاقه:
                      ألا ترون كيف يبكي القمر..
                      يبكي القمر؟ هل أنت مجنون ؟
                      صاح به النورس الذي غفل قليلا عن محادثة الموجة ، اضطربت الأشياء جميعا في رأسي ..ماذا أفعل ..الكل يصيح في ذات الوقت ، والغرفة تمور في فوضى عظيمة ، ولم أجد بعد شايا ..فليكن ..لنعد أيها الرفاق إلى حيث كنا..
                      لا أرى شيئا غريبا..
                      همست فتاته وهي تمني النفس بأن يدع جانبا كل هذه التهويمات التي أعتادها كلما اختليا..ويفعل شيئا طالما سمعت من صويحباتها إن.....
                      اقترب النورس منهما وصار يحدق بغرابة واضحة فيهما ..كانت أشعة القمر المنسكبة على سطح الماء تديح دوائرا متراقصة تتراكض مد البصر ..حسنا ..لا ترين شيئا غريبا أليس كذلك ...أنصتي إذن..ودعك من هذا النورس ..أليس مدهشا أن الماء يطل على حواف الوجود جميعها ..فهو ..كما ترينه الآن سائلا..وقبلها كان مجرد غاز يسبح في السموات البعيدة ، ويكون صلبا كما تعلمين ..ولكن ..أنظري إليه، كيف تتحد ذرا ريه : هيدروجين وأوكسجين كما يقولون ..ماذا لو انفصلت ذراري الماء ..مرة واحدة والى الأبد؟
                      شعرت الفتاة بخوف يتسلل ببطء إلى كل خلايا جسدها بخلس ثعباني من هذه الخاطرة ، فجأة وبنصف انتباهة تحاكي من يسير أثناء نومه ...وجدت نفسها تلتصق به قليلا قليلا..وتغمض عيناها في سكون ناسك يرتل تسابيحه ..رأته ..في تلك الأمسية ..كانت تتجول مع صديقتها على رمال ذات الشاطئ الذي تجالسه فيها الآن ..وكان هو يجلس وحيدا ..اقتربتا منه ..وحين التقت عيناهما شعرت بهذه القشعريرة الغريبة تتمشى في كل أنحاء جسدها...تتسرب سابحة في الأثير ..وتحاول هي لملمتها حتى لا يفتضح أمرها ...كانت صديقتها تحكي بشغف وحماس حكاية طويلة لم تسمع منها شيئا ...فقد كان وجيب قلبها الخفاق كطبول الدراويش بقريتها البعيدة وهم يرتلون أناشيد محبتهم الوالهة يغطي على كل شيء ..
                      لا أريد أي أحد ..قالها بجرأة وحدة للطارق الذي صار أكثر إلحاحا ..ولا أريد هذا الشاي اللعين ..وأنتم..أيها الصبية ..أذهبوا ولتلعبوا بعيدا..
                      أيقظها صوته الحاد وهو ينتهر الصبية من أحلام يقظتها...رآها تجفل فزعة..تتقافز بين سطور الكتابة..يطاردها الأطفال والموج ...ما رأيكم ..يبدو إن قصتنا تتقدم أخيرا..رأت نفسها مرة أخري تسير بجانب رفيقتها ..هاهو يقترب منهما ..ماذا يريد..شعرت بقلبها يتقافز حتى خشيت أن يقع بين قدميها ...انه ينظر إليها هي بالذات ..يا للهول ..هل أحس بهذه القشعريرة في بدني ؟ اقترب أكثر ...أمسك بيديها ..مغمضا عينيه....وقال:
                      أنا أيضا أحسست بذلك ...نعم ...ذات الرعشة التي تشعرين...ذات التوق ..سمعته الآن ..وهما على الشاطئ يقول:
                      ماذا ...أين ذهبت ؟ كنت أحادثك ...لم تجيبي على أسئلتي المتلاحقة ...وضع القلم على الطاولة ، ذهب لكي يشرب ماءا..وحين عاد ، رأى الصبية يتسللون من خلل شقوق نوافذ الغرفة كأطياف بلورية ، تواصل الطرق على الباب ، نظر إلى أحد الصبية بإيماءة ، أن يرى من الطارق ، ولكن الطفل الشقي لم يغادر مكانه المعلق في فراغ الغرفة ، كان القمر حينها يطل بكامل فتنته السماوية من خلل النافذة ، الموج يهدر بالخارج ، بينما الورقة التي يكتب عليها قصته كانت ما تزال بيضاء تماما.اقترب منها ...تشممها ..كانت معبقة بالعديد من الروائح ، استطاع أن يميز بينها، رائحة فتاته بكل أنوثتها الساحرة ممتزجة بتلك الرائحة الغريبة للبحر ، وضع الورقة في أذنيه ، صوت النورس وهو يستجدي الموج كان بائنا ، ولكن ما أدهشه حقا كان طعم الورقة حين تذوقها ، كان كطعم شفاه حبيبته الذي لم يذقه يوما ، لكنه يعرفه جيدا ، فكم قبلها في أحلامه ..حمل ورقته إلى إحدى الصحف اليومية، أرشدوه إلى رئيس القسم الثقافي...
                      كان جالسا في مقعد وثير ، يرتدي نظارة سميكة
                      أريد أن أنشر هذه القصة بصحيفتكم...لقد فرغت منها للتو...
                      جيد...دعنا نراها ...نظر الرجل إلى الورقة الفارغة ...ثم نظر إلى الكاتب بريبة ...
                      قصة ؟ أين هي ...هذه ورقة فارغة ...
                      لا ليست فارغة ...تشممها ...تصنت إليها وتذوقها ..
                      هل أنت مجنون؟ قالها الرجل في غضب ، إن لم تخرج حالا استدعيت لك رجال الأمن ..
                      لا حاجة لذلك سأخرج الآن ...ليس خوفا منك أو رجال أمنك ...بل لا أود لمثل هذه القصة الرائعة أن تنشر في أي صحيفة ..حمل الورقة بعناية وخوف ، وقفل راجعا إلى غرفته ممنيا النفس بقراءة طويلة وممتعة .







