دائرة (النصّ الحائز على الوسام الذهبيّ لأدب القصّة) لحنان عبد القادر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • إيمان الدرع
    نائب ملتقى القصة
    • 09-02-2010
    • 3576

    دائرة (النصّ الحائز على الوسام الذهبيّ لأدب القصّة) لحنان عبد القادر

    " دائرة "

    النصّ الحائز على الوسام الذهبيّ لأدب القصّة
    للمبدعة: حنان عبد القادر
    استقبلته العراق بكل خيراتها ، حميميتها في استقبال النازحين من مصر ، شاب في العشرينات ، يمتلئ أملا في الغد ، قلبه الرهيف يحمل جرحا تركته ابنة الجيران التي هام بها ، وكالعادة ، تزوجت ممن يقدر على إعالتها .
    في أوج جرحه توفى شقيقه الأكبر في حادث مروع مخلفا زوجة شابة يحمل رحمها نطفته ، العادة تقتضي أن يفوز بها أحد أفراد العائلة بدل أن يربي لحمهم غريب ، كان الوحيد الخالي ، طوقوه من كل جانب لكنه أبى ، صرخ فيهم ذات اختناق : ارحموني، طيف أخي فيها ، رائحته تفوح منها ، كيف آنس بقربها ؟!
    وقتها قرر الرحيل ، وما استطاع أحد أن يثنيه .

    على ضفاف الفرات أسس مشروعه الصغير ، مقهى يأتنس المارة بالجلوس إليه ، الحياة بدأت تنظره بوجهها السعيد ، ربح وخسر ، ربح وربح ،اشتهر بشهامته ونصاعة سيرته حتى أحبه الخلق .
    صديقه الأثير " محمود رضوان " فنان في بداية طريقه ، كان ينعش كل ليل الجلسات بعزفه وشدوه ، صار لمقهاه شهرة بين متعاطي الثقافة والفن ، وفي جوانبه تعددت الدنيا بحكاياها.

    مساء رمادي ، تطوقه مناسبة وطنية برذاذ الرطوبة ، النظام يخطب خطبته العصماء ، في الركن شاعر متمرد يحتسي قهوته ، رفع عقيرته : غيروا تلك الموجة ، نريد أن نسمع بعض الغناء .
    دقائق اكتظ المقهى بحرس وجنود ، في لمح البصر جروه إلى سيارتهم العسكرية ، وهو يستنجد بأبي الأمجاد صابر .
    وضع عباءته راكضا خلف العربة ، لن أتركك يا علي ، تجلد .
    رتبة عسكرية مهمة من رواد مقهاه ، رافقه حيث أخذوا الرجل ، مغفر للشرطة كمدفن ، ما إن دخل ، انهالوا عليه ضربا وركلا ، مزقوا ملابسه ، جروه على الأرض كذبيحة من باب لباب ومن ردهة لأخرى ، وهو من فرط سمنته يتفصد دما ، نصف ساعة فارقة بين دخوله ووصول صابر ، تعرض فيها لما يكفيه عمره ذليلا ، بتدخل الرتبة أفرجوا عنه عاريا من كل شيء حتى الكرامة ، ستره صابر بعباءته ، واصطحبه لبيته ينتحب إذلالا .

    ذات بوح خطبه محمود لأخته ، فلن يجد مثله صديقا وأخا ونسيبا ، ووافق صابر .
    خمس سنوات والحياة تحلب عسلها في فمه ، أب لبنتين هما كل آماله ، وزوج تتمنى رضاه ، ورزق وفير أنعم الله به عليه .
    في عتمة لم تحسب عواقبها ، انتبهوا على اجتياح العراق لشقيقة مجاورة ، وضمها لخريطتها ، ما كان لهم جميعا حق اعتراض ، فالنظام له الكلمة النافذة .
    توالت الأحداث بسرعة ، والناس في ذهول من تقلب الأحوال وتغيرها ، الكويت تندد ، أمريكا تهدد ، الانسحاب ، الاحتلال ، الاجتياح ، الاستيطان .. ال .... ال ..
    والضحايا أبرياء .

