انتقام ( النصّ الحائز على المركز الرابع لأدب القصّة / لسميّة البوغافريّة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • إيمان الدرع
    نائب ملتقى القصة
    • 09-02-2010
    • 3576

    انتقام ( النصّ الحائز على المركز الرابع لأدب القصّة / لسميّة البوغافريّة


    انتقام
    النصّ الحائزعلى المركز الرابع لأدب القصّة

    للمبدعة الكبيرة / سميّة البوغافريّة /



    زلزله انفجار مدوي مفاجئ.. اهتز له جذعه وسقطت لعبته من يديه فتشتت أجزاؤها عند قدميه.. لم يلتفت إليها ماجد وهو الذي يغار عليها من نسمة هواء.. استغرقه الدمار المفروش لعينيه الصارختين فقطع صلته بكل ما يحيط به..

    قبل ثوان على الانفجار كان يردد بقناعة مستبدة:" لو جرب أبي لعبتي سيتغاضى تماما عن صياح جارتنا بهيجة ولن يفكر أبدا في قطع لسانها، وسيكف أيضا عن التربص بابنها الذي خدش سيارته.." كل شيء يتسطح أمامه الآن ويغيب في غمرة الغبار والرماد المتصاعدين وهو ما زال لم يستشف بعد إن كان ما يحدث أمامه بسبب براكين تتفجر من الأرض أم بسبب تلك القنابل التي تمطرها السماء بسخاء..ثم... ثم من وسط الركام نبت له طفل في سنه يصرخ ويحرث بيديه الهواء في محاولات مميتة لاستعادة نصفه الآخر الذي ابتلعته طبقات الأنقاض.. بدا له كطير وقعت رجلاه للتو بين فكي كمين وأنه مهما حاول لن ينفلت.. وزاده هلعا ورعبا تلك الجدران الآيلة للسقوط بالقرب منه.. فخشي أن تسقط وينمحي أثره تحت جبال الركام الإسمنتية أو تحيله أمطار القذائف إلى رماد في السماء..

    "....أمي وحدها من ستساعده.. ستتصل بأخيها الدكتور أحمد.. هو طبيب الأطفال وعضو مرموق في جمعية الهلال الأحمر.. سيهب إلى المكان مع رفاقه الآخرين ويسعفونه بسرعة.."

    صعد طائرا غلى أمه في الطابق الأول وانتصب في باب غرفتها يلهث وهو يشبك يديه خلفه كأنه يخشى أن تقطعهما كما كادت تفعل يوم عبث بأدوات زينتها.. ألقى عليها بصوت مبتور أنهكه اللهاث حكاية الطفل الذي يحتضر تحت الأنقاض.. خفضت صوت التلفزيون تنصت إليه بتركيز ثم عادت تستأنف نشاطها بدقة وتركيز أيضا.. تزيل طلاء أظافر رجليها لتعيده بلون يتماشى مع لون فستانها الفستقي المفروش بجانبها على سريرها. وجسدها يتمايل على إيقاع أنغام هادئة مصاحبة لعرض الأزياء المعروض على شاشتها الصغيرة كأنها لم تسمع شيئا من ابنها.. ثم رشقت ابنها بابتسامة استئذان وأغلقت الباب لتغير ملابسها وتستعد لحضور عيد ميلاد صديقتها سامية.

    ابتلع ماجد قلقه ولوعة خيبته ومضى إلى غرفته وهو يخنق دموعه.. سمع صراخ جارته بهيجة الأرملة مع أولادها والذي ما لبث أن راح يتصاعد بشكل أقوى مما اعتاد وزاد قلبه ضيقا ومرارة.. فوضع السماعات في أذنيه كما يفعل أبوه كلما صعقته بصياحها.. وطفق يلهو بتصويب ضرباته القاتلة إلى أعدائه ريثما يحل أبوه فينقل إليه حال الطفل ليدبر أمر إنقاذه بحكمته.. كل ضربة يصوبها إليهم يتخيلها يصوبها لقاصفي الطفل فيمتلئ صدره بنشوة عابرة.. فجأة، تخشبت أصابعه على لوحة المفاتيح على إثر صياح بهيجة الرهيب كأن صفارة إنذار مرعبة غرست في حلقها.. تدفقت عليه الهجومات من أعدائه وامتلأت الشاشة شهبا ونيرانا.. لم يهتم برد زحفهم.. رفع السماعات وقفز إلى نافذته وقلبه يدقه الهلع من أن ينفذ أبوه وعيده ويخنق جارته بهيجة ويقطع يد ابنها أيضا التي أذت سيارته

