انتقام
النصّ الحائزعلى المركز الرابع لأدب القصّة
للمبدعة الكبيرة / سميّة البوغافريّة /
زلزله انفجار مدوي مفاجئ.. اهتز له جذعه وسقطت لعبته من يديه فتشتت أجزاؤها عند قدميه.. لم يلتفت إليها ماجد وهو الذي يغار عليها من نسمة هواء.. استغرقه الدمار المفروش لعينيه الصارختين فقطع صلته بكل ما يحيط به..
قبل ثوان على الانفجار كان يردد بقناعة مستبدة:" لو جرب أبي لعبتي سيتغاضى تماما عن صياح جارتنا بهيجة ولن يفكر أبدا في قطع لسانها، وسيكف أيضا عن التربص بابنها الذي خدش سيارته.." كل شيء يتسطح أمامه الآن ويغيب في غمرة الغبار والرماد المتصاعدين وهو ما زال لم يستشف بعد إن كان ما يحدث أمامه بسبب براكين تتفجر من الأرض أم بسبب تلك القنابل التي تمطرها السماء بسخاء..ثم... ثم من وسط الركام نبت له طفل في سنه يصرخ ويحرث بيديه الهواء في محاولات مميتة لاستعادة نصفه الآخر الذي ابتلعته طبقات الأنقاض.. بدا له كطير وقعت رجلاه للتو بين فكي كمين وأنه مهما حاول لن ينفلت.. وزاده هلعا ورعبا تلك الجدران الآيلة للسقوط بالقرب منه.. فخشي أن تسقط وينمحي أثره تحت جبال الركام الإسمنتية أو تحيله أمطار القذائف إلى رماد في السماء..
"....أمي وحدها من ستساعده.. ستتصل بأخيها الدكتور أحمد.. هو طبيب الأطفال وعضو مرموق في جمعية الهلال الأحمر.. سيهب إلى المكان مع رفاقه الآخرين ويسعفونه بسرعة.."
صعد طائرا غلى أمه في الطابق الأول وانتصب في باب غرفتها يلهث وهو يشبك يديه خلفه كأنه يخشى أن تقطعهما كما كادت تفعل يوم عبث بأدوات زينتها.. ألقى عليها بصوت مبتور أنهكه اللهاث حكاية الطفل الذي يحتضر تحت الأنقاض.. خفضت صوت التلفزيون تنصت إليه بتركيز ثم عادت تستأنف نشاطها بدقة وتركيز أيضا.. تزيل طلاء أظافر رجليها لتعيده بلون يتماشى مع لون فستانها الفستقي المفروش بجانبها على سريرها. وجسدها يتمايل على إيقاع أنغام هادئة مصاحبة لعرض الأزياء المعروض على شاشتها الصغيرة كأنها لم تسمع شيئا من ابنها.. ثم رشقت ابنها بابتسامة استئذان وأغلقت الباب لتغير ملابسها وتستعد لحضور عيد ميلاد صديقتها سامية.
ابتلع ماجد قلقه ولوعة خيبته ومضى إلى غرفته وهو يخنق دموعه.. سمع صراخ جارته بهيجة الأرملة مع أولادها والذي ما لبث أن راح يتصاعد بشكل أقوى مما اعتاد وزاد قلبه ضيقا ومرارة.. فوضع السماعات في أذنيه كما يفعل أبوه كلما صعقته بصياحها.. وطفق يلهو بتصويب ضرباته القاتلة إلى أعدائه ريثما يحل أبوه فينقل إليه حال الطفل ليدبر أمر إنقاذه بحكمته.. كل ضربة يصوبها إليهم يتخيلها يصوبها لقاصفي الطفل فيمتلئ صدره بنشوة عابرة.. فجأة، تخشبت أصابعه على لوحة المفاتيح على إثر صياح بهيجة الرهيب كأن صفارة إنذار مرعبة غرست في حلقها.. تدفقت عليه الهجومات من أعدائه وامتلأت الشاشة شهبا ونيرانا.. لم يهتم برد زحفهم.. رفع السماعات وقفز إلى نافذته وقلبه يدقه الهلع من أن ينفذ أبوه وعيده ويخنق جارته بهيجة ويقطع يد ابنها أيضا التي أذت سيارته
الأقدام تتسارع نحو الزقاق على إثر فرقعات لسان بهيجة التي تهز الحي.... وأياد أخرى تمتد لتفكها من قبضة أبيه وهو يزلزلها يمينا ويسارا ويكاد يخنق نفسها ويريح الزقاق منها كما يقول دائما.. اتسعت اللمة وارتفعت الضجة ولم يعد يرى ماجد أباه وبهيجة.. رمق فقط ابن بهيجة يتسلل إلى داخل اللمة وهو يخفي وراءه هراوة ضخمة تطل من أعلى رأسه. ثم اختفى.. ألقى ماجد بنصفه الأعلى خارج النافذة.. لكنه، لا يرى غير رؤوس هائمة ولا يسمع إلا صراخ بهيجة الذي خف وراح يتلاشى وسط لغط المجتمعين حولها.. عادت صورة الطفل المحتضر تلقي بظلالها على مخيلته لكن بشكل أقل إلحاحا من قبل.. انتابته رغبة إشعال التلفاز ليرى إن كان الطفل ما يزال على قيد الحياة وبيته لم يتهدم كلية.. ثم يضعه في النافذة ويرفع مستوى الصوت إلى أعلى مداه ليقرع به كل الآذان فتهب إلى إنقاذه كما فعلوا مع بهيجة التي خمد صوتها.. وها هي تدب رصيف بيتها سليمة قوية تجر خلفها ابنها، الذي ما يزال يحضن إليه هراوته.. وخلفها رجل يرتمي على الجدار يقبض على رأسه والآخر ينقر على هاتفه.. ثم سكن المكان وضج رأس ماجد بالأسئلة وعيناه تحومان باندهاش حول الرؤوس المطرقة كأنهم يفكرون فيمن ينقذونه بعد بهيجة.. "ماذا لو هب هذا المجمع نحو أصوات الاستغاثة في كل مكان.. لا شك سينقذون الطفل وأسرا كثيرة تحتضر تحت الأنقاض كما أنقذوا جارتنا وولدها من قبضتي أبي القويتين.."