    دارت الدائرة ، وضاع الأمان ، الكل يخشى على نفسه المرور وحيدا في بلد كانت تحتضن الجميع ، رصاصة طائشة قد تودي بحياة ، وصابر عبد اللطيف رمز ، مخبأ أسرار وحكايا ، صديق الجميع على اختلافهم ، في مقهاه ثمة حياة حقيقية للمجتمع بكل طوائفه .
    ذات ذهول ، أحاطه مسلحون اعترضوه بسيارتهم ، حملوه مقيدا معصوبا في حقيبة السيارة ، طريق طويل غير ممهد ، وهو بين حوقلة وتسبيح ودعاء ، كل ما يتمنى ألا يتأذى أهله ، هو مقتول لامفر .
    وصلوا مرادهم وأنزلوه ، في قاعة شعر بسعتها أجلسوه ، صوت أجش يستجوبه بالعراقية عن أفراد ، وأسرار ، ومواقف ، يريد أن يكون هادئا ، أن يرد بدبلوماسية لاضرر فيها ولا ضرار ، مجهدا كان ، نغزه أحدهم في خاصرته بسلاح :
    - تحرك .
    - إلى أين ؟!
    - حيث يمكنك قضاء ليلتك .
    في غرفة سعتها مترا أوقفوه :
    - هنا منامتك .. استمتع بها .
    - هكذا بقيدي وعصابتي ؟!
    - أجابه قفل الباب وخطوات تبتعد .

    تحسس الجدران ، بالكاد تكفيه المساحة للجلوس مقرفصا ، تلمس ما يجلس عليه ، قطعة إسفنج سميك تغطي حماما بلديا قديما غطيت فوهته بلوح خشبي ، ولا شيء غير ، تلمس عصابته ، هل ينزعها ؟! .. لماذا يصرون إذن على تركها ؟ ، ربما لا يريدون أن يراهم فيحفظ ملامحهم ، من حقه أن يرى حبسه ، فكر قليلا ؛ وجد العتمة أفضل ، ربما تمنحه سعة من حلم يرى فيه المساحة أرحب ، استند الجدار ، وأدار مفتاح الأفكار رأسه ، لم هو ؟ ، من هم ؟ ! ، ماذا يريدون ؟ ! ، ما مصيره بين أيديهم ؟! ، بنتيه ، زوجه ، انتحب مفجوعا واختطفه وسن .
    الشمس تخربش خده ، صوت مها ومهاد يجلجل ، ضحكاتهما تنبهه ، أبي ، أبي ، هاهاها .. تختبئ منا هنا .. وجدناك ، مرة أخرى ، الغميضة ، مرة أخرى أبي ،
    تركضان أمامه ، يختبئ ، يعاودان هجومهما ، يضمهما بقوة ، يقبلهما بنهم ، تتململان ، ذقنك كلها شوك ، اتركنا ، تشوكنا ، تفران ، تكران ، وهو مستمتع حد الثمالة ، تأتي أمهما لتنقذه منهما ، ينهاها بود : اتركيهما سعاد ، أوحشتني شقاوتهما ، قبلة حانية على جبينه تتركها ، طراوتها تعاوده ومزلاج الباب يتحرك.
    يتململ في جلسة كسرت أضلاعه ، صوت آمر : قم .. هيا تحرك بسرعة .
    - اللهم لا أسألك رد القضاء ، إنما أسألك اللطف فيه .
    - الصوت الأجش في ذات القاعة يستجوبه ، للمرة الثانية نفس الأسئلة ، يجهد ذهنه ليعيد نفس الإجابة ، الصوت لآخر ، فك عصابته وقيده ، الأسلم ألا أنظر لأحدهم " قال في نفسه " ، سأله الصوت :
    - تريد شايا ؟!
    - دون أن يرفع وجهه : إذا سمحت .
    - طعاما .
    - لا ، أشكرك .
    - يبدو أنك على قدر من الثقافة لا بأس به ، والعقل أيضا .
    - أشكرك .
    - نحن لا نريد الإضرار بك ، لانريد منك شيئا سوى أن يدفع أهلك فديتك .
    - فقط تريدون الفدية ؟!
    - ليس إلا ، نحن نحتاج بعض المال للصالح العام .
    - وكم تريدون ؟!
    - أبلغنا أهلك فلا عليك ، أنت الآن ضيف لدينا بضع الوقت .
    - ربما ما استطاعوا ، فما ردكم ؟!
    - لابد أن يستطيعوا ، وإلا تكون العواقب لاترضيك .
    - سيدي ، افعل بي ماتشاء ، ودع أهلى وشأنهم .
    - هذا شأننا ، نتخذ ما نراه أفضل .
    برهة صمت بمئة عام ، ولايدري ماذا يحمل له الغد ، أخرجه صاحب الصوت :
    - هيا ردوا عصابته وقيده ، خذوه ولا تؤذوه .
    انطلق معهم إلى مكان أرحب ، سمحوا له بنزع الغمامة والقيد أوصدوا الباب وتركوه في غرفة بها مكتب وكرسي وحيد يجالسه الغبار ، شعر بشيء من حرية ، ودبيب من طمأنينة يسعى لروحه ، تمنى من الله أن يفك كربته قريبا .

