الامثال والحكم وبناء الشخصية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عدنان عبد النبي البلداوي
    أديب و شاعر
    • 30-05-2011
    • 319

    الامثال والحكم وبناء الشخصية

    احتواء الأمثال والحكم تعزيز تربوي للشخصية
    عدنان عبد النبي البلداوي
    قيل في الأمثال :( لاترى فيها من الكلام ألفاظا ولكن حركات نفسية في ألفاظ )وهذا ما يؤكد فاعليتها في تحقيق اصلاح اجتماعي يبدأ بشخصية الفرد ،سموا في الأخلاق ولقاء في الوجدان ، ويقظة في الضمير ، وعلوا في الهمة ،ولديمومته وجني ثماره ،حرص السلف على نقل الأمثال إلى الأجيال ، لتصبح لديهم عين ينظرون بها مع عيونهم ،الى عواقب الأمور ، ولتمكينهم من سلوك الصواب ،على وفق ماتحمله تلك الأمثال من تجربة سبقت ودراية سلفت ،إضافة الى احتوائها على ذخائر لفظية ومعنوية لايمكن الاستغناء عنها ،فهي عندهم وشي الكلام وجوهر اللفظ وحلي المعاني ، ولأن في المثل حسبما توصلوا اليه أربعة لاتجتمع في غيره من الكلام هي( إيجاز اللفظ – إصابة المعنى – حسن التوجيه – جودة الكناية ) ولأهمية الأمثال والحكم ،ولكونها خلاصة مركزة لحياة الشعوب في سلسلة معاناتها وشقائها وسعادتها وغضبها ورضاها ،وثمرة من ثمار الفلسفة والتأمل في الحياة ، فقد حظيت بالدراسة والتحليل والتعريف ،فقال المعنيون : سُمي المثل مثلا ، لأنه ماثل بخاطر الإنسان أبدا – أي شاخص منتصب أمام عينيه. أما الحكمة فإنها تفيد معنى واحدا من نهي أو أمر أو إرشاد ، والمثل يفيد معنيين : معنى ظاهرا ،كأن يكون حدثا تاريخيا ، ومعنى باطنا ،أجواؤه الحكمة نفسها ، بصياغة لاتخلو من استعارة او كتابة ، وبهذا يلتقي المثل والحكمة في أداء مهمة التوعية والتقويم، وقد جعلوا الأمثال نوعين : حقيقية وهي ماحدث موردها في الوجود وكان لها أصل معروف نقلت عنه. وفرضية وهي مالم يحدث موردها في الوجود وإنما كانت تمثل على لسان حيوان او غيره .
    ومن المفيد أن نذكر ان أول ظهور تاريخي للأمثال المستقاة من قصص الحيوان ،يسجل في كتاب الأمثال لمؤلفه السدوسي المتوفى سنة (195هـ) وان أول استعمال لهذا النوع من الأمثال بشكل واضح في تراثنا الأدبي يقع في زمن الإمام علي (ع)، وذلك في قصة ( الأسد والثيران الثلاثة) الموجود نصها في كتاب مجمع الأمثال للميداني، وبفضل مايحويه هذا النوع من الأمثال على لسان الحيوان ، فإن مضامين قصصه عادة ما تكون مشوّقة لتصورات الناشئة.
    وبصدد العمق التاريخي للأمثال ، لابد من الإشارة الى أن الكتب المقدسة كان لها نصيب منها ،فقد وردت في الإنجيل سورة باسم (أمثال) وذكر المؤرخون ان أقدم من قال الأمثال هو لقمان الحكيم ، ويروى انه سئل : ممن تعلمت الحكمة ..؟ قال : من الجهلاء ، كلما رايت منهم عيبا تجنبته.
