قرر أخيراً أن يغيّر جلده ويرتدي ثوباً آخر ، يعرف من البداية أنه لن يكون لائقاً له وأنه سيرتديه كل مرة بقرف ،هذه المرة اتخذ قراراً لا يلب طموحه ولكنه أراد أن يساير فيه الآخرين ، أولهم زوجته وأهلها وأقربائه وأصدقائه ورفاقه في العمل الذين كان أغلبهم يعيب عليه أنه لايعرف كيف يتصرف مثلهم ، ويعيّرونه أنه (عكس عكاس )ويسبح عكس التيار، والأمر من وجهة نظرهم سهلاً ولا يحتاج لمعجزة ولا يتطلب إلا انحناءة صغيرة هنا أوهناك .
في آخر لقاء له مع رئيسه في العمل حاول أن لا يتصادم معه و يجادله في أي أمر ولكنه لم يفلح بذلك ، طلب منه مديره أن يوقّع على بعض الأوراق تتعلق باضبارة شخص كان قد رفضها له سابقاً ، فقال له : ولكنها لم تستوف الشروط المطلوبة يا أستاذ أحمد ؟؟ غمز له المدير بطرف عينه وقال : دبرها بمعرفتك..!!! أصر عدنان على موقفه قائلاً :والله يا أستاذ إذا الأوراق لم تكن كاملة ونظامية أنا لن أوقّعها وأنت تعرفني .
وكأنه سمع مديره يقول (طبعاً أنا أعرفك أنت غبي وجحش وبحياتك لن تصير بني آدم ) هنا عبس المدير وقال بنبرة حادة : دع المعاملة على مكتبي واخرج ستستكمل الأوراق فيما بعد ولن نكون بحاجة لتوقيعك عندئذ .
وبعد يومين كان المدير قد أصدر أمر نقله إلى المرآب كمراقب دوام ، وهناك فرض بعض النظام الذي كان مفقوداً ، وامتعض البعض من السائقين والعمال على ذلك مما اضطره لخوض مشاحنات عديدة معهم أفقدته صوابه وجعلته يلعن الساعة التي جاء فيها إلى هذه المؤسسة .
همس بعضهم في أذنه أكثر من مرة : يا معلم ...خفف شوي ، غض النظر عن الشباب ..والله برقبتهم عيلة ، وكان يجيبهم بصوت مرتفع : النظام نظام وأنا لا أتجنى على أحد .
وعندما كان يعود من عمله منهك القوى ومغتاظاً جداً ، كانت زوجته تردد على مسمعه موشحاً حفظه عن ظهر قلب : غيّر أسلوبك مع العالم ...حلّك تتطور ، وتبدأ تعد وتسمّي له بعض أصدقائهم وأقربائهم كيف صاروا أغنياء .
كان يصرخ في وجهها : حتى أنت يا امرأة ؟! كم مرة قلت لك أن مال الحرام لا يدوم ، قومي وضعي لنا شيئاً من حلالنا لنأكله . وكان يسمعها وهي متوجهة نحو المطبخ تتمتم بصوت عال : غشيم يا ابن عمي غشيم .
حسم أمره أخيراً وقرر أن يزور مديره في منزله واختار (حراماً من الصوف) ليحمله معه هدية. قال لنفسه ( ستكون هدية عائلية يستفيد منها الجميع ، ولعل مديرنا كلما شعر بالدفء وهو يتغطى به سيذكرني بالخير ) .
نادى على زوجته كي تجهّز نفسها وبدأ يرتدي ثيابه ، وقف أمام المرآة ليعقد ربطة عنقه وفجأة ظهر له خياله في المرآة بهيئة أخرى لا تشبهه ، فحملق به ملياً وفرك عينيه أكثر من مرة ، وتأكد أخيراً أن هناك (عدناناً ) آخر في المرآة ، شخص بعينيه نحوه قائلاً :من أنت ؟؟!!
أجابه خياله : أنا عدنان ألم تعد تعرفني ؟!
قال عدنان : ولكنك لا تشبهني !!