                      sigpic

                      سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
                      yahia.change@gmail.com
                      http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
                      https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan

                      تعليق

                      • عائده محمد نادر
                        عضو الملتقى
                        • 18-10-2008
                        • 12843

                        #12
                        الزميل القدير
                        يحيى الحسن الطاهر
                        نص وإن طال قليلا إلا أنه تفرد بالصيغ الجميلة والمفردات والوصوف التي تجعل القاريء يبقى مشدودا
                        نص ( فنتازيا ) يحمل بين طياته أحلاما ستكون بعد ذاك حقيقة
                        أهي ولادة جديدة لوطن أحسه الكاتب بهذا الجمال , وهل فعلا له علاقة بهذا؟
                        الأرض هي الأم
                        والطفلة الجميلة هي الحياة الجديدة الواعدة ربما
                        لا أدري ربما أغوص أكثر مما يجب فأغرد خارج سربي
                        القصيدة يمكنها أن تكون ابنة لأحد منا ولفرط شفافيتها وجمالها يخاف عليها ويحسها بين شغاف الروح
                        المهم أن النص غاية في الروعة بكل هذه الفنتازيا العالية ولو بظني إن بعض التكثيف سيجيء بنتيجة أكثر روعة
                        استخدمت مفردات غاية في الروعة وكتبت جملا صاغتها يد صائغ ماهر
                        أحببت نصك زميلي كثيرا وبودي أن تشارك الزميلات والزملاء نصوصهم وتعطي رأيك حولها كي يستفيدو من خبرتك وتمكنك من اللغة وكي تستفيد أيضا
                        ودي ومحبتي لك

                        سأرشحها للذهبية فهي تستحق فعلا

                        اليوم السابع
                        اليوم السابع! تذكرني أمي دائما أني ابنة السابع من كل شيء! متعجلة، حتى في لحظة ولادتي! وأني أخرجت رأسي للحياة معاندة كل القوانين الفيسيولوجية، أتحداها في شهري السابع من جوف رحم أمي. في اليوم السابع من الأسبوع الساعة السابعة.. صباحا في الشهر السابع، من السنة! عقدة لا زمتني أخذت مني الكثير من بهجة حياتي، خاصة أن هناك سبع
                        الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                        تعليق

                        • يحي الحسن الطاهر
                          أديب وكاتب
                          • 20-03-2011
                          • 111

                          #13
                          أستاذ أحمد..
                          أشكرك على التعليق ...وأهديك هذا النص عربون محبة:
                          مالم تقله الموجة
                          قصة قصيرة – يحي الحسن الطاهر

