استبدال ...
[align=justify]يرتعش جسدها كريشة في مهب ريح ، وجهها ممتقع اللون، وعيناها غائرتان ، أحاطتهما هالة زرقاء ، ترتجف شفتيها.
تجلس أمها محطمة على كرسي حديدي قبالتها، وكأنها هدت من على شاهق تلطم خدها وتندب حظها العاثر.
قام المحقق دون أن ينزل نظراته عنها، نفث دخان السيجارة بوجهها، وأقترب منها، أحس بخوفها وانكماشها على نفسها ... ثم قال( احكي كل شيء ) ناولها كأس الماء ،عبته بشغف ، خرجت الكلمات من فيها مضطربة قالت :-
فتشت كل شيء
بحثت عن عطر اختلط وعطره،أو شعرة امرأة نست نفسها وتوسدت على كتفه عن رقم منسي في هاتفه النقال، أو صورة،عن رسالة لم يهتد إليها، بين الرسائل تكشف غدره.
بحثت في دفتر مذكراته .. عن حرف يفك طلاسم سره، عن زلة لسان .. اسم امرأة قد ينطقه في غفلة،أو حلم توارى خلف أستار اللاوعي قد يفضح أمره.
لكنني لم أجد شيئا، فصدقت عذره، نظرت إليه من بعيد يصفف شعره ويعدل ربطة عنقه، يطالع وجهه في المرآة.
- أين ستقضي سهرتك اليوم؟
نظر إليّ دون أن ينبس ببنت شفة، راح يدندن بأغنية شعرت وكأنه يستفزني بكل كلمة تخرج من فيه مطرقة تهوي على رأسي.
- لم يتجاهلني، أما عاد الحب شفيعا لوصالنا، ما الذي جنيته حتى يعاقبني بمثل هذا الصدود، حمل حقيبته قلت بحزن وثمة ارتباك ورعشة سرت في جسدي وكأنني أبوح له بسر.
-أنا ..
تعثرت الكلمات، ابتلعت ريقي أبلل شفتاي المتيبستين.
-أنا ...
قاطعني بحزم
- قولي.. أنا على عجلة من أمري.
هممت أن ألقي بجسدي بين ذراعيه إلا أنه أشاح بوجهه عني، أمسك أكرة الباب .. توقف .. رنا إليّ .. ألقى برزمة من النقود أمسكت بها دون شعور ، دون أن أعرها أهمية، ألقيتها أرضا، اختفت ولكن أين اختفت لا أعرف، لم أعر للنقود أهمية لم تكن هاجسا لي في يوم من الأيام، لم أطالب بأي مبلغ يضاف إلى مصروف البيت الروتيني، كان كل همي أن يطبع قبلة على جبيني، أو يلامس ثغري ثغره، أن يٌمسدًّ شعري، يده تسافر عبر خصلات شعري، وتطوق عنقي، أن يحكي عن حبه لي ، إن أكون المرأة الوحيدة في تاريخ سفره..
- سوف أتأخر هذه الليلة .. لا تقلقي
كلمات جافة طالما قتلت كل جنين نما في رحم أحلامي، أطرقت رأسي وأسلمت نفسي ليأس قاتل ..
