قروي
مع إني وباعتراف الجميع ,,, كنت الأفضل بينهم في: إدارة الحديث وعقد ربطات العنق,, لا بل تنسيقها مع لون السترة , مع ان الامر لا يحتاج الى براعة اختراع, فسترة الزى الموحد اليتيمة تتناسق مع جميع الالوان عدا الازرق, مع ذلك كان الكثير منهم يشتريها معقودة اصلا,,,,,,
وقد يطلب من البائع أن يعقدها له ,,, وإذا ما غسل تلك الربطة أو فكها سهوا فعليه ان يتوسلني طبعا كي اعقدها له من جديد ,,, ومع صفعة مزاح وهو الممنون!!.
ومع ان الجمع يهرع صباح كل سبت الى غرفتي,, ,حيث الزبد البلدي والدبس وخبز التنور الذي احمله معي من القرية كتموين اسبوعي,,,,,, رغم كل هذا,, لو سألت احدهم,, اين كنت؟
أو من أين لك هذا التمر اللذيذ؟ لأجابك وبكل صلافة,,, من القروي .
القروي ,,, القروي : ذلك اللقب الذي كان في البداية يزعجني ايّما ازعاج .
عموما ومع تقدّم الايام في الجامعة وبلباقتي المعهودة والمحببة,, أصبحت شيئا فشيئا وبلا فخر محط اعجاب الجميع ولا منغص لي سوى هذا اللقب ,,,,, تقريبا
فحتى الزميلات وصلهن اللقب بالطبع,,, لا بل وحتى بعض الأساتذة الذين يختلطون مع الطلبة بسبب التقارب في العمر ,,, والروح الشبابية.
وغير هذا وذاك ,كنت نجّارهم ,,عفوا فقد يظن القارئ الكريم اني ممن يتعاملون مع الأخشاب.
طبعا لا,,,
فكلمة النجار: بمفهوم طلبة الأقسام الداخلية آن ذاك تعني شيئا آخر: فهو ببساطة:
ذلك الشخص الذي يساعد المغرمين من الذين خانهم الحظ ,,, او الذين لا يملكون الجرأة اللازمة للتعبير عن مشاعرهم,,,,, حيث يهمس في اذنه: اسما لحبيبة مغرورة ,, او شاردة يريد عتابها ,,, علّه يعيدها ببيتين من الشعر يكتبها له وباسمها طبعا,, او لون حقيبتها حتى.
الأسماء متشابهة على الاكثر ,,, والصياغة واحدة ,,, وعلبة سجائر للنّجار..
وكلمات التملّق والتأكيد على عدم إذاعة الأسرار,,,,( عيب ,, هذا سر المهنة اخي,), فليس للطبيب المحترف ان يذيع اسرار الزبائن,,,,,, والويل لمن لا يرضي النجّار,,, فقد يعود اليه بعد هزيمة مريرة ,, او غزوة جديدة
ظلّ جالسا على حافة سريري ما يقارب الساعة او يزيد,,, فقد كنت مشغولا بكتاب,,, حتى تجرأ اخيرا وتنحنح,,,,,, انتبهت على لعثمته وقطرات من العرق تنام في منابت الشعر في
حاجبه الاشقر,,,
بادرته بنبرة رقيقة ,,,, أتشرب الشاي؟ ومع انه اعتذر بكلمة شكرا,, مشوهة الراء,, لكنني وضعت الإبريق على المدفأة,, وبعض الكعك مما خلّفه زملاء السكن في الليلة الماضية..
لم يكن يعرفني أصلا,,,, وحتى لم يكن من طلبة الدراسات الإنسانية,,,,
بعد الشاي,, وربع قطعة من الكعك سألني مباشرة: انت القروي؟ وطبعا بذات الراء المشوّهة, واضاف: ,لقد بعثني فلان اليك مع تحيه وشكر على الابيات,,,, أطرقت قليلا ومع ابتسامة ,,,وشر البلية ما يضحك,,, وبنبرة سريعة اجبته : نعم,, ومن غير مقدمات وبلهجة ساخرة سالته ,,و ما اسم المحروسة انشاء الله؟,,,, لم يكن هذا من طبعي ,,,, ولكنه أغاظني بلفظ اللقب بحق, ففقدت لياقتي في التعامل ,, وخصوصا مع هكذا حالة شبه مستعصية..