    الأقدام تتسارع نحو الزقاق على إثر فرقعات لسان بهيجة التي تهز الحي.... وأياد أخرى تمتد لتفكها من قبضة أبيه وهو يزلزلها يمينا ويسارا ويكاد يخنق نفسها ويريح الزقاق منها كما يقول دائما.. اتسعت اللمة وارتفعت الضجة ولم يعد يرى ماجد أباه وبهيجة.. رمق فقط ابن بهيجة يتسلل إلى داخل اللمة وهو يخفي وراءه هراوة ضخمة تطل من أعلى رأسه. ثم اختفى.. ألقى ماجد بنصفه الأعلى خارج النافذة.. لكنه، لا يرى غير رؤوس هائمة ولا يسمع إلا صراخ بهيجة الذي خف وراح يتلاشى وسط لغط المجتمعين حولها.. عادت صورة الطفل المحتضر تلقي بظلالها على مخيلته لكن بشكل أقل إلحاحا من قبل.. انتابته رغبة إشعال التلفاز ليرى إن كان الطفل ما يزال على قيد الحياة وبيته لم يتهدم كلية.. ثم يضعه في النافذة ويرفع مستوى الصوت إلى أعلى مداه ليقرع به كل الآذان فتهب إلى إنقاذه كما فعلوا مع بهيجة التي خمد صوتها.. وها هي تدب رصيف بيتها سليمة قوية تجر خلفها ابنها، الذي ما يزال يحضن إليه هراوته.. وخلفها رجل يرتمي على الجدار يقبض على رأسه والآخر ينقر على هاتفه.. ثم سكن المكان وضج رأس ماجد بالأسئلة وعيناه تحومان باندهاش حول الرؤوس المطرقة كأنهم يفكرون فيمن ينقذونه بعد بهيجة.. "ماذا لو هب هذا المجمع نحو أصوات الاستغاثة في كل مكان.. لا شك سينقذون الطفل وأسرا كثيرة تحتضر تحت الأنقاض كما أنقذوا جارتنا وولدها من قبضتي أبي القويتين.."

    حضرت سيارة الإسعاف تولول.. نقلت أباه الغارق في دمائه ثم... انصرفت الأرجل تبرح المكان بخطوات بطيئة.. فأغلقت عليها الأبواب والنوافذ.. لم يبق أحد في الزقاق كأن عرضا مسرحيا انتهى وأسدل عليه الستار.. وحده ماجد من ظل لحظات متصنما في نافذته وقد نسي تماما الطفل الذي يدفن حيا.. كأن ماسحة جرفته إلى دهاليز النسيان.. وحدها صورة أبيه بقميصه الأبيض الملطخ بالدم وصورة ابن جارته يحضن الهراوة ويتسلل بها حذرا من بيته، تتناوبان على فضاء مخيلته.. لتستبد بها صورة ابن جارته وحدها.. تفجر فيه رغبة عارمة في أن يزرع أرضه بالسكاكين وأن يمطر سماءه بالهراوى.. سمع خطوه ينزل السلم فانقض ماجد على مزهرية بجانبه.. أفرغها من الورود وحضنها إلى صدره تماما كما فعل هو بالهرواة الغليظة.. وانكمش أسفل نافذته يحبس أنفاسه يصغي إلى دبيب ابن جارته ..

    .................................................. .................................................. ......................................

    تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    قصة ممتعة
    لعبت فيها حنكة الكاتبة الدور الحاسم
    فى استنطاق الرموز
    مع عدم اغفال متعة القص
    و تلك الأسرة التى تجاور هذه السيدة التي كانت بمثابة عدو
    كرس وجوده لازعاج الحارة بكاملها
    أعجبني اختيارك للدور الرئيسي
    و أن يكون الأمر من خلال عيون و عقلية طفل
    تنضجه الأيام و تمده بمعرفة الأجواء المحيطة
    و كان الربط بين الشاشة و الواقع جيدا جدا

    أشكرك أستاذة سمية على هذه المتعة
    و آسف على تأخري فى القراءة لمرات هنا
    فقد سبقت لي القراءة قبل إعلان النتيجة
    و لكن الوقوف بين يديك ليس بالأمر الهين أو اليسير
    و ذلك لما تتمتعين به من دربة و مقدرة على البناء و تطوير الشخصية !