    يومان في حبسه ، وكسرات خبز وماء ، باب يفتح ، رجلان يقيدانه ويضعان العصابة :
    - سر أمامنا .
    - صاحب الصوت الأجش : ألم أقل لك ، لا نريد الإضرار بك ، خذوه .
    - انطلقوا به للساحة ، في نفس السيارة ، داخل حقيبتها وضعوه ، بعد مسير ساعة ، ألقوه في الطريق ثم سابقوا الأرض ، دقائق التف الناس حوله ، أجلسوه في ظل دكانة ، وسقوه بعض ماء ، لما نزعوا عصابته ، كمولود جديد ماتعرف على ماحوله ، مدهوشا صار يكلمهم ، يقولون احمد الله ، كيف تركوك حيا ؟!
    أركبوه سيارة توصله لمكانه ، كل الأحداث تتتابع في رأسه ، يشعر بالقهر ، يريد أن يصرخ ، تمنى أن يجد الجميع بخير ، طرق بابه ، سعاد تتشح سوادا ، تلقي بنفسها نائحة بين ذراعيه ، يتلمس سرها ، محمود قضى برصاصة واتته من الخلف ، وهو عائد لمنزله ليلا ، ركض للداخل ، في غرفته وحيدا يصرخ ملء روحه ، يطرق رأسه بالجدران ، يهذي بكل عذاباته وقهره .

    أسبوع تأهب فيه وأسرته للمغادرة ، ماعاد له إلا حضن مصر ، يبدأ من البداية بعدما باعوا ما لديهم ليفتدوه حيا

    تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    ستقبلته العراق بكل خيراتها ، حميميتها في استقبال النازحين من مصر ، شاب في العشرينات ، يمتلئ أملا في الغد ، قلبه الرهيف يحمل جرحا تركته ابنة الجيران التي هام بها ، وكالعادة ، تزوجت ممن يقدر على إعالتها .
    في أوج جرحه توفى شقيقه الأكبر في حادث مروع مخلفا زوجة شابة يحمل رحمها نطفته ، العادة تقتضي أن يفوز بها أحد أفراد العائلة بدل أن يربي لحمهم غريب ، كان الوحيد الخالي ، طوقوه من كل جانب لكنه أبى ، صرخ فيهم ذات اختناق : ارحموني، طيف أخي فيها ، رائحته تفوح منها ، كيف آنس بقربها ؟!
    وقتها قرر الرحيل ، وما استطاع أحد أن يثنيه .

    هذا الجزء وحده كان خامة لرواية .. و أراه ثقلا رهيبا على العمل
    و لا أدري .. أتم التحكيم بعيدا عن هذا الجزء التعريفي
    و كيف تم المرور عليه ؟؟؟؟

    سأعود لأكمل القراءة ؛ فقد استنفذ مني هذا الجزء معرفتي بالقصة القصيرة !

    بوركت سيدتي

    تقديري و احترامي


    sigpic

    تعليق

    • فايزشناني
      عضو الملتقى
      • 29-09-2010
      • 4795

      #3
      يالله..... بتنا نتلذذ بأوجاعنا وهي تتناسل وتنجب مزيداً من الآلام
      وصابر عبد اللطيف أو مهما كان اسمه ... أليس واحد منا ؟؟؟
      تختلف معاناتنا وجراحاتنا وطعم آلامنا ولكنها تتشابه بالمرارة والقسوة
      ندور في دائرة مغلقة تبدأ من نقطة لتنتهي إليها
      أختي الغالية حنان
      وأنت تصفين حالة صابر ومعاناته الطويلة وكيف انتهت
      كنت تعبرين ربما عن حالة عامة نعيشها في ظل كيانات متخلفة
      سمة مجتمعاتنا العربية تدفع لقهر جديد وعودة لنفق مظلم كنا قد خرجنا للتو من نفق آخر
      استمتعت بالنص وبطريقتك الجميلة
      مبروك لك الجائزة
      وشكراً للأخت إيمان
      هيهات منا الهزيمة
      قررنا ألا نخاف
      تعيش وتسلم يا وطني​

      تعليق

      • عكاشة ابو حفصة
        أديب وكاتب
        • 19-11-2010
        • 2174

        #4
        [frame="11 98"]
        السلام عليكم.
        في البداية نبارك التتويج ونتمى له الإستمرارية. أوافق صاحب الرأي الثاقب الأستاذ ربيع على أن النص الذي بين أيدينا والفائز بالأوسمة والنياشين يستحق أن يكون خاما لرواية تنقل أحداث بلد مزقته الصراعات الداخلية , وتحكمت فيه أيادي خارجية . فكم من بريئ رحل برصاصة طائشة شكرا والسلام عليكم.
        [/frame]
        [frame="1 98"]
        *** حفصة الغالية أنت دائما في أعماق أعماق القلب, رغم الحرمان...فلا مكان للزيارة ما دمت متربعة على عرش القلب.
        ***
        [/frame]

        تعليق

        • بسمة الصيادي
          مشرفة ملتقى القصة
          • 09-02-2010
          • 3185

          #5
          النص يختصر حقبة من الألم والمأساة
          هي فعلا ..دائرة .. مسيجة بالقضبان ..
          يوما سنخرج من إطارها .. من زواياها الخفية ..
          لتصير حياتنا مروجا شاسعة لمشاهد لا تتكرر أبدا ..!
          النص جميل وصاحبته أجمل
          ألف مبروك لك أستاذة حنان
          محبتي
          في انتظار ..هدية من السماء!!