                          ليس الآن أرجوك...فأنا متعبة بعض الشيء..هكذا ابتدرت الموجة حديثها للنورس الذي كان يحاول –في تصميم تعرفه كل النوارس – إقناعها بأن تتدافع عاليا وتهبط كي تسمح له باللعب، ولأن هذا ما يجيده الموج ..من ناحية أخرى ، أليس هو ابن السحاب؟ إلا يحن إلى الفرار من مستقره الأرضي إلى هناك ، حيث طفولته غماما يحلق في أجواز الفضاء ؟ مزدهيا بنقائه الشفاف، وهاهو الآن متدثرا بالطين، ومليئا بكل ما يلقي في جوفه من قمامة وأوساخ، جثث وطحالب، تاريخ من شهية افتراس كائنات تسكن جوفه السحيق.. كأحزان اليتامى في ليلة شتوية تزمجر فيها الريح مرددة صدى فحيح أمعائهم الخاوية . ... حاول النورس أن يثير أشجان الموجة إلى مواطنها البعيدة، ويذكرها بما هي فيه من بؤس راهن لا يسمي الأعالي موطنا...
                          لا..قالها الكاتب: هذه ليست بداية جيدة للقصة، فلأكتب حول القمر، وهذا الحزن الذي يلفه كل مساء وهو يطالع من صحرائه البعيدة، صبية القرية وهم يتقافزون بمرح، وتكركر فقاقيع ضحكاتهم البهيجة عاليا.. حتى تلامس أخاديده العميقة ، التي حفرتها أزاميل أحزانه الطويلة ،كانوا يضحكون بكل سعادة بينما تنهشه قوارض عزلته القاسية ، ويتذكر طفولته ، وكم كان شقيا حينها ... كان يطارد الخراف التي يشكلها السحاب ، وهي ترعى في أعشاب السماء ، تتقافز بمرح سعيد ، وهي تطالع الفتيات اللاتي تشكلهن مجموعة أخرى من السحب ، وكان هو جزلا بكل تلك الحفاوة ، الآن لا يرى سوى الريح تركض في سهوبه الفسيحة ، وهؤلاء الصغار الذين يتقافزون ، وهذا الكاتب الذي يطارد بهوس محموم ما يتجول في مخيلته من أطياف متسللة عبر شقوق ذاكرته المجهدة ..
                          لا ...لا تبدو هذه أيضا، الافتتاحية التي أحب ، أشعل لفافة من التبغ، وراح يذرع الغرفة جيئة وذهابا عل هذه الحالة التي قرأ إنها كثيرا ما تتلبس الكتاب العظام ، تكون شفيعا له في أن يستنسل من مخياله المكدود، استهلالا رائعا يلف فسيفساء الصور المتلاحقة لشخوص قصته ، في نسيج منتظم ، يعطي لقصته ( عنها-بالطبع- عن فتاته السمراءـ.. تلك التي تتمشى على مرمر نعاسه كل ليلة حافية الروح إلا من النشوة... ) حيويتها كقصة ، ولكن ماذا يفعل بكل هذا الضجيج الذي يصدره الصبية ، وهدير الموج وصياح النسور ، وبخاصة صياح النسور الذي يذكره أشجانا قديمة ، يحاول دوما إبعادها عن ذاكرته فتمعن في إلحاحها كهذا الطارق اللعين على باب غرفته.
                          حسنا-همهم في ارتياح كبير- على الأقل أدرك الآن: إن هنالك موجة ..ونورس..وقمر ...وبعض الصبية ، ثم هنالك هي-أعني –حبيبتي السمراء ..سمع طرقا صاخبا على باب الغرفة ..
                          تفضل –قالها بصوت عال كي يغطي بحدته، ما يدور في داخله من فوضى الأصوات الصاخبة..قبل أن أفتح الباب أرجو أن أذكركم جميعا -يا من ستقرؤون هذه القصة فيما بعد – قال وهو يحدق في أفق لامنظور في جمع من القراء ، تذكروا جيدا ما كنا بصدده: هذه القصة تدور عن حبيبتي- كما قلت لكم ، وهنالك قمر وصبية ونورس يجادل في موج البحر .. هل اتفقنا؟ لا تنسوا ذلك ..حسنا دعونا إذن نرى من الطارق...وسنعود لنرى كيف نشرع في هذه القصة..اختفى الطرق الآن ..هل مل الطارق، هل استغرقت كثيرا من الوقت لأستجيب..أخبروني أنتم ، فأنا كنت منشغلا كما تعلمون في تتبع كل هذا الضجيج ، ولكن ..لا بأس ..سيعود الطارق حتما ..حسنا ما رأيكم في هذه الافتتاحية لقصتنا:
                          كان يجلس بجوارها ..وكانت الشمس في أصيل ذلك اليوم ، تشعر ببعض اللهيب في داخلها وترنو إلى البحر ، وهي تتمنى أن تذوب في جوفه علها تلطف أحشائها بمياهه الباردة ، كانت فتاته ترنو إليه وهي متعجبة من صمته البليغ، الذي بقدر ما يمتد، بقدر ما تحس بشغف وفضول أكثر ، قال وهو يشير إلى الموج:
                          أنظري حبيبتي..أنظري للماء،
                          فجأة سمع طرقا مرة أخرى على باب الغرفة ، ذهب سريعا في هذه المرة كي لا يدع للطارق فرصة للغياب تعثر في طريقه إلى الباب ، بأثاث الغرفة ، التي كانت –كما هي دوما – مليئة بفوضى عارمة: هنالك أوراق تتبعثر في كل أرجائها ، بعض أجهزة كومبيوتر قديمة تناثرت أشلائها في كل مكان ، أطباق طعام بها بعض البقايا، أكواب القهوة والشاي ، وبعض من فتافيت أحزان وحدته العريقة .. على الطاولة الوحيدة بالغرفة ، يتطاير غبارها الكثيف في كل أرجاء المكان .. فكر: ينبغي أن أجد وقتا لإعادة تنظيم كل شيء هنا أو لم لا أشرع في ذلك الآن؟...أين قرأت هذه الجملة: الأنثى روح المكان ؟.. نسى إن هنالك طارقا بالباب وطفق يلملم الإطباق..يرفع الوسائد الملقاة على أرضية الغرفة، يزيح بعضا من غبار أشجان وحدته العالقة بقماشها القديم.. ثم فجأة تذكر: هنالك شيئا ما دفعني إلى مغادرة طاولة الكتابة..ماهو ..آه ..كم أنا غريب..كنت أنتوي إعداد كوب من الشاي ..ولكن ..يا للتعاسة ..لقد نفد كل ما لدي قمر..لا بل أقصد شاي ..لا أدري ماذا أصابني الليلة ..وحدها صورة أمه المعلقة على جدار الغرفة وهي تبتسم برضا صوفي ساحر لم ير مثله إلا في وجهها كانت تشع روحا من الدفء في الغرفة ، وقد كتب تحتها بخطه الطفولي –حين كان ما يزال تلميذا يتعثر بين أسنان السين وحواف الحاء ، نقاط الشين ، وذلك التجويف المهيب للعين ، كتب ما أملته عليه ذات مساء غائم:
