القصّة الحائزة على المركز الثالث / الوسام الفضيّ /
وتستمرّ الحكاية
للأديب المبدع / سعيد أبو نعسة /
الجلف الرابض هناك علامة بشعة على خد الزمن .
وتستمرّ الحكاية
للأديب المبدع / سعيد أبو نعسة /
الجلف الرابض هناك علامة بشعة على خد الزمن .
عينان حاقدتان غاضبتان تتفجران شررا ،زُرعتا تحت جدائل يتباهى بها شمشون .
و الجميلة الفاتنة التي تخطر بقوامها الرشيق هناك هي الفلسطينية دليلة .
حين سَلبت دليلةُ لب شمشون لم يخطر بباله تحقيق الصلح بين جارين لدودين عبر زواجه بها بل سحره الجمال فقط . هي فُتنت بقوته وكفى، قافزة على جراح غائرة خلّفها في قومها .
بيت زوجي بُني على خط التّماس ؛واجهته و قفاه يعكسان مراجل حقد أذكتها القرون الخوالي .
زواج أشبه بهدنة ،سطّر المكرُ حروفَها وجمع عميلين مزدوجين تحت سقف واحد .
تتغنّج دليلة في حضنه ، تهصرزنوده فلا تجدها بدعا من عضلات الرجال ؛وتعجب لقومها كيف حاكوا حوله الأساطير و أسكنوه قلوبهم رعبا لا يُحدّ و قوة لا تُقهر .
تمسّد جدائله ، فينتفض إلى الخلف كثور هائج : لا تمسّي شعري .
فتدرك سرّ قوته و تسرع إلى قومها تزفّ الخبر .
تُقرع طبول الفرح و تُنصب حلقات الدبكة إيذانا بقرب النصر.
أفراح لا تُشكّل لدى شمشون أية مفارقة فيهزّ رأسه :" أعراسهم لا تنتهي حتى و لو أبقيتُ منهم واحدا على قيد الحياة . تتباهى لِحاهم : ساعة لقلبك و ساعة لربك. يتقافزون على رأس الدبكة كشياطين سيرك سكارى . ثم يمضون إلى المعبد في خشوع تقيّ ماسحين شرّ هذا بخير ذاك . سأسمع نصيحة الحاخام : ذرهم في تناقضهم يمرحون ، نحن نشحذ السيوف وهم يشترونها بخالص الذهب . "
أُترعت نفس شمشون أمنا ، و طفق يخصف على سيرته الدموية من أغصان الزيتون . فاتَه أن قوم دليلة يهادنونه درءا لضعف عابر ولكنهم كجَمل الصحراء ينتقم لحقه بعد عشرين عاما و يقول : استعجلتُ .
لأول مرة ينام ملء جفنيه،يعلّق سيفا علاه الصدأ على الحائط ،يناجي ذكريات صولات وجولات كان فيها كالمنجل يحصد رؤوس الفلاحين الآمنين .
شخيره الليلة يطغى على هسهسات مقص بِيد دليلة يجتزّ جدائله .
بنظرتها العطوف تعرف كيف تمتص غضبه ؛وبذكائها لن تعدم التبرير المقنِع : الشَّعر لا يحرّك العضلات ، العقل يفعل .
سيُظهر شمشون التسامح لقناعته بأن الشعر ينمو من جديد .
سيتغاضى عن تجاوزات قوم دليلة و تجرّئهم على مستوطنته .
سيعتبر إغاراتهم حدثا عرضيا و سيمدّ لهم حبل التطاول عليه .
سيحمل إليهم هدايا يطربون لها و يدعوهم إلى عشاء في المعبد يحتفل فيه بذكرى زواجه الميمون.
سيتهامسون : شعر شمشون موضة لا أكثر .
سيغافلهم وينفرد بعمود المعبد الأساس .
تكالُبهم على قصعات الطعام سيحجب عنهم مشهد شمشون وهو يطوّق العمود بجدائله .
سترعبهم صرخة عِبرية مدوّية : عليّ و على أعدائي .
سيتدافعون نحو مصدر الصوت و يُذهلون :
جدائل تترنح حول عمود يهتزّ ورجل أصلع يخور لاهثا كمصارع مهزوم .
.
.
تعليق