حضرت سيارة الإسعاف تولول.. نقلت أباه الغارق في دمائه ثم... انصرفت الأرجل تبرح المكان بخطوات بطيئة.. فأغلقت عليها الأبواب والنوافذ.. لم يبق أحد في الزقاق كأن عرضا مسرحيا انتهى وأسدل عليه الستار.. وحده ماجد من ظل لحظات متصنما في نافذته وقد نسي تماما الطفل الذي يدفن حيا.. كأن ماسحة جرفته إلى دهاليز النسيان.. وحدها صورة أبيه بقميصه الأبيض الملطخ بالدم وصورة ابن جارته يحضن الهراوة ويتسلل بها حذرا من بيته، تتناوبان على فضاء مخيلته.. لتستبد بها صورة ابن جارته وحدها.. تفجر فيه رغبة عارمة في أن يزرع أرضه بالسكاكين وأن يمطر سماءه بالهراوى.. سمع خطوه ينزل السلم فانقض ماجد على مزهرية بجانبه.. أفرغها من الورود وحضنها إلى صدره تماما كما فعل هو بالهرواة الغليظة.. وانكمش أسفل نافذته يحبس أنفاسه يصغي إلى دبيب ابن جارته ..
.................................................. .................................................. ......................................
للمبدعة الكبيرة / سميّة البوغافريّة /
زلزله انفجار مدوي مفاجئ.. اهتز له جذعه وسقطت لعبته من يديه فتشتت أجزاؤها عند قدميه.. لم يلتفت إليها ماجد وهو الذي يغار عليها من نسمة هواء.. استغرقه الدمار المفروش لعينيه الصارختين فقطع صلته بكل ما يحيط به..
قبل ثوان على الانفجار كان يردد بقناعة مستبدة:" لو جرب أبي لعبتي سيتغاضى تماما عن صياح جارتنا بهيجة ولن يفكر أبدا في قطع لسانها، وسيكف أيضا عن التربص بابنها الذي خدش سيارته.." كل شيء يتسطح أمامه الآن ويغيب في غمرة الغبار والرماد المتصاعدين وهو ما زال لم يستشف بعد إن كان ما يحدث أمامه بسبب براكين تتفجر من الأرض أم بسبب تلك القنابل التي تمطرها السماء بسخاء..ثم... ثم من وسط الركام نبت له طفل في سنه يصرخ ويحرث بيديه الهواء في محاولات مميتة لاستعادة نصفه الآخر الذي ابتلعته طبقات الأنقاض.. بدا له كطير وقعت رجلاه للتو بين فكي كمين وأنه مهما حاول لن ينفلت.. وزاده هلعا ورعبا تلك الجدران الآيلة للسقوط بالقرب منه.. فخشي أن تسقط وينمحي أثره تحت جبال الركام الإسمنتية أو تحيله أمطار القذائف إلى رماد في السماء..
"....أمي وحدها من ستساعده.. ستتصل بأخيها الدكتور أحمد.. هو طبيب الأطفال وعضو مرموق في جمعية الهلال الأحمر.. سيهب إلى المكان مع رفاقه الآخرين ويسعفونه بسرعة.."
صعد طائرا غلى أمه في الطابق الأول وانتصب في باب غرفتها يلهث وهو يشبك يديه خلفه كأنه يخشى أن تقطعهما كما كادت تفعل يوم عبث بأدوات زينتها.. ألقى عليها بصوت مبتور أنهكه اللهاث حكاية الطفل الذي يحتضر تحت الأنقاض.. خفضت صوت التلفزيون تنصت إليه بتركيز ثم عادت تستأنف نشاطها بدقة وتركيز أيضا.. تزيل طلاء أظافر رجليها لتعيده بلون يتماشى مع لون فستانها الفستقي المفروش بجانبها على سريرها. وجسدها يتمايل على إيقاع أنغام هادئة مصاحبة لعرض الأزياء المعروض على شاشتها الصغيرة كأنها لم تسمع شيئا من ابنها.. ثم رشقت ابنها بابتسامة استئذان وأغلقت الباب لتغير ملابسها وتستعد لحضور عيد ميلاد صديقتها سامية.