    لاشك في ان لكل عصر نصيبا من الإمدادات الفكرية والثقافية والنفسية ، تتأثر بها الأمثال والحكم حين ولادتها في أجواء ذلك العصر ، فعلى الرغم من قلة الأمثال والحكم التي وصلتنا عن العصر الجاهلي ، فقد أصبحت دليلا على مدى عقلية القوم واتجاهات تفكيرهم ونظرتهم الى الحياة ،اكثرمما يدلنا الشعر على ذلك ، لأن الأمثال كلام أفراد الشعب في جميع طبقاتهم ، والباحث في طبيعة المجتمع الجاهلي مع وقوفه عند أمثالهم وحكمهم ، يجد انها أمثال مستقاة من حياة البدوي المادية والمعنوية والقبلية ،فهي منحوتة من رمال الصحراء وجفاف أرضها، من عادات البدو وتقاليدهم ، فهم ان أرادوا التعبير عن الـ ( إباء والعفة) قالوا : ( تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها) او التعبير عن العمل بلا فائدة ( انه ينفخ في رماد ) وعن السير بلا دراية ( انه يخبط خبط عشواء ) و ( الحديث ذو شجون ) أي ذو طرق ،و( إياكِ اعني واسمعي ياجارة ) وهو قول سهل بن مالك الفزاري ، وقصته انه خرج يوما يريد النعمان ، فنزل ببعض أحياء طي ضيفا ، فوقعت عيناه على أجمل امرأة في ذلك الحي وكانت سيدة نسائها ، فجعل لايدري كيف يرسل إليها ، فجلس بفناء الخباء ينشد قوله:
    ياأخت خير البدو والحضاره
    كيف تريــــن في فتى فزاره
    أصبح يهوى حرة معطاره
    إياك اعني واسمعي ياجاره
    فلما سمعت قوله عرفت انه إياها يعني فقالت :
    اني أقول يافتى فزاره
    لاابتغي الزوج ولا الدعاره
    ولافراق أهل هذي الجاره
    فارحل الى اهلك باستخاره
    فاستحيا الفتى وقال : ما أردت منكرا ..واسوْأتاه.
    إن وجوب ضبط النفس وتوظيف العقل في أجواء كهذه ، من مستلزمات الحفاظ على توازن الشخصية ، ولاشك في ان نتائج قصة هذا المثل بالنسبة للأجيال إنما هي دعوة تربوية الى التنبه والحذر من أي سلوك او تسرع كالذي وقع فيه ابن مالك الفزاري وكان ضيفا، وهذا جانب لصورة او حدث يمكن الاستفادة منه في تجنب سلبياته ، بينما هناك أجواء قد ولدت فيها حكم وأمثال هي حصيلة لحظات من التأمل الجاد فيما تحتاجه الشخصية المستقيمة من مستلزمات ، كالذي أدركه جعفر بن أبي طالب مثلا ، وكان إدراكا مبكرا افرغه في قوله ( ثلاث منعت نفسي عنهن في الجاهلية فمنعها الإسلام (الكذب والزنا والخمرة) اما الكذب فقد علمت ان من كذب مرة كذب مرات.. وأما الزنا فقد علمت ان من طرق باب الناس طرقت بابه، وأما الخمرة فاني لااشتري خبالي بمالي).