                          كن كالنخيل مرتفعا ...بالطوب يلقى فيرمي أطيب الثمر..
                          نظرت فتاته إلى الماء وهمست:
                          ماذا ..لا أرى شيئا ...أليست مجرد ماء؟
                          لا ..أنظري جيدا ..ليست فقط ماء..أنظري..
                          صاح أحد الصبية في رفاقه:
                          ألا ترون كيف يبكي القمر..
                          يبكي القمر؟ هل أنت مجنون ؟
                          صاح به النورس الذي غفل قليلا عن محادثة الموجة ، اضطربت الأشياء جميعا في رأسي ..ماذا أفعل ..الكل يصيح في ذات الوقت ، والغرفة تمور في فوضى عظيمة ، ولم أجد بعد شايا ..فليكن ..لنعد أيها الرفاق إلى حيث كنا..
                          لا أرى شيئا غريبا..
                          همست فتاته وهي تمني النفس بأن يدع جانبا كل هذه التهويمات التي أعتادها كلما اختليا..ويفعل شيئا طالما سمعت من صويحباتها إن.....
                          اقترب النورس منهما وصار يحدق بغرابة واضحة فيهما ..كانت أشعة القمر المنسكبة على سطح الماء تديح دوائرا متراقصة تتراكض مد البصر ..حسنا ..لا ترين شيئا غريبا أليس كذلك ...أنصتي إذن..ودعك من هذا النورس ..أليس مدهشا أن الماء يطل على حواف الوجود جميعها ..فهو ..كما ترينه الآن سائلا..وقبلها كان مجرد غاز يسبح في السموات البعيدة ، ويكون صلبا كما تعلمين ..ولكن ..أنظري إليه، كيف تتحد ذرا ريه : هيدروجين وأوكسجين كما يقولون ..ماذا لو انفصلت ذراري الماء ..مرة واحدة والى الأبد؟
                          شعرت الفتاة بخوف يتسلل ببطء إلى كل خلايا جسدها بخلس ثعباني من هذه الخاطرة ، فجأة وبنصف انتباهة تحاكي من يسير أثناء نومه ...وجدت نفسها تلتصق به قليلا قليلا..وتغمض عيناها في سكون ناسك يرتل تسابيحه ..رأته ..في تلك الأمسية ..كانت تتجول مع صديقتها على رمال ذات الشاطئ الذي تجالسه فيها الآن ..وكان هو يجلس وحيدا ..اقتربتا منه ..وحين التقت عيناهما شعرت بهذه القشعريرة الغريبة تتمشى في كل أنحاء جسدها...تتسرب سابحة في الأثير ..وتحاول هي لملمتها حتى لا يفتضح أمرها ...كانت صديقتها تحكي بشغف وحماس حكاية طويلة لم تسمع منها شيئا ...فقد كان وجيب قلبها الخفاق كطبول الدراويش بقريتها البعيدة وهم يرتلون أناشيد محبتهم الوالهة يغطي على كل شيء ..
                          لا أريد أي أحد ..قالها بجرأة وحدة للطارق الذي صار أكثر إلحاحا ..ولا أريد هذا الشاي اللعين ..وأنتم..أيها الصبية ..أذهبوا ولتلعبوا بعيدا..
                          أيقظها صوته الحاد وهو ينتهر الصبية من أحلام يقظتها...رآها تجفل فزعة..تتقافز بين سطور الكتابة..يطاردها الأطفال والموج ...ما رأيكم ..يبدو إن قصتنا تتقدم أخيرا..رأت نفسها مرة أخري تسير بجانب رفيقتها ..هاهو يقترب منهما ..ماذا يريد..شعرت بقلبها يتقافز حتى خشيت أن يقع بين قدميها ...انه ينظر إليها هي بالذات ..يا للهول ..هل أحس بهذه القشعريرة في بدني ؟ اقترب أكثر ...أمسك بيديها ..مغمضا عينيه....وقال:
                          أنا أيضا أحسست بذلك ...نعم ...ذات الرعشة التي تشعرين...ذات التوق ..سمعته الآن ..وهما على الشاطئ يقول:
                          ماذا ...أين ذهبت ؟ كنت أحادثك ...لم تجيبي على أسئلتي المتلاحقة ...وضع القلم على الطاولة ، ذهب لكي يشرب ماءا..وحين عاد ، رأى الصبية يتسللون من خلل شقوق نوافذ الغرفة كأطياف بلورية ، تواصل الطرق على الباب ، نظر إلى أحد الصبية بإيماءة ، أن يرى من الطارق ، ولكن الطفل الشقي لم يغادر مكانه المعلق في فراغ الغرفة ، كان القمر حينها يطل بكامل فتنته السماوية من خلل النافذة ، الموج يهدر بالخارج ، بينما الورقة التي يكتب عليها قصته كانت ما تزال بيضاء تماما.اقترب منها ...تشممها ..كانت معبقة بالعديد من الروائح ، استطاع أن يميز بينها، رائحة فتاته بكل أنوثتها الساحرة ممتزجة بتلك الرائحة الغريبة للبحر ، وضع الورقة في أذنيه ، صوت النورس وهو يستجدي الموج كان بائنا ، ولكن ما أدهشه حقا كان طعم الورقة حين تذوقها ، كان كطعم شفاه حبيبته الذي لم يذقه يوما ، لكنه يعرفه جيدا ، فكم قبلها في أحلامه ..حمل ورقته إلى إحدى الصحف اليومية، أرشدوه إلى رئيس القسم الثقافي...
                          كان جالسا في مقعد وثير ، يرتدي نظارة سميكة
                          أريد أن أنشر هذه القصة بصحيفتكم...لقد فرغت منها للتو...
                          جيد...دعنا نراها ...نظر الرجل إلى الورقة الفارغة ...ثم نظر إلى الكاتب بريبة ...
                          قصة ؟ أين هي ...هذه ورقة فارغة ...
                          لا ليست فارغة ...تشممها ...تصنت إليها وتذوقها ..
                          هل أنت مجنون؟ قالها الرجل في غضب ، إن لم تخرج حالا استدعيت لك رجال الأمن ..
                          لا حاجة لذلك سأخرج الآن ...ليس خوفا منك أو رجال أمنك ...بل لا أود لمثل هذه القصة الرائعة أن تنشر في أي صحيفة ..حمل الورقة بعناية وخوف ، وقفل راجعا إلى غرفته ممنيا النفس بقراءة طويلة وممتعة .
                          يحي الحسن الطاهر- جدة – 14/12/2011