          تعليق

          • أمل ابراهيم
            أديبة
            • 12-12-2009
            • 867

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
            " دائرة "


            النصّ الحائز على الوسام الذهبيّ لأدب القصّة
            للمبدعة: حنان عبد القادر


            استقبلته العراق بكل خيراتها ، حميميتها في استقبال النازحين من مصر ، شاب في العشرينات ، يمتلئ أملا في الغد ، قلبه الرهيف يحمل جرحا تركته ابنة الجيران التي هام بها ، وكالعادة ، تزوجت ممن يقدر على إعالتها .
            في أوج جرحه توفى شقيقه الأكبر في حادث مروع مخلفا زوجة شابة يحمل رحمها نطفته ، العادة تقتضي أن يفوز بها أحد أفراد العائلة بدل أن يربي لحمهم غريب ، كان الوحيد الخالي ، طوقوه من كل جانب لكنه أبى ، صرخ فيهم ذات اختناق : ارحموني، طيف أخي فيها ، رائحته تفوح منها ، كيف آنس بقربها ؟!
            وقتها قرر الرحيل ، وما استطاع أحد أن يثنيه .

            على ضفاف الفرات أسس مشروعه الصغير ، مقهى يأتنس المارة بالجلوس إليه ، الحياة بدأت تنظره بوجهها السعيد ، ربح وخسر ، ربح وربح ،اشتهر بشهامته ونصاعة سيرته حتى أحبه الخلق .
            صديقه الأثير " محمود رضوان " فنان في بداية طريقه ، كان ينعش كل ليل الجلسات بعزفه وشدوه ، صار لمقهاه شهرة بين متعاطي الثقافة والفن ، وفي جوانبه تعددت الدنيا بحكاياها.

            مساء رمادي ، تطوقه مناسبة وطنية برذاذ الرطوبة ، النظام يخطب خطبته العصماء ، في الركن شاعر متمرد يحتسي قهوته ، رفع عقيرته : غيروا تلك الموجة ، نريد أن نسمع بعض الغناء .
            دقائق اكتظ المقهى بحرس وجنود ، في لمح البصر جروه إلى سيارتهم العسكرية ، وهو يستنجد بأبي الأمجاد صابر .
            وضع عباءته راكضا خلف العربة ، لن أتركك يا علي ، تجلد .
            رتبة عسكرية مهمة من رواد مقهاه ، رافقه حيث أخذوا الرجل ، مغفر للشرطة كمدفن ، ما إن دخل ، انهالوا عليه ضربا وركلا ، مزقوا ملابسه ، جروه على الأرض كذبيحة من باب لباب ومن ردهة لأخرى ، وهو من فرط سمنته يتفصد دما ، نصف ساعة فارقة بين دخوله ووصول صابر ، تعرض فيها لما يكفيه عمره ذليلا ، بتدخل الرتبة أفرجوا عنه عاريا من كل شيء حتى الكرامة ، ستره صابر بعباءته ، واصطحبه لبيته ينتحب إذلالا .

            ذات بوح خطبه محمود لأخته ، فلن يجد مثله صديقا وأخا ونسيبا ، ووافق صابر .
            خمس سنوات والحياة تحلب عسلها في فمه ، أب لبنتين هما كل آماله ، وزوج تتمنى رضاه ، ورزق وفير أنعم الله به عليه .
            في عتمة لم تحسب عواقبها ، انتبهوا على اجتياح العراق لشقيقة مجاورة ، وضمها لخريطتها ، ما كان لهم جميعا حق اعتراض ، فالنظام له الكلمة النافذة .
            توالت الأحداث بسرعة ، والناس في ذهول من تقلب الأحوال وتغيرها ، الكويت تندد ، أمريكا تهدد ، الانسحاب ، الاحتلال ، الاجتياح ، الاستيطان .. ال .... ال ..
            والضحايا أبرياء .

