افتح يا سمسم..
- أف …! ما هذه الرائحة المقرفة، كأنّ المكان يعج بالجيف !
تلفت يمنة نظر يسرة، مسح البهو الضيق بنظرات قلقة لم يلحظ شيئا غير عاد … الوجوه الصفراء الشاحبة ذاتـها، المكاتب الضيقة الوسخة والطاولات التي انتشرت فوقها الأوراق وأضابير الملفات المنسية ، الديكور المنتحل والمتناقـض مع تلك الكائنات التي تروح وتجيء في إطاره الجامد بتثاقل وتململ مقزز.
- عجبا إذا من أين تأتي هذه الرائحة المقرفة ؟
تطلع إلى السقف ، ارتدّ إليه لون رمادي باهت ؛ بث في نفسه رغبة شديدة في التقيؤ… أمعاءه الخاوية تأبى عليه ذلك، بحث عن مقعد يلقي عليه بجسده المنهك لم يعثر على مقعد واحد سليم ، كلها مضعضع أو مهترئ… فكر في قدميه المتورمتين ، تمتم:
- مرحبا بمزيـد من الوجع … فالحياة ذاتـها غدت ورما كبيرا يهدد بالانفجار بين الفينة والأخرى. تذكر و صية أستاذه الراحل:
" إياك يا بني والأماكن الموبوءة ، لا تـشغلن فيها مقعدا ، ولا تطأنّها بقدم رجل إلا لضرورة لا محيد لك عنها ".
… ساعتها لم يعلم ماذا يعني أستاذه الفقيه بالأماكن الموبوءة ، ترى هل تكون هذه ؟! و صرخ في أعماقه:
- مستحيل إنها مصارف صحية لحاجات المجتمع المعقدة ! وجاءه صوت صاد من ذات أعماقه:
إنها تماما مثل المصارف الصحية لحاجات المجتمع البيولوجية تقدم من أقرب مكتب إليه ، تبدّى له شبح شابّ منكوش الشعر يلوك قطعة علك بتمطق ، ويلوح من وجهه بريق مصطنع خاله من أثـر مرهم الياسمين أو بودرة بيضاء ، وقفت في ذهنـه علامات استفهام ضخمة بحجم نخلة الساقية الكبيرة التي تمرّ بدكان العم بشير الجزار؛ ذي الكرش المنتفخ ، مسح العلامة من ذهنه بحركة من رأسه أو كذلك خيّل إليه !
سأل الموظف في لباقة:
- سيدي من فضلك أريد أن … !
- قاطعه بنزق وهو ما يزال يداعب قطعة العلك بلسانه:
- آنسة من فضلك !
- أف … !
خرجت هذه المرة من كل ذرة في خلاياه استرجع في صدره ، بعد أن تراجع بضعة أشبار إلى الوراء ، ثم أبدى تأسفه في تلعثم وتدارك وهو يسوّي نظارته الطبية:
- معذرة آنستي … فنظري كما ترين … أقصد أنه كثيرا ما يخونني !
- لكنك ما تزال شابا في عنفوانك.
دغدغت عبارتها هذه إحساسا غريبا في نفسه كاد ينساق وراءه، لكنه أسرع وأنقذ نفسه من الورطة المحتملة:
- هل تعلمين آنستي أين أستطيع تسوية وضعية هذه الوثيقة ؟
وسحب ورقة مهلهلة من جيب سترته وبسطها قدامها على المكتب. أدركت ما يعانيه من تيبس داخلي ، انزلقت نظراتها عن وجهه لترمق الوثيقة بنظرة مقتضبة … تمطقت وهي تقول له مشيرة بيدها ذات الأصابع الطويلة المنتهية بأظافر اصطناعية تزيدها طولا:
- هناك في الاستعلامات… سيخبرونك !
ودسّت وجهها بين صفحات مجلة نسائية خليعة.