تكتكة الساعة، تثير في داخلي وحشة، المكان والزمان اللذان ما عادا يلتقيان إلا على غربة أحزاني ،رعب رافقني منذ الطفولة كنت لا أنام ،أذا ما اجتمعت عتمة الليل ودقات الساعة ، تضطرب نفسي أغطي رأسي بالوسادة ، دون أن تنقذني من فوبيا مجنونة، أصبحت غريبة عن هذا البيت الذي احتواني منذ خمس سنوات فلم يعد حلما لي، رغم سعته وفخامة أثاثه، ما بنيت من آمال عليه تلاشت، لم يعد يعني لي شيئا غير كتلا من الصخور الصامتة ، حتى التلفاز أصبح وحشا أخاف أن يفترسني ، كل يوم تؤرقني وحدة الليل لا أنيس لي، ولا صديق يعيد لنفسي هدوءها ويبدد الوحشة من داخلي، حاولت أن أًشغل نفسي بالقراءة، بدت لي الخطوط متداخلة مع بعضها، كل شيء مشوش، رميت بالكتاب ، ضغطت على زر جهاز التسجيل تمايل جسدي ،ربطت شالي حول وسطي، رقصت على إيقاع الموسيقى ، بدا إيقاع جسدي متنافرا مع الموسيقى ، ثقيلا لا يستجيب لأنغام هذه ليلتي التي طالما أنصتنا إليها سويا، أتوسد ساقيه، ترتفع آهات أم كلثوم، تثير في داخلي حميا، وأميل برأسي على أنغام الموسيقى، ذكريات كانت تعيش معي، حاولت النوم .. لكن أجفاني عاندت أن تستسلم للكرى، أردت أن أفتح الباب لكنني وجدته موصدا، كيف وقد خرج سامي لتوه هل أغلقه خلفه!؟ سألت نفسي متحيرة( لا.. هو...لا يملك مفتاح البيت .....؟ أكاد أن أصاب بالجنون ... يا ألهي ...!)
أخرجت المفتاح من حقيبتي المركونة على المكتب، مفاتيح السيارة سقطت على الأرض من على المنضدة .. هممت بحملها، كل شيء يبدو غريبا ..
(أيمكن أن يكون قد نسى المفاتيح)، أسرعت إلى النافذة لازالت؛ السيارة مركونة في مكانها، فتحت الباب، نسمات من الهواء البارد، عطر الشبوي، كل شيء هادئ في عتمة الليل، الأضواء تتراقص، أنصتت لصوت بكاء أبني ... ماما .. ماما .. ماما، البكاء يتواصل يحثني كي أسرع إليه .. تركت كل شيء ركضت إلى الداخل، رحت أنظر باضطراب، فتحت غرفة الصغير، وجدته ينظر إلي وكأنه يتوسلني.
- حبيبي جائع ..
ألقمته زجاجة الحليب .. جلست قرب المهد .. رحت أهزه وأغني ( دل..اللول يا الولد يا ابني دل..اللول .. عدوك عليل وساكن الجول *، )..رأيته يستسلم للنوم أطفأت المصباح وخرجت على أطراف أصابعي سرت، جلست في الحديقة ، ثمة أصوات راحت تقترب من باب الدار، صوت أعرفه جيدا أنه صوت سامي، اقتربت من الباب أنصت لهمسهما، صوت امرأة يصل لسمعي، راحت يدي ترتجف، يجب أن أضبطه متلبسا بجرمه، لأباغتهما في اللحظة المناسبة، كل شيء بدا متوترا، الأصوات بدت مبهمة لم أميز أهو صراخ أم ضحك، ( سيكون هذا اليوم نهاية مأساتي) اقتربا من بعضهما، أمسك يدها، ضمها إلى صدره، الجريمة كاملة، خيانة مع سبق الإصرار، لم يعد أمامي غير أن أغرس هذه السكين في قلبه... أنه خان حبي ، خان قلبا أحبه .. ما الذي أفعله .. أتريد مني أن أجعله يتشفى بعذابي، أن يغرس في قلبي سكين غدره.. نعم قتلته.
قال المحقق بهدوء
-نعم قتلتي زوجك، يستحق ذلك جزاء خيانته لكن، أين الجثة، أين الدم .. أين سلاح الجريمة ؟!
صرخت أمها بأعلى صوتها ..
- دعوني أدخل
أشار المحقق بيده، للشرطي الذي منعها من الدخول .. جلست قرب ابنتها التي راحت تنظر إليها ببلاهة .. أ
خرجت أوراق كانت بحقيبتها أعطتها للضابط .. أمعن النظر في الأوراق..
تعرض السيدة إلهام كامل .. على طبيب للأمراض النفسية لمعاينة حالتها، ظهر إن زوجها المدعو سامي غالب وابنها الرضيع قد قتلا بانفجار، ولم يعثر لهما على رفات حسب تقرير الطبيب الشرعي .