            دارت الدائرة ، وضاع الأمان ، الكل يخشى على نفسه المرور وحيدا في بلد كانت تحتضن الجميع ، رصاصة طائشة قد تودي بحياة ، وصابر عبد اللطيف رمز ، مخبأ أسرار وحكايا ، صديق الجميع على اختلافهم ، في مقهاه ثمة حياة حقيقية للمجتمع بكل طوائفه .
            ذات ذهول ، أحاطه مسلحون اعترضوه بسيارتهم ، حملوه مقيدا معصوبا في حقيبة السيارة ، طريق طويل غير ممهد ، وهو بين حوقلة وتسبيح ودعاء ، كل ما يتمنى ألا يتأذى أهله ، هو مقتول لامفر .
            وصلوا مرادهم وأنزلوه ، في قاعة شعر بسعتها أجلسوه ، صوت أجش يستجوبه بالعراقية عن أفراد ، وأسرار ، ومواقف ، يريد أن يكون هادئا ، أن يرد بدبلوماسية لاضرر فيها ولا ضرار ، مجهدا كان ، نغزه أحدهم في خاصرته بسلاح :
            - تحرك .
            - إلى أين ؟!
            - حيث يمكنك قضاء ليلتك .
            في غرفة سعتها مترا أوقفوه :
            - هنا منامتك .. استمتع بها .
            - هكذا بقيدي وعصابتي ؟!
            - أجابه قفل الباب وخطوات تبتعد .

            تحسس الجدران ، بالكاد تكفيه المساحة للجلوس مقرفصا ، تلمس ما يجلس عليه ، قطعة إسفنج سميك تغطي حماما بلديا قديما غطيت فوهته بلوح خشبي ، ولا شيء غير ، تلمس عصابته ، هل ينزعها ؟! .. لماذا يصرون إذن على تركها ؟ ، ربما لا يريدون أن يراهم فيحفظ ملامحهم ، من حقه أن يرى حبسه ، فكر قليلا ؛ وجد العتمة أفضل ، ربما تمنحه سعة من حلم يرى فيه المساحة أرحب ، استند الجدار ، وأدار مفتاح الأفكار رأسه ، لم هو ؟ ، من هم ؟ ! ، ماذا يريدون ؟ ! ، ما مصيره بين أيديهم ؟! ، بنتيه ، زوجه ، انتحب مفجوعا واختطفه وسن .
            الشمس تخربش خده ، صوت مها ومهاد يجلجل ، ضحكاتهما تنبهه ، أبي ، أبي ، هاهاها .. تختبئ منا هنا .. وجدناك ، مرة أخرى ، الغميضة ، مرة أخرى أبي ،
            تركضان أمامه ، يختبئ ، يعاودان هجومهما ، يضمهما بقوة ، يقبلهما بنهم ، تتململان ، ذقنك كلها شوك ، اتركنا ، تشوكنا ، تفران ، تكران ، وهو مستمتع حد الثمالة ، تأتي أمهما لتنقذه منهما ، ينهاها بود : اتركيهما سعاد ، أوحشتني شقاوتهما ، قبلة حانية على جبينه تتركها ، طراوتها تعاوده ومزلاج الباب يتحرك.
            يتململ في جلسة كسرت أضلاعه ، صوت آمر : قم .. هيا تحرك بسرعة .
            - اللهم لا أسألك رد القضاء ، إنما أسألك اللطف فيه .
            - الصوت الأجش في ذات القاعة يستجوبه ، للمرة الثانية نفس الأسئلة ، يجهد ذهنه ليعيد نفس الإجابة ، الصوت لآخر ، فك عصابته وقيده ، الأسلم ألا أنظر لأحدهم " قال في نفسه " ، سأله الصوت :
            - تريد شايا ؟!
            - دون أن يرفع وجهه : إذا سمحت .
            - طعاما .
            - لا ، أشكرك .
            - يبدو أنك على قدر من الثقافة لا بأس به ، والعقل أيضا .
            - أشكرك .
            - نحن لا نريد الإضرار بك ، لانريد منك شيئا سوى أن يدفع أهلك فديتك .
            - فقط تريدون الفدية ؟!
            - ليس إلا ، نحن نحتاج بعض المال للصالح العام .
            - وكم تريدون ؟!
            - أبلغنا أهلك فلا عليك ، أنت الآن ضيف لدينا بضع الوقت .
            - ربما ما استطاعوا ، فما ردكم ؟!
            - لابد أن يستطيعوا ، وإلا تكون العواقب لاترضيك .
            - سيدي ، افعل بي ماتشاء ، ودع أهلى وشأنهم .
            - هذا شأننا ، نتخذ ما نراه أفضل .
            برهة صمت بمئة عام ، ولايدري ماذا يحمل له الغد ، أخرجه صاحب الصوت :
            - هيا ردوا عصابته وقيده ، خذوه ولا تؤذوه .
            انطلق معهم إلى مكان أرحب ، سمحوا له بنزع الغمامة والقيد أوصدوا الباب وتركوه في غرفة بها مكتب وكرسي وحيد يجالسه الغبار ، شعر بشيء من حرية ، ودبيب من طمأنينة يسعى لروحه ، تمنى من الله أن يفك كربته قريبا .