شكرها في امتنان ثم تراجع إلى الوراء وهو ما يزال يعيد تسوية نظارته فوق أرنبة أنفه ، واتجه نحو مكتب الاستعلامات ، أحسّ أن الرائحة المقرفة تزداد حدة ، وتتسحّب في زحف مميت إلى داخل قصباته الهوائية لم يصدّق بصره عندما جبهته اللافتة في شباك مكتب الاستعلامات بخط متعرج ومضطرب:
سأعــــود بعد5 دقائق وشــــــــكرا.
- أوفـ … ف !
كاد لهب أنفاسه هذه المرّة أن يحرق اللافتة السخيفة ، مرّ الوقت بطيئا جدا مثقلا بنكهة أنواع الدخينات المجلوبة من كل بقاع العالم والممتزجة بالرائحة المقرفة العجيبة !
نظر في ساعته فأنبأتـه بمرور أزيد من نصف ساعة، شك في الأمـر رغم نبض الألم الذي يمزق باطن قدميه ! أحب أن يتأكد من خلال ساعة البهو الحائطية، فألفى عقربيها متوحدين في عناق أبدي لا يتزحزحان عن موضعهما قيد أنملة .
وعلى حين غرة خرق طبلتي أذنيه صوت أجش كأنما ينبعث من بئر عميقة الغور !؟
ألتفت إليه بسرعة و قد قف شعر رأسه و جلده !
- أريد أن اسأل أين يمكنني أن أسوي وضعية هذه الوثيقة وأشار إليـه بها، أمـسك الموظف الوثيقة بتثاقل ثم وضعها على إضبارة منتـفخة أمامه، بينماأخذ يشعل دخينة " نسـيم " بتوتر وانفعال بين ، وبـدل أن يتفحص الوثيقـة أرسل دفقه من الدخان تبددت على زجاج الـشباك ثم أطلق العنان لتأوهات حرى اندفعت من صدره كالحمم و شرع يشكو حاله ووضعه المزري لمراجعه.
- اللعنة على هذا الزمن ، يرفع أناسا ويخفض آخرين في طرفة عين ! موظف ساذج لا يكاد يفقه من أمر الإدارة شيئا ، يرقى إلى مدير مصلحة بين عشية و ضحاها ، وقد كان بالأمس يتمرن على يدي وقد أرضعته أبجديات التعامل فلا يكاد يفقه أمرا إلا بالكاد … يرقى هكذا بضربة حظ، لا لشيء إلا لأنه ابن...
ثم أمسك عن الحديـث وراح يدعك الدخينة التي لم يحترق نصفها بعد في مرمدة نحاسية قذرة تتراقص بين أصابعه … وأضاف:
- هيه … كل هذا لا يهم الأدهى والأمر أن يتخطوني في الترقية ثلاث مرات على الـتوالي دون أدنى مبرر أو سبب وجيه … لا بأس " دوار يا زمن " !… قلت لي ماذا تريد؟!
- سألتك أين …
- حسن … حسن على كل أنا لا أعمل بالاستعلامات عادة ، فقد خلفت موظفا في عطلة مرضية ، يمكنك العودة بعد أسبوع.
- ألا يمكنك أن تلقي نـظرة على الوثيقة فلربما دللتني على بغــيتي وكفيتني شرّ الانتظار فالأمر مستعجل للغاية … أرجوك !
- حسن سأفعل … هل معك دخينة " نسيم " أو " إلهام " لا يهمّ..؟
وكور علبة دخانه الفارغة ورمى بها من كوة الشباك ! لتقع عند قدمي مراجعه !
- آسف فأنا لا أدخن.
- هنيئا لك فقد أرحت نفسك من " المرض " والقرف ! في الواقع كم من مرة أحاول فيها الإقلاع عن هذه العادة اللعينة ، ولكن مصائب الدنيا تمطر فوق رأسي من كل حدب وصوب ، فلا أجد ملاذا غير هذه الدخينات الحقيرة تخفف عني وطأة المعاناة !