                          sigpic

                          سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
                          yahia.change@gmail.com
                          http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
                          https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan

                          تعليق

                          • يحي الحسن الطاهر
                            أديب وكاتب
                            • 20-03-2011
                            • 111

                            #14
                            شكرا أستاذتي الغالية شيماء

                            ما أنا يا سيدتي سوى عاشق فقير ...مترامية أطراف حزني على سهوب قارة الحرف: مرة تسميني شعرا ..مرة قصة...مرة ...ما أسميه: كتابة ..وهي عندي ذلك الجنس الذي يتأبى على الاندراج في تجنيس أدبي بعينه ..ملهمتي في جميع ما أكتب زوجتي الحلوة سارة وأطفالي: ريم(10سنوات) ايمان( 8 سنوات) ثم الشقي المرح محمود( 6 سنوات) وهم عالمي الذي -اذا دعيت الى المباهلة بنصيبي من سعادة لا تشوبها أكدار الحياة الخارجية ...التي أراها حولي في كل شيء لكنها لا تمس روحي فأنا معصوم بحبي لعالمي الصغير من كل أكدار العالم الخارجي...أحيانا كثيرة أكون بلا مال ..كما هو شأن من يمتهون الترجمة ( كموظفين) ...ويكون كل شيء معاديا..لا أصدقاء ..لا أهل: فجأة يأتيني اتصال من صغيري محمود ..أو تؤام روحي سارة فأجدني أقهقه مادا لساني في اغاظة طفولية لأشباح التعاسة حولي من مرض وفقر ووحدة ..صدقيني: لا شيء ...أو حي يمكنه قهر قلب عاشق لعالمه ...راض به ليس بحسبانه المتاح الوحيد بل بحسبانه العالم الوحيد الذي اليه ينتمي وبدفئه يحتمي ...فبورك العشق وبورك العاشقين ..أهديك هذه القصة -وهي طازجة من الفرن- كتبت بالأمس ...فلتكوني أول من تهدي اليه عربون محبة وتواصل حميم..
                            مالم تقله الموجة
                            قصة قصيرة – يحي الحسن الطاهر

