كنت واثقاُ أني رأيت تلك المرأة من قبل, عيناها الشاردتين وجهها المتعب
مشيتها المضطربة وشاحها الأسود, وحدها تلك الطفلة الصغيرة و دميتها
الشقراء , من أحدث الفارق في ذلك المشهد العابر , الذي تكرر بعد رحلةٍ
من قطار الزمان , قد اجتهدت الذاكرة حتى استطاعت الرجوع إلى محطته
السابقة , إلى ذلك الخريف الحزين بأوراقه المتساقطة الهرمة , إلى ذلك
الصباح البارد بهباته اللاسعة , يوم أن كنت جالساً على شرفة منزلي
المطلة على الحديقة العامة , أطالع الجريدة واحتسي فنجان قهوتي
كعادتي كل صباح , و إذا بي ألمح امرأة في العقد الثالث من عمرها
جميلة الوجه , ممشوقة القوام , أنيقة المظهر , وقد جلست على أحد المقاعد
لبرهة قصيرة , ثم أخرجت من حقيبتها ورقة صغيرة , وسارعت إلى
مغادرة المكان .
في البداية وللوهلة الأولى , اعتقدت أنها ورقة مالية
ولقرب منزلي من الحديقة , لم أجد مشقة في مغادرة المنزل , و دخول
الحديقة من أجل إعادة النقود لها , وما أن التقطها حتى تبين لي بأنها
لم تكن ورقة مالية كما ظننت , بل رسالة صغيرة مطوية وقد كتب عليها
( أمي الحبيبة , والدي الطيب أخوتي صديقاتي , سامحوني , فإني ذاهبة إلى
السماء بملء إرادتي ) وبسرعة البرق , ركضت بالاتجاه الذي ذهبت منه
, تلفت من حولي بحثاُ عنها , و بشق الأنفس استطعت رؤيتها وهي تشير
بيدها لسيارة أجرة , فصرخت بكل ما أوتيت من قوة : أنتظري
التفتت إلي برهبة , ثم قمت بصرف سيارة الأجرة , بعد أن أعتذرت منه
شاكراً و قلت لها : سيدتي الفاضلة هل تعنين حقاً ما كتبت في هذه
الورقة , أرسلت نظرات سريعة مُرتبكة , بين الورقة ووجهي , و فاضت عيناها من الدمع .
يتبع إن شاء الله
هذا وما الفضل إلا من الرحمن
بقلم............ياسر ميمو
تعليق