    لك خالص محبتي و احترامي أيتها الروائية الكبيرة
    التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 22-10-2011, 12:23.
    sigpic

    تعليق

    • بسمة الصيادي
      مشرفة ملتقى القصة
      • 09-02-2010
      • 3185

      #3
      الأستاذة سمية البوغافرية
      أديبة وروائية
      في غنى عن التعريف
      أما الأوسمة فهي من يمنحها لنا
      القصة هنا رائعة
      اللعب على الرموز وعرض المشاهد
      لا ينم إلا عن إبداع وذكاء
      لك ألف شكر
      ومبرووك لنا بوجودك معنا
      محبتي
      في انتظار ..هدية من السماء!!

      تعليق

      • سمية البوغافرية
        أديب وكاتب
        • 26-12-2007
        • 652

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
        قصة ممتعة
        لعبت فيها حنكة الكاتبة الدور الحاسم
        فى استنطاق الرموز
        مع عدم اغفال متعة القص
        و تلك الأسرة التى تجاوز هذه السيدة التي كانت بمثابة عدو
        كرس وجوده لازعاج الحارة بكاملها
        أعجبني اختيارك للدور الرئيسي
        و أن يكون الأمر من خلال عيون و عقلية طفل
        تنضجه الأيام و تمده بمعرفة الأجواء المحيطة
        و كان الربط بين الشاشة و الواقع جيدا جدا

        أشكرك أستاذة سمية على هذه المتعة
        و آسف على تأخري فى القراءة لمرات هنا
        فقد سبقت لي القراءة قبل إعلان النتيجة
        و لكن الوقوف بين يديك ليس بالأمر الهين أو اليسير
        و ذلك لما تتمتعين به من دربة و مقدرة على البناء و تطوير الشخصية !

        لك خالص محبتي و احترامي أيتها الروائية الكبيرة
        شهادتك سيدي وإعجابك بما أكتب هو أكبر وسام لي
        فبوركت سيدي ودمت للأدب رمزا ولنا خير سند
        تقديري وبالغ امتناني

        تعليق

        • الهويمل أبو فهد
          مستشار أدبي
          • 22-07-2011
          • 1475

          #5
          اغتيال الطفولة

          هذه قصة بمشاهدها الهزلية تحكي قصة اغتيال براءة الطفولة، وقد نسجتها المؤلفة نسجا محكما من مادتي الواقع الافتراضي والواقع المعاش وكأن الخيال الافتراضي هو المعادل الموضوعي للواقع المعاش، ليكونا معا سدا القصة ولحمتها. وفي الواقعين تظل الضحية هي براءة الطفولة. فالبطل الطفل ينتقل في الواقعين عبر أحداث القصة من احباط إلى آخر—فلا أمه تستجيب ولا أبيه ينتصر (رغم قوة يديه). فالعنف والإهمال يحاصرانه في صغره في محيطة الافتراضي وفي محيطه الواقعي. فأمه كادت أن تقطع يديه لأنه عبث ذات مرة بأدوات زينتها، وهي "حقيقة" لم ينسها في أحلك أوقاته حاجة لعون أمه (فقد انتصب في باب غرفتها يستفزعها ويداه خلف ظهره خوفا من ذاك الوعيد). ولعبته لا تقل عنفا، والمشهد الذي حدا به للاستعانة بأمه (الطفل الذي هلك تحت الأنقاض في الواقع الافتراضي) يتناسخ ليصبح كارثة حقيقية لرأس أبيه تحت سطوة هراوة ابن بهيجة، طفل آخر فقد براءة طفولته تحت نظر الطفل البطل. كان مناسبا أن يأتي العنوان "انتقام" ليحل العنف محل "ورود" المزهرية التي تتحول إلى سلاح حقيقي بدل سلاح لعبته.

          والحقيقة المرة التي ندركها من خلال منظور الطفولة، وهي رؤية تصل في خلطها البريء للواقع بالخيال درجة الهزل المأسوي (أو ما يسمى بالسخرية السوداء)، ليست سوى اغتيال البراءة والطفولة. وهذا انتقام من نوع مأسوي.