                            ليس الآن أرجوك...فأنا متعبة بعض الشيء..هكذا ابتدرت الموجة حديثها للنورس الذي كان يحاول –في تصميم تعرفه كل النوارس – إقناعها بأن تتدافع عاليا وتهبط كي تسمح له باللعب، ولأن هذا ما يجيده الموج ..من ناحية أخرى ، أليس هو ابن السحاب؟ إلا يحن إلى الفرار من مستقره الأرضي إلى هناك ، حيث طفولته غماما يحلق في أجواز الفضاء ؟ مزدهيا بنقائه الشفاف، وهاهو الآن متدثرا بالطين، ومليئا بكل ما يلقي في جوفه من قمامة وأوساخ، جثث وطحالب، تاريخ من شهية افتراس كائنات تسكن جوفه السحيق.. كأحزان اليتامى في ليلة شتوية تزمجر فيها الريح مرددة صدى فحيح أمعائهم الخاوية . ... حاول النورس أن يثير أشجان الموجة إلى مواطنها البعيدة، ويذكرها بما هي فيه من بؤس راهن لا يسمي الأعالي موطنا...
                            لا..قالها الكاتب: هذه ليست بداية جيدة للقصة، فلأكتب حول القمر، وهذا الحزن الذي يلفه كل مساء وهو يطالع من صحرائه البعيدة، صبية القرية وهم يتقافزون بمرح، وتكركر فقاقيع ضحكاتهم البهيجة عاليا.. حتى تلامس أخاديده العميقة ، التي حفرتها أزاميل أحزانه الطويلة ،كانوا يضحكون بكل سعادة بينما تنهشه قوارض عزلته القاسية ، ويتذكر طفولته ، وكم كان شقيا حينها ... كان يطارد الخراف التي يشكلها السحاب ، وهي ترعى في أعشاب السماء ، تتقافز بمرح سعيد ، وهي تطالع الفتيات اللاتي تشكلهن مجموعة أخرى من السحب ، وكان هو جزلا بكل تلك الحفاوة ، الآن لا يرى سوى الريح تركض في سهوبه الفسيحة ، وهؤلاء الصغار الذين يتقافزون ، وهذا الكاتب الذي يطارد بهوس محموم ما يتجول في مخيلته من أطياف متسللة عبر شقوق ذاكرته المجهدة ..
                            لا ...لا تبدو هذه أيضا، الافتتاحية التي أحب ، أشعل لفافة من التبغ، وراح يذرع الغرفة جيئة وذهابا عل هذه الحالة التي قرأ إنها كثيرا ما تتلبس الكتاب العظام ، تكون شفيعا له في أن يستنسل من مخياله المكدود، استهلالا رائعا يلف فسيفساء الصور المتلاحقة لشخوص قصته ، في نسيج منتظم ، يعطي لقصته ( عنها-بالطبع- عن فتاته السمراءـ.. تلك التي تتمشى على مرمر نعاسه كل ليلة حافية الروح إلا من النشوة... ) حيويتها كقصة ، ولكن ماذا يفعل بكل هذا الضجيج الذي يصدره الصبية ، وهدير الموج وصياح النسور ، وبخاصة صياح النسور الذي يذكره أشجانا قديمة ، يحاول دوما إبعادها عن ذاكرته فتمعن في إلحاحها كهذا الطارق اللعين على باب غرفته.
                            حسنا-همهم في ارتياح كبير- على الأقل أدرك الآن: إن هنالك موجة ..ونورس..وقمر ...وبعض الصبية ، ثم هنالك هي-أعني –حبيبتي السمراء ..سمع طرقا صاخبا على باب الغرفة ..
                            تفضل –قالها بصوت عال كي يغطي بحدته، ما يدور في داخله من فوضى الأصوات الصاخبة..قبل أن أفتح الباب أرجو أن أذكركم جميعا -يا من ستقرؤون هذه القصة فيما بعد – قال وهو يحدق في أفق لامنظور في جمع من القراء ، تذكروا جيدا ما كنا بصدده: هذه القصة تدور عن حبيبتي- كما قلت لكم ، وهنالك قمر وصبية ونورس يجادل في موج البحر .. هل اتفقنا؟ لا تنسوا ذلك ..حسنا دعونا إذن نرى من الطارق...وسنعود لنرى كيف نشرع في هذه القصة..اختفى الطرق الآن ..هل مل الطارق، هل استغرقت كثيرا من الوقت لأستجيب..أخبروني أنتم ، فأنا كنت منشغلا كما تعلمون في تتبع كل هذا الضجيج ، ولكن ..لا بأس ..سيعود الطارق حتما ..حسنا ما رأيكم في هذه الافتتاحية لقصتنا:
                            كان يجلس بجوارها ..وكانت الشمس في أصيل ذلك اليوم ، تشعر ببعض اللهيب في داخلها وترنو إلى البحر ، وهي تتمنى أن تذوب في جوفه علها تلطف أحشائها بمياهه الباردة ، كانت فتاته ترنو إليه وهي متعجبة من صمته البليغ، الذي بقدر ما يمتد، بقدر ما تحس بشغف وفضول أكثر ، قال وهو يشير إلى الموج:
                            أنظري حبيبتي..أنظري للماء،