ورمق الوثيقة بنظرة عجلى ثم قال له:
- إنها مهترئة ولا أكاد أفهم حرفا مما هو مكتوب عليها ، أقصد مصلحة الأرشيف وهناك تجد عمي" الخير" وهو خبير في مثل هذه الوثائق القديمة وما كاد يسحب الوثيقة من بين يديه حتى شعر كأنّ الرائحة المقرفة تصفعه على خديه بالتوالي ثم تتلبسه من رأسه إلى أخمص قـدميه ، وحثّ خطاه فارّا من هذه العفونة المهلكة ، وكلما ازداد إيغالا داخل البهو الضيق ، كلما تضاعف مقدار دفق الرائحة الكريهة الذي يتلقاه بكل حاسّة من جوارحه فيكاد يرى لها لونا داكنا ضاربا إلى السواد يسدّ عليه مسارب الحركة في الجهات الأربعة ...
حدثته نفسه بالعودة على أعقابه ، تذكر نصيحة أستاذه:
" إياك والأماكن الموبوءة ! " لكنّه قرّر أن يقوم بمحاولة أخيرة فلربما وجد رجلا شهما ييسر له طلبته !... انتصب أمام ناظريه باب موصد كأنّه مدخل مغارة تاريخية ، تذكر حكاية علي بابا واللصوص الأربعين.. أراد أن يصرخ من أعماقه:
" افتح يا سمسم " لكنه سخر من هذا الخاطر الجنوني .. نقر على الباب نقرات خفيفة وانتظر برهة .. وأعاد الطرق ثانية ولما لم يسمع شيئا حرك مقبض الباب حركة نصف دائرية.. ودفعه إلى الأمام في حذر شديد !
رسمت الموظفة على إحدى زوايا فمها نصف ابتسامة على شفة تتفجر حمرة ، وهي تقلم أظافرها وتنفخ فوق رؤوس أصابعها بين حين وآخر تملكته دهشة عارمة .. توترت بوصلة مشاعره وتأرجحت بين القرف والإثارة وتمتم وهو يمسح كامل جسدها بنظرات هلعة:
" يا إلهي ! إنّ ثلثي جسدها لا يستره شيء .. ازدرد ريقه في عناء وناضل بمرارة وهو يحاول تشكيل صيغة جديدة لسؤاله القديم:
- هذه الورقة يا آنسة.. أودّ تسوية وضعيتها !
- آسفة ! إننا نقوم بالجرد السنوي وأوقفنا كل عمل عداه ، يمكنك مراجعتنا بعد شهر ! وتراخت على كرسيها الوثير وهي تحاول تسوية خصلة من شعرها نفرت فوق جبينها البارز مثل رأس الدبور.
سألها ثانية ورائحة العفونة تلفّ رأسه بدوار فظيع:
- أين يمكنني أن أجد مكتب المدير يا آنسة ؟
أرسلت ضحكة داعرة سرعان ما أردفتها بتكشيرة من أسنانها الصدئة وأمطرته بوابل من الأسئلة الساخرة:
- ما شأنك بالمدير ! أو لم يقنعك كلامي ؟
وهل تظنّن بأنّ المدير متفرّغ لاستقبال أي أحد وفي أيّ وقت.. و.. ؟ غامت الدنيا في عينيه ، همّ بأن يصفعها أو يمسكها من شعرها المثقل بالأصباغ و يكنس بها الأرض القذرة ، لكنّه تمالك نفسه ثم انقلب على عقبيه وأخذ يعدو في البهو وهو يتمتم:
- الرائحة العفنة.. الرائحة العفنة تخنق أنفاسي ، اللعنة على الأماكن الموبوءة !
وما كاد يصل إلى الباب الخارجي حتى اعترض سبيله الحارس:
- إيه.. ! أين ؟ كيف دخلت المؤسسة دون شارة زيارة.. أو تحسب الأمر هملا ؟
أحس بمدى بشاعة القذارة التي تنضح من فيه ! لم يتمالك نفسه هذه المرة لملم قبضته وطوّح بها جسد الحارس المترهل أرضا.. نظر إليه باحتقار وهو يناضل من أجل الوقوف على قدميه ثانية.
تفل عليه بحقد مرير وصرخ:
الـوباء يسكنكم أيتها الحشرات القذرة.. " أتفووه " يا زبالة.
وخرج إلى الشارع الكبير واستنشق كمية هائلة من الهـواء وصرخ ملء شدقيه:
- افتح يا… سمسم...