            يومان في حبسه ، وكسرات خبز وماء ، باب يفتح ، رجلان يقيدانه ويضعان العصابة :
            - سر أمامنا .
            - صاحب الصوت الأجش : ألم أقل لك ، لا نريد الإضرار بك ، خذوه .
            - انطلقوا به للساحة ، في نفس السيارة ، داخل حقيبتها وضعوه ، بعد مسير ساعة ، ألقوه في الطريق ثم سابقوا الأرض ، دقائق التف الناس حوله ، أجلسوه في ظل دكانة ، وسقوه بعض ماء ، لما نزعوا عصابته ، كمولود جديد ماتعرف على ماحوله ، مدهوشا صار يكلمهم ، يقولون احمد الله ، كيف تركوك حيا ؟!
            أركبوه سيارة توصله لمكانه ، كل الأحداث تتتابع في رأسه ، يشعر بالقهر ، يريد أن يصرخ ، تمنى أن يجد الجميع بخير ، طرق بابه ، سعاد تتشح سوادا ، تلقي بنفسها نائحة بين ذراعيه ، يتلمس سرها ، محمود قضى برصاصة واتته من الخلف ، وهو عائد لمنزله ليلا ، ركض للداخل ، في غرفته وحيدا يصرخ ملء روحه ، يطرق رأسه بالجدران ، يهذي بكل عذاباته وقهره .

            أسبوع تأهب فيه وأسرته للمغادرة ، ماعاد له إلا حضن مصر ، يبدأ من البداية بعدما باعوا ما لديهم ليفتدوه حيا
            الرائعه الاستاذه حنان مساء الخير وكل عام وانتم بخير
            الف مبروك وتستاهل الفوز والله رائعه اسعدني المرور هنا
            تحية طيبة وود
            درت حول العالم كله.. فلم أجد أحلى من تراب وطني

            تعليق

            • نهى رجب محمد
              ريشة المطر
              • 09-02-2011
              • 289

              #7
              [frame="6 98"]مبروك أ:حنان
              سرد متقن ولكن النفس السردي طويل يتضمن أنساق زمنية متعاقبة قد لا يستوعبها إطار النص القصصي ومن ثم أتفق مع الرأي القائل بان هذه القصة خامة جيدة لنص روائي ،سعدت بمتابعة هذا النص الذي جند شخصية واحدة لتحمل كل الهم على عاتقها ويكون نقطة مركزية في وسط دائرة الاحداث .
              شكرا لك نص مميز
              [/frame]
              [rainbow]تحيا جمهورية الأدب[/rainbow]

              تعليق

              • أمل ابراهيم
                أديبة
                • 12-12-2009
                • 867

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
                " دائرة "




                النصّ الحائز على الوسام الذهبيّ لأدب القصّة
                للمبدعة: حنان عبد القادر




                استقبلته العراق بكل خيراتها ، حميميتها في استقبال النازحين من مصر ، شاب في العشرينات ، يمتلئ أملا في الغد ، قلبه الرهيف يحمل جرحا تركته ابنة الجيران التي هام بها ، وكالعادة ، تزوجت ممن يقدر على إعالتها .
                في أوج جرحه توفى شقيقه الأكبر في حادث مروع مخلفا زوجة شابة يحمل رحمها نطفته ، العادة تقتضي أن يفوز بها أحد أفراد العائلة بدل أن يربي لحمهم غريب ، كان الوحيد الخالي ، طوقوه من كل جانب لكنه أبى ، صرخ فيهم ذات اختناق : ارحموني، طيف أخي فيها ، رائحته تفوح منها ، كيف آنس بقربها ؟!
                وقتها قرر الرحيل ، وما استطاع أحد أن يثنيه .

                على ضفاف الفرات أسس مشروعه الصغير ، مقهى يأتنس المارة بالجلوس إليه ، الحياة بدأت تنظره بوجهها السعيد ، ربح وخسر ، ربح وربح ،اشتهر بشهامته ونصاعة سيرته حتى أحبه الخلق .
                صديقه الأثير " محمود رضوان " فنان في بداية طريقه ، كان ينعش كل ليل الجلسات بعزفه وشدوه ، صار لمقهاه شهرة بين متعاطي الثقافة والفن ، وفي جوانبه تعددت الدنيا بحكاياها.