* الجول/ تعني المكان المقفر باللهجة العراقية الدارجة
[/align]
كتبت في 4 تشرين الأول 2011
[align=justify]يرتعش جسدها كريشة في مهب ريح ، وجهها ممتقع اللون، وعيناها غائرتان ، أحاطتهما هالة زرقاء ، ترتجف شفتيها.
تجلس أمها محطمة على كرسي حديدي قبالتها، وكأنها هدت من على شاهق تلطم خدها وتندب حظها العاثر.
قام المحقق دون أن ينزل نظراته عنها، نفث دخان السيجارة بوجهها، وأقترب منها، أحس بخوفها وانكماشها على نفسها ... ثم قال( احكي كل شيء ) ناولها كأس الماء ،عبته بشغف ، خرجت الكلمات من فيها مضطربة قالت :-
فتشت كل شيء
بحثت عن عطر اختلط وعطره،أو شعرة امرأة نست نفسها وتوسدت على كتفه عن رقم منسي في هاتفه النقال، أو صورة،عن رسالة لم يهتد إليها، بين الرسائل تكشف غدره.
بحثت في دفتر مذكراته .. عن حرف يفك طلاسم سره، عن زلة لسان .. اسم امرأة قد ينطقه في غفلة،أو حلم توارى خلف أستار اللاوعي قد يفضح أمره.
لكنني لم أجد شيئا، فصدقت عذره، نظرت إليه من بعيد يصفف شعره ويعدل ربطة عنقه، يطالع وجهه في المرآة.
- أين ستقضي سهرتك اليوم؟
نظر إليّ دون أن ينبس ببنت شفة، راح يدندن بأغنية شعرت وكأنه يستفزني بكل كلمة تخرج من فيه مطرقة تهوي على رأسي.
- لم يتجاهلني، أما عاد الحب شفيعا لوصالنا، ما الذي جنيته حتى يعاقبني بمثل هذا الصدود، حمل حقيبته قلت بحزن وثمة ارتباك ورعشة سرت في جسدي وكأنني أبوح له بسر.
-أنا ..
تعثرت الكلمات، ابتلعت ريقي أبلل شفتاي المتيبستين.
-أنا ...
قاطعني بحزم
- قولي.. أنا على عجلة من أمري.
هممت أن ألقي بجسدي بين ذراعيه إلا أنه أشاح بوجهه عني، أمسك أكرة الباب .. توقف .. رنا إليّ .. ألقى برزمة من النقود أمسكت بها دون شعور ، دون أن أعرها أهمية، ألقيتها أرضا، اختفت ولكن أين اختفت لا أعرف، لم أعر للنقود أهمية لم تكن هاجسا لي في يوم من الأيام، لم أطالب بأي مبلغ يضاف إلى مصروف البيت الروتيني، كان كل همي أن يطبع قبلة على جبيني، أو يلامس ثغري ثغره، أن يٌمسدًّ شعري، يده تسافر عبر خصلات شعري، وتطوق عنقي، أن يحكي عن حبه لي ، إن أكون المرأة الوحيدة في تاريخ سفره..
- سوف أتأخر هذه الليلة .. لا تقلقي
كلمات جافة طالما قتلت كل جنين نما في رحم أحلامي، أطرقت رأسي وأسلمت نفسي ليأس قاتل ..