ازداد تلعثمه ,,, وظننت لحظة انه سيغمى عليه ,,,,كان رقيقا بكل ما تحمله الكلمة من رقّه
فندمت على اسلوبي المباشر معه,,,,, لم استطع ان اسمع شيئا على الرغم من التصاقه بي ,, ورغم اعادته للاسم عدة مرات ,,مما اضطره الى كتابته ,, وكأنه يكتب صك غفران,,,,
عذرته بل جاملته فالحق يقال ,, كان اسمها أطول من شارع الرشيد,,, بل غريبا ,, فلم يكن من الاسماء العربية اصلا,,,, خطر ببالي لحظة ان أسأله: اي حظ عاثر اوقعك بمثل هذه المرأة
صاحبة أغرب اسم في الجامعة؟,,,, ما عيب ليلى أو سلمى وحتى,,,,,, هيفاء؟
لكنني تراجعت فقد وجدته يغرق في عرقه, وحمدت الله ان الزملاء قد خرجوا من الغرفة والا
كان سيموت المسكين خجلا,,,,,, ,انا ايضا كنت غارقا لكن , ليس في عرقي بل في بحور الشعر ,,يا ترى كيف سأضع اسما كهذا في بيت من الشعر كيف؟,,,,,, مما اضطرني ان اطلب منه ان يأتيني في اليوم التالي ,,, ومن سوء حظه كان اليوم خميس ,, اي انه سينتظر يومين ثقيلين
في المقهى القريب من دار الطلبة,,, وبعيدا عن أنظار الفضوليين,,,, فرشت له معلقتي,,
العتيدة بين اكواب الشاي اعلّمه قراءتها,, و بطريقه تختلف عن لحن النشيد الوطني!! الذي كان يقرأ به القصيده,, وبالرغم من كثرة حروف الراء فيها لكنه اجادها بذلك الصوت الصادر من القلب مباشرة,, فالشعر لا يقرأ بمخارج الحروف ,بل من بين شغاف القلب,,, وبدأ يقرأ:
قد تخذل الأنهار أشجارها,,,,,,, أو تهجر الأطيار أوكارها
وقد تغيب الشمس عن شرفة,,,,,,,, وتنكر الاوتار سمّارها
والليل قد يغفو على غفلة,,,,,,,,, فتفضح الاقداح اسرارها
وقد يملّ النحل من روضة,,,,,,, اذا تردى لون ازهارها
اما انا فليس لي حيلة,,,,,,,,,, حيث اصاب القلب سنّارها
ممزقا يبكي على بابها,,,,,,,,,,,, منتظرا خارج اسوارها
ووووووووو,,,,,,,,
وهكذا دواليك,,, من رقيق الكلمات وسحر الوزن الراقص,,, مما لا يجيده لا مهندس ولا طبيب,,,, وهو بجانبي يوشك ان يطير ,,بل طااااااااار ولم يصحو من نشوته حتى نهرته,, حين همّ أن يدفع حساب المقهى,,, ناسيا انه ضيفي,,, وحمدت الله حين استأجر سيارة تكسي,,, فقد خشيت ان تصدمه احدى السيارات ,, فقد كان في حالة لا يميز بين الشارع والرصيف كمن خرج من حمّام ساخن توا.
عدت وأنا راض من نفسي كل الرضا ,,حيث استطعت بحروف سطّرتها, ان أعيد الثقة لإنسان بلغ اليأس منه مبلغه ,,واقتلع ربع اسنانه لدى تلك المتدربة الجميله ,,, ومن يدري فقد تكون هذه الحروف اول لبنة لبيت سعيد.
سراعا ,,,تسربت الأيام من بين أصابعنا ,, كرمل جاف في صحراء العمر,
قبيل التخرج بأيام: وصلتني قصاصة صغيرة بيد احد المستخدمين,,,,,, (هذه من الأخت
وحين التفت ليشير الى صاحبة الورقة,, ضاع اصبعه في الفراغ ,,,فقد اختفت متعمّدة في الزحام,,
اهترأت القصاصة وشاب لونها بمرور السنين ,,كحال جميع الاشياء,,, والى يومنا هذا , لم أفهم مضمونها حصرا او احدد صاحبتها,, كطلّسم غارق في الغموض,, كتبتْ ما يلي:
(حزينة لأجلنا وعموما,,, أنت الخاسر,,, فكم طبيب يداوي الناس وهو عليل!!!)