- أف …! ما هذه الرائحة المقرفة، كأنّ المكان يعج بالجيف !
تلفت يمنة نظر يسرة، مسح البهو الضيق بنظرات قلقة لم يلحظ شيئا غير عاد … الوجوه الصفراء الشاحبة ذاتـها، المكاتب الضيقة الوسخة والطاولات التي انتشرت فوقها الأوراق وأضابير الملفات المنسية ، الديكور المنتحل والمتناقـض مع تلك الكائنات التي تروح وتجيء في إطاره الجامد بتثاقل وتململ مقزز.
- عجبا إذا من أين تأتي هذه الرائحة المقرفة ؟
تطلع إلى السقف ، ارتدّ إليه لون رمادي باهت ؛ بث في نفسه رغبة شديدة في التقيؤ… أمعاءه الخاوية تأبى عليه ذلك، بحث عن مقعد يلقي عليه بجسده المنهك لم يعثر على مقعد واحد سليم ، كلها مضعضع أو مهترئ… فكر في قدميه المتورمتين ، تمتم:
- مرحبا بمزيـد من الوجع … فالحياة ذاتـها غدت ورما كبيرا يهدد بالانفجار بين الفينة والأخرى. تذكر و صية أستاذه الراحل:
" إياك يا بني والأماكن الموبوءة ، لا تـشغلن فيها مقعدا ، ولا تطأنّها بقدم رجل إلا لضرورة لا محيد لك عنها ".
… ساعتها لم يعلم ماذا يعني أستاذه الفقيه بالأماكن الموبوءة ، ترى هل تكون هذه ؟! و صرخ في أعماقه:
- مستحيل إنها مصارف صحية لحاجات المجتمع المعقدة ! وجاءه صوت صاد من ذات أعماقه:
إنها تماما مثل المصارف الصحية لحاجات المجتمع البيولوجية تقدم من أقرب مكتب إليه ، تبدّى له شبح شابّ منكوش الشعر يلوك قطعة علك بتمطق ، ويلوح من وجهه بريق مصطنع خاله من أثـر مرهم الياسمين أو بودرة بيضاء ، وقفت في ذهنـه علامات استفهام ضخمة بحجم نخلة الساقية الكبيرة التي تمرّ بدكان العم بشير الجزار؛ ذي الكرش المنتفخ ، مسح العلامة من ذهنه بحركة من رأسه أو كذلك خيّل إليه !
سأل الموظف في لباقة:
- سيدي من فضلك أريد أن … !
- قاطعه بنزق وهو ما يزال يداعب قطعة العلك بلسانه:
- آنسة من فضلك !
- أف … !
خرجت هذه المرة من كل ذرة في خلاياه استرجع في صدره ، بعد أن تراجع بضعة أشبار إلى الوراء ، ثم أبدى تأسفه في تلعثم وتدارك وهو يسوّي نظارته الطبية:
- معذرة آنستي … فنظري كما ترين … أقصد أنه كثيرا ما يخونني !
- لكنك ما تزال شابا في عنفوانك.
دغدغت عبارتها هذه إحساسا غريبا في نفسه كاد ينساق وراءه، لكنه أسرع وأنقذ نفسه من الورطة المحتملة:
- هل تعلمين آنستي أين أستطيع تسوية وضعية هذه الوثيقة ؟
وسحب ورقة مهلهلة من جيب سترته وبسطها قدامها على المكتب. أدركت ما يعانيه من تيبس داخلي ، انزلقت نظراتها عن وجهه لترمق الوثيقة بنظرة مقتضبة … تمطقت وهي تقول له مشيرة بيدها ذات الأصابع الطويلة المنتهية بأظافر اصطناعية تزيدها طولا:
- هناك في الاستعلامات… سيخبرونك !
ودسّت وجهها بين صفحات مجلة نسائية خليعة.
شكرها في امتنان ثم تراجع إلى الوراء وهو ما يزال يعيد تسوية نظارته فوق أرنبة أنفه ، واتجه نحو مكتب الاستعلامات ، أحسّ أن الرائحة المقرفة تزداد حدة ، وتتسحّب في زحف مميت إلى داخل قصباته الهوائية لم يصدّق بصره عندما جبهته اللافتة في شباك مكتب الاستعلامات بخط متعرج ومضطرب:
سأعــــود بعد5 دقائق وشــــــــكرا.
