" دائرة "
النصّ الحائز على الوسام الذهبيّ لأدب القصّة
للمبدعة: حنان عبد القادر
النصّ الحائز على الوسام الذهبيّ لأدب القصّة
للمبدعة: حنان عبد القادر
في أوج جرحه توفى شقيقه الأكبر في حادث مروع مخلفا زوجة شابة يحمل رحمها نطفته ، العادة تقتضي أن يفوز بها أحد أفراد العائلة بدل أن يربي لحمهم غريب ، كان الوحيد الخالي ، طوقوه من كل جانب لكنه أبى ، صرخ فيهم ذات اختناق : ارحموني، طيف أخي فيها ، رائحته تفوح منها ، كيف آنس بقربها ؟!
وقتها قرر الرحيل ، وما استطاع أحد أن يثنيه .
على ضفاف الفرات أسس مشروعه الصغير ، مقهى يأتنس المارة بالجلوس إليه ، الحياة بدأت تنظره بوجهها السعيد ، ربح وخسر ، ربح وربح ،اشتهر بشهامته ونصاعة سيرته حتى أحبه الخلق .
صديقه الأثير " محمود رضوان " فنان في بداية طريقه ، كان ينعش كل ليل الجلسات بعزفه وشدوه ، صار لمقهاه شهرة بين متعاطي الثقافة والفن ، وفي جوانبه تعددت الدنيا بحكاياها.
مساء رمادي ، تطوقه مناسبة وطنية برذاذ الرطوبة ، النظام يخطب خطبته العصماء ، في الركن شاعر متمرد يحتسي قهوته ، رفع عقيرته : غيروا تلك الموجة ، نريد أن نسمع بعض الغناء .
دقائق اكتظ المقهى بحرس وجنود ، في لمح البصر جروه إلى سيارتهم العسكرية ، وهو يستنجد بأبي الأمجاد صابر .
وضع عباءته راكضا خلف العربة ، لن أتركك يا علي ، تجلد .
رتبة عسكرية مهمة من رواد مقهاه ، رافقه حيث أخذوا الرجل ، مغفر للشرطة كمدفن ، ما إن دخل ، انهالوا عليه ضربا وركلا ، مزقوا ملابسه ، جروه على الأرض كذبيحة من باب لباب ومن ردهة لأخرى ، وهو من فرط سمنته يتفصد دما ، نصف ساعة فارقة بين دخوله ووصول صابر ، تعرض فيها لما يكفيه عمره ذليلا ، بتدخل الرتبة أفرجوا عنه عاريا من كل شيء حتى الكرامة ، ستره صابر بعباءته ، واصطحبه لبيته ينتحب إذلالا .
ذات بوح خطبه محمود لأخته ، فلن يجد مثله صديقا وأخا ونسيبا ، ووافق صابر .
خمس سنوات والحياة تحلب عسلها في فمه ، أب لبنتين هما كل آماله ، وزوج تتمنى رضاه ، ورزق وفير أنعم الله به عليه .
في عتمة لم تحسب عواقبها ، انتبهوا على اجتياح العراق لشقيقة مجاورة ، وضمها لخريطتها ، ما كان لهم جميعا حق اعتراض ، فالنظام له الكلمة النافذة .
توالت الأحداث بسرعة ، والناس في ذهول من تقلب الأحوال وتغيرها ، الكويت تندد ، أمريكا تهدد ، الانسحاب ، الاحتلال ، الاجتياح ، الاستيطان .. ال .... ال ..
والضحايا أبرياء .
دارت الدائرة ، وضاع الأمان ، الكل يخشى على نفسه المرور وحيدا في بلد كانت تحتضن الجميع ، رصاصة طائشة قد تودي بحياة ، وصابر عبد اللطيف رمز ، مخبأ أسرار وحكايا ، صديق الجميع على اختلافهم ، في مقهاه ثمة حياة حقيقية للمجتمع بكل طوائفه .
ذات ذهول ، أحاطه مسلحون اعترضوه بسيارتهم ، حملوه مقيدا معصوبا في حقيبة السيارة ، طريق طويل غير ممهد ، وهو بين حوقلة وتسبيح ودعاء ، كل ما يتمنى ألا يتأذى أهله ، هو مقتول لامفر .
وصلوا مرادهم وأنزلوه ، في قاعة شعر بسعتها أجلسوه ، صوت أجش يستجوبه بالعراقية عن أفراد ، وأسرار ، ومواقف ، يريد أن يكون هادئا ، أن يرد بدبلوماسية لاضرر فيها ولا ضرار ، مجهدا كان ، نغزه أحدهم في خاصرته بسلاح :
- تحرك .
- إلى أين ؟!
- حيث يمكنك قضاء ليلتك .
في غرفة سعتها مترا أوقفوه :
- هنا منامتك .. استمتع بها .
- هكذا بقيدي وعصابتي ؟!
- أجابه قفل الباب وخطوات تبتعد .