                            فجأة سمع طرقا مرة أخرى على باب الغرفة ، ذهب سريعا في هذه المرة كي لا يدع للطارق فرصة للغياب تعثر في طريقه إلى الباب ، بأثاث الغرفة ، التي كانت –كما هي دوما – مليئة بفوضى عارمة: هنالك أوراق تتبعثر في كل أرجائها ، بعض أجهزة كومبيوتر قديمة تناثرت أشلائها في كل مكان ، أطباق طعام بها بعض البقايا، أكواب القهوة والشاي ، وبعض من فتافيت أحزان وحدته العريقة .. على الطاولة الوحيدة بالغرفة ، يتطاير غبارها الكثيف في كل أرجاء المكان .. فكر: ينبغي أن أجد وقتا لإعادة تنظيم كل شيء هنا أو لم لا أشرع في ذلك الآن؟...أين قرأت هذه الجملة: الأنثى روح المكان ؟.. نسى إن هنالك طارقا بالباب وطفق يلملم الإطباق..يرفع الوسائد الملقاة على أرضية الغرفة، يزيح بعضا من غبار أشجان وحدته العالقة بقماشها القديم.. ثم فجأة تذكر: هنالك شيئا ما دفعني إلى مغادرة طاولة الكتابة..ماهو ..آه ..كم أنا غريب..كنت أنتوي إعداد كوب من الشاي ..ولكن ..يا للتعاسة ..لقد نفد كل ما لدي قمر..لا بل أقصد شاي ..لا أدري ماذا أصابني الليلة ..وحدها صورة أمه المعلقة على جدار الغرفة وهي تبتسم برضا صوفي ساحر لم ير مثله إلا في وجهها كانت تشع روحا من الدفء في الغرفة ، وقد كتب تحتها بخطه الطفولي –حين كان ما يزال تلميذا يتعثر بين أسنان السين وحواف الحاء ، نقاط الشين ، وذلك التجويف المهيب للعين ، كتب ما أملته عليه ذات مساء غائم:
                            كن كالنخيل مرتفعا ...بالطوب يلقى فيرمي أطيب الثمر..
                            نظرت فتاته إلى الماء وهمست:
                            ماذا ..لا أرى شيئا ...أليست مجرد ماء؟
                            لا ..أنظري جيدا ..ليست فقط ماء..أنظري..
                            صاح أحد الصبية في رفاقه:
                            ألا ترون كيف يبكي القمر..
                            يبكي القمر؟ هل أنت مجنون ؟
                            صاح به النورس الذي غفل قليلا عن محادثة الموجة ، اضطربت الأشياء جميعا في رأسي ..ماذا أفعل ..الكل يصيح في ذات الوقت ، والغرفة تمور في فوضى عظيمة ، ولم أجد بعد شايا ..فليكن ..لنعد أيها الرفاق إلى حيث كنا..
                            لا أرى شيئا غريبا..
                            همست فتاته وهي تمني النفس بأن يدع جانبا كل هذه التهويمات التي أعتادها كلما اختليا..ويفعل شيئا طالما سمعت من صويحباتها إن.....
                            اقترب النورس منهما وصار يحدق بغرابة واضحة فيهما ..كانت أشعة القمر المنسكبة على سطح الماء تديح دوائرا متراقصة تتراكض مد البصر ..حسنا ..لا ترين شيئا غريبا أليس كذلك ...أنصتي إذن..ودعك من هذا النورس ..أليس مدهشا أن الماء يطل على حواف الوجود جميعها ..فهو ..كما ترينه الآن سائلا..وقبلها كان مجرد غاز يسبح في السموات البعيدة ، ويكون صلبا كما تعلمين ..ولكن ..أنظري إليه، كيف تتحد ذرا ريه : هيدروجين وأوكسجين كما يقولون ..ماذا لو انفصلت ذراري الماء ..مرة واحدة والى الأبد؟
                            شعرت الفتاة بخوف يتسلل ببطء إلى كل خلايا جسدها بخلس ثعباني من هذه الخاطرة ، فجأة وبنصف انتباهة تحاكي من يسير أثناء نومه ...وجدت نفسها تلتصق به قليلا قليلا..وتغمض عيناها في سكون ناسك يرتل تسابيحه ..رأته ..في تلك الأمسية ..كانت تتجول مع صديقتها على رمال ذات الشاطئ الذي تجالسه فيها الآن ..وكان هو يجلس وحيدا ..اقتربتا منه ..وحين التقت عيناهما شعرت بهذه القشعريرة الغريبة تتمشى في كل أنحاء جسدها...تتسرب سابحة في الأثير ..وتحاول هي لملمتها حتى لا يفتضح أمرها ...كانت صديقتها تحكي بشغف وحماس حكاية طويلة لم تسمع منها شيئا ...فقد كان وجيب قلبها الخفاق كطبول الدراويش بقريتها البعيدة وهم يرتلون أناشيد محبتهم الوالهة يغطي على كل شيء ..
                            لا أريد أي أحد ..قالها بجرأة وحدة للطارق الذي صار أكثر إلحاحا ..ولا أريد هذا الشاي اللعين ..وأنتم..أيها الصبية ..أذهبوا ولتلعبوا بعيدا..