                مساء رمادي ، تطوقه مناسبة وطنية برذاذ الرطوبة ، النظام يخطب خطبته العصماء ، في الركن شاعر متمرد يحتسي قهوته ، رفع عقيرته : غيروا تلك الموجة ، نريد أن نسمع بعض الغناء .
                دقائق اكتظ المقهى بحرس وجنود ، في لمح البصر جروه إلى سيارتهم العسكرية ، وهو يستنجد بأبي الأمجاد صابر .
                وضع عباءته راكضا خلف العربة ، لن أتركك يا علي ، تجلد .
                رتبة عسكرية مهمة من رواد مقهاه ، رافقه حيث أخذوا الرجل ، مغفر للشرطة كمدفن ، ما إن دخل ، انهالوا عليه ضربا وركلا ، مزقوا ملابسه ، جروه على الأرض كذبيحة من باب لباب ومن ردهة لأخرى ، وهو من فرط سمنته يتفصد دما ، نصف ساعة فارقة بين دخوله ووصول صابر ، تعرض فيها لما يكفيه عمره ذليلا ، بتدخل الرتبة أفرجوا عنه عاريا من كل شيء حتى الكرامة ، ستره صابر بعباءته ، واصطحبه لبيته ينتحب إذلالا .

                ذات بوح خطبه محمود لأخته ، فلن يجد مثله صديقا وأخا ونسيبا ، ووافق صابر .
                خمس سنوات والحياة تحلب عسلها في فمه ، أب لبنتين هما كل آماله ، وزوج تتمنى رضاه ، ورزق وفير أنعم الله به عليه .
                في عتمة لم تحسب عواقبها ، انتبهوا على اجتياح العراق لشقيقة مجاورة ، وضمها لخريطتها ، ما كان لهم جميعا حق اعتراض ، فالنظام له الكلمة النافذة .
                توالت الأحداث بسرعة ، والناس في ذهول من تقلب الأحوال وتغيرها ، الكويت تندد ، أمريكا تهدد ، الانسحاب ، الاحتلال ، الاجتياح ، الاستيطان .. ال .... ال ..
                والضحايا أبرياء .

                دارت الدائرة ، وضاع الأمان ، الكل يخشى على نفسه المرور وحيدا في بلد كانت تحتضن الجميع ، رصاصة طائشة قد تودي بحياة ، وصابر عبد اللطيف رمز ، مخبأ أسرار وحكايا ، صديق الجميع على اختلافهم ، في مقهاه ثمة حياة حقيقية للمجتمع بكل طوائفه .
                ذات ذهول ، أحاطه مسلحون اعترضوه بسيارتهم ، حملوه مقيدا معصوبا في حقيبة السيارة ، طريق طويل غير ممهد ، وهو بين حوقلة وتسبيح ودعاء ، كل ما يتمنى ألا يتأذى أهله ، هو مقتول لامفر .
                وصلوا مرادهم وأنزلوه ، في قاعة شعر بسعتها أجلسوه ، صوت أجش يستجوبه بالعراقية عن أفراد ، وأسرار ، ومواقف ، يريد أن يكون هادئا ، أن يرد بدبلوماسية لاضرر فيها ولا ضرار ، مجهدا كان ، نغزه أحدهم في خاصرته بسلاح :
                - تحرك .
                - إلى أين ؟!
                - حيث يمكنك قضاء ليلتك .
                في غرفة سعتها مترا أوقفوه :
                - هنا منامتك .. استمتع بها .
                - هكذا بقيدي وعصابتي ؟!
                - أجابه قفل الباب وخطوات تبتعد .