فأيّ قروي أنا؟؟؟
مع إني وباعتراف الجميع ,,, كنت الأفضل بينهم في: إدارة الحديث وعقد ربطات العنق,, لا بل تنسيقها مع لون السترة , مع ان الامر لا يحتاج الى براعة اختراع, فسترة الزى الموحد اليتيمة تتناسق مع جميع الالوان عدا الازرق, مع ذلك كان الكثير منهم يشتريها معقودة اصلا,,,,,,
وقد يطلب من البائع أن يعقدها له ,,, وإذا ما غسل تلك الربطة أو فكها سهوا فعليه ان يتوسلني طبعا كي اعقدها له من جديد ,,, ومع صفعة مزاح وهو الممنون!!.
ومع ان الجمع يهرع صباح كل سبت الى غرفتي,, ,حيث الزبد البلدي والدبس وخبز التنور الذي احمله معي من القرية كتموين اسبوعي,,,,,, رغم كل هذا,, لو سألت احدهم,, اين كنت؟
أو من أين لك هذا التمر اللذيذ؟ لأجابك وبكل صلافة,,, من القروي .
القروي ,,, القروي : ذلك اللقب الذي كان في البداية يزعجني ايّما ازعاج .
عموما ومع تقدّم الايام في الجامعة وبلباقتي المعهودة والمحببة,, أصبحت شيئا فشيئا وبلا فخر محط اعجاب الجميع ولا منغص لي سوى هذا اللقب ,,,,, تقريبا
فحتى الزميلات وصلهن اللقب بالطبع,,, لا بل وحتى بعض الأساتذة الذين يختلطون مع الطلبة بسبب التقارب في العمر ,,, والروح الشبابية.
وغير هذا وذاك ,كنت نجّارهم ,,عفوا فقد يظن القارئ الكريم اني ممن يتعاملون مع الأخشاب.
طبعا لا,,,
فكلمة النجار: بمفهوم طلبة الأقسام الداخلية آن ذاك تعني شيئا آخر: فهو ببساطة:
ذلك الشخص الذي يساعد المغرمين من الذين خانهم الحظ ,,, او الذين لا يملكون الجرأة اللازمة للتعبير عن مشاعرهم,,,,, حيث يهمس في اذنه: اسما لحبيبة مغرورة ,, او شاردة يريد عتابها ,,, علّه يعيدها ببيتين من الشعر يكتبها له وباسمها طبعا,, او لون حقيبتها حتى.
الأسماء متشابهة على الاكثر ,,, والصياغة واحدة ,,, وعلبة سجائر للنّجار..
وكلمات التملّق والتأكيد على عدم إذاعة الأسرار,,,,( عيب ,, هذا سر المهنة اخي,), فليس للطبيب المحترف ان يذيع اسرار الزبائن,,,,,, والويل لمن لا يرضي النجّار,,, فقد يعود اليه بعد هزيمة مريرة ,, او غزوة جديدة
ظلّ جالسا على حافة سريري ما يقارب الساعة او يزيد,,, فقد كنت مشغولا بكتاب,,, حتى تجرأ اخيرا وتنحنح,,,,,, انتبهت على لعثمته وقطرات من العرق تنام في منابت الشعر في
حاجبه الاشقر,,,
بادرته بنبرة رقيقة ,,,, أتشرب الشاي؟ ومع انه اعتذر بكلمة شكرا,, مشوهة الراء,, لكنني وضعت الإبريق على المدفأة,, وبعض الكعك مما خلّفه زملاء السكن في الليلة الماضية..
لم يكن يعرفني أصلا,,,, وحتى لم يكن من طلبة الدراسات الإنسانية,,,,
بعد الشاي,, وربع قطعة من الكعك سألني مباشرة: انت القروي؟ وطبعا بذات الراء المشوّهة, واضاف: ,لقد بعثني فلان اليك مع تحيه وشكر على الابيات,,,, أطرقت قليلا ومع ابتسامة ,,,وشر البلية ما يضحك,,, وبنبرة سريعة اجبته : نعم,, ومن غير مقدمات وبلهجة ساخرة سالته ,,و ما اسم المحروسة انشاء الله؟,,,, لم يكن هذا من طبعي ,,,, ولكنه أغاظني بلفظ اللقب بحق, ففقدت لياقتي في التعامل ,, وخصوصا مع هكذا حالة شبه مستعصية..