ابتلع ماجد قلقه ولوعة خيبته ومضى إلى غرفته وهو يخنق دموعه.. سمع صراخ جارته بهيجة الأرملة مع أولادها والذي ما لبث أن راح يتصاعد بشكل أقوى مما اعتاد وزاد قلبه ضيقا ومرارة.. فوضع السماعات في أذنيه كما يفعل أبوه كلما صعقته بصياحها.. وطفق يلهو بتصويب ضرباته القاتلة إلى أعدائه ريثما يحل أبوه فينقل إليه حال الطفل ليدبر أمر إنقاذه بحكمته.. كل ضربة يصوبها إليهم يتخيلها يصوبها لقاصفي الطفل فيمتلئ صدره بنشوة عابرة.. فجأة، تخشبت أصابعه على لوحة المفاتيح على إثر صياح بهيجة الرهيب كأن صفارة إنذار مرعبة غرست في حلقها.. تدفقت عليه الهجومات من أعدائه وامتلأت الشاشة شهبا ونيرانا.. لم يهتم برد زحفهم.. رفع السماعات وقفز إلى نافذته وقلبه يدقه الهلع من أن ينفذ أبوه وعيده ويخنق جارته بهيجة ويقطع يد ابنها أيضا التي أذت سيارته
الأقدام تتسارع نحو الزقاق على إثر فرقعات لسان بهيجة التي تهز الحي.... وأياد أخرى تمتد لتفكها من قبضة أبيه وهو يزلزلها يمينا ويسارا ويكاد يخنق نفسها ويريح الزقاق منها كما يقول دائما.. اتسعت اللمة وارتفعت الضجة ولم يعد يرى ماجد أباه وبهيجة.. رمق فقط ابن بهيجة يتسلل إلى داخل اللمة وهو يخفي وراءه هراوة ضخمة تطل من أعلى رأسه. ثم اختفى.. ألقى ماجد بنصفه الأعلى خارج النافذة.. لكنه، لا يرى غير رؤوس هائمة ولا يسمع إلا صراخ بهيجة الذي خف وراح يتلاشى وسط لغط المجتمعين حولها.. عادت صورة الطفل المحتضر تلقي بظلالها على مخيلته لكن بشكل أقل إلحاحا من قبل.. انتابته رغبة إشعال التلفاز ليرى إن كان الطفل ما يزال على قيد الحياة وبيته لم يتهدم كلية.. ثم يضعه في النافذة ويرفع مستوى الصوت إلى أعلى مداه ليقرع به كل الآذان فتهب إلى إنقاذه كما فعلوا مع بهيجة التي خمد صوتها.. وها هي تدب رصيف بيتها سليمة قوية تجر خلفها ابنها، الذي ما يزال يحضن إليه هراوته.. وخلفها رجل يرتمي على الجدار يقبض على رأسه والآخر ينقر على هاتفه.. ثم سكن المكان وضج رأس ماجد بالأسئلة وعيناه تحومان باندهاش حول الرؤوس المطرقة كأنهم يفكرون فيمن ينقذونه بعد بهيجة.. "ماذا لو هب هذا المجمع نحو أصوات الاستغاثة في كل مكان.. لا شك سينقذون الطفل وأسرا كثيرة تحتضر تحت الأنقاض كما أنقذوا جارتنا وولدها من قبضتي أبي القويتين.."
حضرت سيارة الإسعاف تولول.. نقلت أباه الغارق في دمائه ثم... انصرفت الأرجل تبرح المكان بخطوات بطيئة.. فأغلقت عليها الأبواب والنوافذ.. لم يبق أحد في الزقاق كأن عرضا مسرحيا انتهى وأسدل عليه الستار.. وحده ماجد من ظل لحظات متصنما في نافذته وقد نسي تماما الطفل الذي يدفن حيا.. كأن ماسحة جرفته إلى دهاليز النسيان.. وحدها صورة أبيه بقميصه الأبيض الملطخ بالدم وصورة ابن جارته يحضن الهراوة ويتسلل بها حذرا من بيته، تتناوبان على فضاء مخيلته.. لتستبد بها صورة ابن جارته وحدها.. تفجر فيه رغبة عارمة في أن يزرع أرضه بالسكاكين وأن يمطر سماءه بالهراوى.. سمع خطوه ينزل السلم فانقض ماجد على مزهرية بجانبه.. أفرغها من الورود وحضنها إلى صدره تماما كما فعل هو بالهرواة الغليظة.. وانكمش أسفل نافذته يحبس أنفاسه يصغي إلى دبيب ابن جارته ..
.................................................. .................................................. ......................................
تعليق