طعنات في السرير
النصّ الحائز على الوسام الذهبيّ لأدب القصّةللمبدعة : فاطمة يوسف عبد الرحيم
تمايلت في كرسيها الهزاز، ترنحها آلام الخوف من المجهول الذي سيهبّ عليها كريح عاتية تضرب استقرارها وأمنها ، نظراتها تتوه في مرآتها لتعكس بقايا وهج جمال أخّاذ في متوسط العمر، تسلبها ذكريات الأمكنة من واقعها المرير بعيدا عن هذا السرير الوثير البارد والفيللا التي أصبحت فندقا لإقامته، أحيانا تلتقي به صدفة في الأروقة بملامح عابرة، لم يعد لها حضور في قلبه ، حنينها يتوق إلى ذاك البيت الفقير والسرير المتصدع الذي اشتعل بهما حبا زمن ضيق ذات اليد، لقد ظمئت الأرض واتسعت الشقوق وأضحى الريق مالحا، ليته ظل فقيرا، وهل حقا عندما تمتلئ الجيوب يتسرّب الحب من القلوب!! كان غنيا بحبه ودفئه لكن الحاجة دفعته للسفر من أجل تحسين الوضع المادي ومن أجل مستقبل الأولاد، رحل بعيدا عنها وفارقته بمعاناة نفسية لا تحتمل، وحفظته في نفسها وعائلتها وتحقق المراد بالثراء، لكنّه رجع ظلا ثقيلا قد تلاشت من شدة قسوته ملامح الزوج الحبيب، كل ما حولها مسربل بهذا الغموض الآسر، وهجر سريرها بلؤم "لم أعد أطيقك" واكتناه سره حين علمت بوجود علاقة له مع سيدة سيئة السمعة ، ولمّا واجهته أكدّ تلك العلاقة وأنّ هذه المرأة تستهويه ويقضي معها ساعات ممتعة في شقته الخاصة بعيدا عن أعين الرقباء ومما زاد حنقها عليه لأنّها كثيرا ما وجدت أقراصا منشطة للرجولة في خزانته، وعندما يلتهب الحوار بينهما يلقي عبارته كطعنة في القلب"لا أرغبك،إن شئت الطلاق أنفّذ" يلفها الانطواء الكسير صاغرة صابرة تحت ستر البيت والأولاد، هجرت حديث الجارات الذي كان مهتما على ما يدور في غرف النوم تصريحا وقحا أو تلميحا وراء غمز وضحكات خفية، وكثيرا ما سخرن من التزامها أدب الحديث ،وعانت حرمانها مثقلة بخطوها وهمّ في داخلها تطفح آثاره على ملامحها وتقوقعت بخواء وحدتها مع أولادها.
رحلتها مع الذكريات أغزرت دمعها وأغبشت صورة المرآة التي تلح عليها في نزف الذكريات المرير، لماذا اشتعل بينهما كلّ هذا الحب وانطفأ هكذا دون مقدمات لم تدرك أسبابه ولم تستطع الوصول إلى منافي ذاته، لم تعد عاتبة عليه لأن الإحساس ذاته ّانتابها وغدت مشاعرها تجاه تتسرب بتلقائية وبهدوء وانٍ، لكن ليته طبع على جبينها قبلة وداع ولوّح لها أنّهما على مفترق طريق لا سبيل إلى لقاء بعده، وإن عاد سهوا وطرق الباب لن يجد له مكانا في قلبها، هكذا هي الأشياء الحلوة عمرها قصير كزهر الياسمين.
سيطر عليها خوف من غدٍ غامض وثوب يضيق على البطن المتكور وضرباتها الموجعة التي تسلطها عليه تريد الخلاص من بذرة الخطيئة ، سمعت حثيث خطواته تقترب من باب غرفتها، رمقته بوجل حين اقتحم مكانا هجره منذ سنين في حاجة له، وجمت لمرآه وأربكها دخوله المفاجئ وبحركة لا إرادية حاولت إخفاء البطن، لاحظ حركتها، قال بقسوة: ما تريدين إخفاءه؟ أشاحت نظراتها عنه وتصدر الصمت الشفاه،اقترب وحدّق في البطن المتكور تكومت على ذاتها لتخفيه، نظراته صاعقة خارقة نحوها أمسك معصمها بقوة وبيده الثانية نضّ عنها الثوب فبدا الجسد عاريا وتكور البطن ينبئ بخطيئة، باغتها بقول وحركة ارتعدت لهما:أأنت حامل؟؟ من الفاعل ؟ لم ألمسك منذ سنين، جثت عند قدميه راجية وهمست بصوت مرتجف وبعينين مخضلتين بالدمع: أرجوك استرني من أجل سمعة أولادنا، أصدر لهاثا محموما وتوالت الصفعات والسباب واللعنات وكلمات تشمئز الأذن لسماعها: أ لأني هجرتك استبحت عرضي !!