          أحيي للقاصة القديرة سميّة البوغافريّة براعة نسجها النص بلغة تناسب فكر ونظرة طفل في لحظة فقده براءته.

          تعليق

          • سمية البوغافرية
            أديب وكاتب
            • 26-12-2007
            • 652

            #6
            شكرا على مجاملتك اللطيفة أختي الغالية بسمة الصيادي
            محبتي وكل أمنياتي لك بالتوفيق في مسيرتك الأدبية

            تعليق

            • سمية البوغافرية
              أديب وكاتب
              • 26-12-2007
              • 652

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة الهويمل أبو فهد مشاهدة المشاركة
              اغتيال الطفولة

              هذه قصة بمشاهدها الهزلية تحكي قصة اغتيال براءة الطفولة، وقد نسجتها المؤلفة نسجا محكما من مادتي الواقع الافتراضي والواقع المعاش وكأن الخيال الافتراضي هو المعادل الموضوعي للواقع المعاش، ليكونا معا سدا القصة ولحمتها. وفي الواقعين تظل الضحية هي براءة الطفولة. فالبطل الطفل ينتقل في الواقعين عبر أحداث القصة من احباط إلى آخر—فلا أمه تستجيب ولا أبيه ينتصر (رغم قوة يديه). فالعنف والإهمال يحاصرانه في صغره في محيطة الافتراضي وفي محيطه الواقعي. فأمه كادت أن تقطع يديه لأنه عبث ذات مرة بأدوات زينتها، وهي "حقيقة" لم ينسها في أحلك أوقاته حاجة لعون أمه (فقد انتصب في باب غرفتها يستفزعها ويداه خلف ظهره خوفا من ذاك الوعيد). ولعبته لا تقل عنفا، والمشهد الذي حدا به للاستعانة بأمه (الطفل الذي هلك تحت الأنقاض في الواقع الافتراضي) يتناسخ ليصبح كارثة حقيقية لرأس أبيه تحت سطوة هراوة ابن بهيجة، طفل آخر فقد براءة طفولته تحت نظر الطفل البطل. كان مناسبا أن يأتي العنوان "انتقام" ليحل العنف محل "ورود" المزهرية التي تتحول إلى سلاح حقيقي بدل سلاح لعبته.

              والحقيقة المرة التي ندركها من خلال منظور الطفولة، وهي رؤية تصل في خلطها البريء للواقع بالخيال درجة الهزل المأسوي (أو ما يسمى بالسخرية السوداء)، ليست سوى اغتيال البراءة والطفولة. وهذا انتقام من نوع مأسوي.

              أحيي للقاصة القديرة سميّة البوغافريّة براعة نسجها النص بلغة تناسب فكر ونظرة طفل في لحظة فقده براءته.
              الأخ الفاضل المبدع الهويمل أب فهد
              تحية طيبة
              ممتنة لك سيدي على هذا المرور الجميل وعلى هذه القراءة الطيبةة التي لامست فيها كثيرا من جوانب القصة
              أثمن هذه الوقفة الطيبة وأتمنى ألا تكون الأخيرة بنصوصي
              تقديري وامتناني
              سمية البوغافرية / المغرب

              تعليق

              • ريما ريماوي
                عضو الملتقى
                • 07-05-2011
                • 8501

                #8
                نعم القصة جميلة
                وخلاصتها قتل الطفولة البريئة
                استمتعت بقراءتي هاهنا,
                يسلموا الايادي
                ومبروك الجائزة تستحق.
                مودتي وتقديري.
                تحياتي.
                التعديل الأخير تم بواسطة ريما ريماوي; الساعة 24-10-2011, 07:41.


                أنين ناي
                يبث الحنين لأصله
                غصن مورّق صغير.

                تعليق

                • نهى رجب محمد
                  ريشة المطر
                  • 09-02-2011
                  • 289

                  #9
                  [frame="13 98"]مبروك أ:سمية
                  سلم القلم الأصيل القادر علي تسليم الراوي الطفل مفتاح السرد والرصد أيضا ،فيستطيع من خلال عرض المتخيل الذي يتقمصه بلعبته مع الحقيقي الذي يراقبه حوله.
                  وعبر هذه العين الذكية نصل لرؤية شاملة للاحداث وندين الواقع المنكوب .
                  دمت مبدعة
                  [/frame]
                  [rainbow]تحيا جمهورية الأدب[/rainbow]

                  تعليق

                  يعمل...
                  X