                تحسس الجدران ، بالكاد تكفيه المساحة للجلوس مقرفصا ، تلمس ما يجلس عليه ، قطعة إسفنج سميك تغطي حماما بلديا قديما غطيت فوهته بلوح خشبي ، ولا شيء غير ، تلمس عصابته ، هل ينزعها ؟! .. لماذا يصرون إذن على تركها ؟ ، ربما لا يريدون أن يراهم فيحفظ ملامحهم ، من حقه أن يرى حبسه ، فكر قليلا ؛ وجد العتمة أفضل ، ربما تمنحه سعة من حلم يرى فيه المساحة أرحب ، استند الجدار ، وأدار مفتاح الأفكار رأسه ، لم هو ؟ ، من هم ؟ ! ، ماذا يريدون ؟ ! ، ما مصيره بين أيديهم ؟! ، بنتيه ، زوجه ، انتحب مفجوعا واختطفه وسن .
                الشمس تخربش خده ، صوت مها ومهاد يجلجل ، ضحكاتهما تنبهه ، أبي ، أبي ، هاهاها .. تختبئ منا هنا .. وجدناك ، مرة أخرى ، الغميضة ، مرة أخرى أبي ،
                تركضان أمامه ، يختبئ ، يعاودان هجومهما ، يضمهما بقوة ، يقبلهما بنهم ، تتململان ، ذقنك كلها شوك ، اتركنا ، تشوكنا ، تفران ، تكران ، وهو مستمتع حد الثمالة ، تأتي أمهما لتنقذه منهما ، ينهاها بود : اتركيهما سعاد ، أوحشتني شقاوتهما ، قبلة حانية على جبينه تتركها ، طراوتها تعاوده ومزلاج الباب يتحرك.
                يتململ في جلسة كسرت أضلاعه ، صوت آمر : قم .. هيا تحرك بسرعة .
                - اللهم لا أسألك رد القضاء ، إنما أسألك اللطف فيه .
                - الصوت الأجش في ذات القاعة يستجوبه ، للمرة الثانية نفس الأسئلة ، يجهد ذهنه ليعيد نفس الإجابة ، الصوت لآخر ، فك عصابته وقيده ، الأسلم ألا أنظر لأحدهم " قال في نفسه " ، سأله الصوت :
                - تريد شايا ؟!
                - دون أن يرفع وجهه : إذا سمحت .
                - طعاما .
                - لا ، أشكرك .
                - يبدو أنك على قدر من الثقافة لا بأس به ، والعقل أيضا .
                - أشكرك .
                - نحن لا نريد الإضرار بك ، لانريد منك شيئا سوى أن يدفع أهلك فديتك .
                - فقط تريدون الفدية ؟!
                - ليس إلا ، نحن نحتاج بعض المال للصالح العام .
                - وكم تريدون ؟!
                - أبلغنا أهلك فلا عليك ، أنت الآن ضيف لدينا بضع الوقت .
                - ربما ما استطاعوا ، فما ردكم ؟!
                - لابد أن يستطيعوا ، وإلا تكون العواقب لاترضيك .
                - سيدي ، افعل بي ماتشاء ، ودع أهلى وشأنهم .
                - هذا شأننا ، نتخذ ما نراه أفضل .
                برهة صمت بمئة عام ، ولايدري ماذا يحمل له الغد ، أخرجه صاحب الصوت :
                - هيا ردوا عصابته وقيده ، خذوه ولا تؤذوه .
                انطلق معهم إلى مكان أرحب ، سمحوا له بنزع الغمامة والقيد أوصدوا الباب وتركوه في غرفة بها مكتب وكرسي وحيد يجالسه الغبار ، شعر بشيء من حرية ، ودبيب من طمأنينة يسعى لروحه ، تمنى من الله أن يفك كربته قريبا .

                يومان في حبسه ، وكسرات خبز وماء ، باب يفتح ، رجلان يقيدانه ويضعان العصابة :
                - سر أمامنا .
                - صاحب الصوت الأجش : ألم أقل لك ، لا نريد الإضرار بك ، خذوه .
                - انطلقوا به للساحة ، في نفس السيارة ، داخل حقيبتها وضعوه ، بعد مسير ساعة ، ألقوه في الطريق ثم سابقوا الأرض ، دقائق التف الناس حوله ، أجلسوه في ظل دكانة ، وسقوه بعض ماء ، لما نزعوا عصابته ، كمولود جديد ماتعرف على ماحوله ، مدهوشا صار يكلمهم ، يقولون احمد الله ، كيف تركوك حيا ؟!
                أركبوه سيارة توصله لمكانه ، كل الأحداث تتتابع في رأسه ، يشعر بالقهر ، يريد أن يصرخ ، تمنى أن يجد الجميع بخير ، طرق بابه ، سعاد تتشح سوادا ، تلقي بنفسها نائحة بين ذراعيه ، يتلمس سرها ، محمود قضى برصاصة واتته من الخلف ، وهو عائد لمنزله ليلا ، ركض للداخل ، في غرفته وحيدا يصرخ ملء روحه ، يطرق رأسه بالجدران ، يهذي بكل عذاباته وقهره .

                أسبوع تأهب فيه وأسرته للمغادرة ، ماعاد له إلا حضن مصر ، يبدأ من البداية بعدما باعوا ما لديهم ليفتدوه حيا
                الغاليه ايمان الدرع الغاليه حنان عبد القادر
                عام سعيد وصحه وسلامه
                أبدعتي ما قرأته هنا واقع أصاب الكثير منا وخصوصاً
                هنا في بلدنا العراق كثير جداً وأنا منهم
                بارك الله فيكِ غاليتي أسعدني المرور هنا
                باقة من الورد الاحمر لشخصك الكريم
                وألف مبروك وتستحق الماسيه للزميله حنان عبد القادر
                قصةٍ رائعه يا حنان ألف ألف مبروك
                تحياتي وودي
                درت حول العالم كله.. فلم أجد أحلى من تراب وطني

                تعليق

                يعمل...
                X