رد خياله : أعتقد هذا ... قل لي إلى أين أنت ذاهب
أجاب عدنان : عندي زيارة مهمة لشخص مهم
قال خياله : أعرف ... أعرف ، ولكني كنت أظنك تكرهه وتحقد عليه
قال عدنان : كان هذا فيما مضى... أنا الآن تغيّرت وسأغيّر حياتي
ضحك خياله قائلاً : أتقول لي هذا الكلام ، أنا أعرفك أكثر من أي أحد آخر
رد عدنان بشيء من العصبية : ابتعد عن طريقي ولا تؤخرني
قطّب خياله حاجبيه وعلامات الغضب بدت على وجهه وقال بحدة : لن أدعك تذهب ، فأنت لست بكامل وعيك ، وعليك أن تبقى على قيمك ومبادئك .
أدار ظهره للمرآة يهمّ بانتعال حذائه وفوجئ بخيال آخر على هيئته ولا يشبهه يقف في زاوية الغرفة. عاد بنظره إلى المرآة فوجد خياله الأول يبتسم ، أراد أن يجتاز باب الغرفة فاعترضه خياله الثاني قائلاً : إلى أين تظن نفسك ذاهباً ، هيا انزع ملابسك ونم باكراً ، هل نسيت أنه عندك شغل كثير غداً .
صاح به عدنان : ابتعد عن طريقي لقد اتخذت قراري ولن أتراجع
ظلّ خياله الثاني يسد عليه الطريق وهو يقول له : لن أدعك تمر أو تتخطى عتبة هذه الغرفة
أرتبك عدنان قليلاً ولكنه عاد وحاول الخروج من الباب الآخر فاعترضه خياله الثالث وهو يردد : على جثتي...لن تتخطى عتبة هذه الغرفة ....لن تتخطى عتبة هذه الغرفة .
وقف عدنان لا يصدق نفسه ، شعر أنه أصبح له أكثر من مائه خيال وكلهم يرددون : على جثتنا... لن تتخطى عتبة هذه الغرفة .
توسّل للأول قائلاً : ابتعد أرجوك أنا لا أريد أن أتأخر .
لكنه رفض ، حاول مع الثاني وهو يضع يده على لحيته متودداً : يا ابن الحلال ...الله يجيرك دعني أذهب ...هذه الزيارة مهمة جداً لي .
ولكنه رفع كتفيه معلناً الرفض ، فاتجه نحو الثالث وجثا على ركبتيه قائلاً : بالله عليك دعني أذهب ولا تفوّت عليّ هذه الفرصة .
فأشاح بوجهه عنه ورفع رأسه بالنفي ، حاول عدنان مع خيالاته كلها ولكنه لم يتمكن من إقناع أي واحد منهم بالسماح له لزيارة مديره ، وأحس بضيق في التنفس وكأن جدران الغرفة بدأت تضغط على صدره ، وخيالاته تحاصره من كل الاتجاهات وبصوت واحد : على جثتنا....لن تتخطى عتبة هذه الغرفة .
وبردة فعل عنيفة ضرب المرآة بيده اليمنى وصاح بأعلى صوته : لن أذهب ، وكررها بصوت أقوى ....لن أذهب .
دخلت زوجته إلى الغرفة على صوت تحطم المرآة ،فوجدته ينزع عنه ملابسه التي كان قد ارتداها للتو ويده تنزف ، فهالها المنظر ووقعت مغشياً عليها .
في الصباح الباكر طبع عدنان على جبين زوجته قبلة ، وسألها : هل أنت بخير ؟؟
ردت عليه بقبلة على رأسه وقالت : لا تخف يا حبيبي أنا بخير والحمد لله...انتبه إلى يدك ، ولا تجهد نفسك كثيراً ، صافحها مودعاً وهو يقول : ادعيلي .
( على مكتبه الصغير كتب العبارة التالية : سأظل أرفض أن أكون سارقاً أو مرتشياً .....لأن من يسرق لأجل أبنائه قد ينتهي به الأمر إلى سرقة مستقبلهم ) .
ومنكم نستفيد
مع الشكر الجزيل سلفاً
تعليق