تمايلت على كتفي في لحظة توقف فيها الزمن . و أخذت تسابق الدموع بتمتمات لحروف قذفت من لسان مرتخ و حلق جاف وقلب مرتجف ..تمايلت على كتفي فأحسست برجفات راسها تصعق صدري بذبذبات نقلت معها احاسيسها ومشاعرها التي عجز عنها اللسان ..بادرتها بالقول..
امّاه غيابي عنك لن يطول كلّها بضعة أشهر واعود لاملأ عليك البيت من جديد ..ولاتذوق طعامك واشاركك شرب القهوة كلّ صباح من هاته الشرفة ..التفتت اليّ بعيون انطفات بعد ان ذهب بريقها مع طوفان الدموع الذي لم يتوقف وكأنّها تنطق بلغة تحاكي فيها الام ابنها الرضيع العاجز عن الكلام و المستسلم بين يديها لقدره المجهول .. اخاف ان تذهب ولا تعود ...اخاف ان تأخذك الغربة كما اخذت أخاك فتعود لي في صندوق من خشب بعد ان تلاعبت به الامواج وقرض الحوت جزأ من اطرافه ...اصبر وسيجعل الله لك سبيلا ..ولا ترهق نفسك بالبحث عن عمل فجراية ابيك تفي بكلّ احتياجات العائلة ..
ومن على الشرفة شاهدت صديقي محمود يحمل كيسه البلاستكي ويلوح اليّ بيده ليقول لي اسرع فموعد الحرقة اقترب * الحرقة تجاوز الحدود البحرية خلسة باتجاه اوروبا * قبّلت جبينها المتعرق وضممتها الى صدري ضمة انطلقت بعدها مسرعا باتجاه اخر الشارع ..وحين التقيت صديقي التفت اليها ملوحا بيدي صرخا بأعلى صوتي.... دعواتك يا حنينة ....وفي ظلمة الليل تكدسنا كأكياس البصل على القارب الصغير .ومع حماسة الشباب الحالم بالمستقبل المشرق على الضفّة الاخرى حيث القناطير المنقطرة من الذهب والفضة و الغد الافضل ..هانت علينا مشاق الرحلة و محاذير السفر و اهانات صاحب القارب الذي كان طوال الوقت يهدد ويتوعد بالقاء المتذمرين في قاع البحر ..توغلنا في البحر اكثر وبدت امواجهه تتعالى ويتعالى معها صراخ الكثيرين كالاطفال الصغار في الغرف المظلمة ..وبدت رائحة العرق الكريهة تخدر انوفنا التي تصلبت بالبرد القارس في صورة متناقضة بين تعرق الخائفين و جمود المستسلمين لقدر الرحلة في البرد القارس ..ومع الوقت صرنا كالريشة التي تتلاعب بها الرياح ..وصارات الصيحات و الحوقلات تعلو مع كلّ موجة تعلو القارب وكأن ملك الموت يقذفها باتجاهنا ليسحب من وقعت عليه القرعة الى قاع البحر الهائج ..أدركت حينها حقيقة الخوف الذي كان يسكن عيون الام وفي لحظات رايتني اصارع الامواج بعد ان اصبح القارب مفككا الى قطع خشبية تعالت الاصوات ومع الوقت أخذت تضمحل الى ان اختفت ...استسلمت الى قدري وانا اعانق خشبة قذفتها الامواج لجانبي ..وادركت أن احلامي ستذهب معي الى القاع ان لم احافظ على توازني الذهني خصوصا وان جثث أصدقاء الرحلة بدت طافية على الماء بعد ان استسلموا لقدرهم المحتوم ....صارعت نفسي قبل ان اصارع الامواج ومع مرور الوقت اكتسبت ثقة اكبر و اصبح تعلقي بالحياة اكثر ... خرجت الشمس من مخبئها وانكشف للباقين حجم الكارثة ..وقد دفعت الامواج بنا جميعا في اتجاه شاطئ جزيرة ايطالية ولم يطل الامر حتى شاهدت قوارب سريعة تحوم حولنا و حوامة من فوقنا ...التقفني اعوان الانقاذ من فمّ هذا الوحش الذي لا يشبع من جثث ضحاياه ..ولم اكن ساعتها احسن الوقوف الا انّي حبوت على يدي بين الجثث الملقات على سطح سفينة الانقاذ ..بحثا عن رفيق الرحلة وصديق الطفولة محمود ..وكلّ املي الا اجده بينهم ..فقد كان سباحا ماهرا ..وفي لحظة ربت احدهم على كتفي من الخلف التفت ورائي واذا به هو صديقي محمود بشحمه ولحمه اندفع نحوي معانقا وباكيا ..بكينا وضحكنا ..ثم ضحكنا وبيكنا ..حتى دخلنا في حالة اشبه بالهيستيريا ...وبعد ايام اجريت اتصالا لطمأن أمّي الا انّ السماعة لم ترفع .......واليوم وبعد خمسة عشرة سنة من هذه الرحلة لا ازال اهاتف نفسي ولكن لا املك الرّد ......لان الرحلة القصيرة لم تنتهي بعد ......