- أوفـ … ف !
كاد لهب أنفاسه هذه المرّة أن يحرق اللافتة السخيفة ، مرّ الوقت بطيئا جدا مثقلا بنكهة أنواع الدخينات المجلوبة من كل بقاع العالم والممتزجة بالرائحة المقرفة العجيبة !
نظر في ساعته فأنبأتـه بمرور أزيد من نصف ساعة، شك في الأمـر رغم نبض الألم الذي يمزق باطن قدميه ! أحب أن يتأكد من خلال ساعة البهو الحائطية، فألفى عقربيها متوحدين في عناق أبدي لا يتزحزحان عن موضعهما قيد أنملة .
وعلى حين غرة خرق طبلتي أذنيه صوت أجش كأنما ينبعث من بئر عميقة الغور !؟
ألتفت إليه بسرعة و قد قف شعر رأسه و جلده !
- أريد أن اسأل أين يمكنني أن أسوي وضعية هذه الوثيقة وأشار إليـه بها، أمـسك الموظف الوثيقة بتثاقل ثم وضعها على إضبارة منتـفخة أمامه، بينماأخذ يشعل دخينة " نسـيم " بتوتر وانفعال بين ، وبـدل أن يتفحص الوثيقـة أرسل دفقه من الدخان تبددت على زجاج الـشباك ثم أطلق العنان لتأوهات حرى اندفعت من صدره كالحمم و شرع يشكو حاله ووضعه المزري لمراجعه.
- اللعنة على هذا الزمن ، يرفع أناسا ويخفض آخرين في طرفة عين ! موظف ساذج لا يكاد يفقه من أمر الإدارة شيئا ، يرقى إلى مدير مصلحة بين عشية و ضحاها ، وقد كان بالأمس يتمرن على يدي وقد أرضعته أبجديات التعامل فلا يكاد يفقه أمرا إلا بالكاد … يرقى هكذا بضربة حظ، لا لشيء إلا لأنه ابن...
ثم أمسك عن الحديـث وراح يدعك الدخينة التي لم يحترق نصفها بعد في مرمدة نحاسية قذرة تتراقص بين أصابعه … وأضاف:
- هيه … كل هذا لا يهم الأدهى والأمر أن يتخطوني في الترقية ثلاث مرات على الـتوالي دون أدنى مبرر أو سبب وجيه … لا بأس " دوار يا زمن " !… قلت لي ماذا تريد؟!
- سألتك أين …
- حسن … حسن على كل أنا لا أعمل بالاستعلامات عادة ، فقد خلفت موظفا في عطلة مرضية ، يمكنك العودة بعد أسبوع.
- ألا يمكنك أن تلقي نـظرة على الوثيقة فلربما دللتني على بغــيتي وكفيتني شرّ الانتظار فالأمر مستعجل للغاية … أرجوك !
- حسن سأفعل … هل معك دخينة " نسيم " أو " إلهام " لا يهمّ..؟
وكور علبة دخانه الفارغة ورمى بها من كوة الشباك ! لتقع عند قدمي مراجعه !
- آسف فأنا لا أدخن.
- هنيئا لك فقد أرحت نفسك من " المرض " والقرف ! في الواقع كم من مرة أحاول فيها الإقلاع عن هذه العادة اللعينة ، ولكن مصائب الدنيا تمطر فوق رأسي من كل حدب وصوب ، فلا أجد ملاذا غير هذه الدخينات الحقيرة تخفف عني وطأة المعاناة !