تحسس الجدران ، بالكاد تكفيه المساحة للجلوس مقرفصا ، تلمس ما يجلس عليه ، قطعة إسفنج سميك تغطي حماما بلديا قديما غطيت فوهته بلوح خشبي ، ولا شيء غير ، تلمس عصابته ، هل ينزعها ؟! .. لماذا يصرون إذن على تركها ؟ ، ربما لا يريدون أن يراهم فيحفظ ملامحهم ، من حقه أن يرى حبسه ، فكر قليلا ؛ وجد العتمة أفضل ، ربما تمنحه سعة من حلم يرى فيه المساحة أرحب ، استند الجدار ، وأدار مفتاح الأفكار رأسه ، لم هو ؟ ، من هم ؟ ! ، ماذا يريدون ؟ ! ، ما مصيره بين أيديهم ؟! ، بنتيه ، زوجه ، انتحب مفجوعا واختطفه وسن .
الشمس تخربش خده ، صوت مها ومهاد يجلجل ، ضحكاتهما تنبهه ، أبي ، أبي ، هاهاها .. تختبئ منا هنا .. وجدناك ، مرة أخرى ، الغميضة ، مرة أخرى أبي ،
تركضان أمامه ، يختبئ ، يعاودان هجومهما ، يضمهما بقوة ، يقبلهما بنهم ، تتململان ، ذقنك كلها شوك ، اتركنا ، تشوكنا ، تفران ، تكران ، وهو مستمتع حد الثمالة ، تأتي أمهما لتنقذه منهما ، ينهاها بود : اتركيهما سعاد ، أوحشتني شقاوتهما ، قبلة حانية على جبينه تتركها ، طراوتها تعاوده ومزلاج الباب يتحرك.
يتململ في جلسة كسرت أضلاعه ، صوت آمر : قم .. هيا تحرك بسرعة .
- اللهم لا أسألك رد القضاء ، إنما أسألك اللطف فيه .
- الصوت الأجش في ذات القاعة يستجوبه ، للمرة الثانية نفس الأسئلة ، يجهد ذهنه ليعيد نفس الإجابة ، الصوت لآخر ، فك عصابته وقيده ، الأسلم ألا أنظر لأحدهم " قال في نفسه " ، سأله الصوت :
- تريد شايا ؟!
- دون أن يرفع وجهه : إذا سمحت .
- طعاما .
- لا ، أشكرك .
- يبدو أنك على قدر من الثقافة لا بأس به ، والعقل أيضا .
- أشكرك .
- نحن لا نريد الإضرار بك ، لانريد منك شيئا سوى أن يدفع أهلك فديتك .
- فقط تريدون الفدية ؟!
- ليس إلا ، نحن نحتاج بعض المال للصالح العام .
- وكم تريدون ؟!
- أبلغنا أهلك فلا عليك ، أنت الآن ضيف لدينا بضع الوقت .
- ربما ما استطاعوا ، فما ردكم ؟!
- لابد أن يستطيعوا ، وإلا تكون العواقب لاترضيك .
- سيدي ، افعل بي ماتشاء ، ودع أهلى وشأنهم .
- هذا شأننا ، نتخذ ما نراه أفضل .
برهة صمت بمئة عام ، ولايدري ماذا يحمل له الغد ، أخرجه صاحب الصوت :
- هيا ردوا عصابته وقيده ، خذوه ولا تؤذوه .
انطلق معهم إلى مكان أرحب ، سمحوا له بنزع الغمامة والقيد أوصدوا الباب وتركوه في غرفة بها مكتب وكرسي وحيد يجالسه الغبار ، شعر بشيء من حرية ، ودبيب من طمأنينة يسعى لروحه ، تمنى من الله أن يفك كربته قريبا .
يومان في حبسه ، وكسرات خبز وماء ، باب يفتح ، رجلان يقيدانه ويضعان العصابة :
- سر أمامنا .
- صاحب الصوت الأجش : ألم أقل لك ، لا نريد الإضرار بك ، خذوه .
- انطلقوا به للساحة ، في نفس السيارة ، داخل حقيبتها وضعوه ، بعد مسير ساعة ، ألقوه في الطريق ثم سابقوا الأرض ، دقائق التف الناس حوله ، أجلسوه في ظل دكانة ، وسقوه بعض ماء ، لما نزعوا عصابته ، كمولود جديد ماتعرف على ماحوله ، مدهوشا صار يكلمهم ، يقولون احمد الله ، كيف تركوك حيا ؟!
أركبوه سيارة توصله لمكانه ، كل الأحداث تتتابع في رأسه ، يشعر بالقهر ، يريد أن يصرخ ، تمنى أن يجد الجميع بخير ، طرق بابه ، سعاد تتشح سوادا ، تلقي بنفسها نائحة بين ذراعيه ، يتلمس سرها ، محمود قضى برصاصة واتته من الخلف ، وهو عائد لمنزله ليلا ، ركض للداخل ، في غرفته وحيدا يصرخ ملء روحه ، يطرق رأسه بالجدران ، يهذي بكل عذاباته وقهره .
أسبوع تأهب فيه وأسرته للمغادرة ، ماعاد له إلا حضن مصر ، يبدأ من البداية بعدما باعوا ما لديهم ليفتدوه حيا
تعليق