    وبعد ان أشرقت شمس الإسلام ، انتقلت كثير من الأمثال الجاهلية الى المجتمع الإسلامي ،ولكن الشخصية الجديدة المستمدة تعزيزاتها من شخصية الرسول الأعظم (ص) قد أحدثت عمقا بلاغيا ومعنويا ونفسيا في مضمون الأمثال والحكم ، يتناسب ومبادئ الإسلام ، ولكي تعمل تلك الأمثال عملها الفاعل في تقويم الشخصية ، وإضافة ما تفتقر إليه ، ولكي تعطي نتائج أفضل في وسائل أسرع،فقد اعتمدت في خطابها منهج مراعاة مقتضى الحال ، فبدأ القران الكريم في تطبيق هذا المنهج ، عندما وجد عقلية قريش متخلفة باتجاهها المادي , ولأن القوم كانوا يتفاخرون بالمال والعقار ، ضرب لهم الأمثال القائلة بأن الممتلكات ظل زائل وان الآخرة خير وابقي ( الآيات في سورة الكهف 32-44). ومن الجدير بالذكر ان الأمثال التي وردت في الذكر الحكيم لم تكن بعيدة من الناحية النفسية والاجتماعية عما يناسب كلام العرب ، فالعرب على سبيل المثال تقول في وضوح الأمر (قد وضح الصبح لذي عينين) فجاء في الكتاب العزيز ما يناسب ذلك ولكن ببلاغة وإيجاز اكبر في قوله تعالى ( الآن حصحص الحق) وقالوا في فائدة المجازاة ( القتل أنفى للقتل) قال تعالى (ولكم في القصاص حياة) ولايسعنا ذكر المزيد ن فقد وردت الحكمة في القران الكريم في نحو عشرين آية والأمثال في نحو خمسين. وسارت الى جانب أمثال القران ما جادت به بلاغة الرسول الكريم من أحاديث جرت مجرى الأمثال ، كقوله (ص) : (إن من البيان لسحرا) و( لايلدغ امرؤ من جحر مرتين) و( مات حتف انفه) أي مات دون قتل وكلمة (انفه) اشارة الى خروج الروح من الأنف،كما كان لحِكم وأمثال الخلفاء الراشدين نصيب في قراطيس التراث الخالد.
    ولما كانت النفوس بطبيعتها تفضل الأساليب البليغة ذات الوقع المنسجم مع ما تصبو اليه ، فقد تألق نجم المتنبي في هذا المجال بعد ان عرف أسرار التوغل في عمق الشخصية ،حتى أصبحت جملة من أشعاره أمثالا سائرة فيها كثير من مستلزمات البناء والتقويم ، فالشخصية الناجحة في أمثال المتنبي تستمد مقوماتها من قاعدة متينة سليمة بقوله:
    فان الجرح ينفر بعد حين
    إذا كان البناء على فساد
    وان الابتعاد عن مقتربات الهوان يصون حيوية الكرامة:
    من يهن يسهل الهوان عليه
    مـــا لــجرح بميت إيـــــلام
    والطموح عند المتنبي تحليق الى القمم:
    وإذا كانت النفوس كبارا
    تعبت في مرادها الأجسام
    ومن الجدير بالذكر ان الصاحب بن عباد جمع أمثال المتنبي في كتاب ضم أكثر من (600 مثل)
    كما حفلت بالأمثال والحكم دواوين كثير من الشعراء في مختلف العصور الأدبية ،وقد ذكرنا المتني على سبيل المثال لكونه سيدهم في الحكمة والمثل.
    ولأن المقال لايحتمل الإطالة ، نخلص الى مايأتي:
    - لما كان لكل مثل قصة او حدث ، ولكون مضمون القصة أشوق للمتلقي ، لتلهفه الى نتائجها، فإن المضامين الخاصة في بناء الشخصية ،جديرة بان يسمعها او يقرأها الناشئة، لكي يحصلوا على رصيدين ثقافيين في ان واحد ( المثل وقصته )ولاشك في ان تحقق ذلك يعتمد على جهود الوالدين في البيت وعلى توجيه المعلمين في المدرسة.

    - إن ما تخلقه الأمثال والحكم من أجواء تربوية وتثقيفية وما تحققه من مسارات تقويمية، فإن حفظها وخزنها في الذاكرة ،تعزز من موقع الفرد وهو يترنم بها حسب مقتضى الحال ، في محفل من الأصدقاء او في جمع في مناسبة ما ، وبهذا تؤدي الأمثال والحكم مهمتين: الأولى هي المساهمة في بناء الشخصية في مراحل نمو الغرس ، والثانية تعزيز مواقف الشخصية من خلال توظيف المثل او الحكمة في ثنايا الحديث، عندما يشتد العود وتتفتح أكمام الفطنة والنباهة .
يعمل...
X