ورمق الوثيقة بنظرة عجلى ثم قال له:
- إنها مهترئة ولا أكاد أفهم حرفا مما هو مكتوب عليها ، أقصد مصلحة الأرشيف وهناك تجد عمي" الخير" وهو خبير في مثل هذه الوثائق القديمة وما كاد يسحب الوثيقة من بين يديه حتى شعر كأنّ الرائحة المقرفة تصفعه على خديه بالتوالي ثم تتلبسه من رأسه إلى أخمص قـدميه ، وحثّ خطاه فارّا من هذه العفونة المهلكة ، وكلما ازداد إيغالا داخل البهو الضيق ، كلما تضاعف مقدار دفق الرائحة الكريهة الذي يتلقاه بكل حاسّة من جوارحه فيكاد يرى لها لونا داكنا ضاربا إلى السواد يسدّ عليه مسارب الحركة في الجهات الأربعة ...
حدثته نفسه بالعودة على أعقابه ، تذكر نصيحة أستاذه:
" إياك والأماكن الموبوءة ! " لكنّه قرّر أن يقوم بمحاولة أخيرة فلربما وجد رجلا شهما ييسر له طلبته !... انتصب أمام ناظريه باب موصد كأنّه مدخل مغارة تاريخية ، تذكر حكاية علي بابا واللصوص الأربعين.. أراد أن يصرخ من أعماقه:
" افتح يا سمسم " لكنه سخر من هذا الخاطر الجنوني .. نقر على الباب نقرات خفيفة وانتظر برهة .. وأعاد الطرق ثانية ولما لم يسمع شيئا حرك مقبض الباب حركة نصف دائرية.. ودفعه إلى الأمام في حذر شديد !
رسمت الموظفة على إحدى زوايا فمها نصف ابتسامة على شفة تتفجر حمرة ، وهي تقلم أظافرها وتنفخ فوق رؤوس أصابعها بين حين وآخر تملكته دهشة عارمة .. توترت بوصلة مشاعره وتأرجحت بين القرف والإثارة وتمتم وهو يمسح كامل جسدها بنظرات هلعة:
" يا إلهي ! إنّ ثلثي جسدها لا يستره شيء .. ازدرد ريقه في عناء وناضل بمرارة وهو يحاول تشكيل صيغة جديدة لسؤاله القديم:
- هذه الورقة يا آنسة.. أودّ تسوية وضعيتها !
- آسفة ! إننا نقوم بالجرد السنوي وأوقفنا كل عمل عداه ، يمكنك مراجعتنا بعد شهر ! وتراخت على كرسيها الوثير وهي تحاول تسوية خصلة من شعرها نفرت فوق جبينها البارز مثل رأس الدبور.
سألها ثانية ورائحة العفونة تلفّ رأسه بدوار فظيع:
- أين يمكنني أن أجد مكتب المدير يا آنسة ؟
أرسلت ضحكة داعرة سرعان ما أردفتها بتكشيرة من أسنانها الصدئة وأمطرته بوابل من الأسئلة الساخرة:
- ما شأنك بالمدير ! أو لم يقنعك كلامي ؟
وهل تظنّن بأنّ المدير متفرّغ لاستقبال أي أحد وفي أيّ وقت.. و.. ؟ غامت الدنيا في عينيه ، همّ بأن يصفعها أو يمسكها من شعرها المثقل بالأصباغ و يكنس بها الأرض القذرة ، لكنّه تمالك نفسه ثم انقلب على عقبيه وأخذ يعدو في البهو وهو يتمتم:
- الرائحة العفنة.. الرائحة العفنة تخنق أنفاسي ، اللعنة على الأماكن الموبوءة !
وما كاد يصل إلى الباب الخارجي حتى اعترض سبيله الحارس:
- إيه.. ! أين ؟ كيف دخلت المؤسسة دون شارة زيارة.. أو تحسب الأمر هملا ؟
أحس بمدى بشاعة القذارة التي تنضح من فيه ! لم يتمالك نفسه هذه المرة لملم قبضته وطوّح بها جسد الحارس المترهل أرضا.. نظر إليه باحتقار وهو يناضل من أجل الوقوف على قدميه ثانية.
تفل عليه بحقد مرير وصرخ:
الـوباء يسكنكم أيتها الحشرات القذرة.. " أتفووه " يا زبالة.
وخرج إلى الشارع الكبير واستنشق كمية هائلة من الهـواء وصرخ ملء شدقيه:
- افتح يا… سمسم...
تعليق