امّاه غيابي عنك لن يطول كلّها بضعة أشهر واعود لاملأ عليك البيت من جديد ..ولاتذوق طعامك واشاركك شرب القهوة كلّ صباح من هاته الشرفة ..التفتت اليّ بعيون انطفات بعد ان ذهب بريقها مع طوفان الدموع الذي لم يتوقف وكأنّها تنطق بلغة تحاكي فيها الام ابنها الرضيع العاجز عن الكلام و المستسلم بين يديها لقدره المجهول .. اخاف ان تذهب ولا تعود ...اخاف ان تأخذك الغربة كما اخذت أخاك فتعود لي في صندوق من خشب بعد ان تلاعبت به الامواج وقرض الحوت جزأ من اطرافه ...اصبر وسيجعل الله لك سبيلا ..ولا ترهق نفسك بالبحث عن عمل فجراية ابيك تفي بكلّ احتياجات العائلة ..
ومن على الشرفة شاهدت صديقي محمود يحمل كيسه البلاستكي ويلوح اليّ بيده ليقول لي اسرع فموعد الحرقة اقترب * الحرقة تجاوز الحدود البحرية خلسة باتجاه اوروبا * قبّلت جبينها المتعرق وضممتها الى صدري ضمة انطلقت بعدها مسرعا باتجاه اخر الشارع ..وحين التقيت صديقي التفت اليها ملوحا بيدي صرخا بأعلى صوتي.... دعواتك يا حنينة ....وفي ظلمة الليل تكدسنا كأكياس البصل على القارب الصغير .ومع حماسة الشباب الحالم بالمستقبل المشرق على الضفّة الاخرى حيث القناطير المنقطرة من الذهب والفضة و الغد الافضل ..هانت علينا مشاق الرحلة و محاذير السفر و اهانات صاحب القارب الذي كان طوال الوقت يهدد ويتوعد بالقاء المتذمرين في قاع البحر ..توغلنا في البحر اكثر وبدت امواجهه تتعالى ويتعالى معها صراخ الكثيرين كالاطفال الصغار في الغرف المظلمة ..وبدت رائحة العرق الكريهة تخدر انوفنا التي تصلبت بالبرد القارس في صورة متناقضة بين تعرق الخائفين و جمود المستسلمين لقدر الرحلة في البرد القارس ..ومع الوقت صرنا كالريشة التي تتلاعب بها الرياح ..وصارات الصيحات و الحوقلات تعلو مع كلّ موجة تعلو القارب وكأن ملك الموت يقذفها باتجاهنا ليسحب من وقعت عليه القرعة الى قاع البحر الهائج ..أدركت حينها حقيقة الخوف الذي كان يسكن عيون الام وفي لحظات رايتني اصارع الامواج بعد ان اصبح القارب مفككا الى قطع خشبية تعالت الاصوات ومع الوقت أخذت تضمحل الى ان اختفت ...استسلمت الى قدري وانا اعانق خشبة قذفتها الامواج لجانبي ..وادركت أن احلامي ستذهب معي الى القاع ان لم احافظ على توازني الذهني خصوصا وان جثث أصدقاء الرحلة بدت طافية على الماء بعد ان استسلموا لقدرهم المحتوم ....صارعت نفسي قبل ان اصارع الامواج ومع مرور الوقت اكتسبت ثقة اكبر و اصبح تعلقي بالحياة اكثر ... خرجت الشمس من مخبئها وانكشف للباقين حجم الكارثة ..وقد دفعت الامواج بنا جميعا في اتجاه شاطئ جزيرة ايطالية ولم يطل الامر حتى شاهدت قوارب سريعة تحوم حولنا و حوامة من فوقنا ...التقفني اعوان الانقاذ من فمّ هذا الوحش الذي لا يشبع من جثث ضحاياه ..ولم اكن ساعتها احسن الوقوف الا انّي حبوت على يدي بين الجثث الملقات على سطح سفينة الانقاذ ..بحثا عن رفيق الرحلة وصديق الطفولة محمود ..وكلّ املي الا اجده بينهم ..فقد كان سباحا ماهرا ..وفي لحظة ربت احدهم على كتفي من الخلف التفت ورائي واذا به هو صديقي محمود بشحمه ولحمه اندفع نحوي معانقا وباكيا ..بكينا وضحكنا ..ثم ضحكنا وبيكنا ..حتى دخلنا في حالة اشبه بالهيستيريا ...وبعد ايام اجريت اتصالا لطمأن أمّي الا انّ السماعة لم ترفع .......واليوم وبعد خمسة عشرة سنة من هذه الرحلة لا ازال اهاتف نفسي ولكن لا املك الرّد ......لان الرحلة القصيرة لم تنتهي بعد ......
تعليق