ازداد تلعثمه ,,, وظننت لحظة انه سيغمى عليه ,,,,كان رقيقا بكل ما تحمله الكلمة من رقّه
فندمت على اسلوبي المباشر معه,,,,, لم استطع ان اسمع شيئا على الرغم من التصاقه بي ,, ورغم اعادته للاسم عدة مرات ,,مما اضطره الى كتابته ,, وكأنه يكتب صك غفران,,,,
عذرته بل جاملته فالحق يقال ,, كان اسمها أطول من شارع الرشيد,,, بل غريبا ,, فلم يكن من الاسماء العربية اصلا,,,, خطر ببالي لحظة ان أسأله: اي حظ عاثر اوقعك بمثل هذه المرأة
صاحبة أغرب اسم في الجامعة؟,,,, ما عيب ليلى أو سلمى وحتى,,,,,, هيفاء؟
لكنني تراجعت فقد وجدته يغرق في عرقه, وحمدت الله ان الزملاء قد خرجوا من الغرفة والا
كان سيموت المسكين خجلا,,,,,, ,انا ايضا كنت غارقا لكن , ليس في عرقي بل في بحور الشعر ,,يا ترى كيف سأضع اسما كهذا في بيت من الشعر كيف؟,,,,,, مما اضطرني ان اطلب منه ان يأتيني في اليوم التالي ,,, ومن سوء حظه كان اليوم خميس ,, اي انه سينتظر يومين ثقيلين
في المقهى القريب من دار الطلبة,,, وبعيدا عن أنظار الفضوليين,,,, فرشت له معلقتي,,
العتيدة بين اكواب الشاي اعلّمه قراءتها,, و بطريقه تختلف عن لحن النشيد الوطني!! الذي كان يقرأ به القصيده,, وبالرغم من كثرة حروف الراء فيها لكنه اجادها بذلك الصوت الصادر من القلب مباشرة,, فالشعر لا يقرأ بمخارج الحروف ,بل من بين شغاف القلب,,, وبدأ يقرأ:
قد تخذل الأنهار أشجارها,,,,,,, أو تهجر الأطيار أوكارها
وقد تغيب الشمس عن شرفة,,,,,,,, وتنكر الاوتار سمّارها
والليل قد يغفو على غفلة,,,,,,,,, فتفضح الاقداح اسرارها
وقد يملّ النحل من روضة,,,,,,, اذا تردى لون ازهارها
اما انا فليس لي حيلة,,,,,,,,,, حيث اصاب القلب سنّارها
ممزقا يبكي على بابها,,,,,,,,,,,, منتظرا خارج اسوارها
ووووووووو,,,,,,,,
وهكذا دواليك,,, من رقيق الكلمات وسحر الوزن الراقص,,, مما لا يجيده لا مهندس ولا طبيب,,,, وهو بجانبي يوشك ان يطير ,,بل طااااااااار ولم يصحو من نشوته حتى نهرته,, حين همّ أن يدفع حساب المقهى,,, ناسيا انه ضيفي,,, وحمدت الله حين استأجر سيارة تكسي,,, فقد خشيت ان تصدمه احدى السيارات ,, فقد كان في حالة لا يميز بين الشارع والرصيف كمن خرج من حمّام ساخن توا.
عدت وأنا راض من نفسي كل الرضا ,,حيث استطعت بحروف سطّرتها, ان أعيد الثقة لإنسان بلغ اليأس منه مبلغه ,,واقتلع ربع اسنانه لدى تلك المتدربة الجميله ,,, ومن يدري فقد تكون هذه الحروف اول لبنة لبيت سعيد.
سراعا ,,,تسربت الأيام من بين أصابعنا ,, كرمل جاف في صحراء العمر,
قبيل التخرج بأيام: وصلتني قصاصة صغيرة بيد احد المستخدمين,,,,,, (هذه من الأخت

اهترأت القصاصة وشاب لونها بمرور السنين ,,كحال جميع الاشياء,,, والى يومنا هذا , لم أفهم مضمونها حصرا او احدد صاحبتها,, كطلّسم غارق في الغموض,, كتبتْ ما يلي:
(حزينة لأجلنا وعموما,,, أنت الخاسر,,, فكم طبيب يداوي الناس وهو عليل!!!)
فأيّ قروي أنا؟؟؟
,
تعليق