تكتكة الساعة، تثير في داخلي وحشة، المكان والزمان اللذان ما عادا يلتقيان إلا على غربة أحزاني ،رعب رافقني منذ الطفولة كنت لا أنام ،أذا ما اجتمعت عتمة الليل ودقات الساعة ، تضطرب نفسي أغطي رأسي بالوسادة ، دون أن تنقذني من فوبيا مجنونة، أصبحت غريبة عن هذا البيت الذي احتواني منذ خمس سنوات فلم يعد حلما لي، رغم سعته وفخامة أثاثه، ما بنيت من آمال عليه تلاشت، لم يعد يعني لي شيئا غير كتلا من الصخور الصامتة ، حتى التلفاز أصبح وحشا أخاف أن يفترسني ، كل يوم تؤرقني وحدة الليل لا أنيس لي، ولا صديق يعيد لنفسي هدوءها ويبدد الوحشة من داخلي، حاولت أن أًشغل نفسي بالقراءة، بدت لي الخطوط متداخلة مع بعضها، كل شيء مشوش، رميت بالكتاب ، ضغطت على زر جهاز التسجيل تمايل جسدي ،ربطت شالي حول وسطي، رقصت على إيقاع الموسيقى ، بدا إيقاع جسدي متنافرا مع الموسيقى ، ثقيلا لا يستجيب لأنغام هذه ليلتي التي طالما أنصتنا إليها سويا، أتوسد ساقيه، ترتفع آهات أم كلثوم، تثير في داخلي حميا، وأميل برأسي على أنغام الموسيقى، ذكريات كانت تعيش معي، حاولت النوم .. لكن أجفاني عاندت أن تستسلم للكرى، أردت أن أفتح الباب لكنني وجدته موصدا، كيف وقد خرج سامي لتوه هل أغلقه خلفه!؟ سألت نفسي متحيرة( لا.. هو...لا يملك مفتاح البيت .....؟ أكاد أن أصاب بالجنون ... يا ألهي ...!)
أخرجت المفتاح من حقيبتي المركونة على المكتب، مفاتيح السيارة سقطت على الأرض من على المنضدة .. هممت بحملها، كل شيء يبدو غريبا ..
(أيمكن أن يكون قد نسى المفاتيح)، أسرعت إلى النافذة لازالت؛ السيارة مركونة في مكانها، فتحت الباب، نسمات من الهواء البارد، عطر الشبوي، كل شيء هادئ في عتمة الليل، الأضواء تتراقص، أنصتت لصوت بكاء أبني ... ماما .. ماما .. ماما، البكاء يتواصل يحثني كي أسرع إليه .. تركت كل شيء ركضت إلى الداخل، رحت أنظر باضطراب، فتحت غرفة الصغير، وجدته ينظر إلي وكأنه يتوسلني.
- حبيبي جائع ..
ألقمته زجاجة الحليب .. جلست قرب المهد .. رحت أهزه وأغني ( دل..اللول يا الولد يا ابني دل..اللول .. عدوك عليل وساكن الجول *، )..رأيته يستسلم للنوم أطفأت المصباح وخرجت على أطراف أصابعي سرت، جلست في الحديقة ، ثمة أصوات راحت تقترب من باب الدار، صوت أعرفه جيدا أنه صوت سامي، اقتربت من الباب أنصت لهمسهما، صوت امرأة يصل لسمعي، راحت يدي ترتجف، يجب أن أضبطه متلبسا بجرمه، لأباغتهما في اللحظة المناسبة، كل شيء بدا متوترا، الأصوات بدت مبهمة لم أميز أهو صراخ أم ضحك، ( سيكون هذا اليوم نهاية مأساتي) اقتربا من بعضهما، أمسك يدها، ضمها إلى صدره، الجريمة كاملة، خيانة مع سبق الإصرار، لم يعد أمامي غير أن أغرس هذه السكين في قلبه... أنه خان حبي ، خان قلبا أحبه .. ما الذي أفعله .. أتريد مني أن أجعله يتشفى بعذابي، أن يغرس في قلبي سكين غدره.. نعم قتلته.
قال المحقق بهدوء
-نعم قتلتي زوجك، يستحق ذلك جزاء خيانته لكن، أين الجثة، أين الدم .. أين سلاح الجريمة ؟!
صرخت أمها بأعلى صوتها ..
- دعوني أدخل
أشار المحقق بيده، للشرطي الذي منعها من الدخول .. جلست قرب ابنتها التي راحت تنظر إليها ببلاهة .. أ
خرجت أوراق كانت بحقيبتها أعطتها للضابط .. أمعن النظر في الأوراق..
تعرض السيدة إلهام كامل .. على طبيب للأمراض النفسية لمعاينة حالتها، ظهر إن زوجها المدعو سامي غالب وابنها الرضيع قد قتلا بانفجار، ولم يعثر لهما على رفات حسب تقرير الطبيب الشرعي .
* الجول/ تعني المكان المقفر باللهجة العراقية الدارجة
[/align]
كتبت في 4 تشرين الأول 2011
تعليق