بكلمات مملوءة بالقهر والخوف: لقد تعرضت لحادث اغتصاب في سريرنا البارد هذا من عامل الصيانة الذي أحضرته منذ ثلاثة شهور لإصلاح المدفأة، وقتها طلبت منك أن تبقى معي في البيت خوفا من وقاحة نظراته، أجبتني ساخرا: لا استطيع لأني مشغول، وهل تعتقدين أنك قابلة للاشتهاء؟؟ لا تقلقي لن يشتهيك قطّ هرم. تابعت مرتجفة مخنوقة بدمعها: يومها لم يكن في البيت أحد، دخلت غرفتي بعد أن تركت له الأجر على الطاولة حتى لا أكون في خلوة مع رجل غريب، لحظات عصية على الحسبان، أصلح المدفأة ثمّ وقف بباب غرفتي، فوجئت بحضوره الشرس أحسست بهبة عاصفة من الربكة، انفلت مبتعدة لكن عاصفة نيرانه لفحتني، صرخت غاضبة: أجرك على الطاولة خذه وانصرف، ردّ بغواية: لكنّي أشتهيك،أغلق الباب بإحكام وانقض عليّ كموج هادر، ثارت الشياطين في نبرات صوتي من شدة الصراخ والريح تعوي في الخارج وأطبق عليّ بلهيب قبلاته وقاومت وقاومت ثمّ استسلمت بعطش السنين وكانت وقدة خطيئة اشتعلت بنا، تركني بروح ممزقة الأشلاء، انتحبت بصوت مخنوق واغتسلت لأزيل قذارة خطيئة لم أطلبها ولم أسع إليها، عددته حادثا عارضا، خفت الفضيحة وثورة غضبك فقررت الصمت، مرت الليلة وتناسيتها لكنّ بذرة الخطيئة التصقت في أحشائي ...وأقسم إني صادقة.
حدّق في ذهول شرس: كاذبة وساقطة لن أقتلك بل أنت طالق، سأفضحك على الملأ، قبّلت يديه ورجته أن يعينها على التخلص من الجنين سرا من أجل الأولاد، لكن جنونه ثار مع رنين صفعاته وإصراره على الفضيحة وعلا الصراخ ويداه تضيق الخناق على أنفاسها وهجمة شرسة فوق السرير وأضحى حب البقاء هو الهدف، تناولت المقص من درج في السرير وغرزته في القلب الحاقد بطعنات متتابعة ومع كل طعنة تصرخ: لم لم تحمني من عامل الصيانة حين استولى على جسدي؟ لم هجرتني !!؟ لم خنتني مع امرأة سيئة السمعة وفضلتها عليّ؟؟؟
أخذت ترقبه في لحظات النزاع الأخير ونزفه الدموي يغرق المكان ونظرات استرحام تدعوها لإنقاذه، وسؤال يضج في رأسها، لماذا لم تقتل الغريب حين تسلل إلى فراشها البارد، ولم قتلت زوجها حين أراد فضيحتها ودمار حياتيها المتهدمة من داخلها وسلبها الأولاد، سارت بخطوات مترنحة نحو الهاتف واتصلت بالشرطة للإبلاغ عن جريمة قتل للدفاع عن الوجود.
وأثناء التحقيق ألحت سيدة على مقابلتها وكانت المفاجأة، إذ استرد وعيها من مخزون وجدانها الغائم صورتها: لم أنت آتية لزيارتي!! هل جئت للشماتة وأنت سبب خراب بيتي لعلاقتك القذرة به؟ حدّقت بها وهي ذاوية في زاوية: جئت لأبرئ نفسي إن كنت قتلته بسببي، ما يربطني به صداقة بريئة من أوهام الزنا، لقد أكرمني ببعض المال والهدايا ،ثمّ نظرت إليها ورأت تكوّر بطنها فأطلقت ضحكات ساخرة مجلجلة مشيرة إليها : علمت الآن لم قتلته، لأنه اكتشف خيانتك له، أرادت أن تؤكد حقيقة واهية : زوجي والد الطفل الذي في بطني!!، ردت عليها بكلام يؤكد حقائق أكيدة: يستحيل أن يكون حملك هذا من زوجك لأنه اعترف لي وصارحني أنه فاقد لرجولته إثر حادث في غربته لذا هجرك وادّعى أن علاقة عشق تربطني به وإنه لا يرغبك خوفا على هيبته رجولته وسطوته أن تضيع أمامك، وغادرتها مذهولة لما حدث ،وأذهلها السر وأحسّت بغصة سدّت عليها منافذ التفكير وتمتمت لنفسها بحرقة: من يطفئ النار التي أضرمتها تلك المرأة في داخلي وتركتني لحريقها الموجع، لو صارحني بالحقيقة لاحتوانا السرير الضيق بالحب والسكينة، وازدانت حياتنا بهيبة الحب والاحترام.
وأخذ القضاء مجراه. .................................................. ...............................................
تعليق