                            أيقظها صوته الحاد وهو ينتهر الصبية من أحلام يقظتها...رآها تجفل فزعة..تتقافز بين سطور الكتابة..يطاردها الأطفال والموج ...ما رأيكم ..يبدو إن قصتنا تتقدم أخيرا..رأت نفسها مرة أخري تسير بجانب رفيقتها ..هاهو يقترب منهما ..ماذا يريد..شعرت بقلبها يتقافز حتى خشيت أن يقع بين قدميها ...انه ينظر إليها هي بالذات ..يا للهول ..هل أحس بهذه القشعريرة في بدني ؟ اقترب أكثر ...أمسك بيديها ..مغمضا عينيه....وقال:
                            أنا أيضا أحسست بذلك ...نعم ...ذات الرعشة التي تشعرين...ذات التوق ..سمعته الآن ..وهما على الشاطئ يقول:
                            ماذا ...أين ذهبت ؟ كنت أحادثك ...لم تجيبي على أسئلتي المتلاحقة ...وضع القلم على الطاولة ، ذهب لكي يشرب ماءا..وحين عاد ، رأى الصبية يتسللون من خلل شقوق نوافذ الغرفة كأطياف بلورية ، تواصل الطرق على الباب ، نظر إلى أحد الصبية بإيماءة ، أن يرى من الطارق ، ولكن الطفل الشقي لم يغادر مكانه المعلق في فراغ الغرفة ، كان القمر حينها يطل بكامل فتنته السماوية من خلل النافذة ، الموج يهدر بالخارج ، بينما الورقة التي يكتب عليها قصته كانت ما تزال بيضاء تماما.اقترب منها ...تشممها ..كانت معبقة بالعديد من الروائح ، استطاع أن يميز بينها، رائحة فتاته بكل أنوثتها الساحرة ممتزجة بتلك الرائحة الغريبة للبحر ، وضع الورقة في أذنيه ، صوت النورس وهو يستجدي الموج كان بائنا ، ولكن ما أدهشه حقا كان طعم الورقة حين تذوقها ، كان كطعم شفاه حبيبته الذي لم يذقه يوما ، لكنه يعرفه جيدا ، فكم قبلها في أحلامه ..حمل ورقته إلى إحدى الصحف اليومية، أرشدوه إلى رئيس القسم الثقافي...
                            كان جالسا في مقعد وثير ، يرتدي نظارة سميكة
                            أريد أن أنشر هذه القصة بصحيفتكم...لقد فرغت منها للتو...
                            جيد...دعنا نراها ...نظر الرجل إلى الورقة الفارغة ...ثم نظر إلى الكاتب بريبة ...
                            قصة ؟ أين هي ...هذه ورقة فارغة ...
                            لا ليست فارغة ...تشممها ...تصنت إليها وتذوقها ..
                            هل أنت مجنون؟ قالها الرجل في غضب ، إن لم تخرج حالا استدعيت لك رجال الأمن ..
                            لا حاجة لذلك سأخرج الآن ...ليس خوفا منك أو رجال أمنك ...بل لا أود لمثل هذه القصة الرائعة أن تنشر في أي صحيفة ..حمل الورقة بعناية وخوف ، وقفل راجعا إلى غرفته ممنيا النفس بقراءة طويلة وممتعة .
                            يحي الحسن الطاهر- جدة – 14/12/2011






                            sigpic

                            سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
                            yahia.change@gmail.com
                            http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
                            https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan

                            تعليق

                            • يحي الحسن الطاهر
                              أديب وكاتب
                              • 20-03-2011
                              • 111

                              #15
                              دائما انت كذلك تبهرني بما تكتب لم ارفع عيني عن الورقة حتى النهاية
                              رائع........................

                              sigpic

                              سارة..توتا..نونا ...حوتة ..والله وبس!!!
                              yahia.change@gmail.com
                              http://truthsekkers.blogspot.com/201...g-post.html#!/
                              https://groups.google.com/forum/#!forum/yahiahassan

                              تعليق

                              يعمل...
                              X